![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
اعتراضاتٌ على عَقيدَةِ الثَّالوثِ الأَقدَس ظَهَرَت مُنذُ القُرونِ الأُولى لِلكنيسَةِ حَرَكاتٌ وَبِدَعٌ رَفَضَت عَقيدَةَ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ أَو أَساءَت فَهمَها، وَحاوَلَت تَفسيرَ العَلاقَةِ بَينَ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ بِطُرُقٍ تُخالِفُ إِيمانَ الكنيسَةِ الرَّسوليِّ. وَفيما يَلي أَبرَزُ هٰذِهِ الحَرَكاتِ: 1) الآريوسيَّة (Arianism) ظَهَرَت حَوالَي سَنَة 315م عَلَى يَدِ الكاهِنِ آريوس مِنَ الإِسكندريَّةِ. كانَ آريوس يُعَلِّمُ أَنَّ الابنَ كائِنٌ إِلٰهيٌّ سامٍ لكنه لَيسَ أَزَلِيًّا كَالآبِ، بل َنَّهُ مَخلوقٌ مِنَ العَدَمِ بِإِرادَةِ الآبِ، أَي أَنَّهُ أَقلُّ مِنَ الآبِ في الجَوهرِ وَالمَجدِ. وَكانَ يَقولُ: "كانَ وَقتٌ لَم يَكُنِ الابنُ فيهِ مَوجودًا". رَفَضَتِ الكنيسَةُ هٰذِهِ البِدعَةَ في مَجمَعِ نيقيةَ الأَوَّلِ سَنَة 325م، وَأَعلَنَت أَنَّ الابنَ "مَولودٌ غَيرُ مَخلوقٍ، مُساوٍ لِلآبِ في الجَوهرِ" (ὁμοούσιος). وَقَد رَدَّ القِدِّيسُ أثناسيوس الرسولي عَلَى هٰذِهِ البِدعَةِ بِقُوَّةٍ، مُؤَكِّدًا أَنَّهُ "إِذا كانَ الاِبنُ مَخلوقًا، فَهُوَ لا يَستَطيعُ أَنْ يُخَلِّصَ المَخلوقَ، "إِن كانَ الابنُ لَيسَ إِلٰهًا حَقًّا، فَلا يَستَطيعُ أَنْ يُخَلِّصَ الإِنسانَ" PG 26: 13)). 2) المَقدونيَّة (Macedonianism) ظَهَرَت في القَرنِ الرّابِعِ عَلَى يَدِ مَقدونيوس، بَطريركِ القُسطنطينيَّةِ. آمَنَ أَتباعُها بِأُلوهِيَّةِ الآبِ وَالابنِ، لٰكِنَّهُم أَنكروا أُلوهِيَّةَ الرُّوحِ القُدُسِ، Pneumatomachians وَاعتَبَروهُ مَخلوقًا أَو قُوَّةً إِلٰهيَّةً لا أُقنومًا إِلٰهيًّا. أَدَانَ مَجمَعُ القُسطنطينيَّةِ الأَوَّلُ سَنَة 381م هٰذِهِ البِدعَةَ، وَأَعلَنَ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ "الرَّبُّ المُحيي، المُنبَثِقُ مِنَ الآبِ، الَّذي مَعَ الآبِ وَالابنِ يُسجَدُ لَهُ وَيُمَجَّدُ". 3) السابيليَّة (Sabellianism) ظَهَرَت في القَرنِ الثّالِثِ عَلَى يَدِ سابيليوس. لَم تُنكِرِ السابيليَّةُ وَحدانِيَّةَ اللهِ، لٰكِنَّها أَنكَرَت تَمايُزَ الأَقانيمِ. َاعتَبَرَت أَنَّ الآبَ وَالابنَ وَالرُّوحَ القُدُسَ لَيسوا أَقانيمَ حَقيقيَّةً، بَلْ "أَدوارًا" أَو "«تَجَلِّياتٍ" مُختَلِفَةً لِلإِلٰهِ الواحِدِ. رَفَضَتِ الكنيسَةُ هٰذا التَّعليمَ لأَنَّهُ يُلغِي العَلاقَةَ الحَقيقيَّةَ بَينَ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ الَّتي أَعلَنَها الإِنجيلُ. 4) التَّوحيديُّون (Unitarianism) ظَهَرَتِ الحَرَكَةُ التَّوحيديَّةُ في أُوروبّا خِلالَ القَرنِ السّادِسَ عَشَرَ، خُصوصًا في بولندا وَترانسلفانيا، مُتَأَثِّرَةً بِأَفكارِ ميخائيل سرفيتوس وَفاوستوس سوسينوس. تَرفُضُ هٰذِهِ الحَرَكَةُ عَقيدَةَ الثَّالوثِ وَتُؤمِنُ بِإِلٰهٍ واحِدٍ بِمَعنى فَرديٍّ مُطلَقٍ. وَتَعتَبِرُ يَسوعَ مُعلِّمًا أَو نَبِيًّا عَظيمًا، لا الابنَ الأَزَلِيَّ المُساوي لِلآبِ. 5) حركة الكويكرز Quakers بدأت حركة الكويكرز Quakers أو " جمعية الأصدقاء الدينية في إنكلترا على يد مؤسسها جورج فوكس George Fox حوالي سنة 1646-1652 غَيرِها مِن الحَرَكاتِ الَّتي رَفَضَتِ البُعدَ الثُّلاثيَّ لِلإِيمانِ المَسيحيِّ، وَاِكتَفَت بِالإِيمانِ بِاللهِ كَوَحدانيَّةٍ مُطلَقَةٍ دُونَ تَمايُزِ الأَقانيمِ. 6) المورمون المورمون او كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة تَأَسَّسَت عَلَى يَدِ جوزيف سميث سَنَة 1830م في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ. تُؤمِنُ بِوُجودِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، لٰكِنَّها لا تُؤمِنُ بِوَحدَةِ الجَوهرِ بَينَهُم، بَلْ تَعتَبِرُهُم ثَلاثَةَ كائِناتٍ إِلٰهيَّةٍ مُنفَصِلَةٍ. 7) شُهودُ يَهوه (Jehovah’s Witnesses) تَأَسَّسَت هٰذِهِ الجَماعَةُ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَمريكيَّةِ عَلَى يَدِ تشارلز رَسِل في أَواخِرِ القَرنِ التّاسِعَ عَشَرَ، وَتَنَظَّمَت بِشَكلِها الحاضِرِ حَوالَي سَنَة 1931م. تَرفُضُ عَقيدَةَ الثَّالوثِ وَتُعَلِّمُ أَنَّ يَسوعَ لَيسَ اللهَ، بَلْ أَسمى مَخلوقٍ خَلَقَهُ اللهُ، وَأَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لَيسَ أُقنومًا، بَلْ "قُوَّةٌ فاعِلَةٌ"مِن عِندِ اللهِ. 8) بعضُ الحَرَكاتِ المُعاصِرَة ظَهَرَت في العَصرِ الحَديثِ جَماعَاتٌ أُخرى تَرفُضُ الثَّالوثَ، مِثلَ: جَماعَةِ "وَحدانيَّةِ الخَمسينيّين" (Oneness Pentecostals)، الَّذينَ يَعتَقِدونَ أَنَّ اللهَ شَخصٌ واحِدٌ يَظهَرُ بِأَشكالٍ مُختَلِفَةٍ. وبَعضِ الجَماعَاتِ العَقلانيَّةِ وَاللّيبِراليَّةِ الَّتي تَعتَبِرُ الثَّالوثَ تَعبيرًا رَمزيًّا لا حَقيقَةً إِلٰهيَّةً. وَهُناكَ أَيضًا اِعتراضاتٌ خارِجَ الإِطارِ المَسيحيِّ، خُصوصًا مِن بَعضِ المُفَكِّرينَ اليَهودِ وَالمُسلِمينَ، تَعتَبِرُ أَنَّ عَقيدَةَ الثَّالوثِ تُناقِضُ وَحدانيَّةَ اللهِ. غَيرَ أَنَّ الكَنيسَةَ تُؤَكِّدُ بِوُضوحٍ أَنَّ الإِيمانَ بِالثَّالوثِ لا يَعني الإِيمانَ بِثَلاثَةِ آلِهَةٍ، بَلْ بِإِلٰهٍ واحِدٍ في ثَلاثَةِ أَقانيمَ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يوحنا الدمشقي: "لا نَقولُ بِثَلاثَةِ آلِهَةٍ، بَلْ بِإِلٰهٍ واحِدٍ مَعروفٍ في الآبِ وَالاِبنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ" PG 94: 800)). وَمِن هُنا، فَعَقيدَةُ الثَّالوثِ لَيْسَت تَعدُّدًا في الأُلوهيَّةِ، بَلْ إِعلانُ اللهِ عَن ذاتِهِ كَشَرِكَةِ مَحبَّةٍ أَزليَّةٍ. فَاللهُ واحِدٌ في جَوهَرِهِ، ثُلاثيٌّ في أَقانيمِهِ، وَهٰذا السِّرُّ يَفوقُ العَقلَ البَشَريَّ، لٰكِنَّهُ لا يُناقِضُهُ، لأَنَّهُ سِرُّ اللهِ الحَيِّ الَّذي أَعلَنَهُ يَسوعُ المَسيحُ لِخَلاصِ العالَمِ. مَوقِفُ الكنيسَةِ وَتَستَنِدُ الطَّوائِفُ اللاثالوثيَّةُ إِلى بَعضِ النُّصوصِ الكِتابيَّةِ لِنَفيِ أُلوهيَّةِ المَسيحِ، مِثلَ: صَلاةِ يَسوعَ إِلى الآبِ؛ وَقَولِهِ إِنَّهُ لا يَعلَمُ ساعَةَ المَجيءِ الثّاني (مر 13: 32)؛ وَقَولِ بولُسَ الرَّسولِ: "وَمَتى أُخضِعَ لَهُ كُلُّ شَيء، فَعِندَئِذٍ يَخضَعُ الاِبنُ نَفسُهُ أَيضًا لِلَّذي أَخضَعَ لَهُ كُلَّ شَيء" (1 قور 15: 28). لٰكِنَّ التَّفسيرَ الكاثوليكيَّ وَالآبائيَّ يَرَى أَنَّ هٰذِهِ النُّصوصَ لا تَنفي أُلوهيَّةَ الاِبنِ، بَلْ تُظهِرُ تَواضُعَهُ التَّجَسُّديَّ وَدَورَهُ الخَلاصيَّ كَاِبنِ الإِنسانِ. فَيَسوعُ، بِحَسَبِ طَبيعَتِهِ البَشَريَّةِ، أَطاعَ الآبَ وَخَضَعَ لَهُ مِن أَجلِ إِتمامِ الفِداءِ، دُونَ أَنْ يَعني ذٰلِكَ نُقصانًا في أُلوهيَّتِهِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ كيرلس الإسكندري: "الاِبنُ خَضَعَ بِالجَسَدِ لا بِالجَوهَرِ، لأَنَّهُ مُساوٍ لِلآبِ في الأُلوهيَّةِ" PG 75: 585)). وَكَذٰلِكَ فَإِنَّ خُضوعَ الرُّوحِ القُدُسِ في إِرساليَّتِهِ لا يَعني أَنَّهُ أَدنى مِنَ الآبِ وَالاِبنِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى نِظامِ العَلاقاتِ وَالإِرساليّاتِ داخِلَ الثَّالوثِ الأَقدَسِ. فَالكَنيسَةُ تُمَيِّزُ بَينَ المُساواةِ في الجَوهَرِ وَالتَّمايُزِ في الأَدوارِ الخَلاصيَّةِ. أَكَّدَتِ الكنيسَةُ مُنذُ العَصرِ الرَّسوليِّ أَنَّ الثَّالوثَ الأَقْدَسَ هُوَ سِرُّ الإِيمانِ المَركَزيُّ، وَأَنَّ اللهَ واحِدٌ في الجَوهرِ، مُثَلَّثٌ في الأَقانيمِ: الآبُ وَالابنُ وَالرُّوحُ القُدُسُ. وَيَقولُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس: "إِذا رَأَيتَ المَحبَّةَ، فَقَد رَأَيتَ الثَّالوثَ" PL 42: 949)). وَيُعلِّمُ القِدِّيسُ غريغوريوس النيزينزي: "لا أَستَطيعُ أَنْ أُفَكِّرَ في الواحِدِ إِلّا وَيُشرِقُ عَلَيَّ الثَّالوثُ، وَلا أَستَطيعُ أَنْ أُمَيِّزَ الثَّالوثَ إِلّا وَأَعودُ إِلى الواحِدِ" (PG 36: 417). لِذٰلِكَ تَبقى عَقيدَةُ الثَّالوثِ الأَقْدَسِ أَساسَ الإِيمانِ المَسيحيِّ، وَمِفتاحَ فَهمِ مَحبَّةِ اللهِ وَعَمَلِهِ الخَلاصيِّ في التّاريخِ. |
|