"قالَ هٰذا وَنَفَخَ فيهِم وَقالَ لَهُم: خُذُوا الرُّوحَ القُدُس".
"مَن غَفَرتُم لَهُم خَطاياهم تُغفَرُ لَهُم،
وَمَن أَمسَكتُم عَلَيهِم الغُفرانَ يُمسَكُ عَلَيهِم".
أَمَّا عِبارَةُ "مَن غَفَرتُم لَهُم خَطاياهُم تُغفَرُ لَهُم" فَيَرِدُ فيها الفِعلُ اليُونانيُّ ἀφῆτε، وَهُوَ مِنَ الفِعل ἀφίημι الَّذي يَعني: غَفَرَ، أَطلَقَ، حَرَّرَ، تَرَكَ الدَّينَ، فَكَّ القُيودَ، سَامَحَ. وَلا يَحمِلُ المَعنى هُنا مُجرَّدَ العَفوِ القَضائيِّ، بَلْ يُشيرُ إِلى فِعلِ تَحريرٍ وَإِطلاقٍ مِن عُبودِيَّةِ الخَطيئَةِ. فَالمَغفِرَةُ في اللّاهوتِ اليوحنّيِّ لَيْسَت إِعلانًا قانُونِيًّا بِإِسقاطِ الذَّنبِ فَحَسب، بَلْ هِيَ إِعادَةُ خَلقِ الإِنسانِ وَإِدخالُهُ في حَياةٍ جَديدَةٍ مِنَ الحُرِّيَّةِ وَالشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ. وَهٰذا يَرتَبِطُ بِسِياقِ النَّصِّ نَفسِهِ، فَبَعدَ أَنْ نَفَخَ المَسيحُ القائِمُ في تَلاميذِهِ الرُّوحَ القُدُسَ، مَنَحَهُم سُلطانَ المُصالَحَةِ. فَكَما أَنَّ نَفخَةَ اللهِ في آدَمَ أَوجَدَتِ الخَليقَةَ الأُولى، هٰكَذا تُعيدُ نِعمَةُ المَغفِرَةِ خَلقَ الإِنسانِ السّاقِطِ. إِنَّ المَسيحَ القائِمَ، بَعدَ أَنْ أَتمَّ عَمَلَ الفِداءِ، أَشرَكَ رُسُلَهُ في خِدمَةِ المُصالَحَةِ، فَجَعَلَهُم أَدَواتٍ لِنَقلِ رَحمَةِ اللهِ إِلى العالَمِ. فَالرَّبُّ لا يَحتَفِظُ بِعَمَلِ المُصالَحَةِ لِنَفسِهِ وَحدَهُ، بَلْ يُودِعُهُ في كَنيسَتِهِ، كَما يَقولُ بولُسُ الرَّسولُ: "وَأَعْطانا خِدمَةَ المُصالَحَة" (2 قور 5: 18). فَالكَنيسَةُ لَيْسَت جَماعَةَ مُشاهِدينَ لِعَمَلِ الخَلاصِ، بَلْ جَماعَةً تَحمِلُ وَتُمارِسُ سِرَّ الرَّحمَةِ الإِلٰهيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنا الذهبي الفم بِدَهشَةٍ عَلَى هٰذا السُّلطانِ قائلًا: "إِنَّ الَّذينَ يَسكُنونَ الأَرضَ أُعطُوا سُلطانًا يَخصُّ الأُمورَ السَّماويَّةَ؛ فَلَم يُعطَ لِلمَلائِكَةِ وَلا لِرُؤَساءِ المَلائِكَةِ ما أُعطِيَ لِلكَهَنَةِ" (pg 48: 643). وَيُريدُ الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنْ يُظهِرَ عَظَمَةَ سِرِّ المُصالَحَةِ الَّذي يَمتَدُّ أَثَرُهُ مِنَ الأَرضِ إِلى السَّماءِ. وَيُشيرُ البابا فرنسيس إِلى البُعدِ الرُّوحيِّ لِهٰذِهِ العَطيَّةِ قائِلًا: "لَيْسَت مُغفِرَةُ خَطايانا أَمرًا نُعطيهِ لِأَنفُسِنا، بَلْ هِيَ عَطيَّةُ الرُّوحِ القُدُسِ المُتَدَفِّقَةُ مِن قَلبِ المَسيحِ المَصلوبِ وَالقائِمِ". وَبِذٰلِكَ يَظهَرُ أَنَّ الغُفرانَ لَيْسَ عَمَلًا إِنسانِيًّا مَحضًا، بَلْ فِعلُ نِعمَةٍ وَخَلاصٍ.