«وَٱلْمَرْأَةُ هَرَبَتْ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ حَيْثُ لَـهَا مَوْضِعٌ مُعَدٌّ مِنَ ٱللهِ لِكَيْ يَعُولُوهَا هُنَاكَ أَلْفاً وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْماً».
ٱلْمَرْأَةُ هَرَبَتْ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ اقتصرت الرؤيا هنا على ذكر هرب المرأة وتفصيل نبإها في الآية الرابعة عشرة. والمعنى هنا أنها نجت من مضطهدها. والمراد «بالبرية» المكان الذي يعولها الله فيه وحيث ليس لها من وسائل بشرية إلى ما به قوامها. وهذا يذكرنا هرب إيليا إلى البرية من أمام إيزابل (١ملوك ١٧: ٦ و١٩: ٥) وتجربة المسيح أربعين يوماً في البرية. ولعل في العبارة إشارة إلى هرب إسرائيل من فرعون وتيهه أربعين سنة في البرية يأكل المن الذي من السماء ويشرب الماء الذي من الصخرة (١كورنثوس ١٠: ٣ و٤). ولعل في هربان الكنيسة إلى البرية إشارة إلى مهرب أم المسيح حقيقة إلى مصر من وجه هيرودس. وفحوى هذه الرؤيا إن الكنيسة تكون في البرية كل أيام تأدية شهادتها للمسيح حتى تبلغ كنعان السماوية وإن المسيحيين ليسوا سوى غرباء ونزلاء (عبرانيين ١١: ١٣).
لِكَيْ يَعُولُوهَا هُنَاكَ كما عال الغربان إيليا عند نهر كريت (١ملوك ١٧: ٦) والملائكة على طريق حوريب (١ملوك ١٩: ١٥). وهذا على وفق عمل الله لإسرائيل في البرية كما يتبين من قوله «أَطْعَمَكَ ٱلْمَنَّ ٱلَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ وَلاَ عَرَفَهُ آبَاؤُكَ، لِيُعَلِّمَكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا ٱلإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ ٱلرَّبِّ يَحْيَا ٱلإِنْسَانُ. ثِيَابُكَ لَمْ تَبْلَ عَلَيْكَ، وَرِجْلُكَ لَمْ تَتَوَرَّمْ هٰذِهِ ٱلأَرْبَعِينَ سَنَةً» (تثنية ٨: ٣ و٤ انظر إرميا ٣١: ١ و٢ وحزقيال ٢٠: ٣٥ وهوشع ٢: ١٤).
أَلْفاً وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْماً هذه مدة نبوءة الشاهدَين وهما لابسان مسوحاً (ص ١١: ٣) ومدة درس الأمم دار الهيكل. وهي اثنان وأربعون شهراً (ص ١١: ٢) ومدة إعالة المرأة في البرية وهي «زمان وزمانين ونصف زمان» (ع ١٤) وهي مدة غلبة العالم ظاهراً للكنيسة. وذلك يفيدنا إن وقت الاضطهاد محدود. وتكون الكنيسة في تلك المدة محفوظة وإن كانت مضطهدة وهي في شديد الخطر. وجل الغاية من هذه الآية بيان المحاربة بين ملكوت النور الذي المسيح رئيسه ومملكة الظلمة التي الشيطان رئيسها وبقاء الكنيسة في البرية تمهيد لذكر المحاربة الآتية.