قِصَّةٌ وَعِبْرَةٌ مُستَوْحاةٌ مِن نَصِّ وَعْدِ المَسِيحِ بِالرُّوحِ القُدُسِ (يوحنّا 14: 15-21)
كانَ هُناكَ شابٌّ يَعيشُ في قَريةٍ صَغيرة، يُحِبُّ والِدَهُ جِدًّا، لأَنَّهُ كانَ رَجُلًا حَكيمًا وَمُحِبًّا. وَكانَ الأَبُ يَأخُذُ ابنَهُ مَعَهُ كُلَّ يَومٍ إِلى الحَقل، وَيُعَلِّمُهُ كَيفَ يَزرَعُ وَيَعتَني بِالأَرض، وَكَيفَ يُعامِلُ النّاسَ بِالمَحبَّةِ وَالصِّدق. وذاتَ يَومٍ، مَرِضَ الأَبُ وَشَعَرَ أَنَّ وَقتَ رَحيلِهِ قَدِ اقتَرَب. فَنادى ابنَهُ وَقالَ لَهُ: "يا بُنَيّ، قَد لا تَرانِي بَعدَ اليَوم، لٰكِنِّي لَنْ أَترُكَكَ وَحيدًا. إِذا حَفِظتَ كَلامي وَعِشتَ بِالمَحبَّة، فَسَتَجِدُني مَعَكَ في كُلِّ خُطوَة".
حَزِنَ الشّابُّ جِدًّا بَعدَ رَحيلِ أَبيه، وَشَعَرَ فِي البِدايَةِ أَنَّهُ صارَ يَتيمًا. وَفي أَحَدِ الأَيّام، وَهُوَ يَعمَلُ وَحدَهُ في الحَقل، تَذَكَّرَ وَصايا أَبيه: "لا تَظلِمْ أَحَدًا، ساعِدِ الفَقير، وَلا تَكذِب، وَازرَعِ الخَيرَ حَيثُما ذَهَبت". فَبَدَأَ يَعيشُ وَصايا أَبيهِ بِأَمانَة. وَكُلَّما عَمِلَ بِها، كانَ يَشعُرُ بِسَلامٍ عَجيبٍ وَقُوَّةٍ في داخِلِهِ، كَأَنَّ أَباهُ ما زالَ يَسيرُ مَعَهُ. وَبَعدَ سَنواتٍ، قالَ لَهُ أَحَدُ أَصدقائِهِ: "الغَريبُ أَنَّ أَباكَ رَحَل، وَلكِنَّ كَلامَهُ وَحُضورَهُ ما زالا حَيَّينِ فيكَ". فَابتَسَمَ الشّابُّ وَقالَ: "نَعَم، لأَنَّ المَحبَّةَ الحَقيقيَّةَ لا تَموت، وَمَن يَحفَظُ الكَلِمَةَ يَبقى الحَبيبُ حاضِرًا في قَلبِهِ".
العِبْرَة
هٰكَذا أَرادَ يَسوعُ أَنْ يُفَهِّمَ تَلاميذَهُ في خِطابِ الوَداع: إِنَّهُ لَنْ يَترُكَهُم يَتامى. فَبِالرُّوحِ القُدُسِ يَبقى حاضِرًا في كَنيسَتِهِ وَفي قُلوبِ الَّذينَ يُحِبّونَهُ وَيَحفَظونَ وَصاياه. فَالمَسيحيُّ لا يَعيشُ إِيمانَهُ بِمُجرَّدِ الذِّكرياتِ أَو العَواطِف، بَلْ بِحُضورِ المَسيحِ الحَيِّ فيه. وَكُلَّما حَفِظَ الإِنسانُ وَصايا الرَّبِّ وَعاشَ المَحبَّةَ وَالغُفرانَ وَالخِدمَة، اختَبَرَ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَقودُهُ وَيُعَزِّيهِ وَيَمْلأُ قَلبَهُ سَلامًا. فَيَسوعُ لَم يَغِبْ عَنّا، بَلْ يَعيشُ فينا وَمَعَنا، وَيَقولُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنّا: "لَنْ أَدَعَكَ يَتيمًا… إِنِّي آتٍ إِلَيك".