![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
حُضورُ يَسوعَ لِتَلاميذِهِ مِن خِلالِ حِفظِ وَصاياه يَدعونا يوحنا الإنجيلي، في بُشارَتِهِ، إِلى استِقبالِ كَلامِ المَسيحِ مِن كُلِّ القَلب. فَبِاستِقبالِنا لِكَلامِهِ وَحِفظِ وَصاياه، نَجعَلُ المَسيحَ نَفسَهُ حاضِرًا في حَياتِنا، كَما قالَ: "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وَحَفِظَها فَذاكَ الَّذي يُحِبُّني، وَالَّذي يُحِبُّني يُحِبُّهُ أَبي، وَأَنا أَيضًا أُحِبُّهُ فَأُظهِرُ لَهُ نَفسي" (يوحنّا 14: 21). وَيَنشَأُ رِباطٌ وَثيقٌ بَينَ يَسوعَ وَالتِّلميذِ الأَمينِ لِوَصاياه، حَيثُ يَدخُلُ التِّلميذُ في حِوارِ مَحبَّةٍ وَشَرِكَةٍ مَعَ الرَّبّ، فَيُظهِرُ لَهُ يَسوعُ نَفسَهُ وَيَكشِفُ لَهُ أَسرارَهُ. وَحَيثُ إِنَّ يَسوعَ لا يَنفَصِلُ عَنِ الآب، فَإِنَّ وُجودَ الواحِدِ يَستلزِمُ وُجودَ الآخَر: "أَنِّي في الآبِ وَأَنَّ الآبَ فيَّ (يوحنّا 14: 10). لِذٰلِكَ يَنتهي وَعدُ يَسوعَ بِمَجيءِ الآبِ وَالابنِ إِلى المُؤمِن: "إِذا أَحَبَّني أَحَدٌ حَفِظَ كَلامي، فَأَحَبَّهُ أَبي، وَنَأتي إِلَيهِ فَنَجعَلُ لَنا عِندَهُ مُقامًا" (يوحنّا 14: 23). وَهٰكَذا يُصبِحُ المُؤمِنُ هَيكَلًا وَمَقامًا لِلأَقانيمِ الثَّلاثَة. وَيُؤَكِّدُ أوغسطينوس أَنَّ "اللهَ لا يَسكُنُ في هَيكَلٍ مِن حِجارَة، بَلْ في القَلبِ الَّذي يَحفَظُ المَحبَّةَ وَالوَصيَّة"(pl 35: 1832). وَتُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ أَيضًا جَوابَ يَسوعَ لِفيلُبُّس: "يا رَبّ، أَرِنا الآبَ وَحَسبُنا" (يوحنّا 14: 8). وَهِيَ تُعيدُنا إِلى العَهدِ القَديم، إِلى طَلَبِ موسى مُعايَنَةَ مَجدِ الرَّبّ: "أَرِني مَجدَكَ" (خروج 33: 18). غَيرَ أَنَّ اللهَ أَجابَهُ: "وَجهي لا تَستَطيعُ أَنْ تَراه، لأَنَّهُ لا يَراني الإِنسانُ وَيَحيا" (خروج 33: 20). فَاللهُ الَّذي "مَسكِنُهُ نورٌ لا يُقتَرَبُ مِنه" (1 طيموثاوس 6: 16)، لا يُدرَكُ بِالمُعايَنَةِ الحِسِّيَّةِ أَو بِالعَقلِ وَحدَه، بَلْ بِالإِيمانِ وَالمَحبَّة. لِذٰلِكَ أَدخَلَ يَسوعُ تَلاميذَهُ في عالَمِ الإِيمان، لا في عالَمِ الرُّؤيَةِ الحِسِّيَّةِ. فَالإِنسانُ يُريدُ أَنْ يَرى لِيُؤمِن، أَمَّا الرَّبُّ فَيَطلُبُ الإِيمانَ أَوَّلًا لِيُظهِرَ ذاتَه. وَمِن هُنا نَفهَمُ سُؤالَ يَهوذا، غَيرِ الإِسخَريوطيّ: "يا رَبّ، ما الأَمرُ حتّى إِنَّكَ تُظهِرُ نَفسَكَ لَنا وَلا تُظهِرُها لِلعالَم؟" (يوحنّا 14: 22). إِنَّ شَرطَ مُعايَنَةِ اللهِ لَيسَ الرَّغبَةَ في المَعرِفَةِ العَقليَّةِ أَو اللَّمسِ وَالإِدراكِ الحِسِّيّ، بَلِ الدُّخولَ في عَلاقَةِ حُبٍّ مَعَ الرَّبّ. فَقَط مَن يُحِبُّ اللهَ يَستَطيعُ أَنْ يُعايِنَه، "لأَنَّ اللهَ مَحبَّة" (1 يوحنّا 4: 8). وَيُعَلِّقُ غريغوريوس النيصصي قائِلًا: "إِنَّ النَّفسَ لا تُبصِرُ اللهَ بِالعَين، بَلْ بِالقَلبِ المُتَّحِدِ بِالمَحبَّة" (pg 44: 1270-1273). فَالإِيمانُ إِذًا لَيسَ عَمَلَ مَعرِفَةٍ عَقليَّةٍ مُجرَّدَة، بَلْ عَمَلَ حُبٍّ وَثِقَة. وَالمَحبَّةُ الَّتي تُدخِلُنا في المَعرِفَةِ الإِلٰهيَّةِ تُصبِحُ الطَّريقَ إِلى الفَهمِ الحَقيقيِّ. وَحِفظُ الوَصايا هُوَ التَّطبيقُ العَمَليُّ لِهٰذِهِ المَحبَّة. فَنَحنُ نُؤمِنُ أَوَّلًا، ثُمَّ نَستَسلِمُ بِلا تَحفُّظٍ لِوَصايا الرَّبّ. وَكَما قالَت الام تريزا: "ثَمَرَةُ الإِيمانِ هِيَ المَحبَّة". فَمَن يُؤمِن يَرى المَسيح، وَمَن يَرى المَسيحَ يُحِبُّه، وَمَن يُحِبُّه يَحفَظُ وَصاياه. وَالرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي يَسكُبُ هٰذِهِ المَحبَّةَ في القُلوب، كَما يُعَلِّمُ التَّعليمُ المَسيحيُّ لِلكنيسَةِ الكاثوليكيَّة: "المَحبَّةُ، الَّتي هِيَ ثَمَرَةُ الرُّوحِ وَكَمالُ النّاموس، تَحفَظُ وَصايا اللهِ وَمَسيحِهِ" |
![]() |
|