![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
يَسوعُ هُوَ الطَّريق إِنَّ صُورَةَ "الطَّريقِ" فِي الكِتابِ المُقَدَّسِ مَأخوذَةٌ مِن رَمزِ خُروجِ شَعبِ العَهدِ القَديم، حِينَ سَلَكَ إِسرائيلُ فِي البَرِّيَّةِ تَلبِيَةً لِنِداءِ اللهِ، مُعتَمِدًا عَلَى الإِيمانِ بِهِ لِبُلوغِ أَرضِ المِيعاد. وَلِلطَّريقِ دَورٌ أَساسِيٌّ فِي هٰذِهِ المَسيرَةِ، إِذ كانَ تَعبيرًا عَنِ الطَّاعةِ وَالثِّقَةِ بِالله. أَمَّا فِي العَهدِ الجَديد، فَيَفتَتِحُ يسوع المسيح بِشَخصِهِ وَحَياتِهِ طَريقًا جَديدًا، حَتّى سُمِّيَتِ المَسيحيَّةُ نَفسُها "الطَّريق" (أعمال الرُّسُل 9: 2). فَالمَسيحُ هُوَ الطَّريقُ المُؤَدِّي إِلَى الآبِ، لِأَنَّهُ هُوَ نَفسُهُ "الحَقُّ وَالحَياة" (يوحنّا 14: 6). إِنَّ يسوع المسيح لَا يُخْبِرُنا عَنِ الطَّريقِ فَحَسب، بَل يُصبِحُ هُوَ الطَّريقَ نَفسَهُ. فَلَم يُعطِنا وَصايا نَبلُغُ بِها الآبَ فَحَسب، بَل قَدَّمَ ذَاتَهُ كَسَبيلٍ حَيٍّ نَدخُلُ بِهِ إِلَى شَرِكَةِ الله. وَفِي هٰذا السِّياقِ، يُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس أَنَّ "المَسيحَ هُوَ الطَّريقُ الَّذي نَسيرُ فِيهِ، وَهُوَ الوَطنُ الَّذي نَصِلُ إِلَيهِ" (Tract. in Ioannem). فَهُوَ طَريقٌ بِنورِهِ الإِلٰهيِّ، لِأَنَّهُ إِلهٌ وَإِنسانٌ مَعًا: كَإِلهٍ، يَقودُنا إِلَى الآبِ وَيَكشِفُ لَنا الحَقَّ. وَكَإِنسانٍ، يُرافِقُنا فِي مَسيرَتِنا وَيَحمِلُنا مَعَهُ نَحوَ المَجد. لِذٰلِكَ يَدعونا إِلَى الثَّباتِ فِيهِ قائِلًا: "اُثبُتوا فِيَّ وَأَنا أَثبُتُ فيكُم" (يوحنّا 15: 4)، لأَنَّ الاتِّحادَ بِهِ هُوَ الطَّريقُ إِلَى الاتِّحادِ بِالآبِ. وَيَظهَرُ يسوع المسيح كَمُوسى الجَديد، القائِدِ وَالمُرشِدِ وَالمُرافِق، كَما تَجلّى ذٰلِكَ فِي مَسيرَتِهِ مَعَ تِلمِيذَي عِمَّاوُس: "بَينَما هُما يَتَحَدَّثانِ وَيَتَجادَلان، إِذا يَسوعُ نَفسُهُ قَد دَنا مِنهُما وَأَخَذَ يَسيرُ مَعَهُما" (لوقا 24: 15). فَهُوَ لَا يَكتَفِي بِالإِرشادِ، بَل يَسيرُ مَعَنا خُطوَةً خُطوَةً، وَيُؤَيِّدُنا بِنِعمَتِهِ وَقُوَّتِهِ. كَما سَارَ اللهُ مَعَ شَعبِهِ فِي العَهدِ القَديم، قائِلًا: "الرَّبُّ هُوَ السَّائِرُ أَمامَكَ… لا يَترُكُكَ» (تثنية الاشتراع 31: 8)، كَذٰلِكَ يَسيرُ المَسيحُ مَعَنا، وَيَقودُنا عَبرَ طَريقِ الصَّليبِ إِلَى المَجد: "أَما كانَ يَجِبُ عَلَى المَسيحِ أَن يُعانِيَ… فَيَدخُلَ فِي مَجدِهِ؟» (لوقا 24: 26). إِنَّهُ الطَّريقُ: بِتَعاليمِهِ، كَما قالَ بطرس الرسول: "يا رَبّ، إِلى مَن نَذهَب؟ كَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَكَ" (يوحنّا 6: 68). وَبِمِثالِهِ، كَما يُعلِنُ الرَّسولُ: "تَرَكَ لَكُم مِثالًا لِتَقتَفوا آثارَه" (1 بطرس 2: 21). وَبِذَبيحَتِهِ، إِذ فَتَحَ لَنا الطَّريقَ إِلَى اللهِ بِدَمِهِ: "لَنا سَبيلٌ إِلَى القُدْسِ بِدَمِ يَسوع" (عبرانيين 10: 19–20). وَبِرُوحِهِ، الَّذي يُرشِدُنا إِلَى الحَقِّ كُلِّهِ (يوحنّا 16: 13). وَيُؤَكِّدُ القديس كيرلس الإسكندري أَنَّ "المَسيحَ بِجَسَدِهِ صَارَ الطَّريقَ، لِكَي نَعبُرَ فِيهِ إِلَى الحَياةِ الإِلٰهيَّةِ" (In Ioannem) إِنَّ الفاصِلَ بَينَ الإِنسانِ وَاللهِ لَيسَ بُعدًا مَكانيًّا، بَل خَطيئَةُ الإِنسانِ. وَقَد صَارَ يسوع المسيح "الطَّريقَ المُقَدَّس" (أشعيا 35: 8)، الَّذي بِهِ يَعبُرُ الإِنسانُ مِنَ الخَطيئَةِ إِلَى النِّعمَةِ، وَمِنَ العَداوَةِ إِلَى المُصالَحَةِ. وَيُعلِّقُ غريغوريوس الكبير: "مَن يَسيرُ فِي هٰذا الطَّريقِ لَا يَضِلُّ، لأَنَّهُ يَسيرُ فِي المَسيحِ نَفسِهِ" (Homiliae in Evangelia). وَهٰكَذا، مَعَ يسوع المسيح، لَم تَعُدِ الطَّريقُ شَريعَةً أَو مَجموعةَ وَصايا، بَل صَارَت شَخصًا حَيًّا. فَهُوَ القائِلُ: "أَنا الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياة" (يوحنّا 14: 6). وَبِهِ يَتحقَّقُ الفِصحُ الحَقيقيُّ وَالخُروجُ الجَديدُ، وَفِيهِ نَسيرُ فِي طَريقِ المَحَبَّةِ: "سِيروا فِي المَحَبَّةِ سِيرَةَ المَسيح" (أفسس 5: 2)، لِأَنَّ "لَنا بِهِ جَميعًا سَبيلًا إِلَى الآبِ فِي رُوحٍ واحِد" (أفسس 2: 18). وَفِي النِّهايَةِ، يَبقى يسوع المسيح الطَّريقَ الآمِنَ وَالأَكيدَ نَحوَ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. فَكُلُّ إِنسانٍ يَشتاقُ إِلَى الحَياةِ، وَلٰكِن لَيسَ كُلُّ واحِدٍ يَجِدُ الطَّريقَ؛ أَمَّا الَّذي يَجِدُ المَسيحَ، فَقَد وَجَدَ الطَّريقَ وَالغايَةَ مَعًا. وَيُعبِّرُ غريغوريوس الناريكي عَن هٰذا الشَّوقِ قائِلًا: "لا تَدَعْني، يا رَبّ، أَضِلُّ عَن طَريقِكَ، لِئَلّا أَفقِدَ وَجهَكَ إِلَى الأَبَد" (كتاب الصلوات، الصلاة رقم 18). |
![]() |
|