"قَالَ ذٰلِكَ، وَأَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التَّلَامِيذُ لِمُشَاهَدَتِهِمُ الرَّبَّ".
"وَجَنْبَهُ" فيَنْفَرِدُ يُوحَنَّا بِذِكْرِ الجَنْبِ المَطْعُونِ، فِي رَبْطٍ لَاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ بَيْنَ حَدَثِ الصَّلِيبِ (يُوحَنَّا 19: 34) وَحَدَثِ الظُّهُورِ فِي العُلِّيَّةِ. فَالمَسِيحُ هُوَ "الحَمَلُ الفِصْحِيُّ" الَّذِي ذُبِحَ عَلَى الجُلْجُلَةِ، وَهُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يَعُودُ إِلَى تَلَامِيذِهِ حَامِلًا ثِمَارَ ذَبِيحَتِهِ. وَفِي سِفْرِ الرُّؤْيَا نَرَى الصُّورَةَ ذَاتَهَا: "حَمَلًا قَائِمًا كَأَنَّهُ ذَبِيحٌ" (رُؤْيَا 5: 6)، فَهُنَاكَ اسْتِمْرَارِيَّةٌ بَيْنَ المَسِيحِ المُتَأَلِّمِ وَالمَسِيحِ القَائِمِ. وَيُشَدِّدُ الإِنْجِيلِيُّ عَلَى هٰذِهِ الصِّلَةِ بَيْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ التَّارِيخِيِّ المُتَأَلِّمِ (عِبْرَانِيِّينَ 2: 18) وَيَسُوعَ القَائِمِ الحَيِّ الَّذِي يَبْقَى مَعَ كَنِيسَتِهِ، كَمَا وَعَدَ: "هَا أَنَا مَعَكُمْ طُولَ الأَيَّامِ إِلَى نِهَايَةِ العَالَمِ" (مَتَّى 28: 20). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا بُولُس الثَّانِي قَائِلًا: "إِنَّ مَوْهِبَةَ مَغْفِرَةِ الخَطَايَا الَّتِي أَعْطَاهَا المَسِيحُ لِتَلَامِيذِهِ، وُلِدَتْ مِنْ جِرَاحَاتِهِ، وَخَاصَّةً مِنْ جَنْبِهِ المَطْعُونِ؛ وَمِنْ هٰذِهِ الجِرَاحَاتِ تَنْبَثِقُ رَحْمَةُ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا"(يُوحَنَّا بُولُس الثَّانِي، عِظَةُ أَحَدِ الرَّحْمَةِ الإِلَهِيَّةِ، 2001.). إِنَّ هٰذِهِ الجِرَاحَاتِ لَا تَبْقَى مَفْتُوحَةً كَجُرْحٍ يُنْزِفُ، بَلْ كَمَنْبَعٍ يَفِيضُ حَيَاةً وَنِعْمَةً، يَنْبُوعًا فِصْحِيًّا مُسْتَمِرًّا فِي الكَنِيسَةِ. إِنَّ هٰذِهِ الجِرَاحَ هِيَ فِي مَرْكَزِ إِنْجِيلِ اليَوْمِ، بَلْ فِي قَلْبِ اللِّقَاءِ الأَوَّلِ بَيْنَ المَسِيحِ القَائِمِ وَتَلَامِيذِهِ. فَلَيْسَتْ تَفْصِيلًا ثَانَوِيًّا فِي السَّرْدِ، بَلْ عُنْصُرًا كَاشِفًا لِهُوِيَّةِ القَائِمِ وَطَبِيعَةِ رِسَالَتِهِ. فَبِهَا يَتَعَرَّفُ التَّلَامِيذُ عَلَى الرَّبِّ، وَمِنْ خِلَالِهَا يَنْتَقِلُونَ مِنَ الخَوْفِ إِلَى الفَرَحِ، وَمِنَ الشَّكِّ إِلَى الإِيمَانِ. فَلَوْلَا هٰذِهِ الجِرَاحُ، لَكَانَ الفِصْحُ يُفْهَمُ كَعَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ القُوَّةِ المُجَرَّدَةِ.