انتصار المسيح المسبَق
لقد قال المسيح: “جئتُ ألقي نارًا على الأرض”، وأردفَ حالاً “وكم أودُّ لو تشتعل” (لو12: 49). فهو يقصُدُ بكلامِهِ هذا أن يُشعِلَ الروحُ القدسُ في النَّفْس اشتهاءً لا يَرتوي للملكوت الأبديّ. لقد ارتضى المسيح أن يَتَسربَلَ الطبيعةَ البشريّةَ ويَقْبَلَها في ذاتِه، فخاضَ المعركة في بشريَّتِه، وأحرزَ لنا انتصارًا حاسمًا على العدوّ الأكبر للإنسان، أعني الموت. هذا ليُظهِرَ لنا أنّه علينا اتّباعَ خُطاه وإحراز انتصاره في بشريّتنا. قد يَعترضُ كثيرون قائلين إنّه كان يستطيع أن يخلّصنا بعملٍ باهرٍ يُظهِرُ اقتدارَه. أجل، ولكنّه آثرَ أن يتنازل إلى ضُعفنا، ويصيرَ بشرًا مثلنا، ويتّخِذَ ضُعفنا الّذي هو الموت، من غير أن يتّخذَ سَبَبَ الموت الّذي هو الخطيئة. منذ تجسّده، صار مثالاً لنا أنّ الإنسان يستطيع أن يعيش من غير خطيئة.
غالبًا ما يصوِّرُ لنا الآباء عملَ الخلاص هذا كحربٍ ما بين الإله الإنسان والشيطان، بدأتْ بالتجربة على الجبل، حينما صام المسيح أربعين يومًا وواجهَ التَّجارب الثَّلاث الرّئيسيّة. ثمّ استمرَّتْ هذه الحربُ على مدى حياة المسيح الأرضيّة، حيث أظهر غلبَتَه على قُوى الشيطان كلِّها: المرض، والمَسّ الشيطانيّ، وسواهما. وبلغَت هذه الحربُ ذروتَها في سِرِّ موتِه على الصّليب، وانتصارِه بالقيامة، حيث “أماتَ الّذي أماتَنا”. لهذا فالإيقونة الأرثوذكسيّة للقيامة لا تصوِّرُ حدثَ القيامة، الّذي يتعذّر تصويرُه، بل تُمَثّلُ نزولَ المسيح إلى الجحيم، وهو حاملٌ الصّليب، به يحطِّمُ أبوابَ الجحيم. فصليب المسيح – الّذي كانَ أفظعَ ميتةٍ في عَهدِ الرّومان-، أضحى سلاحَ انتصار المسيح على الموت والجحيم والشيطان.