الخليقة الجديدة:
مهمة الكنيسة التاريخية هي الإعلان عن عالم آخر “آتٍ”، لأنها تشهد للحياة الجديدة التي أُعلنت وكشفت في يسوع المسيح الرب والمخلِّص. فهي تفعل هذا قولاً وفعلاً. إن الإعلان الحقيقي عن البشارة يكون في ممارسة الحياة الجديدة، من أجل إظهار الإيمان بالأعمال (أنظر متى 5: 16).
الكنيسة هي أكثر من جماعة مبشِّرين أو جمعية للتعليم أو مجلس للتبشير. فلا يقتصر واجبها على دعوة الناس، بل يمتد إلى إدخالهم إلى الحياة الجديدة التي تشهد لها. هي جسم للتبشير، وحقل تبشيرها هو العالم بأجمعه. لكنَّ غاية نشاطها التبشيري لا يكون في مجرَّد نقل بعض الأفكار والقناعات إلى الناس، أو حتى في فرض نظام حياتي معيَّن عليهم بل في إدخالهم أولاً إلى الحقيقة الجديدة وهدايتهم وقيادتهم، من خلال إيمانهم وتوبتهم، إلى المسيح نفسه، حتى يولدوا من جديد به وفيه بالماء والروح. وهكذا تكتمل خدمة الكلمة عن طريق خدمة الأسرار.
“الاهتداء” هو انطلاقة جديدة، يجب أن تتبعها سيرورة طويلة. فواجب الكنيسة أن تنظِّم الحياة الجديدة عند المهتدين وأن تقدِّم لهم، كما فعلت دائماً، النموذج الجديد للوجود، والأسلوب الحياتي الجديد “للعالم الآتي”. الكنيسة موجودة هنا في هذا العالم من أجل خلاصه. ولذلك عليها أن تنكره وتقاومه. فالله يريد الإنسان كلّه، والكنيسة تشهد لإرادة الله هذه التي أُعلنت في المسيح. وعلى المسيحي أن يكون “خليقة جديدة”، ولذلك لن يقدر أن يجد مكاناً مستقرّاً لذاته في حدود “العالم القديم”. بهذا المعنى يكون الموقف المسيحي ثوروياً دائماً بالنسبة إلى “النظام القديم” الموجود في “هذا العالم”. ولأنّ كنيسة المسيح في هذا العالم، لا تنتمي إلى “هذا العالم” فهي في صراع دائم معه، حتى لو ادَّعت إصلاح النظام الموجود فقط. في جميع الأحوال، يجب أن يكون التغيير جذرياً وشاملاً.