![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
![]() يَسوعُ يَدخُلُ أُورَشَليمَ كابنَ داود (متى 21: 9) وَأَخيرًا تَرَكَ يَسوعُ النّاسَ يَهتِفونَ لَهُ في يَومِ الشَّعانينِ، مُعلِنينَ إِيّاهُ ابنَ داود، قائِلينَ: "هُوشَعْنا لابنِ داود! تَبارَكَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ! هُوشَعْنا في العُلى!" (متى 21: 9). وَكانوا يَحمِلونَ أَغصانَ النَّخلِ وَالزَّيتونِ دَلالَةً عَلى أَنَّ يَسوعَ هُوَ مَلِكُ الأَزمِنَةِ الجَديدَةِ، وَمَلِكُ الاِنتِصارِ عَلى الشَّرِّ، وَمَلِكُ السَّلام؛ لٰكِنْ سَلامُهُ لَيْسَ سَلامَ الأَقوِياءِ المَفروضَ عَلى الضُّعَفاءِ، وَلا سَلامَ الاِستِسلامِ تَحتَ وَطأَةِ الظُّلمِ وَالاِستِضعافِ، بَلْ هُوَ سَلامُ المَصالَحَةِ وَالحَقِّ وَالخَلاصِ. ثُمَّ إِنَّ يَسوعَ نَفسَهُ، في مِجادَلاتِهِ مَعَ الفَرّيسيّينَ، أَلَحَّ عَلى أَنَّ ابنَ داودَ يَفوقُ كُلَّ سَلَفِهِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مُجرَّدَ ابنٍ لِداودَ حَسَبَ الجَسَدِ، بَلْ هُوَ رَبُّهُ أَيضًا. لِذٰلِكَ سَأَلَ اليَهودَ: "ما رَأْيُكُم في المَسيح؟ ابنُ مَن هُوَ؟" فقالوا لَهُ: «ابنُ داود". فقالَ لَهُم: "فَكَيفَ يَدعوهُ داودُ رَبًّا بِوَحيٍ مِنَ الرُّوح؟" (متى 22: 42-43). فَيَسوعُ هُوَ ابنُ داودَ، نَعَم، لٰكِنَّهُ أَيضًا أَعظَمُ مِن داودَ، لأَنَّهُ المَسيحُ الرَّبُّ. وَفي مَحاكَمَتِهِ الدِّينيَّةِ، عِندَما استَحلَفَهُ قَيَّافا عَظيمُ الكَهَنَةِ أَن يُصَرِّحَ هَل هُوَ المَسيحُ، لَم يُنْكِرْ هذا اللَّقَبَ، بَلْ أَعطاهُ مَعنىً مُتَسامِيًا وَنِهائيًّا، حينَ رَبَطَهُ بِلقَبِ ابنِ الإِنسانِ الجالِسِ عَن يَمينِ اللهِ، قائِلًا: "أَستَحلِفُكَ بِاللهِ الحَيِّ لَتَقولَنَّ لَنا: هَل أَنتَ المَسيحُ ابنُ الله؟" فقالَ لَهُ يَسوعُ: "أَنتَ قُلتَ. وَأَنا أَقولُ لَكُم: سَتَرَونَ بَعدَ اليَومِ ابنَ الإِنسانِ جالِسًا عَن يَمينِ القَدير، وَآتِيًا عَلى غَمامِ السَّماءِ" (متى 26: 63-64). وَفي الواقِعِ، كانَ هذا الاِعتِرافُ هُوَ الَّذي صارَ سَبَبًا مُباشِرًا لِلحُكمِ عَلَيهِ، إِذْ "شَقَّ عَظيمُ الكَهَنَةِ ثِيابَهُ وَقالَ: لَقَد جَدَّفَ" (متى 26: 65). ونستنتج مما سبق أن يسوع دخل أورشليم ملكًا ومسيحًا، لكنه أعطى لهذين اللقبين معنىً جديدًا وفصحيًا: فهو الملك الذي يملك من على الصليب، والمسيح الذي يخلص ببذل حياته. ونحن بدورنا كثيرًا ما نريد من يسوع أن يكون الملك والمسيح الذي يحلّ مشاكلنا مباشرة: مشاكل الاحتلال، والعمل، والضيق، والأزمات التي نواجهها في حياتنا. وهذا طلب مشروع ما دام ينبع من الإيمان والثقة. غير أن الإنجيل يدعونا إلى ما هو أعمق: ألا نطلب من يسوع مجرّد تدخّل لإصلاح ظروفنا الخارجية، بل أن نقبله ملكًا على قلوبنا، ومسيحًا يجدّد داخلنا، ويُدخلنا في طريق الفصح، حيث لا يكون الخلاص هروبًا من الصليب، بل عبورًا معه إلى الحياة الجديدة. إِذا كانَ يَسوعُ قَد دَخَلَ أُورَشَليمَ مَسيحًا مَلِكًا، فَإِنَّ الدَّعوةَ المَوجَّهَةَ إِلَيْنا اليَومَ هِيَ أَن نَستَقبِلَهُ نَحنُ أَيضًا مَلِكًا، لا عَلى المَظاهِرِ وَالاِحتِفالاتِ فَحَسْب، بَلْ في أَعماقِ القُلوبِ. فَمَلكوتُهُ لا يَطلُبُ عَروشًا أَرضيَّةً، بَلْ نُفوسًا تُسلِّمُ ذواتَها لَهُ. وَالإِيمانُ الحَقيقيُّ بِمَسيحانِيَّةِ يَسوعَ لا يَقفُ عِندَ الإِعجابِ بِمُعجِزاتِهِ، بَلْ يَبلُغُ كَمالَهُ في قَبولِ مَلكوتِهِ الرُّوحيِّ، وَالسَّيرِ مَعَهُ في طَريقِ الصَّليبِ، لِأَنَّهُ هُوَ المَلِكُ الَّذي يُخَلِّصُ لا بِالسَّيفِ، بَلْ بِالمَحَبَّةِ الباذِلَةِ. |
|