ما مَوقِفُنا تُجاهَ يَسوعَ الَّذي يَدخُلُ إِلى أُورَشَليمَ مَسيحًا مَلِكًا وَنَبِيًّا؟
في هٰذا الأُسْبوعِ المُقَدَّسِ، الَّذي يَفْتَتِحُهُ أَحَدُ الشَّعانينِ، نَحنُ مَدعوُّونَ أَلّا نَقتَديَ بِالجُموعِ في المَظاهِرِ الخارِجِيَّةِ فَحَسْب، بِحَمْلِ أَغصانِ الزَّيتونِ أَو سَعَفِ النَّخلِ، وَلا بِفَرْشِ الثِّيابِ أَمامَهُ عَلَى الطَّريقِ وَحْدَهُ، بَلْ أَنْ نَستَقبِلَهُ فِي أَعماقِ كِيانِنا، وَأَنْ نَسجُدَ لَهُ بِأَنْفُسِنا كُلِّها، وَبِكُلِّ قُوانا وَإِرادَتِنا، فَنَفتَحَ لَهُ قُلوبَنا بِرُوحٍ مُنسَحِقَةٍ، وَنِيَّةٍ مُستَقِيمَةٍ، وَعَزمٍ ثابِتٍ. فَالشَّعانينُ لا يَدعونا إِلى اِحتِفالٍ عابِرٍ، بَلْ إِلى اِعتِرافٍ حَيٍّ بِالمَسيحِ مَلِكًا عَلى حَياتِنا. وَلِذٰلِكَ يَنبَغي أَنْ نُرَدِّدَ مَعَ هِتافِ الجَماهِيرِ، لا بِالشِّفاهِ فَقَط، بَلْ بِالإِيمانِ وَالطّاعَةِ: "مُبارَكٌ الآتي بِاسمِ الرَّبّ"، تَمجيدًا لِلمَسيحِ المَلِكِ الَّذي خَلَّصَنا في الماضي وَيُخَلِّصُنا اليَومَ أَيضًا.
لِنَدْعُ يَسوعَ في هٰذا اليَومِ أَنْ يَدخُلَ بُيوتَنا، وَيَمْلِكَ عَلى قُلوبِنا، وَعَلى عائِلاتِنا، وَكَنيسَتِنا، وَأَرضِنا، مُعتَرِفينَ بِهِ مَسيحًا وَمَلِكًا، وَهاتِفينَ: "هُوشَعْنا لابنِ داود! تَبارَكَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ! هُوشَعْنا في العُلى!" (متى 21: 9). لِنَطلُبْ مِنهُ أَنْ يُخَلِّصَنا مِنَ الشَّرِّ وَمِنَ الشِّرِّيرِ، وَأَنْ يَشفيَ أَمراضَنا، وَيَرحَمَ مَوتانا، وَيَعضُدَ الضُّعَفاءَ وَالمُتَأَلِّمينَ، وَيَمنَحَ العالَمَ سَلامَهُ الَّذي لا يُعطيهِ العالَم. وَفِي هٰذا السِّياقِ، يَدعونا البابا فَرَنسيس إِلى الثِّقَةِ وَالرَّجاءِ، حِينَ يُشَدِّدُ عَلى ضَرورَةِ أَنْ يَفتَحَ الإِنسانُ قَلبَهُ لِمَحبَّةِ اللهِ، فَفيها يَجِدُ القُوَّةَ وَالعَزاءَ في المِحَنِ.
وَلِنَدْعُهُ أَيضًا في يَومِ خَميسِ الأَسرارِ، يَومِ العَشاءِ الأَخيرِ وَسِرِّ القُربانِ المُقَدَّسِ، أَنْ يُقَدِّسَ نُفوسَنا وَعائِلاتِنا، وَأَنْ يُوَحِّدَنا في المَحبَّةِ، مُتَذَكِّرينَ وَصِيَّتَهُ الجَديدَةَ: "أُعطيكُم وَصِيَّةً جَديدَة: أَحِبُّوا بَعضُكُم بَعضًا. كَما أَحبَبتُكُم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضًا بَعضُكُم بَعضًا" (يوحنا 13: 34). وَنَتَذَكَّرُ أَيضًا كَلِماتِهِ في العَطاءِ وَالبَذلِ: "خُذوا كُلوا، هذا هُوَ جَسَدي… اِشرَبوا مِنها كُلُّكُم، فَهٰذا هُوَ دَمي، دَمُ العَهدِ، يُراقُ مِن أَجلِ جَماعَةِ النّاسِ لِغُفرانِ الخَطايا" (متى 26: 26-28). فَالمَسيحُ الَّذي يَدخُلُ أُورَشَليمَ مَلِكًا، يَدخُلُ أَيضًا العُلِّيَّةَ خادِمًا وَذابِحًا وَطَعامًا لِشَعبِهِ. وَفِي هٰذا المَعنى نَحنُ مَدعوُّونَ أَلّا نَفكِّرَ فَقَط فِي ما يَنقُصُنا، بَلْ فِي الخَيرِ الَّذي يَستَطيعُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا أَنْ يَفعَلَهُ لِأَجلِ الآخَرينَ.
وَلِنَدْعُهُ في يَومِ الجُمُعَةِ العَظيمَةِ، حِينَ يَموتُ مِن أَجلِنا عَلى الصَّليبِ، أَنْ يَمنَحَنا القُوَّةَ اللّازِمَةَ لِنَحمِلَ صَليبَنا مَعَ صَليبِهِ، بِإِيمانٍ وَثَباتٍ وَرَجاءٍ. فَصَليبُ المَسيحِ لَيْسَ عارًا، بَلْ مَنبَعُ مَحَبَّةٍ وَخَلاصٍ. وَنَحنُ نَتَذَكَّرُ قَولَهُ: "لَيسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعظَمُ مِن أَنْ يَبذِلَ نَفسَهُ في سَبيلِ أَحِبّائِهِ" (يوحنا 15: 13)، وَقَولَهُ أَيضًا: "مَن أَرادَ أَنْ يَتبَعَني، فَلْيَزهَدْ في نَفسِهِ وَيَحمِلْ صَليبَهُ وَيَتبَعْني…" (متى 16: 24-26). وَهُنا يَظهَرُ صِدقُ التَّلمَذَةِ: فَلَيسَ كُلُّ مَن هَتَفَ لِيَسوعَ في الشَّعانينِ يَثبُتُ مَعَهُ عِندَ الجُلجُلَةِ. وَلِذٰلِكَ يُذَكِّرُنا كِتابُ الاِقتِداءِ بِالمَسيح بِأَنَّ كَثيرينَ يُحِبُّونَ يَسوعَ ما دامَتِ التَّعزِياتُ حاضِرَةً، أَمّا حامِلو صَليبِهِ فَقَليلونَ. وَهٰذِهِ دَعوةٌ لَنا لِكَي نُحِبَّ المَسيحَ لا في أَوقاتِ الفَرَحِ فَقَط، بَلْ أَيضًا في أَزْمِنَةِ الصَّمتِ وَالأَلَمِ وَالتَّجْرِبَةِ.
وَلِنَدْعُهُ في سَبْتِ النّورِ، مُعلِنينَ أَنَّهُ المَسيحُ مُخَلِّصُنا، وَالنَّبِيُّ الَّذي يَهْدينا وَيُبَدِّدُ ظُلُماتِ العالَمِ، وَيُشرِقُ عَلَينا بِنورِهِ، مُتَذَكِّرينَ كَلِمَتَهُ: "أَنا نورُ العالَم، مَن يَتبَعْني لا يَمشي في الظَّلام، بَلْ يَكونُ لَهُ نورُ الحَياة" (يوحنا 8: 12). فَفي سَبْتِ الصَّمتِ، تَتَعَلَّمُ الكَنيسَةُ أَنْ تَنتَظِرَ بِالإِيمانِ، وَأَنْ تُصَدِّقَ أَنَّ اللهَ يَعمَلُ حَتّى إِذا بَدا كُلُّ شَيءٍ ساكِنًا.
وَأَخيرًا، لِنَدْعُهُ في أَحَدِ القِيامَةِ أَنْ يَضَعَ فينا رَجاءً جَديدًا، وَأَنْ يَفتَحَ أَمامَنا أُفُقَ الحَياةِ المُشرِقَةِ في مَلَكوتِهِ السَّماويِّ، مُتَذَكِّرينَ وَعدَهُ: "أَنا القِيامَةُ وَالحَياة، مَن آمَنَ بي، وَإِن ماتَ، فَسَيَحيا" (يوحنا 11: 25). فَالمَسيحُ الَّذي دَخَلَ أُورَشَليمَ وَديعًا، وَاجْتازَ الآلامَ وَالمَوتَ، هُوَ نَفسُهُ الَّذي يَخرُجُ ظافِرًا مِنَ القَبرِ، لِيَهَبَنا رَجاءً لا يَخيبُ، وَحَياةً لا يَغلِبُها المَوتُ.
وَمِن هُنا، فَإِنَّ مَوقِفَنا تُجاهَ يَسوعَ الَّذي يَدخُلُ إِلى أُورَشَليمَ مَسيحًا مَلِكًا وَنَبِيًّا لا يَجِبُ أَنْ يَبقى مَوقِفًا عاطِفيًّا وَقْتِيًّا، بَلْ أَنْ يَصيرَ مَسيرَةَ إِيمانٍ كامِلَةٍ: نَستَقبِلُهُ في الشَّعانينِ، وَنَتَّحِدُ بِهِ في خَميسِ الأَسرارِ، وَنَثبُتُ مَعَهُ عِندَ الصَّليبِ في الجُمُعَةِ العَظيمَةِ، وَنَنتَظِرُهُ بِالرَّجاءِ في سَبْتِ النّورِ، وَنَفرَحُ بِهِ قائِمًا في صَباحِ الفِصحِ. فَلا يَكفي أَنْ نَهتِفَ لَهُ: "هُوشَعْنا"، بَلْ يَنبَغي أَنْ نَسيرَ مَعَهُ حَتّى النِّهايَةِ، لِكَي نَشتَرِكَ مَعَهُ أَيضًا في مَجدِ القِيامَةِ.