"أَنا الخُبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ"
"أَبذِلُهُ لِيَحيا العالَم" ὑπὲρ τῆς τοῦ κόσμου ζωῆς فَتُظهِرُ البُعدَ الفِدائِيَّ وَالذَّبائِحِيَّ لِسِرِّ الإِفخارِستِيّا. فَحَرفُ الجَرِّ اليُونانِيّ ὑπέρ يَحمِلُ مَعانيَ "مِن أَجلِ"، وَ"لِصالحِ"، وَأَحيانًا "«نِيابَةً عَن"، وَهُوَ مِن أَغنَى الأَلفاظِ اللاهوتِيَّةِ الَّتي يَستَعمِلُها العَهدُ الجَديدُ لِلتَّعبيرِ عَن مَوتِ المَسيحِ الخَلاصيِّ. وَهُنا يَنتَقِلُ الكَلامُ مِن صُورَةِ "خُبزِ الحَياةِ" إِلى إِعلانِ «ذَبيحَةِ الصَّليب». فَالجَسَدُ الَّذي يُعطيهِ المَسيحُ في الإِفخارِستِيّا هُوَ عَينُهُ الجَسَدُ الَّذي سَيُبذَلُ عَلَى الجُلجُثَةِ مِن أَجلِ خَلاصِ العالَم. وَمِن هٰذا المُنطَلَقِ فَالإِفخارِستِيّا لَيسَت ذِكرى رَمزيَّةً لِذَبيحَةِ الصَّليبِ، بَل حُضورٌ سِرِّيٌّ لِلذَّبيحَةِ الواحِدَةِ عَينِها الَّتي قَدَّمَها المَسيحُ مَرَّةً واحِدَةً عَلَى الصَّليبِ.
وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يوحنّا الذَّهَبِيُّ الفَم قائِلًا: "إِنَّ الذَّبيحَةَ الَّتي نُقَدِّمُها الآنَ هِيَ نَفسُها الَّتي قُدِّمَت يَومَئِذٍ، لا ذَبيحَةٌ أُخرى، بَل نَحنُ نُقيمُ ذِكرَ تِلكَ الذَّبيحَةِ الواحِدَةِ" (العِظَة 17 عَلَى الرِّسالَةِ إِلى العِبرانيّين).
وَفِي مَوضِعٍ آخَرَ يُؤَكِّدُ: "المَذبَحُ وَالجُلجُثَةُ سِرٌّ واحِدٌ، وَالذَّبيحَةُ واحِدَةٌ، وَالمَسيحُ هُوَ الكاهِنُ وَالقُربانُ مَعًا" (pg 61: 200). لِذٰلِكَ فَالإِفخارِستِيّا هِيَ اِمتِدادٌ سِرِّيٌّ لِبَذلِ المَسيحِ نَفسَهُ، وَإِعلانٌ دائِمٌ لِحُبِّ اللهِ الَّذي "أَحبَّ العالَمَ حتّى إِنَّهُ جادَ بِابنِهِ الوَحيد" (يوحنّا 3: 16)، حَتّى يَكونَ لِلعالَمِ الحَياةُ بِهِ.