"لَستُ بَعدَ اليَومِ في العالَم، وَأَمَّا هُم فَلا يَزالونَ في العالَم،
وَأَنا ذاهِبٌ إِلَيكَ. يا أَبَتِ القُدُّوس، اِحفَظهُم بِاسمِكَ الَّذي وَهَبتَهُ لي،
لِيَكونوا واحِدًا كَما نَحنُ واحِد"
"وَأَمَّا هُم فَلا يَزالونَ في العالَم" فَتُشيرُ إِلى التَّلاميذِ الَّذينَ سَيَبقَونَ في وَسَطِ العالَمِ بِكُلِّ ما فيهِ مِن مِحَنٍ وَتَجارِبَ وَاضطِهادات. فَالعالَمُ، في اللاهوتِ في إنجيل يوحنا، لَيسَ مُجرَّدَ المَكانِ الجُغرافيّ، بَلْ القُوَّةُ المُعادِيَةُ لِمَلكوتِ الله، الَّتي تُحاوِلُ أَنْ تُبعِدَ الإِنسانَ عَنِ الحَقِّ. وَقَد أَعلَنَ يَسوعُ لِتَلاميذِهِ مُسبَقًا: "إِذا أَبغَضَكُمُ العالَمُ فَاعلَموا أَنَّهُ أَبغَضَني قَبلَ أَنْ يُبغِضَكُم" (يوحنّا 15: 18). كَما حَذَّرَهُم مِن إِغراءاتِ العالَمِ: "لأَنَّ كُلَّ ما في العالَمِ مِن شَهوَةِ الجَسَدِ وَشَهوَةِ العَينِ وَكِبرياءِ الغِنى لَيسَ مِنَ الآب، بَلْ مِنَ العالَم" (1 يوحنّا 2: 16).
إِنَّ يَسوعَ في ساعَةِ آلامِهِ لا يُفَكِّرُ في نَفسِهِ بَلْ في تَلاميذِهِ. فَهُوَ لا يَترُكُهُم يَتامى، بَلْ يَحمِلُهُم في صَلاتِهِ الكَهَنوتِيَّةِ وَيَستَودِعُهُم لِلآب. وَيُعَلِّقُ كيرِلُّس الإِسكندري قائِلًا: "المَسيحُ، وَهُوَ مُقبِلٌ عَلى الآلامِ، أَظهَرَ أَنَّ اهتِمامَهُ الأَوَّلَ كانَ بِخَلاصِ تَلاميذِهِ وَثَباتِهِم في الإِيمان