«وَسَأُعْطِي لِشَاهِدَيَّ فَيَتَنَبَّآنِ أَلْفاً وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْماً، لاَبِسَيْنِ مُسُوحاً».
سَأُعْطِي لِشَاهِدَيَّ لا نعلم إلى من أشار بهذين الشاهدين والأرجح أنه لم يُرد بهما شخصين معينين بل أراد بهما المبادئ الإنجيلية والصفات المطلوبة ممن هم في المسيح. وهما شاهدا الوحي وحق الله والمسيح في كل عصر وبلاد. وهما اللذان شهدا في أيام مزج الأمانة بالخيانة وزمان الهيكل المقيس المصوّن والدار المدوسة. ولما كانت هذه الرؤيا تأكيد إن كنيسة المسيح الحقيقية الروحية تُحفظ سالمة في يدي سيدها في أوقات التعاليم الكاذبة وحب العالم المستولي على الكنيسة المنظورة أعلن أنه لا تخلو الكنيسة من شهود للبر وللإيمان الحق وإن كانوا قليلي العدد. وتتضح غاية هذه الرؤيا بمقابلتها برؤيا زكريا التي هي أساس رؤيا يوحنا. إن المسبيين الذين رجعوا من بابل إلى أورشليم كانوا ضعفاء آيسين ولكن الله وهب لهم قوة من مصدر خفي كمجرى الزيت إلى المنارة الذي رآه النبي دون سائر الناس فتشجعوا حتى قدروا أن ينتصروا على كل الموانع ويتمموا بناء الهيكل ويخرجوا الحجر الأخير هاتفين «كرامة كرامة له» (زكريا ٤: ٦ و٧). فقال الله إنه هكذا يكون في الوقت المشار إليه في هذه الرؤيا فإن شاهدَي الله يقفان ثابتين بقدرة غير عادية «لا بالقدرة (المعتادة) ولا بالقوة «البشرية بل بنعمة الله» فيشهدان للمسيح ولإنجيله على كل ظلم وكذب في وسط عالم مضطهد وكنيسة ظاهرة مفسدة بالعالم وبالضلال وقوله «سأعطي لشاهدي» قول الله نفسه» وقال «شاهدي» لأن شريعة موسى تطلب على الأقل شاهدَين لإثبات الدعوى بدليل قول موسى «لاَ يَقُومُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى إِنْسَانٍ فِي ذَنْبٍ مَا أَوْ خَطِيَّةٍ مَا مِنْ جَمِيعِ ٱلْخَطَايَا ٱلَّتِي يُخْطِئُ بِهَا. عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ عَلَى فَمِ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَقُومُ ٱلأَمْرُ» (تثنية ١٩: ١٥). وكثيراً ما ذُكر في الكتاب المقدس إن اثنين عملا معاً في خدمة الله. ومن أمثال ذلك موسى وهارون ويشوع وكالب وإيليا وأليشع ويهوشع الكاهن العظيم في أيام زكريا وزربابل ومن إرسال المسيح للتبشير من تلاميذه اثنين اثنين وبولس وبرنابا وبولس وسيلا. وكان من يثبّت حق الله هنا شاهدَين جرياً على سنن الشريعة لكن شعب الله الحقيقيين في كل عصرهم شهوده (أعمال ١: ٨).
فَيَتَنَبَّآنِ أَلْفاً وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْماً يظهر إن هذه المدة كالمدة التي هي اثنان وأربعون شهراً في الآية السابقة. وهذا موافق للثلاث السنين والنصف التي فيها منع إيليا المطر عن أرض إسرائيل عقاباً لهم على عبادتهم للأوثان (لوقا ٤: ٢٥). والوقت الذي شهد فيه المسيح للحق على الكتبة والفريسيين وسوء تعاليمهم. والتنبوء المذكور هنا دعوة الناس إلى التوبة كما دعاهم يونان ويوحنا المعمدان والمسيح والإنباء بالدينونة وإعلان الأمور المستقبلة.
لاَبِسَيْنِ مُسُوحاً هذا علامة الحزن (٢ملوك ٦: ٣٠ ويونان ٣: ٥). وامتاز شاهد الله عن المترفهين المحبين لأنفسهم بآيات إنكار النفس والحزن. وأشار بها إلى احتياج الذين خاطبهم إلى التوبة والاتضاع بالنظر إلى النوازل المتوقع أن تقع عليهم (إشعياء ٢٢: ١٢ وإرميا ٤: ٨ و٦: ٢٦ ويونان ٣: ٥). فإنهم مع كونهم مُذلين ومهانين يحسبون مسوح الحزن مطارف الشرف ممتلئين بروح المسيح. ويكونون كربهم نوراً في العالم حتى لا يكون الله بلا شاهد.