المحطة الأخيرة في أراضي هيرودس. تفاصيل شخصية للراوي.
كانت المحطة الأخيرة للعائلة المقدسة في أراضي هيرودس على بُعد مسافة قصيرة من بلدة تقع على حافة الصحراء، على بُعد حوالي فرسخين من البحر الميت. كانت البلدة تُدعى عنام، أو عنيم، أو عنيم (ترددت بين هذه الأسماء). دخلوا منزلًا منعزلًا؛ كان نُزُلًا للمسافرين في الصحراء. كانت هناك أكواخ وحظائر مبنية على تلة؛ وتنمو بعض الفاكهة البرية في مكان قريب. بدا أن السكان يعملون في رعي الجمال؛ إذ كانت لديهم عدة جمال ترعى في مراعٍ مُسيّجة. كانوا أناسًا متوحشين نوعًا ما، انغمسوا في أعمال النهب والسطو. ومع ذلك، فقد استقبلوا العائلة المقدسة بحفاوة وأكرموا ضيافتهم. في البلدة المجاورة، كان هناك أيضًا العديد من الأشخاص الذين يعيشون حياةً مضطربة، والذين استقروا هناك بعد الحرب. من بينهم، كان هناك رجل في العشرين من عمره تقريبًا في النُزُل، يُدعى روبن.
ذكرت هذه النزل لأول مرة في سردها لسنوات تبشير يسوع، عندما أتى الرب، بعد معموديته في الثامن من أكتوبر، إلى هذا المكان قادمًا من وادي الرعاة، واهتدى رأوبين، وشفى العديد من المرضى بينما كان التلاميذ ينتظرونه في مغارة هفرايم القريبة. وقد علّم في الأماكن التي استراحت فيها العائلة المقدسة، وتحدث إلى السكان عن النعمة التي تُمنح لهم الآن مكافأةً على كرم ضيافتهم السابق. وفي طريقه من هذا المكان إلى مغارة هفرايم القريبة، مرّ بالقرب من الخليل. ويتحدث القديس جيروم ويوسابيوس عن مكان يُدعى أنيم أو أنيم، يقع على بُعد تسعة أميال جنوب الخليل، في منطقة داروما.
(الخميس، ٨ مارس/آذار) رأيتُ العائلة المقدسة، في ليلةٍ مقمرة، تعبر صحراءً رمليةً مغطاةً بشجيراتٍ منخفضة. بدا لي أنني أسافر معهم في عزلة. كان هناك أكثر من خطر، بسبب عددٍ من الثعابين المختبئة بين الشجيرات، حيث كانت تلتف في دوائر تحت أوراق الشجر. اقتربت الثعابين وهي تُصدر فحيحًا، ورفعت رؤوسها نحو العائلة المقدسة التي مرت بسلام، محاطةً بالنور. رأيتُ أيضًا مخلوقاتٍ شريرةً من نوعٍ آخر. كانت لها أجسامٌ طويلةٌ سوداء، بأقدامٍ قصيرةٍ جدًا ونوعٍ من الأجنحة الخالية من الريش، تُشبه الزعانف الكبيرة. مرت بسرعةٍ كما لو كانت تطير: كان هناك شيءٌ يُشبه السمك في شكل رؤوسها. (ربما كانت سحالي طائرة). رأيتُ العائلة المقدسة تصل كما لو كانت على حافة ممرٍ منخفضٍ أو حفرةٍ عميقةٍ في الأرض. أرادوا أن يستريحوا هناك خلف بعض الشجيرات.
كنتُ خائفًا عليهم حينها. كان المكان مرعبًا، فسارعتُ إلى بناء سورٍ لهم من أغصانٍ متشابكة؛ لكن وحشًا مرعبًا، كالدب، اقترب مني، فصمتُّ من شدة الخوف. ثم ظهر لي فجأةً صديقٌ لي كاهنٌ عجوز، كان قد توفي مؤخرًا، في هيئة شابٍ وسيم؛ أمسك بالوحش الشرس من مؤخرة عنقه ورماه بعيدًا. سألته كيف وصل إلى هناك، إذ لا بد أنه كان في مكانٍ أفضل حالًا، فأجابني: “أردتُ فقط مساعدتك، ولن أطيل البقاء”. وأخبرني أيضًا أنني سأراه مرةً أخرى.
هذا المشهد برمته عبارة عن مثلٍ حيّ، جزء من حلم. إنها تريد أن تُظهر الإحسان للمسافرين؛ لكنها لا تستطيع النجاح بسبب خطأ، أو فعل نفاد صبر أو غضب: يندفع الدب نحوها ويمنعها. ثم يأتي إليها صديق متوفى، كانت قد أسدت إليه معروفًا روحيًا ودنيويًا، فيصد الدب، وينقذها بشفاعته من إغراء الغضب الذي كانت معرضة له، إلخ.