سَمِعتُم أَيضاً أَنَّه قِيلَ لِلأَوَّلين: لا تَحْنَثْ، بل أَوفِ لِلرَّبِّ بِأَيْمانِكَ
"أَوْفِ لِلرَّبِّ بِأَيْمَانِكَ" فَتُحِيلُ إِلَى وَصِيَّةٍ أُخْرَى فِي ٱلشَّرِيعَةِ: "وَإِذَا نَذَرْتَ نَذْرًا لِلرَّبِّ إِلٰهِكَ فَلَا تُؤَخِّرِ ٱلْوَفَاءَ بِهِ… وَإِذَا لَمْ تَنْذِرْ نَذْرًا فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْكَ" (تثنية ٱلِٱشْتِرَاع 23: 21–23).
وَهٰنَا يَتَّضِحُ أَنَّ ٱلنَّذْرَ وَٱلْقَسَمَ لَيْسَا وَاجِبَيْنِ، بَلْ فِعْلًا حُرًّا، غَيْرَ أَنَّهُ، مَتَى ٱلْتَزَمَ ٱلْإِنْسَانُ بِهِمَا، أَصْبَحَ مُلْزَمًا أَخْلَاقِيًّا أَمَامَ ٱللَّهِ بِٱلْوَفَاءِ. وَقَدْ سَمَحَ ٱللَّهُ أَحْيَانًا فِي ٱلْعَهْدِ ٱلْقَدِيمِ بِٱلْقَسَمِ بِٱسْمِهِ، لَا لِأَنَّهُ يُرِيدُ ٱلْقَسَمَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ كَعَلَامَةِ ٱنْتِمَاءٍ وَتَعَبُّدٍ لَهُ وَحْدَهُ، وَرَفْضٍ لِلْقَسَمِ بِآلِهَةِ ٱلْأُمَمِ ٱلْمُحِيطَةِ (انظر: خروج 20: 7).
وَبِذٰلِكَ كَانَ ٱلْقَسَمُ، فِي بَعْضِ ٱلْأَحْيَانِ، وَسِيلَةً تَرْبَوِيَّةً لِتَثْبِيتِ ٱلْإِيمَانِ ٱلْتَّوْحِيدِيِّ. إِلَّا أَنَّ ٱلْيَهُودَ فِي زَمَنِ يَسُوعَ ٱنْحَرَفُوا فِي تَفْسِيرِ هٰذِهِ ٱلْوَصِيَّةِ، فَمَيَّزُوا بَيْنَ أَقْسَامٍ "مُلْزِمَةٍ" وَأُخْرَى "غَيْرِ مُلْزِمَةٍ"، زَاعِمِينَ أَنَّ ٱلْقَسَمَ ٱلَّذِي لَا يُذْكَرُ فِيهِ ٱسْمُ ٱللَّهِ صَرَاحَةً لَا يَسْتَوْجِبُ ٱلْوَفَاءَ. وَهٰكَذَا أَفْرَغُوا ٱلْقَسَمَ مِنْ مَضْمُونِهِ ٱلْأَخْلَاقِيِّ، وَحَوَّلُوهُ إِلَى حِيلَةٍ لِلتَّحَايُلِ عَلَى ٱلصِّدْقِ.