ٱلْمَوْتٰى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُم أي اترك موتى النفس يدفنون موتى الأجساد. وأراد بموتى النفوس أصحاب الميت وأصدقاءه غير المؤمنين. فإن للموت في الكتاب المقدس معنيان: حقيقي ومجازي (يوحنا ١١: ٢٥، ٢٦) فكأنه قال له إن هنالك من يهتم بدفن أبيك، فقد دعوتك لتتبعني فلا تلتفت إلى دعوة أخرى. فأراد المسيح بذلك أنه حين يدعو إنساناً، يجب على هذا الإنسان أن لا يتعطل عن الطاعة، لأنها أعظم من كل واجباته نحو الناس كقيام الولد بدفن والده.
رأى بعضهم أن المسيح أراد بذلك أن يمتحن ذلك التلميذ ليرى إن كان مستعداً أن يترك كل شيء من أجله، كما طلب في متّى ١٠: ٢٧ «اَلَّذِي أَقُولُهُ لَكُمْ فِي الظُّلْمَةِ قُولُوهُ فِي النُّورِ، وَالَّذِي تَسْمَعُونَهُ فِي الأُذُنِ نَادُوا بِهِ عَلَى السُّطُوحِ» ولوقا ١٤: ٢٦ «نْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا». وظن البعض أن أقرباءه يمنعونه إن ذهب إليهم عن الرجوع إلى المسيح، أو إن انفعالاته تمنعه عن ذلك الرجوع. ولا ريب في أن هنالك سبباً كافياً لمنع المسيح له من أنه كان في قلبه شيءٌ من عدم عقد النية على البقاء مع المسيح.
ومن فهم من قوله «دَعِ ٱلْمَوْتٰى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ» أن الفريقين موتى بالحقيقة أتى في ذلك معنى مفيداً أيضاً، فإن دفن الموتى ذواتهم مستحيل، فيلزم منه أن ترك الموتى بلا دفن أفضل من أن يترك الإنسان طاعته للمسيح ويهلك نفسه. ولكن ذلك بعيدٌ عن ظاهر الكلام.