لما بلغ عمره المائة وخمسة سنوات 105
كان قد امتلا صيته فى العالم كله وكانت صحارى مصر الشرقية والغربية قد امتلأت بالأديرة والرهبان وكانت اشبه بأبراج الحمام وملأنه من النساك والعباد وكان قد اضحى عمره يشرف على نهاية رحلته الطويلة فاخذ يجول يتفقد الرهبان فى الاديرة ويزور تلاميذه ويعطيهم نصائح ويحثهم على القيام بواجباتهم المقدسة ومما قال لهم واعظا اياهم ” هذه اخر زيارة اقوم بها لكم لان اخيرا قد قرب وقت ارتحالى فقد اشرفت على المائة وخمس اعوام فسوف افارقكم يا اولادى لكنى لا انفك عن محبتكم وانما ارجو ان تدوموا بكل غيره ممارسين اعمالكم المقدسة ولا تتراخوا ابدا اياكم ان يخمد نشاطكم فى تتميم واجباتكم واجعلوا الموت كل يوم نصب اعينكم واجتهدوا بعناء كلى فى ان تحفظوا انفكسم طاهرة وخالية من الافكار الرديئة ابذلوا الجهد فى اقتفاء اثار القديسين واتبعوا بكل شجاعة طريق الحق وحذار من ان تشتركوا مع شيع الهراطقة الذين تعرفون رداءتهم واعمالهم الذميمة واهربوا كما تهربون من الطاعون من الاريوسيين المعروف كفرهم عند كل الناس وايضا المانيين المنشقين . وان كان الحكام يساعدون ويناضلون مع الاريوسيين فلا تتعجبوا قط لان هذه السلطة الوهمية التى اختلسوها لابد ان تتلاشى بل فليكن ذلك محرضا لكم بزيادة على ان لا يكون لكم اقل علاقة معهم حافظوا بكل تقوى على تقليدات ابائكم واثبتوا بالاخص فى ايمان سيدنا يسوع المسيح له المجد الذى تعلمناه من الكتب المقدسة والذى فسرته لكم مرارا “.
وبعد ذلك رجع الى صومعته فى الجبل الداخلى وشعر بعض شهور قليلة بمرض شديد فدعا تلميذيه مكاريوس ابو مقار الكبير واما ناس ( اموناس ) الذين استمروا فى النسك حوالى 15 عام وخاطبهم قائلا : ” اننى كما هو مكتوب ذاهب فى طريق الاباء لاننى ارى اننى دعيت من الرب فكونوا ساهرين ودوموا على البر حسب عادتكما ولا تفقدا ثمرة اعمالكم المقدسة التى مارستماها منذ سنوات عديدة ولكن اجتهدوا كانكما مبتدئين لانكم تعلمون خداع الشياطين وقساوتهم ولا تجهلان ضعفه فلا تخافوه بل بالحرى تنسمو المسيح دوما وعيشا كأنكما مزمعان ان تموتا كل يوم واسهروا دون انقطاع على نفسيكما وتذكرا التعالم التى ارشدتكما اليها غالبا ولا تشتركان قط مع المنشقين ولا مع الهراطقة الاريوسيين لانكما تعلمان جيدا كيف كنت دائما محتقرا لهم بسبب هرطقتهم المرزولة لانهم تجاسروا لى محاربة المسيح وتعاليمه . ابذلا الجد والجهد لتتخذا اولا معه ثم مع القديسين لكى يقبلوكما كاصدقاء واصفياء فى ملكوت السموات اطبعا هذه الاشياء على صفحات قلوبكم . وان شئمتا ان تبرهنا على محبتكما لى وانكما تتذكرانى كأبيكما فلا تسمحا ان ينقل جسدى الى مصر خوفا من ان يحفظه اهلها فى بيوتهم وهذا هو السبب الذى حملنى على الفرار لاموت فوق هذا الجبل فادفنانى اذا تحت الارض ولا تقرا لاحد عن موضع لجسدى اذا جاء يوم القيامة اقتبل هذا الجسد من يد يسوع المسيح بكر القيامة خاليا من الفساد
اما ثيابى فوزعاها هكذا . اعطيا لاثناسيوس الاسقف احد جلود الغنم والرداء الذى استلمته منه جديدا ولكنه عتق معى وللأسقف سرابيون جلد الغنم الاخر واحفظنا لكما مسحى استودعكما الله يا ولدى العزيزين . ان انطونيوس يغادركما ويتخلف عنكما فانا راحل ولن ابقى معكما فيما بعد . وبعد نصائحه هذه لتلميذيه اقترب اليه هذين وقبلاه وعانقاه وهما يبكيان . وفى الحال رفع رجليه على سريره وامتد عليه منتظر الموت وكانت طلعته بهية وكان لم يكن نظره قد ضعف او سقط احد اسنانه وكان مسرورا وفرح كانه ينتظر أصدقائه وكان يسطع نورا . وعندئذ قد انتقلت روحه الطاهرة الى الامجاد السماوية . وكان ذلك فى يوم 22 من شهر طوبه عام 356 م كانت نياحته .
فقام الاثنين بتكفينه واخفياه قبره حسب رغبته ووزعا متروكاته كما اوصى فكان من ناله شئ منها يعتبر كنزا عظيما يفوق الجواهر . فلم يعرف احد قط قبره الا تلميذيه الاثنين فقط
وقد دفن جسده الطاهر امام باب الهيكل القبلى الكنيسة التى بناها فى حياته للسيدة العذراء سميت بعد ذلك باسمه ولم تزل حتى اليوم تضم ذلك الجسد الطاهر داخل دير عظيم شيد فى ايام الانبا انطونيوس بجوار مغارته بجبل العربة . وهو الان ديره العامر فى البحر الأحمر وبه مغارته والماء الذى ينزل من الصخور نقطة ويتجمع فى مجرى فى الجبل وهو المصدر الوحيد للماء هناك للدير ويقدر كمية الماء بنحو فو 100م3 يوميا وهى مياه نقية جدا .