السَّعادَةُ عَلَى الأَرْضِ
لا تَقْتَصِرُ السَّعادَةُ عَلى المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ هذِهِ الحَياةِ الأَرْضِيَّةِ، حينَ تَنْتَهي المُشْكِلاتُ وتُحَلُّ العُقَدُ، بَلْ نَجِدُ بُذورَ السَّعادَةِ هُنا على الأَرْضِ، عِندَما نَعيشُ رِسالَةَ التَّطْوِيباتِ. فَقَدْ أَعْلَنَ يَسوعُ السَّعادَةَ لِلْفُقَراءِ، والوُدَعاءِ، والمَحْزونينَ، والمَظْلومينَ، والمُضْطَهَدينَ، والرُّحَماءِ، والسّاعِينَ إِلى السَّلامِ. غيرَ أَنَّهُ يَكْفي أَنْ نُلْقيَ نَظْرَةً حَوْلَنا لِنُلاحِظَ أَنَّ الفُقَراءَ ما زالوا فُقَراءَ، وكَأَنَّ تَبْشيرَ يَسوعَ بِالسَّعادَةِ قَدْ باءَ بِالفَشَلِ.
غيرَ أَنَّ الواقِعَ يُبيِّنُ أَنَّ يَسوعَ افْتَتَحَ رِسالَةَ التَّطْوِيباتِ، لَكِنَّهُ عَهِدَ إِلى تَلامِيذِهِ أَنْ يُتابِعوا تَحْقيقَها في العالَمِ. لِذلِكَ فَإِنَّ مُكافَحَةَ الفَقْرِ، وإِدانَةَ الظُّلْمِ، وإِلغاءَ الِاضْطِهادِ، وإِنْهاءَ الحُروبِ، لا تَعودُ إِلى اللهِ وَحْدَهُ، بَلْ تَعودُ إِلَيْنا نَحْنُ، إِلَى الإِنْسانِيَّةِ. غيرَ أَنَّ اللهَ يَهْدي، وَيَهَبُ القُوَّةَ، وَيُحَرِّكُ القُلوبَ الَّتي تَبْذُلُ نَفْسَها بِمَحَبَّةٍ في نَشْرِ تَطْوِيباتِ الإِنْجيلِ. وهكَذا يَنْتَشِرُ، مِنْ خِلالِهِم، نُورُ هذِهِ الرِّسالَةِ في العالَمِ.
لِذلِكَ لا يَحِقُّ لأَحَدٍ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلى "فَشَلِ" رِسالَةِ التَّطْوِيباتِ على الأَرْضِ، ما دامَ لَمْ يَبْذُلْ كُلَّ ما في إِمْكانِهِ—وبِجَميعِ الوَسائِلِ المُتاحةِ في دائرَةِ نُفوذِهِ—مِنْ تَقادُمِ الأَموالِ والمَسْؤولِيّاتِ، وَالعَمَلِ المِهْنيِّ، وَالنِّقابيِّ، َالسِّياسيِّ، كَيْ لا يَبْقى فُقَراءُ ولا مَظْلومونَ ولا مُضْطَهَدونَ. ويَتَوَجَّبُ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُضْفِيَ مَعْنًى مَسيحيًّا على مُخْتَلَفِ نَشاطاتِهِ البَشَرِيَّةِ في سَبيلِ كَرَامَةِ الإِنْسانِ وَنُموِّ الشُّعوبِ، وبِذلِكَ يَكونُ قَدْ ساهَمَ حَقًّا في تَحْقيقِ رِسالَةِ التَّطْوِيباتِ على الأَرْضِ.