مفهوم السَّعادَة
لَفْظَةُ "طُوبَى"، بِاليونانيَّة μακάριος، هِيَ كَلِمَةٌ ذاتُ أَصْلٍ عِبْرِيٍّ אַשְׁרֵי، وَمَعْناها: بَرَكَةٌ أَو سَعادَةٌ. وتُسْتَعْمَلُ لِتَهْنِئَةِ شَخْصٍ عَلَى عَطِيَّةٍ نالَها (متى 13: 16؛ 16: 17)، أَو لِتَبْشيرِ فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ بِالسَّعادَةِ (متى 11: 6). وكَثيرًا ما وَرَدَتْ فِي الأَناجيلِ، مِثْلَ: "فَطُوبَى لِمَن آمَنَتْ" (لوقا 1: 45)، وَقَوْلِ يَسوعَ: "بَلْ طُوبَى لِمَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ اللهِ وَيَحْفَظُها" (لوقا 11: 27–28). كما تُعَبِّرُ التَّطْوِيباتُ في الإِنْجيلِ المُقَدَّسِ عَن تَهْنِئَةٍ لِعَطِيَّةٍ تَمَّ مَنْحُها، أَو وَعْدٍ لِمَنْ يَتَقَبَّلُ رِسالَةَ سَيِّدِنا يَسوعَ الْمَسيحِ، كما جاءَ في قولِهِ: "طُوبَى لِمَنْ لا أَكونُ لَهُ حَجَرَ عَثْرَةٍ" (متى 11: 6). ومِنْ هُنا جاءَ لَقَبُ "طُوباويّ" الَّذي يُطْلَقُ عَلى كُلِّ مَنْ عاشَ سِيرَةً صالِحَةً عَلَى خُطى السَّيِّدِ الْمَسيحِ. وَعَلى هذَا الأَساسِ، لا يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ إِنْسانًا يَكونُ تِلْميذًا لِلْمَسيحِ وَلا يَكونُ سَعيدًا، لأَنَّ السَّعادَةَ هِيَ ثَمَرَةُ السَّيْرِ مَعَهُ.
السَّعادَةُ في التَّطْوِيباتِ لا تَعْني مُجَرَّدَ غِبْطَةٍ أَو شُعورٍ عابِرٍ بِالفَرَحِ، بَلْ هِيَ سِمَةٌ تَمَسُّ طَبيعَةَ الشَّخْصِ وَحَياتَهُ الدَّاخِلِيَّةَ. فالرَّبُّ لا يُقَدِّمُ لِتَلامِيذِهِ مُكَافَآتٍ خارِجِيَّةً فَقَط، بَلْ عَطايا تُغَيِّرُ دَاخِلَهُمْ: يَحْمِلونَ رَحْمَتَهُ، وَسَلامَهُ، وَنَقاوَتَهُ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أُوغسطينوسُ ذلِكَ قائلًا: "جَميعُ الْمُطَوَّبينَ سَيُعايِنونَ اللهَ، لَكِنَّهُمْ لا يُعايِنونَهُ بِسَبَبِ فَقْرِهِمْ بِالرُّوحِ أَو وَداعَتِهِمْ أَو حُزْنِهِمْ أَو جُوعِهِمْ وَعَطَشِهِمْ إِلَى الْبِرِّ أَو رَحْمَتِهِمْ، بَلْ بِسَبَبِ نَقاوَةِ قُلوبِهِمْ. فالتَّواضُعُ يُؤَهِّلُ لِمَلَكوتِ السَّماواتِ، وَالوَداعَةُ لِامْتِلاكِ الأَرْضِ، وَالحُزْنُ لِنَوالِ التَّعْزِيَةِ، وَالجُوعُ وَالعَطَشُ إِلَى الْبِرِّ لِلشِّبَعِ، وَالرَّحْمَةُ لِنَوالِ الرَّحْمَةِ، أَمَّا نَقاوَةُ القَلْبِ فَلِمُعايَنَةِ اللهِ". وبِكَلِمَةٍ أُخْرَى، فَالتَّطْوِيباتُ تَصِفُ مَعْنَى تَبَعِيَّةِ الْمَسيحِ، وَهِيَ مِعْيارٌ لِلسُّلوكِ، إِذْ "تُنيرُ الأَفْعالَ وَالْمَواقِفَ الَّتي تُميِّزُ الحَياةَ الْمَسيحيَّةَ، وَتَدْعَمُ الرَّجاءَ في وَسَطِ الْمُضايِقِ"(التَّعْليمُ المَسيحيّ، 1717).