«فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيراً»
فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً (لوقا ٤: ٢). لم يكن يصوم نصف النهار ويأكل في النصف الآخر كما كان صوم اليهود أحياناً جرياً على تقاليدهم، بل صام الأيام الأربعين كلها. وهذا الصوم كان فوق الطبيعة، فلا يصح أن يكون مثالاً لشعبه. ولم يأمرنا الإنجيل أن نفعل شيئاً سنوياً مثل ذلك. فالمسيح صام مرة في حياته وذلك نيابة عنا. وهذا لا ينافي كون الصوم من الواجبات المسيحية (متّى ٦: ١٦). ولكن لا يتحتم علينا أن نجعل أعجوبة المسيح قياساً لواجباتنا، ولا يستحق تبديل الأطعمة أن يسمى صوماً.
جَاعَ أَخِيراً أي بعد نهاية الأربعين يوماً. ونستنتج من ذلك أنه لم يجُع أثناءها، فانقطاعه عن الطعام كل تلك المدة أمر خارق للطبيعة، لا من باب إنكار الذات المؤلم. فذلك لم يكن لنقتدي به. وعندما صار من تلك الحال إلى حال الطبيعة البشرية جاع. وهذه أول مرة ذكر الإنجيل أن سيدنا شاركنا في الاحتياجات الجسدية، فقد حارب عدوَّه وانتصر عليه، مع أن التجربة كانت في عظيم قوتها وجسده أقل قوة منها. واحتمل الجوع لأجلنا في البرية والعطش على الصليب. وكثيراً ما تأتينا التجارب اليوم من الاحتياج الجسدي، ولكن يمكن أن الإنسان يعوزه الخبز ويكون عزيزاً لدى الله.