" قايين وجد أن قربانه غير مقبول كأخيه، فدخله الحسد... وكان هذا الحسد بدء الشر الذي دخل قلبه، وانتهى به إلى قتل أخيه... إذًا قايين لم يكن يسعى إلى محبة الله، وإلى إرضاء قلب الله، إنما كان يبحث عن كرامته الشخصية ورضاه عن نفسه وعن مركزه. لو كان يبحث عن محبة الله، لكان في حالة رفض الله لقربانه، يفتش كيف يرضي الرب، ولا مانع من أن يغير قربانه، ويقدم ذبيحة كهابيل، ويحسن تصرفه. ولعل هذا ما قصده الرب بقوله له "إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ؟" (تك 4: 7)، أي أفلا يرتفع وجهك، إن أحسنت التصرف، وإن أحسنت التقدمة، وإن أحسنت التفكير والشعور... كانت أمامه فرصة لتحسين موقفه، ولكنه لم يستغلها، ولم يستفد من توجيه الرب، الذي تنازل وكلمه... كان أمامه أن يتضع، ويشعر أن قربانه " من ثمار الأرض " ليس هو حسب مشيئة الرب، وإنما مشيئة الرب هي أن يقدم ذبيحة، محرقة سرور للرب، كما فعل أخوه البار هابيل. ولكن قايين لم يشأن أن يعترف بينه وبين نفسه أنه مخطئ في تقدمته، وأنه يجب أن يسلك كأخيه. إنما ركز على كرامته. كانت ذاته تتعبه. وليته كان يحب ذاته محبة سليمة... وهكذا كان قايين، محبته لذاته، حطمت هذه الذات...
قايين أيضًا ركز كل تفكيره في ذاته، كيف يتفوق على أخوه ويحظى برضى الرب..؟! فرأى أن يتخلص من أخيه... كانت كبرياء الذات، أهم عنده من نقاء الذات...
حنو من الله، أن يظهر للخاطئ، ويشرح له، ويحذره قبل أن يسقط، ويريه طريق التخلص من خطيته، ويسنده بنصائحه في وقت تجربته ومحاربة العدو له. قد يخطئ البعض، ويظن أن الله لا يظهر إلاَّ للقديسين! إن ظهوره لقايين قبل سقوطه في خطية القتل، وتحذيره له، إنما هو مثال عجيب لمحبة الله وطول أناته في العهد القديم، بل منذ بدء الخليقة... وكأنه يقول لقايين: تعال يا حبيبي، لماذا أنت مغتاظ، ولماذا يسقط وجهك؟ أنا أريد أن أخلصك من غمك، وأعيد إليك سلامك. إن الخطية هي التي أفقدتك سلامك. تخلص منها، يرجع إليك سلامك... لا تظن أن هابيل سبب متاعبك... كلاَّ إن متاعبك سببها الخطية الرابضة، فأفحص نفسك جيدًا... لو كانت في قلبك محبة، لكنت تفرح وتسر، إن رضى الرب على أخيك، فلا تغتم ولا تغتاظ. بالمحبة تفرح لفرح أخيك، ولقبول قربانه. والعجيب أن قايين، بعد أن كلمه الله، لم يستجب لكلمة الله، ولم يفتح قلبه، بل فتحه للخطية... بعد أن نصحه الرب، لم يستفد من النصيحة، إنما تورط في الخطية، وبالأكثر، قام على أخيه فقتله"
قداسة البابا شنودة الثالث