والواقع النبوي يشهد بأن هذه البشارة نشيد من أناشيد الرجوع من جلاء بابل. والدعوة ليست فقط للصحراء (42 : 11)، بل قبلها للبحر وجزره (42 : 10)، ثم لأهل الجبل (42 : 11) فهي تعم البشرية لإعلان انتصار الله علي الأصنام بتحرير أهل التوحيد من جلاء بابل (42 : 17) هذا هو نشيد الحمد لأيام الله في إسرائيل فمن التعسف المفضوح اقتصار الحمد علي "الصحراء التي سكنها قيدار"، للاستنتاج منها أنها بشارة بهداية الجزيرة العربية إلي طريقة جديدة لحمد الله . والقرآن صريح بأنه ليس طريقة جديدة لحمد الله، إنما هو "ذكر من معي وذكر من قبلي"، ذكر من "سما المسلمين من قبل وفي هذا" القرآن (الحج 78): فيه يشرع للعرب دين موسي وعيسي معاً بلا تفريق (الشوري 13) فالاقتصار الثاني علي إسلام القرآن ينقض القرآن كله. والواقع التاريخي يشهد بأن اليهودية عمت الحجاز قبل الإسلام، وأن المسيحية سادت في أطراف الجزيرة كلها، ودخلت النصرانية مكة والمدينة قبل القرآن، بشهادة القرآن نفسه فلا يصح اقتصار "الحمد الحديد" علي الإسلام وحده. فقد سبح أهل قيدار، في شمال الحجاز، بالحمد التوراتي والإنجيلي، قبل القرآني، بمئات السنين، فمثلا تنحصر النبؤة في محمد والإسلام، حتي تكون بشارة بهما . فالواقع التاريخي والواقع النبوي يأبيان ذلك التخريج الإعتباطي
البشارة التاسعة : "ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد ! اندفعي بالترنيم واصرخي أيتها التي لم تتمخض، فإن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل قول الرب" (أشعياء 54 كله)
قالوا : المراد بالعاقر هنا مكة لأنه لم يقم فيها نبي بعد إسماعيل، ولم ينزل فيها وحي، وتعبير "بني المستوحشة" إشارة إلي أولاد هاجر، أم إسماعيل، ومطلقة إبراهيم و"الحداد" المذكور فيها (54 : 16) إشارة إلي محمد، قاتل المشركين بسيفه.