![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : ( 9 ) | |||
|
سراج مضئ | الفرح المسيحى
|
يبقى لنا الآن أن نعود إلى أهمّ ما جاء في الجهد الجديد من نصوص توضح من جِهة علاقة الابن بالآب، ومن جهة أخرى علاقة الروح القدس بالآب والابن، وعمل الروح القدس في الكنيسة، لنستخلص منها إيمَان العهد الجديد بالثالوث الأقدس. 1- الآب والابن ء) الله أب لجميع الناس لقد أوضحنا في أبحاثنا السابقة كيف ظهر الله من خلال تعليم يسوع وعمله أبًا لجميع الناس: فهو الإله القريب من الإنسان. وهو يعتني بهم أفضل ممّا يعتني بطيور السماء وزنابق الحقل. وهو الأب الذي يعرف أن يمنح العطايا الصالحة لأبنائه. وهو الأب الرحيم الذي يسعى بنفسه لطلب الخروف الضالّ، وينتظر عودة ابنه الشاطر ليعيده إلى فرح الحياة معه. وقد أظهر يسوع في أعماله أبوّة الله هذه. فنراه يغفر للعشّارين والخطأة: لخلعّ كفرناحوم، وللمرأة الزانية، ولزكا العشّار. ب) الله أب ليسوع بنوع خاص لقد صنع يسوع في حياته أموراً خاصة بالله. فغفر الخطايا، و"ما من أحد يقدر أن يغفر الخطايا إلاّ الله وحده" (مر 2: 7). ونقض شريعة السبت التي وضعها الله نفسه (مر 2: 29). وكان في تعليمه يتكلّم بسلطة إلهية: "سمعتم أنه قيل للأقدمين.. أما أنا فأقول لكم.." تلك كانت نقطة الانطلاق للإيمَان بالثالوث الأقدس في بدء المسرحية. فلقد آمن تلاميذ يسوع أنّ الله نفسه بكل قدرته قد ظهر لهم في شخص يسوع المسيح، وأنّه يمكن من ثمّ لكل إنسان ملاقاة الله في شخص يسوع المسيح. وقد تثبّت هذا الإيمان بقيامة يسوع من بين الأموات. فبعد قيامة يسوع راح الرسل يكرزون أنّ يسوع الناصريّ الذي صلبه اليهود قد أقامه الله، وبقيامته أعلن للعالم أجمع صدق رسالته، وأدخله في مجده الإلهي، "وجعله ربّا ومسيحا" (أع 2: 36)، كما يقول بطرس الرسول في خطبته الأولى بعد العنصرة. لقد آمنت الكنيسة الرسوليّة أن يسوع، بقيامته، قد حصل على أعلى كرامة إلهية. وهذا ما تشير إليه الألقاب المختلفة التي دعته بها. فآمنت أنه هو "اِلمسيح"، معبّرة بذلِك عن إيمانها بأنّ الله قد أقام فيه الملكوت الذي وعد به منذ العهد القديم. ودعته "ابن البشر"، منتظرة أن يأتي من جديد للدينونة وقيامة الأموات وبدء زمن خلاص جديد. ودعته "ابن الله"، وهذا اللقب هو، في الأصل لقب من ألقاب المسيح، الملك الماسيوي، كما جاء في المزمور 2: 7: "أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك" (راجع أع 12: 33) ودعته "الرب"، وهذا اللقب هو أيضاً أحد الألقاب الماسيوية، والدليل على أنّ الكنيسة الناشئة قد استعملته، العبارة الليتورجية الآرامية "ماراناثا" (أيها الرب، تعالَ) (راجع 1 كو 16: 22؛ رؤ 22: 20؛ 1 كو 11: 26). ماذا تعلّمنا تلك الألقاب عن يسوع؟ اذا نظرنا إلى تلك الألقاب في ذاتها، قد نخلص إلى القول إن الكنيسة الرسولية قدّ تطورت في التعبير عن إيمانها بيسوع. فانتقلت من الإيمان بأن يسوع هو المسيح- وهذا الإيمان نشأ في محيط يهوديّ- إلى الإيمان بأن يسوع هو ابن الله والرب، وهذان التعبيران هما من المحيط اليونانيّ. وهكذا قد يرى البعض أنّ الجماعة المسيحية كانت ترى في يسوع مجرّد إنسان تبنّاه الله، ثم انتقل هذا الإيمان إلى الجماعات اليونانيّة التي راحت تعلن أنّ يسوع هو ابن الله منذ الأزل، وأن حياته على الأرض لم تكن سوى فترة قصيرة عاد من بعدها إلى المجد السماوي. إنّ هذا التفسير لإيمان العهد الجديد بالمسيح خاطئ، لأنه يستند إلى نقطة انطلاق خاطئة. فالجماعات المسيحية الأولى بدأت بالقول إن المسيح الذي انتظره العهد القديم، المسيح الذي هو ابن البشر وابن الله والرب، قد أتى. وهو يسوع الذي من الناصرة. فالتعبير الإيماني الأوّل بدأ إذاً على الشكل التالي: ان المسيح الموعود به هو يسوع وابن البشر المنتظر هو يسوع، وابن الله هو يسوع، والرب هو يسوع. وفي هذا التعبير تبدو ألقاب المسيح وابن البشر وابن الله والرب ألقابًا مترادفة مع فروق دقيقة. ولكن في ما بعد قُلبت هذه التعابير للتعريف بيسوع تعريفًا واضحًا فقيل يسوع هو المسيح وابن البشر وابن الله والرب. وتحوّل مدلول تلك الألقاب وصارت كأنّها وصف موضوعيّ ليسوع وتعبير واضح عن علاقته بالله. أمّا في الواقع فان تلك الألقاب لا تهدف إلى إزاحة الحجاب عن سر علاقة يسوع بالله، ولا إلى إدخال تلك العلاقة في نظرة معهودة من تاريخ الديانات. فكل ما أكّدته الكرازة الرسولية يبقي سرّ يسوع قائمًا، ولا يهدف إلاّ إلى إتاحة المجال للمؤمن للبلوغ إلى المسيح الحيّ. وقيامة يسوعٍ قد ثبّتت هذا الإيمان: فبها أعلن الله أن كلّ ما عمله يسوع وتكلّم به كان بقدرة الله، فهو إذاً مرسل الله ومسيح الله. وبقيامة يسوع أعلن الله أنّ كلّ مؤمن يستطيع اليوم الوصول إلى الله بواسطة المسيح، الذي يملك الآن أيضاً قدرة الله. وهذا ما تشير إليه العبارات التالية: "إن يسوع قد ارتفع بيمين الله" (أع 2: 33)، و"جلس إلى يمين الله" (أع 2: 34، رو 8: 34)، و"أُعطي كل سلطان في السماء وعلى الأرض" (متى 28: 18)، و"جُعل ربًّا ومسيحًا" (أع 2: 36). لذلك "تجثو لاسم يسوع كلّ ركبة ممّا في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض ويعترف كلّ لسان أنّ يسوع المسيح هو ربّ لمجد الله الآب" (في 2: 10- 11). لا ريب في أن الجماعة المسيحية الناشئة لم تبحث بشكل مفصّل بالعلاقة التي تربط المسيح بالله كما ستفعله المجامع المسكونية الأولى، ولم تلجأ لذلك إلى التعابير الفلسفية التي ستستخدمها الكنيسة في ما بعد. إلاّ أنها عبّرت عن العلاقة ذاتها بتعابير وتصاوير أكثر واقعية: فجلوس المسيح عن يمين الله لا يعني شيئًا دقيقًا بالنسبة إلى علاقة يسوع الكيانيّة بالله، إنّما هو صورة للتعبير عن أعلى مرتبة يمكن لإنسان الوصول إليها. فيسوع قد أعطي سلطة الله نفسه، لذلك يتّخذ كلّ ما قاله وعمله على الأرض بعدًا إلهيًا. ج) تحليل بعض نصوص العهد الجديد التي تظهر علاقة الابن بالآب * تجارب يسوع: "إن كنت ابن الله" (متى 4: 1- 11) تبدأ التجربتان الأوليان بقول المجرّب ليسوع: "إن كنت ابن الله فمُرْ أن تصير هذه الحجارة خبزًا"، "إن كنت ابن الله، فألقِ بنفسك إلى ما أسفل، لأنه مكتوب: إنّه يوصي ملائكته بك يحملك على أيديها، لئلاّ تصدم بحجر ما رجلك". نحن هنا بصدد المفهوم الصحيح للبنوّة الإلهية، لعلاقة الابن بالآب فتجربة الإنسان تقوم على أن يرى في البنوّة الإلهية وسيلة لاستخدام سلطة الله في سبيل التحرّر من معطيات الطبيعة البشرية وصنع الخوارق والمعجزات. تلك هي نظرة الأساطير اليونانية إلى "أبناء الله"، أولئك الأبطال الذين ولدوا من تزاوج الإلهة وصاروا قادرين على صنع الأعمال الخارقة. فابن الله في تلك النظرة الأسطورية يحلّ محلّ الله ويستخدم قوة الله لمآربه الخاصة، بدل أن يكون هو في خدمة إرادة الله. وتبيّن التجربة الثالثة نتيجة تلك النظرة الشيطانيّة للبنوّة الإلهية: "أعطيك ممالك الدنيا ومجدها، إن خررت ساجدًا لي". فما يَطلبه المجرّب من يسوع هو التخلّي عن البنوّة الإلهية ليصير خادم الشيطان "ابي الكذب" (يو 8: 44). إن علاقة ابن الله بالآب، في الإنجيل، هي علاقة خضوع وخدمة. فالله يبقى، بالنسبة ليسوع، الإله الذي من كلمته يحيا: "إنّه لمكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله". كما يبقى أيضاً بالنسبة إليه "الربّ الإله الذي لا يجوز أن يجرَّب: "لا تجرّب الربّ إلهك" إن الجماعة المسيحية الأولى لا ترى أيّ تناقض بين كرامة البنوّة الإلهية وخضوع الابن لله الآب. |
|||
|
|