«أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ، إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ ٱلْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنِ ٱلْخَلاَصِ ٱلْمُشْتَرَكِ، ٱضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظاً أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ ٱلإِيمَانِ ٱلْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ».
إِذْ كُنْتُ أَصْنَعُ كُلَّ ٱلْجَهْدِ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ أظهر بهذا شدة اشتياقه إلى تكميل قصده قبل أن أخذ في كتابة هذه الرسالة فإنه تأمل في الموضوع وردّده في باله حتى يجد أحسن طريق للتعبير عن أفكاره.
عَنِ ٱلْخَلاَصِ ٱلْمُشْتَرَكِ أي الذي تمتع به المؤمنون من اليهود والأمم. ولم يقصد يهوذا التكلم في موضوع مختص بجزء من المؤمنين. واعتبر الأمور الجوهرية في هذا الخلاص نيله والتمتع به وحفظهم إياه لأن القرينة تدل على كونهم عرضة لخطر أنهم يُخدعون في مبادئ الخلاص وجوهرياته وأن يستخفوا بها. فمتى رأى راعي الكنيسة الخطر مقبلاً على رعيته واجتهد في أن ينبهّهم عليه وجب على الرعية أن تجتهد في الانتباه لتنبيهه وأن تحترس من الخطر.
ٱضْطُرِرْتُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظاً أبان بهذا غايته من الرسالة وهي توبيخ المعلمين الكذبة الذين يضلونهم وتحذير المؤمنين من الإصغاء إليهم.
أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ ٱلإِيمَانِ الإيمان الذي وجب أن يجتهدوا لأجله هو الذي عرضه عليهم الإنجيل لكي يؤمنوا به أي جوهر الدين المسيحي كما علّمه المسيح ورسله. وسماه «الإيمان» لأنه المبدأ الجوهري فيه ولأن الدين المسيحي ليس بشيء بلا الإيمان.
ٱلْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ أي الذي أعلنه الله كاملاً بكلامه وبابنه وبروحه وبرسله ولا يحتاج أن يُضاف إليه شيء. فكل ما اعتقاده ضروري معلن في الكتاب بدليل قول بولس «إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ ٱلسَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا... إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا» (غلاطية ١: ٨ و٩). فعليهم أن لا يتركوا شيئاً من ذلك الإيمان. ولكونه لائقاً بالله منشئه وضرورياً للإنسان وجب حفظه بلا تغيير. ويحق للمؤمنين أن يتوقعوا زيادة المعرفة بذلك الإيمان ويجب عليهم أن لا يتوقعوا إعلاناً آخر. وهذا دليل قاطع على أن لا قيمة للتقاليد. والمراد «بالقديسين» هنا المؤمنون بالنظر إلى كونهم مدعوين للقداسة وإن الله أعطاهم وسائل نيلها (أعمال ٩: ١٣ و٣٢ و٤١). ولقّبهم بذلك تمييزاً لهم عن الفجار المذكورين في الآية الآتية.
والاجتهاد المذكور في هذه الآية هو أن يبذلوا كل ما في طاقتهم في اعتزال كل ما نافى ذلك الإيمان قولاً وفعلاً كما قال بولس عن نفسه «لَمْ نُذْعِنْ لَهُمْ بِٱلْخُضُوعِ وَلاَ سَاعَةً، لِيَبْقَى عِنْدَكُمْ حَقُّ ٱلإِنْجِيلِ» (غلاطية ٢: ٥). وفي هذا إشارة إلى اجتهاد المتبارين في المشاهد اليونانية (انظر تفسير ١كورنثوس ٩: ٢٤). إنه قصد أن يجاهدوا بمقتضى سنن الإنجيل لا بأسلحة جسدية ولا باضطهادات بل بأدلة كتاب الله وبحسن السيرة والتمسك بكل تعاليم الإنجيل. وهذا أوجب على المؤمنين أن يدرسوا كتاب الله حق الدرس ويقرنوا ذلك بالصلاة لكي يعرفوه المعرفة التامة لكي «يبنوا أنفسهم على إيمانهم الأقدس» (ع ٢٠) ويقدروا أن يحاموا عن الحق تجاه المقاومين. فكان من الواجب أن يقتدوا بنحميا وأصدقائه الذين بنوا أسوار أورشليم بيد ودفعوا عنها بالأخرى (نحميا ٤: ١٦ و١٨).