"قالَ هٰذا وَنَفَخَ فيهِم وَقالَ لَهُم: خُذُوا الرُّوحَ القُدُس".
"نَفَخَ فيهِم" فَتَرِدُ في الأَصلِ اليونانيِّ ἐνεφύσησεν(مِنَ الفِعل ἐμφυσάω) وَهُوَ فِعلٌ نادِرٌ في الكِتابِ المُقَدَّس، لا يظهر تقريبًا في العهد الجديد إلا هنا. يَحمِلُ دَلالَةً لاهوتيَّةً عَميقَةً، إنه إعلان الخلق الجديد، إِذ يُعيدُ القارِئَ مُباشَرَةً إِلى مَشهَدِ الخَلقِ الأَوَّلِ: "وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلٰهُ الإِنسانَ تُرابًا مِنَ الأَرضِ وَنَفَخَ في أَنفِهِ نَسَمَةَ حَياة" (تك 2: 7).
فَكَما نَفَخَ اللهُ في آدَمَ الأَوَّلِ فَوَهَبَهُ الحَياةَ، هٰكَذا يَنفُخُ المَسيحُ القائِمُ في تَلاميذِهِ لِيُطلِقَ عَمَلَ الخَليقَةِ الجَديدَةِ. إِنَّها لَحظَةُ خَلقٍ جَديدٍ أَمامَ قِيامَةٍ حَقيقيَّةٍ، لأَنَّ اللهَ هُوَ "الَّذي يُحيِي الأَمواتَ وَيَدعو إِلى الوُجودِ غَيرَ المَوجود" (رو 4: 17).
فَكَما كانَت نَفخَةُ البِدايَةِ بَدايَةَ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ، أَصبَحَت نَفخَةُ المَسيحِ بَدايَةَ الحَياةِ الجَديدَةِ في الرُّوحِ. وَيُشيرُ القِدِّيسُ كيرِلُّس الإِسكَنْدَريُّ إِلى ذٰلِكَ قائلًا: "إِذ نَفَخَ في وُجوهِهِم، جَعَلَهُم شُرَكاءَ في طَبيعَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ، وَأَعادَ في الإِنسانِ جَمالَ الصُّورَةِ الأُولى" (pg 74: 721). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أُوغُسطينوس عَلَى هٰذِهِ النَّفخَةِ قائلًا: "لَم يَنفُخْ مِن خارِجِهِ، بَلْ مِن ذاتِهِ، لِيُظهِرَ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَصدُرُ مِنهُ أَيضًا"pl 35: 1957)).
وَهُنا يَرَى آباءُ الكَنيسَةِ في النَّفخَةِ إِعلانًا لِسِرِّ الحَياةِ الثّالوثيَّةِ، وَلِلعَلاقَةِ بَينَ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ. وَكَما فِي الخَلقِ الأَوَّلِ نَالَ الإِنسانُ نَسَمَةَ الحَياةِ، هٰكَذا بِـنَفخَةِ المَسيحِ يَنالُ الإِنسانُ الحَياةَ الأَبديَّةَ. إِنَّها حَرَكَةُ خَلقٍ جَديدٍ وَتَدشينٌ لِعالَمٍ جَديدٍ، لِذٰلِكَ رَبَطَ الآباءُ بَينَ هٰذِهِ النَّفخَةِ وَبَينَ وَهِبَةِ سُلطانِ الحَلِّ وَالرَّبطِ (متى 16: 19)، لأَنَّ غُفرانَ الخَطايا نَفسَهُ يُعَدُّ إِعادَةَ خَلقٍ لِلإِنسانِ السّاقِطِ.