منتدى الفرح المسيحى  


العودة  

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 06 - 11 - 2021, 04:14 PM
الصورة الرمزية بشرى النهيسى
 
بشرى النهيسى Male
..::| VIP |::..

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  بشرى النهيسى غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 124929
تـاريخ التسجيـل : Oct 2021
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : مصر
المشاركـــــــات : 25,621

البابا كيرلس الأول
(القديس كيرلس الكبير | القديس الأنبا كيرلس عامود الدين)
(412 - 444 م.)



المدينة الأصلية له: الإسكندرية، مصر

الاسم قبل البطريركية: كيرلس

من أبناء دير: دير أبو مقار

تاريخ التقدمة: 20 بابه 128 للشهداء - 17 أكتوبر 412 للميلاد

تاريخ النياحة: 3 أبيب 160 للشهداء - 27 يونيو 444 للميلاد

مدة الإقامة على الكرسي: 31 سنة و8 أشهر و10 أيام

مدة خلو الكرسي: شهرًا واحدًا

محل إقامة البطريرك: المرقسية بالإسكندرية

محل الدفن: كنيسة بوكاليا

الملوك المعاصرون: ثيؤدوسيوس الثاني

صور الأب البطريرك: صور قداسة البابا المعظم الأنبا كيرلس الأول، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ24



← اللغة القبطية: pi`agioc Kirilloc أو Papa Kurillou =a.



هو ابن أخت البابا ثاوفيلس البطريرك الـ23، تربى عند خاله في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، ثم أرسله خاله إلى دير القديس مقار في البرية فتتلمذ على أيدي الشيوخ الرهبان القديسين خمس سنوات... ثم رسمه خاله شماسًا وعينه واعظًا وجعله كاتبًا له.

ولما تنيَّح البابا ثاوفيلس أجلسوا هذا الأب مكانه في 20 بابه سنة 128 للشهداء، فاستضاءت الكنيسة بتعاليمه.

قال البعض أن القديس كيرلس عمود الدين هو أول راهب أصبح بطريركًا، وهذا الكلام غير صحيح.. فقد أرسله خاله البابا ثاؤفيلس 23 للأديرة في فترة خلوة ليتتلمذ في الحياة الروحية، ولم يصر راهبًا، ثم أرجعه سكرتيرًا خاصًا له.

رد على مفتريات الإمبراطور الجاحد يوليانوس في مصنفاته العشرة.

رأس المجمع المسكوني بمدينة أفسس (كان مكونًا من مئتي أسقف) وناقش نسطور بطريرك القسطنطينية والذي أنكر أن العذراء هي والدة الإله، وبين له ضلال بدعته.

ومن أعماله الخالدة شرح الأسفار المقدسة. ولما أكمل سعيه مرض قليلًا وتنيَّح بسلام بعد أن أقام على الكرسي المرقسي إحدى وثلاثين سنة وثمانية شهور وعشرة أيام.

تعيد الكنيسة بنياحته في الثالث من شهر أبيب.

صلاته تكون معنا آمين.



السيرة كما ذكرت في كتاب السنكسار

استشهاد القديس كيرلس عمود الدين البابا الـ24 (3 أبيب)

في مثل هذا اليوم من سنة 160 ش. (27 يونية سنة 444 م.) تنيَّح الأب العظيم عمود الدين ومصباح الكنيسة الأرثوذكسية القديس كيرلس الأول البابا الإسكندري والبطريرك الرابع والعشرون.

كان هذا القديس ابن أخت البابا ثاؤفيلس البطريرك الـ23 وتربي عند خاله في مدرسة الإسكندرية وتثقف بعلومها اللاهوتية والفلسفية اللازمة للدفاع عن الدين المسيحي والأيمان الأرثوذكسي القويم وبعد أن نال القسط الوافر من هذه العلوم، أرسله خاله إلى دير القديس مقار في البرية فتتلمذ هناك علي يد شيخ فاضل اسمه صرابامون وقرأ له سائر الكتب الكنسية وأقوال الآباء الأطهار وروض عقله بممارسة أعمال التقوى والفضيلة مدة من الزمان.

ثم بعد أن قضي في البرية خمس سنوات أرسله البابا ثاؤفيلس إلى الأب سرابيون الأسقف الفاضل فازداد حكمة وعلما وتدرب علي التقوى والفضيلة. وبعد ذلك أعاده الأسقف إلى الإسكندرية ففرح به خاله كثيرًا، ورسمه شماسًا، وعينه واعظًا في الكنيسة الكاتدرائية، وجعله كاتبًا له. فكان إذا وعظ كيرلس تملك قلوب سامعيه ببلاغته وفصاحته وقوة تأثيره ومنذ ذلك الحين اشتهر بكثرة علمه وعظم تقواه وقوة تأثيره في تعليمه.

ولما تنيَّح خاله البابا ثاؤفيلس في 18 بابه سنة 128 ش. (15 أكتوبر سنة 412 م.) أجلسوا هذا الأب خلفه في 20 بابه سنة 128 ش. (17 أكتوبر سنة 412 م.) فاستضاءت الكنيسة بعلومه ووجه عنايته لمناهضة العبادة الوثنية والدفاع عن الدين المسيحي وبدأ يرد علي مفتريات الإمبراطور يوليانوس الجاحد في مصنفاته العشرة التي كانت موضع فخر الشباب الوثنيين بزعم أنها هدمت أركان الدين المسيحي. فقام البابا كيرلس بتفنيدها بأدلته الساطعة وبراهينه القاطعة وأقواله المقنعة وطفق يقاوم أصحاب البدع حتى تمكن من قفل كنائسهم والاستيلاء علي أوانيها ثم أمر بطرد اليهود من الإسكندرية فقام قتال وشغب بين اليهود والمسيحيين وتسبب عن ذلك اتساع النزاع بين الوالي وهذا القديس العظيم الذي قضت عليه شدة تمسكه بالآداب المسيحية وتعاليمها أن يقوم بنفسه بطلب الصلح مع الوالي الذي رفض قبول الصلح ولذلك طال النزاع بينهما زمانًا.

ولما ظهرت بدعة نسطور بطريرك القسطنطينية الذي تولي الكرسي في سنة 428 م. في أيام الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني الذي أنكر أن العذراء هي والدة الإله.. اجتمع لأجله مجمع مسكوني مكون من مائتي أسقف بمدينة أفسس في عهد الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني الشهير بالصغير فرأس القديس كيرلس بابا الإسكندرية هذا المجمع وناقش نستور, وأظهر له كفره وهدده بالحرم والإقصاء عن كرسيه أن لم يرجع عن رأيه الفاسد وكتب حينئذ الاثني عشر فصلًا عن الإيمان المستقيم مفندًا ضلال نسطور وقد خالفه في ذلك الأنبا يوحنا بطريرك إنطاكية وبعض الأساقفة الشرقيين منتصرين لنسطور ولكنهم عادوا إلى الوفاق بعد ذلك وانتصر كيرلس علي خصوم الكنيسة وقد وضع كثيرا من المقالات والرسائل القيمة شارحا ومثبتا فيها "أن الله الكلمة طبيعة واحدة ومشيئة واحدة وأقنوم واحد متجسد μία φύσις τοῦ θεοῦ λόγου σεσαρκωμένη" وحرم كل من يفرق المسيح أو يخرج عن هذا الرأي ونفي الإمبراطور نسطور في سنة 435 م. إلى البلاد المصرية وأقام في أخميم حتى توفي في سنة 440 م.

ومن أعمال البابا كيرلس الخالدة شرح الأسفار المقدسة ولما أكمل سعيه مرض قليلا وتنيَّح بسلام بعد أن أقام علي الكرسي الإسكندري إحدى وثلاثين سنة وثمانية شهور وعشرة أيام صلاته تكون معنا. آمين.

معلومات إضافية





هو ابن أخت البابا ثاؤفيلس، ولهذا اعتنى بتربيته وتعليمه، فأدخله أولا المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية فدرس العلوم الفلسفية التي تلزم لكل من يقوم مدافعا عن الدين المسيحي ضد الهراطقة والمبتدعين. ثم أرسله إلى جبل النطرون إلى برية القديس أبى مقار ليتتلمذ لسيراسيون الحكيم، فأقام هناك خمس سنين يقرأ الكتب الإلهية حتى برع في فهم الأسفار المقدسة، فاستدعاه خاله إلى الإسكندرية وبقى معه في قلايته يقرأ بين يديه، ورسمه شماسا وكلفه بالوعظ، فحاز إعجاب سامعيه وكان موضع فرح جميع الكهنة والعلماء حتى أنهم إذا تكلم يشتهون أن لا يسكت لحلاوة ألفاظه.

ولما خلى الكرسي المرقسى بوفاة البابا ثاؤفيلس انتخبه الشعب والإكليروس لتبوء الكرسي المرقسي خلفًا لخاله في هاتور سنة 412 ش. حسب جدول ابن العسال - سنة 129 ش. حسب تاريخ أنبا ساوريرس - وسنة 412 م. في عهد ثيئودوسيوس قيصر الصغير.

وعندما تولى البابا كيرلس كرسي المرقسية كان في مدينة الإسكندرية كثيرون من الهرطقة واليهود الذين عظمت شوكتهم وصار لهم نفوذ عظيمة، فبدأ هذا البطريرك جهاده باضطهاد النوفاسيين أتباع نوفا سيانوس الهرطوقي، الذين كانوا يريدوا أن يحلو النار من خطاياهم، فنصحهم وأوضح لهم سوء معتقدهم الذي يجعل الله عديم الرحمة، فلما أبوا ألزمهم بالخروج من المدينة وطرد أساقفتهم.

وهذه الحوادث حدثت في بدء رئاسة البابا كيرلس ثم اشتعل بعدها بوضع مقالات وميامر وفي الرد على يوليانوس الملك الجاحد الذي وضع عشرة كتب ضد الدين المسيحي، وكانت موضع فخر الوثنين الذين اعتقدوا بأن هذه المقالات ستقوم ضد أركان المسيحية فأخذ البطريرك في الرد عليها وطفق يفندها حتى قضى عليها.

+ ورغم انشغال الأنبا كيرلس بالكتابة والتعليم فإنه وجد الفرصة سانحة لإعادة النظر في الحكم الذي كان قد صدر ضد يوحنا ذهبي الفم. ذلك لأنه كان يعلم أن سلفه الأنبا ثاؤفيلس كان قد ندم على الحكم الذي حكم به على ذلك الحبر القسطنيطيني الكبير، فرفض أن يسافر إلى القسطنطينية في المرة الثانية لحضور المجمع الذي أيد حكم النفي على ذهبي الفم. وكانت بداية الحديث الذي فاه به وهو على وشك الانتقال من هذا العالم وعلى مجمع الأنبا كيرلس مجمع الكرازة المرقسية، أن ألغى حكم الحرم ضد ذهبي الفم ونظمه في عداد الآباء الذين تذكر أسمائهم في صلاة المجمع في كل قداس.

+ ولم يكد الأنبا كيرلس ينتهي من الرد على مقالات يوليانوس الجاحد حتى فوجئ بظهور نسطور بطريرك القسطنطينية المنافق الذي ابتدع هرطقة شنيعة مفادها إنكار ألوهية السيد المسيح له المجد.


وابتدأ فيها بإنكار كون السيدة العذراء مريم والدة الإله، قائلًا "إني أعترف موافقا أن كلمة الله هو قبل كل الدهور، إلا أنى أنكر على القائل بأن مريم والدة الله، فذلك عين البطلان لأنها كانت امرأة، والحال أنه من المستحيل أن يولد الله من امرأة. ولا أنكر أنها أم السيد المسيح إلا أن الأمومة من حيث الناسوت" وبذلك قسم هذا المبدع السيد المسح إلى شخصين معتقدًا أن الطبيعة الإلهية لم تتحد بالإنسان الكامل وإنما ساعدته في حياته فقط. فامتدت بدعته حتى وصلت إلى رهبان مصر فتأثر بعضهم من براهينه.

وأرادوا أن يقلعوا عن تسمية العذراء بوالدة الإله.

وحالما طرقت هذه الأخبار أذن البابا كيرلس، أسرع وكتب في رسالة عيد الفصح يفند هذه البدعة شارحا كيف أن اتحاد اللاهوت بالناسوت أشبه باتحاد النار والحديد: فالحديد لا يصاغ ما لم يكن متحدًا بالنار وحين يطرقه الحداد يقع الطرق على الحديد وحده دون النار مع كونها متحدة به، وهذا الاتحاد بين النار والحديد اتحاد لا يشوبه اختلاط ولا امتزاج ولا تغير. فالنار تظل محتفظة بطبيعتها النارية والحديد يظل محتفظا بطبيعته الحديدية، وعلى هذه الصورة اتحد نار اللاهوت بمادة الناسوت.

وانتشرت هذه الرسالة في جهات عديدة حتى وصلت إلى القسطنطينية وتداولها المصريون فيها، وبواسطتها تعزى الشعب القسطنطيني وثبت في الإيمان المستقيم.

واستمرت محاولات القديس كيرلس مع نسطور بإرسال عدة رسائل يقنعه فيها بالإقلاع عن غوايته، ولكن نسطور احتقر رسائل القديس ولم يقتنع بها. ولما رأى القديس كيرلس أن القيصر يدافع عن نسطور ويحامى عنه، كتب إليه رسالة يوضح له فيها ضلال نسطور، وكتب أيضا رسائل أخرى لبعض أفراد العائلة القيصرية شارحًا فيها سر التجسد، مبدءا لهم من حقيقة الإيمان والأضرار الناشئة للدين المسيحي من بدعة نسطور، كذلك أرسل إلى كليسنينوس أسقف رومية موضحًا له حقيقة نسطور وكيف أنه قد حاد عن الإيمان المستقيم. فلما وقف أسقف رومية على الحقيقة عقد مجمعا حكم فيه على نسطور بأنه هرطوقي مبتدع وكان قرار المجمع تهديدا لنسطور لكي يقلع عن ضلاله، ولذلك كتب إليه أسقف رومية يقول: "إذا لم ترفض واضحا وثيقة هذا التعليم المضل ولم تعتقد الاعتقاد الصحيح بسيدنا يسوع المسيح في مدة عشرة أيام، فأنا أفصلك من شركتي وأقطع كل علاقة معك" وأرسل هذا القرار إلى القديس كيرلس ليعلم نسطور به.

فعقد البابا كيرلس مجمعًا من أساقفة الكرازة المرقسية تداول معهم كل ما دار بينه وبين نسطور، ثم صدر قرار المجمع بالإجماع على التمسك بدستور الإيمان الذي سَنَّهُ مجمع نيقية وقد وضع الأنبا كيرلس مقدمة هي: "نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة مريم والدة الإله"..

ولا تزال الكنيسة القبطية تردد هذه المقدمة حتى الآن قبل تلاوة قانون الإيمان.

كذلك وضع البابا كيرلس اثني عشر بندًا يشمل كل بند فيها على قضية وحرم كل من يعمل بخلاف ذلك، وكلف نسطور بأن يوقِّع عليها، فرفض. ولم يكتف بالإقلاع عن التوقيع على رسالة المجمع الإسكندري، ولكنه نجح أيضا في استثارة الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير الذي كان صديقًا لنسطور، إلى حد دفع الإمبراطور أن يبعث بإنذار إلى الأنبا كيرلس. كذلك جذب نحوه يوحنا الأنطاكي أسقف إنطاكية، فقرر أن يناصر المبتدع وأن يستعدى مدرسته الإنطاكية على المدرسة الإسكندرية.

رد مع اقتباس
قديم 06 - 11 - 2021, 04:16 PM   رقم المشاركة : ( 2 )
بشرى النهيسى Male
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية بشرى النهيسى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 124929
تـاريخ التسجيـل : Oct 2021
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : مصر
المشاركـــــــات : 25,621

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

بشرى النهيسى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: باباوات بأسم كيرلس

البابا كيرلس الثاني
(1078 - 1092 م.)


المدينة الأصلية له: أفلاقة، دمنهور، البحيرة، مصر

الاسم قبل البطريركية: جرجس - أبونا الراهب جورجيوس المقاري

من أبناء دير: دير قبريوس (قنوبوس) - صومعة سنجار

تاريخ التقدمة: 22 برمهات 794 للشهداء (1078 م.)

تاريخ النياحة: 12 بؤونه 808 للشهداء (1092 م.)

مدة الإقامة على الكرسي: 14 سنة ونصف

مدة خلو الكرسي: 6 أيام

محل إقامة البطريرك: دير متراس بالإسكندرية

محل الدفن: المرقسية بالإسكندرية

الملوك المعاصرون: هيرقل الأول - الثاني - عمر - عثمان - على - حسن بن على - معاوية



← اللغة القبطية: pi`agioc Kurilloc أو Papa Kurillou =b.



ترهب بصومعة سنجار، ونظرًا لعلمه وتقواه انتخبوه بطريركًا في 22 برمهات سنة 794 ش.

شن بعض الأساقفة عليه عصا الطاعة وقصدوا خلعه وعقدوا مجمعًا من 47 أسقفًا لذلك، ولما علم الحاكم الفاطمي بهذا الشقاق دعا الأساقفة إلى بستانه الكبير وخاطبهم بكلام شديد أنطقه الله على لسانه... وهكذا تم الصلح بينهم.

قضى هذا البابا على الكرسي أربع عشر سنة وشهرين وعشرون يومًا ثم تنيَّح بسلام في 12 بؤونه سنة 808 ش.

بركة صلاته تكون معنا آمين.

معلومات إضافية

كانت حبرية هذا البابا الجليل في خلافة الخليفة الفاطمي المستنصر، وفي عهد بن الجمالي الذي كان متصرفًا في شئون البلاد بشكل فعلى، وكان يغلب عليه أنه مسيحي من بلاد الصقلي أهل (جنوب روسيا) وكان الخليفة قد استحضره من سوريا وخلع عليه عدة ألقاب منها (أمير الجيوش)، حيث كان شجاعًا قويًّا حسن التصرف.

وقد نعمت مصر أيامها بالسلام والهدوء، لأن الجمالي وفر وسائل الأمن والعدالة، وكان يهدف إلى جعل مصر دولة قوية تنعم بالرخاء، فنمت الزراعة والتجارة، حيث تنازل للزراع عن ضرائب ثلاث سنين مضت كانت متأخرة عليهم، فزاد إنتاجهم، كما ازدهرت العلوم والفنون وروح الابتكار، وكان واسع الفكر يعرف قيمة الوحدة الوطنية فأعطى الأقباط حريتهم فنبغوا في كل أحوالهم.

وكان أعظم إنجاز معماري في عهده هو سور القاهرة العظيم، ونفذ المهندسون رغبته وقد جعلوا لهذا السور ثلاثة أبواب هي باب الفتوح وباب النصر وباب زويلة، وكان المتولي عمارة هذه الأسوار راهب قبطي يدعى يوحنا (يؤنس) وهو الذي اشرف على تصميمها. وقد أقيمت بعيدة عن الأسوار القديمة فأعطت القاهرة اتساعًا أكثر.

ووسط استتاب الأمن كلف بدر الجمالي الأقباط بتنظيم الدواوين وتشكيلها..



رسامة البابا كيرلس:


كان راهبا متوحدا باسم جرجس من البحيرة، وسيم بطريركا بقرار من مجمع انعقد في الدار البطريركية، مؤلَّف من الأساقفة وأراخنة الشعب القبطي، وقوبلت رسامته بالارتياح من كل دوائر الحكم والشعب مسلمين ومسيحيين.

وبعد أن تمت مراسم الرسامة بالإسكندرية في 22 برمهات سنة 792 الموافق 1078 م. سار في ركب إلى القاهرة قاصدًا كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بجزيرة الروضة، وكان في استقباله الأنبا يعقوب أسقف مصر والشيخ أبو الفضل يحيى بن إبراهيم "متولي الأبواب" (رئيس الشرطة) وديوان الصناعة، وأرسل إليه حصانًا أبيضًا ليركبه البابا الذي سار في موقف مهيب من الشرطة وحفظة الأمن وعبر النيل إلى مصر، وكان في استقباله على الشاطئ جمهور كبير، وسار موكبه هذا إلى قصر الخليفة، فخف إلى استقباله مأمون الدولة (الأستاذ) الذي أخذه من يده بمفرده إلى مكان جلوس الخليفة، وكان الخليفة جالسا مع أفراد أسرته ومعهم زجاجات الطيب فصمخوه منه، وطلبوا منه البركة فصلى لهم، وفرحوا به كثيرا، ثم غادر القصر في بهجة وسرور متوجها إلى قصر بدر الجمالي، حيث استقبل استقبالا حسنا أيضا ودعى لهم، وأمر بدر الجمالي والي مصر بالخروج معه إلى حيث يريد، وأن راعيه ويقدم له الخدمات طيلة وجوده في مصر، حيث نزل في الكنيسة المعلقة، ثم انتقل إلى كنيسة السيدة العذراء بحارة الروم.

وقد أجرى الله على يديه أيامها معجزة، حيث لما بدأ الصوم الكبير قصد دير أبي مقار، وبينما كان يصلي قداس خميس العهد وكان وعاء الميرون المقدس موضوعا فسكب الميرون على يديه وعلى المذبح من تلقاء ذاته، فكان إعلان بركة للجميع. كما تبادل السنوديقا (رسالة الشركة والوحدة في الإيمان) مع بطريرك الإنطاكي.



ماذا حدث في النوبة:


قامت المناوشات في تلك الفترة بين ولاة منطقة أسوان وبين ملوك النوبة، إذ لم تكن العلاقات حسنة بينهما، إلا أن بدر الجم إلى رأى أن السلام أفضل، واظهر هذا الملوك النوبة الذين استجابوا له، خاصة وان ملكهم (سلمون) المسيحي كان يحب أن ينهى حياته في أحلى الأديرة العربية، فتنازل لجرجس ابن أخته عن الحكم وذهب إلى دير أبو نوفر السايح ليعيش، ولما دخل إلى الأراضي العربية سارع والى أسوان واسمه أسعد الدولة إلى تسلمه أسيرًا، إلا أن بدر الجمالي رفض هذا ودعاه ليعيش في أديرة مصر وبعث له الحرس ليرافقه إلى القاهرة ليقابل الخليفة الذي زاد من احترامه له، وأعد له منزلا مؤقتا ظل يعيش فيه إلى أن مات ودفن في دير الأنبا رويس في ظاهر القاهرة، مما كان مظهرًا طيبًا للروابط بين مصر والنوبة. واستغل الخليفة هذه الروابط الحسنه بين البلدين وعقد فيها معاهدات صداقة وتجارة، كما أنعم على البابا بأموال لإصلاح الأديرة والكنائس.



علاقة الأقباط بكنيسة الحبشة:


رسم الأنبا كيرلس مطرانًا على الحبشة باسم الأنبا ساويرس، وكان ابن أخت المطران المتوفي، وكان هذا بديلًا لشخص كان يدعى (كوريل أو كيريل) "كيرلس" اغتصب الكهنوت وادعى الأسقفية في الحبشة دون رسامة، فلما وصل المطران الشرعي ساويرس لقى مقاومة من كوريل هذا، ولما فشل كوريل جمع أموالا كثيرا من الأحباش وحاول الهرب بها، ولكنه قُبِضَ عليه وسيق إلى أمير الجيوش بدر الجمالي، فحاكمه وقتله بالسيف في عام 860 شهداء.

إلا أن المطران ساويرس وجد عناء في التعامل مع الأحباش، لأنه وجد فيهم عادات خاطئة أراد أن يمنعهم عنها فغضبوا منه، مثل زواج السراري والإماء، وكانت حجتهم في هذا العهد القديم وإبراهيم أبي الأنبياء، فاستعان بالبطريرك الأنبا كيرلس فأرسل البابا خطابا رعويا رسميا إلى الملك وحاشيته يمنعهم عن هذه العادة.



الكنيسة القبطية في عهده:


لم تعش الكنيسة هادئة كما كان مقدرًا لها، ولكن رغم ما قام به الأنبا كيرلس الثاني من إصلاحات منها:

- رسم أساقفة من الرهبان الصالحين للإيبارشيات الشاغرة.

- دأب على التعليم حيث تعلم هو أولًا لأنه لم يكن متعلما، ثم دفعه هذا إلى تعليم الشعب ودراسة الكتب المقدسة والتفاسير المستقيمة بدلا من بلبلة الأفكار.

- رمم الكثير من البيع والأديرة، وكانت علاقته بالحاكِم والإدارة ممتازة.

فرغم هذا انفجرت الكنيسة من الداخل بفعل الأساقفة بزعامة الأسقف يوحنا بن الظالم الذي كان موجودا أيام البابا السابق خرستوزولوس وأثار أيامه الكثير من الحوادث، عاد أيام هذا البابا واقلق الأمة القبطية. فقد اتخذ هذا الأسقف (وكان أسقفًا لسخا) مع أربعة أساقفة آخرين وهم: أخوه أسقف سمنود - يوحنا أسقف دميرة - خائيل أسقف ابى صير - مقارة أسقف القيس، ومعهم شماس يدعى أبو غالب أحد أعيان مصر، وتواطئوا على عزل البطريرك.

فكتبوا إلى البطريرك معربين عن استيائهم من بعض الرجال المحيطين به وطلبوا إبعادهم، إلا أنه لم يبعد سوى واحد فقط، فعادوا إليه يعاتبوه فرفض، وكان في ديوان الخليفة آنذاك رجل مسموع ألكلمه اسمه أبو زكريا يحيى بن مقاره، وكان شيخا وقورا عاقلا ذا كلمة مسموعة لدى الجميع، وتدخل هذا الرجل للصلح إلا أن أسقف سخا لم يكتف بهذه المصالحة، وطلبوا دفع الأمر إلى بدر الجمالي، وفعلا كتبوا له تقريرا بالطعن في حق البابا كيرلس الثاني مدعين عليه بدعاوى توجِب عزله، وأوصلوا إليه هذه الشكوى عن طريق البستاني بسبب الذي كان مسيحيًا، وكان البطريرك آنذاك في رحلة رعوية في الأقاليم لافتقاد الخدمات في الكنائس وتدشين الجديد من البيع.

فلما أطلع بدر الجمالي على هذه الشكوى -وكان يجل البابا- رأى انه ليس من حقه البت فيها وحده، وإنما رأى عقد مجلس من أساقفة الوجهين القبلي والبحري وكبار رجال الأمة برياسة بدر الجمالي في الإسكندرية في قصره هو، فقبل دعوته سبعة وأربعون شخصًا، وكان الوزير يستهدف السلام حيث قال لهم: "كونوا جميعا برأي واحد، وليكن ولاءكم لكبيركم خالصًا، وتمسكوا بكلام المسيح حين أوصى تلاميذه بأن لا يكنزوا لهم كنوزا في الأرض.. كان يجدر بكم ترك المنابذة لأنكم المثال في التسامح حتى يقتدي بكم الشعب الذي ترشدونه". وطلب منهم أن يطلبوا الصفح من البابا، فتصافح الجميع أمامه. كما أمر بقطع رأس البستاني الذي سعى بالشر منه بطريركه، فخجل الأساقفة من تأنيب بدر الجمالي لهم ورجعوا إلى كنيسة أبى سيفين وأقاموا قداسا استفنارًا عمّا عملوه وتناولوا من البابا.



قام البابا كيرلس الثاني بعد ذلك بالإصلاحات الآتية:


نشر القوانين الكنسية على الشعب ليعرفها ويعمل بها، ووضع أربعة وثلاثين ماده دارت حول:

أ- عدم تقاضى رشوة لقاء الأعمال الكهنوتية ومن يفعل هذا لا تقبل رياسته للكهنوت ولا يكون بيننا إلا كالوثني والعشار.

ب- أي قس أو أسقف يرفض قبول خاطئ تائب فليُقطَع لأنه خالَف قول السيد المسيح.

ج- يجب على كل أسقف أن يتفقد جميع البيع والأديرة الواقعة تحت سلطانه، وان يحافظ على أدواتها وريعها ونظافتها وعمارتها.

د- يجب على كل أسقف أن يعرف حال كهنته في مختلف الكنائس والجهات الخاصة له، وان يفحص أمورهم في عملهم، وفي القداسات التي يقيمونها، وفي قراءة الكتب التي يفرضون على أنفسهم تلاوتها.

ه- يجب على الأسقف أيضا أن يتعهد كهنته وشعبه بالتعاليم الإلهية التي تخلصه وتخلصهم من خطاياهم، فكل نفس من أنفس الرعية مطلوبة من راعيها.

و- رتب الأنبا كيرلس بعد ذلك بالتفصيل واجبات الأسقف نحو الفقراء والمعوزين، ونحو الرهبان الذين يجب أن يقضوا العمر كله في البرية ما لم يطلب خلاف ذلك.

ز- يجب أن يكف الكهنة والعلمانيون الالتجاء إلى غير حكم البيعة.

واسترسل البابا في قوانينه، فبين أهمية الصوم ووجوب التمسك به، وتطرق إلى ضرورة تدقيق الكهنة واستعمال سر الذبيحة، فلا يعقدونه إلا في ظل سلامته وشرعيته، وأوصى الشعب بضرورة احترام الكهنة والأساقفة، "ويجب على أبناء المعمودية توفير المذابح المقدسة والهياكل الطاهرة وتزيينها" وفي عهد هذا البابا تم ترميم كنيسة القيامة بالقدس والتي كان الحاكم بأمر الله قد احرقها وأرسل مندوبين عن الكنيسة القبطية لتكريسها في موسم القيامة من عام 800 شهداء 1084 م.

– كما كرسوا كنيسة بناها أحد الأقباط وهو منصور التلباني هناك. وفي سنه 1092 لم يقضي فترة الصوم الكبير في دير الأنبا مقاره وإنما اكتفي بالذهاب إلى دير الشمع غرب طموه ثم إلى كنيسة الملاك ميخائيل في جزيرة الروضة، ثم عاد إلى كنيسة السيدة العذراء المعلقة ليحتفل بعيد القيامة المجيد، ولم تكد الخمسين المقدسة تنتهي حتى بلغ نهايته واسلم روحه الطاهرة بعد أن قضى أربعة عشر سنه وستة أشهر على الكرسي المرقسي.

  رد مع اقتباس
قديم 06 - 11 - 2021, 04:17 PM   رقم المشاركة : ( 3 )
بشرى النهيسى Male
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية بشرى النهيسى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 124929
تـاريخ التسجيـل : Oct 2021
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : مصر
المشاركـــــــات : 25,621

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

بشرى النهيسى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: باباوات بأسم كيرلس

البابا كيرلس الثالث (ابن لقلق)
(1235 - 1243 م.)

المدينة الأصلية له: الفيوم

الاسم قبل البطريركية: داود الفيومي

تاريخ التقدمة: 23 بؤونه 951 للشهداء - 17 يونيو 1235 للميلاد

تاريخ النياحة: 14 برمهات 959 للشهداء - 10 مارس 1243 للميلاد

مدة الإقامة على الكرسي: 7 سنوات و8 أشهر و23 يومًا

مدة خلو الكرسي: 7 سنوات و6 أشهر و28 يومًا

محل إقامة البطريرك: المعلقة بمصر

محل الدفن: الشمع بالجيزة

الملوك المعاصرون: الملك الكامل - العادل الثاني - الصالح - المعظم



← اللغة القبطية: pi`agioc Kurilloc أو Papa Kurillou =g.



رسم هذا الأب في الثالث والعشرين من شهر بؤونه سنة 951 ش.

في أيامه اجتمع مجمع من سائر أساقفة الكرازة المرقسية ووضعوا قانونًا شاملًا للكنيسة، وكان الشيخ الأجل العلامة الصفي بن العسال كاتبًا لهذا المجمع.

قيل عنه أنه لم يرسم أسقفًا ولا كاهنًا ولا شماسًا إلا بالسيمونية.

أقام على الكرسي المرقسي سبع سنين وثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يومًا ثم تنيَّح بسلام بدير الشمع في الرابع عشر من شهر برمهات سنة 959 ش.

صلاته تكون معنا آمين.



السيرة كما ذكرت في كتاب السنكسار


نياحة البابا كيرلس أبن لقلق (14 برمهات)

في مثل هذا اليوم من سنة 959 ش. الموافق 0 1 مارس 1243 تنيَّح الأب القديس الأنبا كيرلس الخامس والسبعون من باباوات الكرازة المرقسية، المعروف بابن لقلق. وقد رسم هذا الأب في الثالث والعشرين من شهر بؤونة سنة 951 للشهداء (17 يونية 1235 م.). وحصلت معارضات في اختياره أولًا، وأخيرا انتهى الإجماع عليه. وفي أيام هذا الأب اجتمع مجمع من سائر أساقفة الكرازة المرقسية ووضعوا قانونا شاملا للكنيسة. وكان الشيخ الأجل العلامة الصفي ابن العسال كاتبا لهذا المجمع. وأقام هذا الأب على الكرسي البطريركي سبع سنين وثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يوما . وتنيَّح بدير الشمع في سنة 959 للشهداء. (10 مارس 1243 م.). صلاته تكون معنا. آمين


معلومات إضافية


بعد نياحة البابا يؤانس السادس، ظل الكرسي البطريركي شاغرًا مدة عشرين سنة تقريبًا، بسبب الظروف التي أحاطت بالبلاد من جراء الحروب الصليبية (حروب الفرنجة)، وبسبب خلافات الأقباط فيما بينهم في شأن من يصلح للبطريركية.

- ظهر ثلاث مرشحين للبطريركية لكل منهم فريق من الأراخنة يناصرونه، واستعملوا أساليب رخيصة في الدعاية لهم بعيدة عن أوامر الكنيسة وتقاليدها، وكان هؤلاء المرشحون هم: القس بولس البوشي - القس داود بن لقلق الفيومي - الأرشيدياكون أبو شاكر بطرس ناظر كنيسة أبو سرجه بمصر القديمة. التجأ فريق آبى شاكر بطرس إلى وسائل غير مشروعة، وقدموا مبالغ طائلة لبيت المال والسلطان نفسه، ومع ذلك لم ينجحوا فيما أرادوا، أما القس بولس البوشى والقس داود بن لقلق، فظلا متلازمين يشتركان ويتعاونان في وضع الكتب الدينية دفاعا عن الدين، وظل القس داود بن لقلق طوال هذه المدة مثابرا في اغتنام كل فرصة تواتيه للوصول إلى تحقيق مأربه وهو كرسي البطريركية، أما القس بولس البوشى فلما رأى المنازعات على أشدها، وأخذت شكلًا يتنافى مع الدين، سحب نفسه من هذه المنافسة كما انسحب الأرشيدياكون بطرس، وهكذا أخلا الميدان للراهب القس داود بن لقلق الفيومي.

  رد مع اقتباس
قديم 06 - 11 - 2021, 04:18 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
بشرى النهيسى Male
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية بشرى النهيسى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 124929
تـاريخ التسجيـل : Oct 2021
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : مصر
المشاركـــــــات : 25,621

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

بشرى النهيسى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: باباوات بأسم كيرلس



من هو ابن لقلق؟


كان من الفيوم حيث العديد من الأديرة، وكانت هذه الأديرة مأهولة في القرن العاشر بالرهبان، فانخرط داود في احدها. ولعله كان باسم دير القديس بقطر، وكان من زملائه في هذا الدير الراهب بولس البوشى. رسم داود قسا وخدم بإحدى كنائس الفيوم، وما لبث أن حدث خلاف شديد بينه وبين كهنة هذه الكنيسة، وقام -بسبب هذه المنازعات- أكابر المسلمين في المدينة واعتقلوه فضا للمشاكل ليستب الأمن، لكنه ما لبث أن أُطلِق سراحه بواسطة احد أراخنة الكنيسة المدعو أبو الفتوح نشئ الخلافة، المعروف بابن الميقاط، واحضره إلى القاهرة واسكنه معه بداره، وكان ذلك في حياة البابا يؤانس السادس، ومنذ ذلك الحين توطدت العلاقة بين داود بن لقلق ونشئ الخلافة أبو الفتوح، وكان للراهب ابن لقلق تعاليم تخالف تعاليم الكنيسة.

وفي تلك الآونة تنيَّح مطران الحبشة وسعى الراهب داود أن يرسم بدله، وقدم مائتي دينار للملك العادل ليصدر أمره للبطريرك برسامته، فأرسل الملك رسولا من قبله للبطريرك يحمل له هذا الأمر الملكي، لكن البطريرك اعتذر في لباقة عن إجابة هذا الطلب، لأن الراهب داود لا يصلح للمنصب بسبب مشاكل إيمانية لأنه يقول أقوال الروم الملكانيون، وأن ذهابه إلى الحبشة قد يجلب مكاره كثيرة، ولما سمع الملك ذلك عدل طلبه، ورسم البطريرك مطرانا آخر على الحبشة، وكان فعلا ابن لقلق يقلد الكاثوليك في أقوالهم ولباسهم.

- كان القصد الأكبر للراهب ابن لقلق هو نشئ الخلافة أبو الفتوح، بينما كان تضرره في أن يستولي ابن الفتوح بالسلطان الملك الكامل ابن الملك العادل، ورغم محاولات أبو الفتوح فلم ينجح في ترشيحه، فلجأ ابن لقلق إلى وسيلة أخرى بأن أرسل إلى كراسي الآباء الأساقفة بالوجه البحري وإلى أسقف طنبدي في الوجه القبلي، فاجتمع سبعة أساقفة فأكرمهم وطلب إليهم كتابة تكريز للراهب داود بأنه يصلح بطريركًا.

- وتصادف أن الملك الكامل خرج من القاهرة في نزهة صيد إلى الإسكندرية، فبعد بحرا ورأى صومعة راهب حبيس (متوحد) هناك واقف تحتها وصاح عليه فكلمه ودعا له، فشكى الملك له من وجع في قلبه، فصلى له الراهب الحبيس على ماء وزيت طيب وقال له "إذا أدهنت موضع الوجع فاعلم الشافي" (أي اعلم أن الشافي هو الله). وفعلا شفي الملك وأصبحت مودة بينهما، فلما كثر النزاع حول ابن لقلق تذكر الملك الكامل الراهب الحبيس بأبيار، وقال للأساقفة أنا أمر أن يكون حبيس أبيار بطرككم وأنا أرضاه لكم، وكتب في الحال إلى وإلى الغربية أن يأتيه بهذا الحبيس إلى القاهرة.

- فلما سمع نشئ الخلافة أبو الفتوح بذلك الخبر اتفق مع الأمير فخر الدين عنان وزير الملك الكامل على أن يقولوا للسلطان عن الراهب الحبيس بأبيار انه يسأل مولانا السلطان ألا يزعجوه ولا ينزلوه من صومعته، وأنفذوا رسلًا أرجعوه ثانية إلى أبيار بعد أن كان وصل إلى قليوب.

- سمع بهذا الخبر احد الأقباط ويدعى السعد بن صدقة وكان من الأراخنة، فغار غيرة الرب واخذ جماعة من الناس، ووقف للسلطان وقاوم منشئ الخلافة في رسامة الراهب ابن لقلق وقال للملك الكامل انه يصانع المال حتى يتقدم علينا، وقد دفع للملك العادل ما كثر حتى نأمر البطريرك أن يجعله مطرانا ولم يصلح، فهل يحل الله لك أن تجعله علينا بطريركا يفسد ديننا، ويجعل قبط مصر كلهم روما، ويخرجها من أيدي المسلمين، فأرسل الملك الكامل إلى والى مصر رسالة يقول فيها إن أنت مكنت أبا الفتوح وأصحابه أن يقيموا بطريركا يغدر بي شنقتك.

- قام أبو الفتوح بمحاولة أخيرة لرسامة ابن لقلق، فانتهز فرصة خروج الملك العادل إلى الإسكندرية واستأذنه في رسامة ابن لقلق، فقال له: اجعله بطريركًا والحق به إلى الإسكندرية ولا تبطئ، وبالفعل استعد داود بإثبات كهنوته وخرج مع الأساقفة وأبو الفتوح إلى الكنيسة المعلقة ليرسموه بطريركًا، فاتصل البعض بوالي مصر فركب وجماعة من جنده وجاء إلى الكنيسة المعلقة، وفرقوهم وفرَّ ابن لقلق وخرج الأساقفة قاصدين كراسيهم، ومنذ ذلك الوقت لم يعد نشئ الخلافة يتحدث في أمر رسامة ابن لقلق.

- يأس ابن لقلق من رسامته بطريركا وسكن احد الأديرة الغربية من القاهرة وهو دير القديس فيلوثاوس المعروف بدير النسطور، الذي كان يشرف عليه احد أعوانه، وطال الحال بمصر دون بطريرك حتى لم يبقى من الأساقفة سوى أسقفين بالوجه البحري وأسقفين بالوجه القبلي، وخلت كنائس كثيرة من الكهنة، حتى أن مدينة الإسكندرية وبرية شيهات لم يبقى لهم إلا كاهن واحد، ونفذ الميرون أيضًا حتى اضطرت أغلب الكنائس أن تأخذ بواقي الميرون ويجعلونه في المعمودية، كما اضطرت بعض الكنائس في القرى إلى استخدام زيت الغاليلاون بدل الميرون.

- أخيرًا بواسطة راهب يدعى عاماد، اتفق مع الراهب أول أن يدفع ألف دينار ويمنه بها لبيت المال، وكان الملك الكامل بالإسكندرية واتفقوا معه أن تتم رسامة الراهب ابن لقلق بطريركا بالإسكندرية باسم كيرلس الثاني وذلك بواسطة يد أسقفين أحدهما أسقف اشمون طناح (أشمون الشرقية) والثاني أسقف بلج، وكان ذلك يوم 16 يونيو 1235 في كنيسة أنبا شنودة خارج المدينة، وكانت الرسامة يوم الأحد الثاني 23 يونيه بكنيسة سوتير (المخلص).

- ومن الأخطاء الكثيرة التي تؤخذ على كيرلس الثالث لجوءه إلى سيمونية في الرسامات الكهنوتية وكان قد تقرر عليه أن يدفع اثني عشر ألف بندقي لبيت المال (حوالي 3000 دينار) وكان لا يملك منها شيئًا، فلجأ إلى السيمونية لسداد هذا المبلغ، وهو بطبيعة الحال خطأ واضح، أما السبب فإن هذا البطريرك رُسِمَ بطريقة غير شرعية ولا تقرها قوانين الكنيسة، وقبل عنه انه لم يرسم أسقفا أو كاهنا أو شماسا إلا بالسيمونية، ورسم عددًا كبيرا من الأساقفة لأن معظم الكراسي الأسقفية كانت خالية، وقيل انه في اقل من سنه رسم أكثر من 40 أسقفا وعددًا لا يُحصى من القسوس والشمامسة، وكان عذره الذي يقدمه دائما إزاء هذا النقد هو جميع ما يجب دفعة من المال للسلطان، وبسبب السيمونية ابتعد عنه أكثر مَنْ كانوا ملتصقين به، حتى نشئ الخلافة نفسه، وقد تعرض لإهانات وحبس بسبب التصرفات التي أنكرها عليه الجميع.

- كما حدثت بعض المشاكل والاحتكاكات من جانب عامة الناس بسبب مسجد كان ملاحقًا للكنيسة المعلقة، وتعمد مؤذِّن المسجد مضايقة البطريرك، بل كسروا القلاية البطريركية وسرقوا بعض الأواني الفضية، فذهب جمع غفير من المسلمين إلى الأمير جمال الدين بن يغمر نائب السلطان وشكوا إليه، وقالوا: أيا مولانا هل تغلق المساجد وتفتح الكنائس؟! فأجابهم: هذا حديث لا يُسمَع، بل أن الجميع تفتح أبوابها، ومن أراد المسجد يطلع إليه إلا أنه لا يؤذى احد، ولا يتعرض أحدًا لآخر، أما هؤلاء النصارى فهم رعية السلطان، وانتم أدرى بذلك، وأن هذا المسجد فقير وأنا أقوم به، إلا أن المقدس فأنا لا أمكن احد منه" وكان النصارى مع إخوانهم المسلمين في سلام وهدوء.

- ظل البطريرك كيرلس الثالث سائرا في خطته السيمونية حتى فج الشعب من تصرفاته، واجتمع جماعة من الاراخنة واتفقوا على مناقشته في تصرفاته، وذهبوا إلى الكنيسة المعلقة، ودار بينهم حوار وحديث ساخن وقالوا له (إلى متى تفعل هذه الأشياء التي جعلتها مرسبة بين الأمراء والشعوب، فسألهم (وما هي هذه الأشياء التي تتضررون منها) قالوا له أخذك السيمونية على الكهنوت، فلما سمع هذا احتج بسداد أموال السلطان، فأجابوه: ومَنْ أوجب عليك أن تقرر للسلطان شيئًا ما كان معين عليك أن تدخل فيه، ولم تُطرَح عليك البطريركية بالقوة، بل أنت الذي قدمت رشوة في سبيلها، واغتصبتها لك وقضيت فيها إلى اليوم مدة تسعة وعشرين شهرا حصل الخراب في أعمال كنيستنا على يديك، أجابهم البطريرك أنى لم أخرب كنيستكم بل عمرتها، فما كان فيها سوى أسقفين وأصبح عددهم اليوم خمسين أسقفًا، كما أصبح عدد الكهنة لا يُعَد ولا يُحصى، قالوا له أن الأساقفة هم الآخرون يأخذون السيمونية، فرد عليهم ومن يرضى بهذا للأساقفة، لو بلغني أن أسقفًا اخذ السيمونية لمنعته، وختموا حديثهم معه بان يكتب إلى الأساقفة بمنع السيمونية.

- وفي سبيل جمعه لمزيد من الأموال أمر أن تتبع جميع الأديرة للبطريركية، بعد أن كان كل أسقف مسئول عن ديره، كما أنشا مطرانية قبطية على بيت المقدس وبلاد الشام، ورسم لها أسقفًا يرعى شئون الأقباط هناك باسم باسيلوس، وكان هؤلاء هو أول بطريرك يرسم أسقفا للقدس.

- وإزاء تصرفات هذا البطريرك تقدم إليه البعض بمطالب للإصلاح في مقدمتها: إيمان الأقباط وأبطال السيمونية، لكنه لم يبال بها ولم يغير من طريقته، فطالبوه بعقد مجمع مقدس، ولما اجتمع الأساقفة مع البطريرك، حضر إلى القاهرة أربعة عشر أسقفا منهم اغلبهم من الوجه البحري، واجتمعوا بالبطريرك في كنيسة حارة زويلة في 3 سبتمبر 1238 م.، ووضعوا قرارات وقعوا عليها وحرموا من يحيد عنها وهى المعروفة بقوانين كيرلس بن لقلق، وتبدأ هذه القرارات بإقرار الإيمان الأرثوذكسي المحدد بواسطة المجامع المسكونية الثلاثة الأولى نقية والقسطنطنية وافسس، وآباء الكنيسة وقوانين الرسل والمجامع المقبولة، وبعد ذلك وضعت في أربعة كتب:

- الكتاب الأول يتعلق بنظام إدارة البطريركية

- الكتاب الثاني يشمل النشر الكامل لعوايد وطقوس ونظام البيعة

- الكتاب الثالث يتكلم عن الأوقاف والصدقات

- الكتاب الرابع يتناول موضوعات طقسية.

هذه القرارات والكتب وضعت بين عامي 1238-1239 وقدا أضيف إليها كتاب خامس بعد ذلك، ويشمل ما اتفق عليه في مجمع زويلة مع بعض إضافات، وقد اشتهر باسم "اتفاق المعلقة".

خرج الأساقفة وعادوا إلى كراسيهم بعد انتهاء مجمع زويلة، لكن البابا كيرلس الثالث بعد أن حدد الأنظمة التي تتبع في إدارة شئون الكنيسة وموافقته عليها هو والأساقفة المجتمعين معه لم يقم بتنفيذها، فعقد له في 8 سبتمبر 1240 مجلس في قلعة صلاح الدين بحضور الوزير معين الدين بن الشيخ والأساقفة وشيوخ الرهبان والأراخنة وبعض المسلمين الذين حضروا مع الوزير، وقد تقرر في هذا الاجتماع بحضور كيرلس الثالث أن تسير الأمور في الكنيسة على نحو ما سبق تقريره في مجمع زويلة وأضافوا إليه ما يأتي:

- أن يلازم القلاية البطريركية أسقفان عالِمان هما القمص بولس البوشي الذي تقرر رسامته أسقفا على مصر، والثاني احد الأساقفة العلماء بالوجه البحري وحددوا أسماءهم، ويعمل البطرك معهما في كل ما يتعلق بشئون الكنيسة الإدارية.

- أن تتولى كل كنيسة بمصر والقاهرة والإسكندرية إدارة أوقافها.

- أن تختصر القوانين التي وضعت في سنتي 1238، 1239 بالاتفاق مع البطريرك والأساقفة الحاضرين، وتكتب عدة نسخ وتوزع على الكراسي للسير بمقتضاها.

- فيما يتعلق بالرهبان الذين يخدمون في كنائس العالم، يستمر بالخدمة مَنْ كان موجودا منهم حتى نياحة البابا يؤنس السادس بشروط معينة.

- وحدثت في أواخر أيام كيرلس بن لقلق عدة مشاحنات بسبب تجاور مسجد وكنيسة المعلقة، واعتدى المسلمون على حائط الكنيسة المجاور للمسجد، وحدثت بلبلة كبيرة بسبب ذلك، وكان المسلمون يصعدون إلى ظهر قلاية البطريرك ويؤذنون ويكبرون، وحدثت أحداث مؤسفة نتيجة لذلك، وعلى الرغم من الأمير احضر قوما منهم وعنّفهم بشدة كما حبس والى مصر جماعة منهم إلا أنهم لم يهدأوا.

- نصح أسقف مصر التقي أنبا بولس البوشي البطريرك بأن يلجأ إلى حياة الوحدة أملًا في الهدوء، ولمراجعة تصرفاته والبعد عن العالم وعن الاحتكاك بالناس، مما يهيئ له الرجوع إلى الصواب في أواخر حياته، حتى تتساوى أعماله بمواهبه النادرة المثال، كما قال فيه أبو شاكر بطرس المعروف بابن الراهب في كتابه التاريخ (أنه كان رجلًا بارعًا ذا فنون كثيرة، إلا أنه كان يحب جمع المال وأخذ السيمونية، ولهذا عصت عليه القوم وأهانوه وعقدوا له المجالس، وقد فلح الأنبا بولس البوشي في إقناع البطريرك بذلك، فاعتزال في دير الشمع بالجيزة حتى نياحته في 10 مارس 1243 ودفن بهذا الدير.

وقد عاصر من الملوك الأيوبيين: الملك الكامل - العادل - الصالح - المعظم.

ومن المؤلفات التي حفظت له كتاب المعلم والتلميذ، ولما تنيَّح استولى السلطان على جميع مخلفاته، وظل الكرسي البطريركي بعده شاغرًا نحو سبع سنوات ونصف.

  رد مع اقتباس
قديم 06 - 11 - 2021, 04:19 PM   رقم المشاركة : ( 5 )
بشرى النهيسى Male
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية بشرى النهيسى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 124929
تـاريخ التسجيـل : Oct 2021
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : مصر
المشاركـــــــات : 25,621

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

بشرى النهيسى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: باباوات بأسم كيرلس



من هو ابن لقلق؟


كان من الفيوم حيث العديد من الأديرة، وكانت هذه الأديرة مأهولة في القرن العاشر بالرهبان، فانخرط داود في احدها. ولعله كان باسم دير القديس بقطر، وكان من زملائه في هذا الدير الراهب بولس البوشى. رسم داود قسا وخدم بإحدى كنائس الفيوم، وما لبث أن حدث خلاف شديد بينه وبين كهنة هذه الكنيسة، وقام -بسبب هذه المنازعات- أكابر المسلمين في المدينة واعتقلوه فضا للمشاكل ليستب الأمن، لكنه ما لبث أن أُطلِق سراحه بواسطة احد أراخنة الكنيسة المدعو أبو الفتوح نشئ الخلافة، المعروف بابن الميقاط، واحضره إلى القاهرة واسكنه معه بداره، وكان ذلك في حياة البابا يؤانس السادس، ومنذ ذلك الحين توطدت العلاقة بين داود بن لقلق ونشئ الخلافة أبو الفتوح، وكان للراهب ابن لقلق تعاليم تخالف تعاليم الكنيسة.

وفي تلك الآونة تنيَّح مطران الحبشة وسعى الراهب داود أن يرسم بدله، وقدم مائتي دينار للملك العادل ليصدر أمره للبطريرك برسامته، فأرسل الملك رسولا من قبله للبطريرك يحمل له هذا الأمر الملكي، لكن البطريرك اعتذر في لباقة عن إجابة هذا الطلب، لأن الراهب داود لا يصلح للمنصب بسبب مشاكل إيمانية لأنه يقول أقوال الروم الملكانيون، وأن ذهابه إلى الحبشة قد يجلب مكاره كثيرة، ولما سمع الملك ذلك عدل طلبه، ورسم البطريرك مطرانا آخر على الحبشة، وكان فعلا ابن لقلق يقلد الكاثوليك في أقوالهم ولباسهم.

- كان القصد الأكبر للراهب ابن لقلق هو نشئ الخلافة أبو الفتوح، بينما كان تضرره في أن يستولي ابن الفتوح بالسلطان الملك الكامل ابن الملك العادل، ورغم محاولات أبو الفتوح فلم ينجح في ترشيحه، فلجأ ابن لقلق إلى وسيلة أخرى بأن أرسل إلى كراسي الآباء الأساقفة بالوجه البحري وإلى أسقف طنبدي في الوجه القبلي، فاجتمع سبعة أساقفة فأكرمهم وطلب إليهم كتابة تكريز للراهب داود بأنه يصلح بطريركًا.

- وتصادف أن الملك الكامل خرج من القاهرة في نزهة صيد إلى الإسكندرية، فبعد بحرا ورأى صومعة راهب حبيس (متوحد) هناك واقف تحتها وصاح عليه فكلمه ودعا له، فشكى الملك له من وجع في قلبه، فصلى له الراهب الحبيس على ماء وزيت طيب وقال له "إذا أدهنت موضع الوجع فاعلم الشافي" (أي اعلم أن الشافي هو الله). وفعلا شفي الملك وأصبحت مودة بينهما، فلما كثر النزاع حول ابن لقلق تذكر الملك الكامل الراهب الحبيس بأبيار، وقال للأساقفة أنا أمر أن يكون حبيس أبيار بطرككم وأنا أرضاه لكم، وكتب في الحال إلى وإلى الغربية أن يأتيه بهذا الحبيس إلى القاهرة.

- فلما سمع نشئ الخلافة أبو الفتوح بذلك الخبر اتفق مع الأمير فخر الدين عنان وزير الملك الكامل على أن يقولوا للسلطان عن الراهب الحبيس بأبيار انه يسأل مولانا السلطان ألا يزعجوه ولا ينزلوه من صومعته، وأنفذوا رسلًا أرجعوه ثانية إلى أبيار بعد أن كان وصل إلى قليوب.

- سمع بهذا الخبر احد الأقباط ويدعى السعد بن صدقة وكان من الأراخنة، فغار غيرة الرب واخذ جماعة من الناس، ووقف للسلطان وقاوم منشئ الخلافة في رسامة الراهب ابن لقلق وقال للملك الكامل انه يصانع المال حتى يتقدم علينا، وقد دفع للملك العادل ما كثر حتى نأمر البطريرك أن يجعله مطرانا ولم يصلح، فهل يحل الله لك أن تجعله علينا بطريركا يفسد ديننا، ويجعل قبط مصر كلهم روما، ويخرجها من أيدي المسلمين، فأرسل الملك الكامل إلى والى مصر رسالة يقول فيها إن أنت مكنت أبا الفتوح وأصحابه أن يقيموا بطريركا يغدر بي شنقتك.

- قام أبو الفتوح بمحاولة أخيرة لرسامة ابن لقلق، فانتهز فرصة خروج الملك العادل إلى الإسكندرية واستأذنه في رسامة ابن لقلق، فقال له: اجعله بطريركًا والحق به إلى الإسكندرية ولا تبطئ، وبالفعل استعد داود بإثبات كهنوته وخرج مع الأساقفة وأبو الفتوح إلى الكنيسة المعلقة ليرسموه بطريركًا، فاتصل البعض بوالي مصر فركب وجماعة من جنده وجاء إلى الكنيسة المعلقة، وفرقوهم وفرَّ ابن لقلق وخرج الأساقفة قاصدين كراسيهم، ومنذ ذلك الوقت لم يعد نشئ الخلافة يتحدث في أمر رسامة ابن لقلق.

- يأس ابن لقلق من رسامته بطريركا وسكن احد الأديرة الغربية من القاهرة وهو دير القديس فيلوثاوس المعروف بدير النسطور، الذي كان يشرف عليه احد أعوانه، وطال الحال بمصر دون بطريرك حتى لم يبقى من الأساقفة سوى أسقفين بالوجه البحري وأسقفين بالوجه القبلي، وخلت كنائس كثيرة من الكهنة، حتى أن مدينة الإسكندرية وبرية شيهات لم يبقى لهم إلا كاهن واحد، ونفذ الميرون أيضًا حتى اضطرت أغلب الكنائس أن تأخذ بواقي الميرون ويجعلونه في المعمودية، كما اضطرت بعض الكنائس في القرى إلى استخدام زيت الغاليلاون بدل الميرون.

- أخيرًا بواسطة راهب يدعى عاماد، اتفق مع الراهب أول أن يدفع ألف دينار ويمنه بها لبيت المال، وكان الملك الكامل بالإسكندرية واتفقوا معه أن تتم رسامة الراهب ابن لقلق بطريركا بالإسكندرية باسم كيرلس الثاني وذلك بواسطة يد أسقفين أحدهما أسقف اشمون طناح (أشمون الشرقية) والثاني أسقف بلج، وكان ذلك يوم 16 يونيو 1235 في كنيسة أنبا شنودة خارج المدينة، وكانت الرسامة يوم الأحد الثاني 23 يونيه بكنيسة سوتير (المخلص).

- ومن الأخطاء الكثيرة التي تؤخذ على كيرلس الثالث لجوءه إلى سيمونية في الرسامات الكهنوتية وكان قد تقرر عليه أن يدفع اثني عشر ألف بندقي لبيت المال (حوالي 3000 دينار) وكان لا يملك منها شيئًا، فلجأ إلى السيمونية لسداد هذا المبلغ، وهو بطبيعة الحال خطأ واضح، أما السبب فإن هذا البطريرك رُسِمَ بطريقة غير شرعية ولا تقرها قوانين الكنيسة، وقبل عنه انه لم يرسم أسقفا أو كاهنا أو شماسا إلا بالسيمونية، ورسم عددًا كبيرا من الأساقفة لأن معظم الكراسي الأسقفية كانت خالية، وقيل انه في اقل من سنه رسم أكثر من 40 أسقفا وعددًا لا يُحصى من القسوس والشمامسة، وكان عذره الذي يقدمه دائما إزاء هذا النقد هو جميع ما يجب دفعة من المال للسلطان، وبسبب السيمونية ابتعد عنه أكثر مَنْ كانوا ملتصقين به، حتى نشئ الخلافة نفسه، وقد تعرض لإهانات وحبس بسبب التصرفات التي أنكرها عليه الجميع.

- كما حدثت بعض المشاكل والاحتكاكات من جانب عامة الناس بسبب مسجد كان ملاحقًا للكنيسة المعلقة، وتعمد مؤذِّن المسجد مضايقة البطريرك، بل كسروا القلاية البطريركية وسرقوا بعض الأواني الفضية، فذهب جمع غفير من المسلمين إلى الأمير جمال الدين بن يغمر نائب السلطان وشكوا إليه، وقالوا: أيا مولانا هل تغلق المساجد وتفتح الكنائس؟! فأجابهم: هذا حديث لا يُسمَع، بل أن الجميع تفتح أبوابها، ومن أراد المسجد يطلع إليه إلا أنه لا يؤذى احد، ولا يتعرض أحدًا لآخر، أما هؤلاء النصارى فهم رعية السلطان، وانتم أدرى بذلك، وأن هذا المسجد فقير وأنا أقوم به، إلا أن المقدس فأنا لا أمكن احد منه" وكان النصارى مع إخوانهم المسلمين في سلام وهدوء.

- ظل البطريرك كيرلس الثالث سائرا في خطته السيمونية حتى فج الشعب من تصرفاته، واجتمع جماعة من الاراخنة واتفقوا على مناقشته في تصرفاته، وذهبوا إلى الكنيسة المعلقة، ودار بينهم حوار وحديث ساخن وقالوا له (إلى متى تفعل هذه الأشياء التي جعلتها مرسبة بين الأمراء والشعوب، فسألهم (وما هي هذه الأشياء التي تتضررون منها) قالوا له أخذك السيمونية على الكهنوت، فلما سمع هذا احتج بسداد أموال السلطان، فأجابوه: ومَنْ أوجب عليك أن تقرر للسلطان شيئًا ما كان معين عليك أن تدخل فيه، ولم تُطرَح عليك البطريركية بالقوة، بل أنت الذي قدمت رشوة في سبيلها، واغتصبتها لك وقضيت فيها إلى اليوم مدة تسعة وعشرين شهرا حصل الخراب في أعمال كنيستنا على يديك، أجابهم البطريرك أنى لم أخرب كنيستكم بل عمرتها، فما كان فيها سوى أسقفين وأصبح عددهم اليوم خمسين أسقفًا، كما أصبح عدد الكهنة لا يُعَد ولا يُحصى، قالوا له أن الأساقفة هم الآخرون يأخذون السيمونية، فرد عليهم ومن يرضى بهذا للأساقفة، لو بلغني أن أسقفًا اخذ السيمونية لمنعته، وختموا حديثهم معه بان يكتب إلى الأساقفة بمنع السيمونية.

- وفي سبيل جمعه لمزيد من الأموال أمر أن تتبع جميع الأديرة للبطريركية، بعد أن كان كل أسقف مسئول عن ديره، كما أنشا مطرانية قبطية على بيت المقدس وبلاد الشام، ورسم لها أسقفًا يرعى شئون الأقباط هناك باسم باسيلوس، وكان هؤلاء هو أول بطريرك يرسم أسقفا للقدس.

- وإزاء تصرفات هذا البطريرك تقدم إليه البعض بمطالب للإصلاح في مقدمتها: إيمان الأقباط وأبطال السيمونية، لكنه لم يبال بها ولم يغير من طريقته، فطالبوه بعقد مجمع مقدس، ولما اجتمع الأساقفة مع البطريرك، حضر إلى القاهرة أربعة عشر أسقفا منهم اغلبهم من الوجه البحري، واجتمعوا بالبطريرك في كنيسة حارة زويلة في 3 سبتمبر 1238 م.، ووضعوا قرارات وقعوا عليها وحرموا من يحيد عنها وهى المعروفة بقوانين كيرلس بن لقلق، وتبدأ هذه القرارات بإقرار الإيمان الأرثوذكسي المحدد بواسطة المجامع المسكونية الثلاثة الأولى نقية والقسطنطنية وافسس، وآباء الكنيسة وقوانين الرسل والمجامع المقبولة، وبعد ذلك وضعت في أربعة كتب:

- الكتاب الأول يتعلق بنظام إدارة البطريركية

- الكتاب الثاني يشمل النشر الكامل لعوايد وطقوس ونظام البيعة

- الكتاب الثالث يتكلم عن الأوقاف والصدقات

- الكتاب الرابع يتناول موضوعات طقسية.

هذه القرارات والكتب وضعت بين عامي 1238-1239 وقدا أضيف إليها كتاب خامس بعد ذلك، ويشمل ما اتفق عليه في مجمع زويلة مع بعض إضافات، وقد اشتهر باسم "اتفاق المعلقة".

خرج الأساقفة وعادوا إلى كراسيهم بعد انتهاء مجمع زويلة، لكن البابا كيرلس الثالث بعد أن حدد الأنظمة التي تتبع في إدارة شئون الكنيسة وموافقته عليها هو والأساقفة المجتمعين معه لم يقم بتنفيذها، فعقد له في 8 سبتمبر 1240 مجلس في قلعة صلاح الدين بحضور الوزير معين الدين بن الشيخ والأساقفة وشيوخ الرهبان والأراخنة وبعض المسلمين الذين حضروا مع الوزير، وقد تقرر في هذا الاجتماع بحضور كيرلس الثالث أن تسير الأمور في الكنيسة على نحو ما سبق تقريره في مجمع زويلة وأضافوا إليه ما يأتي:

- أن يلازم القلاية البطريركية أسقفان عالِمان هما القمص بولس البوشي الذي تقرر رسامته أسقفا على مصر، والثاني احد الأساقفة العلماء بالوجه البحري وحددوا أسماءهم، ويعمل البطرك معهما في كل ما يتعلق بشئون الكنيسة الإدارية.

- أن تتولى كل كنيسة بمصر والقاهرة والإسكندرية إدارة أوقافها.

- أن تختصر القوانين التي وضعت في سنتي 1238، 1239 بالاتفاق مع البطريرك والأساقفة الحاضرين، وتكتب عدة نسخ وتوزع على الكراسي للسير بمقتضاها.

- فيما يتعلق بالرهبان الذين يخدمون في كنائس العالم، يستمر بالخدمة مَنْ كان موجودا منهم حتى نياحة البابا يؤنس السادس بشروط معينة.

- وحدثت في أواخر أيام كيرلس بن لقلق عدة مشاحنات بسبب تجاور مسجد وكنيسة المعلقة، واعتدى المسلمون على حائط الكنيسة المجاور للمسجد، وحدثت بلبلة كبيرة بسبب ذلك، وكان المسلمون يصعدون إلى ظهر قلاية البطريرك ويؤذنون ويكبرون، وحدثت أحداث مؤسفة نتيجة لذلك، وعلى الرغم من الأمير احضر قوما منهم وعنّفهم بشدة كما حبس والى مصر جماعة منهم إلا أنهم لم يهدأوا.

- نصح أسقف مصر التقي أنبا بولس البوشي البطريرك بأن يلجأ إلى حياة الوحدة أملًا في الهدوء، ولمراجعة تصرفاته والبعد عن العالم وعن الاحتكاك بالناس، مما يهيئ له الرجوع إلى الصواب في أواخر حياته، حتى تتساوى أعماله بمواهبه النادرة المثال، كما قال فيه أبو شاكر بطرس المعروف بابن الراهب في كتابه التاريخ (أنه كان رجلًا بارعًا ذا فنون كثيرة، إلا أنه كان يحب جمع المال وأخذ السيمونية، ولهذا عصت عليه القوم وأهانوه وعقدوا له المجالس، وقد فلح الأنبا بولس البوشي في إقناع البطريرك بذلك، فاعتزال في دير الشمع بالجيزة حتى نياحته في 10 مارس 1243 ودفن بهذا الدير.

وقد عاصر من الملوك الأيوبيين: الملك الكامل - العادل - الصالح - المعظم.

ومن المؤلفات التي حفظت له كتاب المعلم والتلميذ، ولما تنيَّح استولى السلطان على جميع مخلفاته، وظل الكرسي البطريركي بعده شاغرًا نحو سبع سنوات ونصف.

  رد مع اقتباس
قديم 06 - 11 - 2021, 04:20 PM   رقم المشاركة : ( 6 )
بشرى النهيسى Male
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية بشرى النهيسى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 124929
تـاريخ التسجيـل : Oct 2021
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : مصر
المشاركـــــــات : 25,621

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

بشرى النهيسى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: باباوات بأسم كيرلس



من هو ابن لقلق؟


كان من الفيوم حيث العديد من الأديرة، وكانت هذه الأديرة مأهولة في القرن العاشر بالرهبان، فانخرط داود في احدها. ولعله كان باسم دير القديس بقطر، وكان من زملائه في هذا الدير الراهب بولس البوشى. رسم داود قسا وخدم بإحدى كنائس الفيوم، وما لبث أن حدث خلاف شديد بينه وبين كهنة هذه الكنيسة، وقام -بسبب هذه المنازعات- أكابر المسلمين في المدينة واعتقلوه فضا للمشاكل ليستب الأمن، لكنه ما لبث أن أُطلِق سراحه بواسطة احد أراخنة الكنيسة المدعو أبو الفتوح نشئ الخلافة، المعروف بابن الميقاط، واحضره إلى القاهرة واسكنه معه بداره، وكان ذلك في حياة البابا يؤانس السادس، ومنذ ذلك الحين توطدت العلاقة بين داود بن لقلق ونشئ الخلافة أبو الفتوح، وكان للراهب ابن لقلق تعاليم تخالف تعاليم الكنيسة.

وفي تلك الآونة تنيَّح مطران الحبشة وسعى الراهب داود أن يرسم بدله، وقدم مائتي دينار للملك العادل ليصدر أمره للبطريرك برسامته، فأرسل الملك رسولا من قبله للبطريرك يحمل له هذا الأمر الملكي، لكن البطريرك اعتذر في لباقة عن إجابة هذا الطلب، لأن الراهب داود لا يصلح للمنصب بسبب مشاكل إيمانية لأنه يقول أقوال الروم الملكانيون، وأن ذهابه إلى الحبشة قد يجلب مكاره كثيرة، ولما سمع الملك ذلك عدل طلبه، ورسم البطريرك مطرانا آخر على الحبشة، وكان فعلا ابن لقلق يقلد الكاثوليك في أقوالهم ولباسهم.

- كان القصد الأكبر للراهب ابن لقلق هو نشئ الخلافة أبو الفتوح، بينما كان تضرره في أن يستولي ابن الفتوح بالسلطان الملك الكامل ابن الملك العادل، ورغم محاولات أبو الفتوح فلم ينجح في ترشيحه، فلجأ ابن لقلق إلى وسيلة أخرى بأن أرسل إلى كراسي الآباء الأساقفة بالوجه البحري وإلى أسقف طنبدي في الوجه القبلي، فاجتمع سبعة أساقفة فأكرمهم وطلب إليهم كتابة تكريز للراهب داود بأنه يصلح بطريركًا.

- وتصادف أن الملك الكامل خرج من القاهرة في نزهة صيد إلى الإسكندرية، فبعد بحرا ورأى صومعة راهب حبيس (متوحد) هناك واقف تحتها وصاح عليه فكلمه ودعا له، فشكى الملك له من وجع في قلبه، فصلى له الراهب الحبيس على ماء وزيت طيب وقال له "إذا أدهنت موضع الوجع فاعلم الشافي" (أي اعلم أن الشافي هو الله). وفعلا شفي الملك وأصبحت مودة بينهما، فلما كثر النزاع حول ابن لقلق تذكر الملك الكامل الراهب الحبيس بأبيار، وقال للأساقفة أنا أمر أن يكون حبيس أبيار بطرككم وأنا أرضاه لكم، وكتب في الحال إلى وإلى الغربية أن يأتيه بهذا الحبيس إلى القاهرة.

- فلما سمع نشئ الخلافة أبو الفتوح بذلك الخبر اتفق مع الأمير فخر الدين عنان وزير الملك الكامل على أن يقولوا للسلطان عن الراهب الحبيس بأبيار انه يسأل مولانا السلطان ألا يزعجوه ولا ينزلوه من صومعته، وأنفذوا رسلًا أرجعوه ثانية إلى أبيار بعد أن كان وصل إلى قليوب.

- سمع بهذا الخبر احد الأقباط ويدعى السعد بن صدقة وكان من الأراخنة، فغار غيرة الرب واخذ جماعة من الناس، ووقف للسلطان وقاوم منشئ الخلافة في رسامة الراهب ابن لقلق وقال للملك الكامل انه يصانع المال حتى يتقدم علينا، وقد دفع للملك العادل ما كثر حتى نأمر البطريرك أن يجعله مطرانا ولم يصلح، فهل يحل الله لك أن تجعله علينا بطريركا يفسد ديننا، ويجعل قبط مصر كلهم روما، ويخرجها من أيدي المسلمين، فأرسل الملك الكامل إلى والى مصر رسالة يقول فيها إن أنت مكنت أبا الفتوح وأصحابه أن يقيموا بطريركا يغدر بي شنقتك.

- قام أبو الفتوح بمحاولة أخيرة لرسامة ابن لقلق، فانتهز فرصة خروج الملك العادل إلى الإسكندرية واستأذنه في رسامة ابن لقلق، فقال له: اجعله بطريركًا والحق به إلى الإسكندرية ولا تبطئ، وبالفعل استعد داود بإثبات كهنوته وخرج مع الأساقفة وأبو الفتوح إلى الكنيسة المعلقة ليرسموه بطريركًا، فاتصل البعض بوالي مصر فركب وجماعة من جنده وجاء إلى الكنيسة المعلقة، وفرقوهم وفرَّ ابن لقلق وخرج الأساقفة قاصدين كراسيهم، ومنذ ذلك الوقت لم يعد نشئ الخلافة يتحدث في أمر رسامة ابن لقلق.

- يأس ابن لقلق من رسامته بطريركا وسكن احد الأديرة الغربية من القاهرة وهو دير القديس فيلوثاوس المعروف بدير النسطور، الذي كان يشرف عليه احد أعوانه، وطال الحال بمصر دون بطريرك حتى لم يبقى من الأساقفة سوى أسقفين بالوجه البحري وأسقفين بالوجه القبلي، وخلت كنائس كثيرة من الكهنة، حتى أن مدينة الإسكندرية وبرية شيهات لم يبقى لهم إلا كاهن واحد، ونفذ الميرون أيضًا حتى اضطرت أغلب الكنائس أن تأخذ بواقي الميرون ويجعلونه في المعمودية، كما اضطرت بعض الكنائس في القرى إلى استخدام زيت الغاليلاون بدل الميرون.

- أخيرًا بواسطة راهب يدعى عاماد، اتفق مع الراهب أول أن يدفع ألف دينار ويمنه بها لبيت المال، وكان الملك الكامل بالإسكندرية واتفقوا معه أن تتم رسامة الراهب ابن لقلق بطريركا بالإسكندرية باسم كيرلس الثاني وذلك بواسطة يد أسقفين أحدهما أسقف اشمون طناح (أشمون الشرقية) والثاني أسقف بلج، وكان ذلك يوم 16 يونيو 1235 في كنيسة أنبا شنودة خارج المدينة، وكانت الرسامة يوم الأحد الثاني 23 يونيه بكنيسة سوتير (المخلص).

- ومن الأخطاء الكثيرة التي تؤخذ على كيرلس الثالث لجوءه إلى سيمونية في الرسامات الكهنوتية وكان قد تقرر عليه أن يدفع اثني عشر ألف بندقي لبيت المال (حوالي 3000 دينار) وكان لا يملك منها شيئًا، فلجأ إلى السيمونية لسداد هذا المبلغ، وهو بطبيعة الحال خطأ واضح، أما السبب فإن هذا البطريرك رُسِمَ بطريقة غير شرعية ولا تقرها قوانين الكنيسة، وقبل عنه انه لم يرسم أسقفا أو كاهنا أو شماسا إلا بالسيمونية، ورسم عددًا كبيرا من الأساقفة لأن معظم الكراسي الأسقفية كانت خالية، وقيل انه في اقل من سنه رسم أكثر من 40 أسقفا وعددًا لا يُحصى من القسوس والشمامسة، وكان عذره الذي يقدمه دائما إزاء هذا النقد هو جميع ما يجب دفعة من المال للسلطان، وبسبب السيمونية ابتعد عنه أكثر مَنْ كانوا ملتصقين به، حتى نشئ الخلافة نفسه، وقد تعرض لإهانات وحبس بسبب التصرفات التي أنكرها عليه الجميع.

- كما حدثت بعض المشاكل والاحتكاكات من جانب عامة الناس بسبب مسجد كان ملاحقًا للكنيسة المعلقة، وتعمد مؤذِّن المسجد مضايقة البطريرك، بل كسروا القلاية البطريركية وسرقوا بعض الأواني الفضية، فذهب جمع غفير من المسلمين إلى الأمير جمال الدين بن يغمر نائب السلطان وشكوا إليه، وقالوا: أيا مولانا هل تغلق المساجد وتفتح الكنائس؟! فأجابهم: هذا حديث لا يُسمَع، بل أن الجميع تفتح أبوابها، ومن أراد المسجد يطلع إليه إلا أنه لا يؤذى احد، ولا يتعرض أحدًا لآخر، أما هؤلاء النصارى فهم رعية السلطان، وانتم أدرى بذلك، وأن هذا المسجد فقير وأنا أقوم به، إلا أن المقدس فأنا لا أمكن احد منه" وكان النصارى مع إخوانهم المسلمين في سلام وهدوء.

- ظل البطريرك كيرلس الثالث سائرا في خطته السيمونية حتى فج الشعب من تصرفاته، واجتمع جماعة من الاراخنة واتفقوا على مناقشته في تصرفاته، وذهبوا إلى الكنيسة المعلقة، ودار بينهم حوار وحديث ساخن وقالوا له (إلى متى تفعل هذه الأشياء التي جعلتها مرسبة بين الأمراء والشعوب، فسألهم (وما هي هذه الأشياء التي تتضررون منها) قالوا له أخذك السيمونية على الكهنوت، فلما سمع هذا احتج بسداد أموال السلطان، فأجابوه: ومَنْ أوجب عليك أن تقرر للسلطان شيئًا ما كان معين عليك أن تدخل فيه، ولم تُطرَح عليك البطريركية بالقوة، بل أنت الذي قدمت رشوة في سبيلها، واغتصبتها لك وقضيت فيها إلى اليوم مدة تسعة وعشرين شهرا حصل الخراب في أعمال كنيستنا على يديك، أجابهم البطريرك أنى لم أخرب كنيستكم بل عمرتها، فما كان فيها سوى أسقفين وأصبح عددهم اليوم خمسين أسقفًا، كما أصبح عدد الكهنة لا يُعَد ولا يُحصى، قالوا له أن الأساقفة هم الآخرون يأخذون السيمونية، فرد عليهم ومن يرضى بهذا للأساقفة، لو بلغني أن أسقفًا اخذ السيمونية لمنعته، وختموا حديثهم معه بان يكتب إلى الأساقفة بمنع السيمونية.

- وفي سبيل جمعه لمزيد من الأموال أمر أن تتبع جميع الأديرة للبطريركية، بعد أن كان كل أسقف مسئول عن ديره، كما أنشا مطرانية قبطية على بيت المقدس وبلاد الشام، ورسم لها أسقفًا يرعى شئون الأقباط هناك باسم باسيلوس، وكان هؤلاء هو أول بطريرك يرسم أسقفا للقدس.

- وإزاء تصرفات هذا البطريرك تقدم إليه البعض بمطالب للإصلاح في مقدمتها: إيمان الأقباط وأبطال السيمونية، لكنه لم يبال بها ولم يغير من طريقته، فطالبوه بعقد مجمع مقدس، ولما اجتمع الأساقفة مع البطريرك، حضر إلى القاهرة أربعة عشر أسقفا منهم اغلبهم من الوجه البحري، واجتمعوا بالبطريرك في كنيسة حارة زويلة في 3 سبتمبر 1238 م.، ووضعوا قرارات وقعوا عليها وحرموا من يحيد عنها وهى المعروفة بقوانين كيرلس بن لقلق، وتبدأ هذه القرارات بإقرار الإيمان الأرثوذكسي المحدد بواسطة المجامع المسكونية الثلاثة الأولى نقية والقسطنطنية وافسس، وآباء الكنيسة وقوانين الرسل والمجامع المقبولة، وبعد ذلك وضعت في أربعة كتب:

- الكتاب الأول يتعلق بنظام إدارة البطريركية

- الكتاب الثاني يشمل النشر الكامل لعوايد وطقوس ونظام البيعة

- الكتاب الثالث يتكلم عن الأوقاف والصدقات

- الكتاب الرابع يتناول موضوعات طقسية.

هذه القرارات والكتب وضعت بين عامي 1238-1239 وقدا أضيف إليها كتاب خامس بعد ذلك، ويشمل ما اتفق عليه في مجمع زويلة مع بعض إضافات، وقد اشتهر باسم "اتفاق المعلقة".

خرج الأساقفة وعادوا إلى كراسيهم بعد انتهاء مجمع زويلة، لكن البابا كيرلس الثالث بعد أن حدد الأنظمة التي تتبع في إدارة شئون الكنيسة وموافقته عليها هو والأساقفة المجتمعين معه لم يقم بتنفيذها، فعقد له في 8 سبتمبر 1240 مجلس في قلعة صلاح الدين بحضور الوزير معين الدين بن الشيخ والأساقفة وشيوخ الرهبان والأراخنة وبعض المسلمين الذين حضروا مع الوزير، وقد تقرر في هذا الاجتماع بحضور كيرلس الثالث أن تسير الأمور في الكنيسة على نحو ما سبق تقريره في مجمع زويلة وأضافوا إليه ما يأتي:

- أن يلازم القلاية البطريركية أسقفان عالِمان هما القمص بولس البوشي الذي تقرر رسامته أسقفا على مصر، والثاني احد الأساقفة العلماء بالوجه البحري وحددوا أسماءهم، ويعمل البطرك معهما في كل ما يتعلق بشئون الكنيسة الإدارية.

- أن تتولى كل كنيسة بمصر والقاهرة والإسكندرية إدارة أوقافها.

- أن تختصر القوانين التي وضعت في سنتي 1238، 1239 بالاتفاق مع البطريرك والأساقفة الحاضرين، وتكتب عدة نسخ وتوزع على الكراسي للسير بمقتضاها.

- فيما يتعلق بالرهبان الذين يخدمون في كنائس العالم، يستمر بالخدمة مَنْ كان موجودا منهم حتى نياحة البابا يؤنس السادس بشروط معينة.

- وحدثت في أواخر أيام كيرلس بن لقلق عدة مشاحنات بسبب تجاور مسجد وكنيسة المعلقة، واعتدى المسلمون على حائط الكنيسة المجاور للمسجد، وحدثت بلبلة كبيرة بسبب ذلك، وكان المسلمون يصعدون إلى ظهر قلاية البطريرك ويؤذنون ويكبرون، وحدثت أحداث مؤسفة نتيجة لذلك، وعلى الرغم من الأمير احضر قوما منهم وعنّفهم بشدة كما حبس والى مصر جماعة منهم إلا أنهم لم يهدأوا.

- نصح أسقف مصر التقي أنبا بولس البوشي البطريرك بأن يلجأ إلى حياة الوحدة أملًا في الهدوء، ولمراجعة تصرفاته والبعد عن العالم وعن الاحتكاك بالناس، مما يهيئ له الرجوع إلى الصواب في أواخر حياته، حتى تتساوى أعماله بمواهبه النادرة المثال، كما قال فيه أبو شاكر بطرس المعروف بابن الراهب في كتابه التاريخ (أنه كان رجلًا بارعًا ذا فنون كثيرة، إلا أنه كان يحب جمع المال وأخذ السيمونية، ولهذا عصت عليه القوم وأهانوه وعقدوا له المجالس، وقد فلح الأنبا بولس البوشي في إقناع البطريرك بذلك، فاعتزال في دير الشمع بالجيزة حتى نياحته في 10 مارس 1243 ودفن بهذا الدير.

وقد عاصر من الملوك الأيوبيين: الملك الكامل - العادل - الصالح - المعظم.

ومن المؤلفات التي حفظت له كتاب المعلم والتلميذ، ولما تنيَّح استولى السلطان على جميع مخلفاته، وظل الكرسي البطريركي بعده شاغرًا نحو سبع سنوات ونصف.

  رد مع اقتباس
قديم 06 - 11 - 2021, 04:23 PM   رقم المشاركة : ( 7 )
بشرى النهيسى Male
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية بشرى النهيسى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 124929
تـاريخ التسجيـل : Oct 2021
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : مصر
المشاركـــــــات : 25,621

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

بشرى النهيسى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: باباوات بأسم كيرلس

البابا كيرلس الرابع
(البابا كيرلس أبو الإصلاح)
(1853 - 1862 م.)



المدينة الأصلية له: الصوامعة، مركز أخميم

الاسم قبل البطريركية: أبونا الراهب القس داود الصومعي

من أبناء دير: دير أنبا أنطونيوس

تاريخ التقدمة: 28 بشنس (11 بؤونه؟) 1570 للشهداء - 17 يونيو 1854 للميلاد

تاريخ النياحة: 23 طوبه 1577 للشهداء - 30 يناير1861 للميلاد

مدة الإقامة على الكرسي: 6 سنوات و7 أشهر و13 يومًا

مدة خلو الكرسي: سنة واحدة و4 أشهر و16 يومًا

محل إقامة البطريرك: المرقسية بالأزبكية

محل الدفن: كنيسة مارمرقس بالأزبكية

الملوك المعاصرون: عباس الأول - سعيد باشا

صور الأب البطريرك: صور قداسة البابا المعظم الأنبا كيرلس الرابع، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ110

الأساقفة الذين رسمهم: قائمة الآباء الأساقفة الذين قام برسامتهم قداسة البابا كيرلس الرابع البطريرك رقم 110 (7 أساقفة)



← اللغة القبطية: pi`agioc Kurilloc أو Papa Kurillou =d.



تَرَهَّب بدير الأنبا أنطونيوس سالكًا طريق النسك الزائد والصلاة الحارة.

رسمه البابا بطرس الجاولي قسًا وعينه رئيسًا لدير الأنبا أنطونيوس.

أقاموه بطريركًا في 28 بشنس سنة 1571 ش.

أنشأ المدرسة القبطية الكبرى بالبطريركية، وفتح مدرسة أخرى في حارة السقايين وشدَّد في تعليم اللغة القبطية فيهما.

اشترى مطبعة كبيرة طبع فيها جملة كتب كنسية.

ولما أكمل سعيه المبارك تنيَّح بسلام في 23 طوبه سنة 1577 ش.

صلاته تكون معنا آمين.



السيرة كما ذكرت في كتاب السنكسار

نياحة البابا كيرلس الرابع أبي الإصلاح الـ110 (23 طوبة)

في مثل هذا اليوم تنيَّح الأب العظيم الأنبا كيرلس الرابع بابا الإسكندرية العاشر بعد المائة. وقد ولد هذا الأب ببلدة الصوامعة الشرقية من أعمال جرجا من أبوين تقيين حوالي سنة 1816 م.، وأسمياه داود باسم جد أبيه، واعتني والده بتربيته وتعليمه. وفي الثانية والعشرين من عمره قصد دير القديس أنطونيوس لزهده في أباطيل الحياة. وهناك سلك طريق الفضيلة والنسك، مما جعل القس أثناسيوس القلوصني، رئيس الدير وقتئذ أن يلبسه ثوب الرهبنة، فدأب منذ ذلك الحين علي الدرس والمطالعة. وبعد سنتين من ترهبه تنيَّح رئيس الدير، فأجمع الرهبان علي اختيار هذا الأب رئيسا، فرسمه الأنبا بطرس الجاولي البابا المئة والتاسع قسًا وعينه رئيسًا علي الدير، فاهتم بشئون الدير والرهبان أبلغ اهتمام. وكان حاد الذكاء وعلي قسط وافر من الإلمام بالمسائل الدينية، ولذلك فإنه لما نشب خلاف بين الأحباش في بعض الأمور العقائدية، استدعاه الأب البطريرك الأنبا بطرس الجاولي، وكلفه بالذهاب إلى البلاد الحبشية لفض هذا النزاع. فقام بمهمته خير قيام. وعاد الأب داود من الحبشة في يوم السبت 13 يوليه من سنة 1853 م. وكان قد تنيَّح البابا بطرس الجاولي في 15 أبريل سنة 1852 م. وعند الشروع في اختيار خلف له، اختلفت أراء الشعب، فالبعض اختار الأب داود، والبعض اختار غيره. ثم استقر الرأي علي رسامته مطرانًا عامًا سنة 1853 م. واستمر سنة وشهرين، أظهر خلالها من حسن التصرف، ما جعله أهلا لأن يقام بطريركًا، فتمت رسامته في 28 بشنس سنة 1571 ش. ( 1854 م.). وقد أفرغ قصارى جهده في سبيل تهذيب الشبان وتعليمهم. فقد أنشأ المدرسة القبطية الكبرى بالبطريركية، وفتح مدرسة أخرى في حارة السقايين وشدد في تعليم اللغة القبطية فيهما، كما اشتري مطبعة كبيرة طبع فيها عدة كتب كنسية. وعموما فإن إليه يرجع الفضل في تقدم الأقباط، وقد هدم كنيسة البطريركية القديمة وشيد غيرها، ولكنه لم يتمكن من إتمامها لتغيبه في البلاد الحبشية للمرة الثانية. وكان هذا الحبر العظيم عالما شديد الاعتصام بقوانين الكنيسة، وكان محسنا ذا عناية شديدة بذوي الحاجة ومحبوبا من رعيته، وتنيَّح في 23 طوبة سنة 1577ش (1861 م.).

صلاته تكون معنا ولربنا المجد دائمًا أبديًا آمين.



معلومات إضافية


ولد في عام 1532 ش. / 1816 م. بقرية نجح أبو رزقالي من الصوامعة سفلاق (الصوامعة الشرقية) أخميم، مديرية جرجا (محافظة سوهاج الآن) وكان اسمه داود بن توماس بن بشوت بن داود، وكان أبوه أميا لا يعرف القراءة والكتابة، إلا أنه اعتنى كثيرًا بتعليم ابنه حتى صار مُلِمًّا بالقراءة باللغتين العربية والقبطية وشيء من الحساب، ولما كبر اشتغل داود مع أبيه بالزراعة، وفي هذه الأثناء اختلط بالعربان المجاورين لقريته، فتعلم منهم الفروسية وركوب الخيل والهجن (الجمال).

ومنذ نشأته لم يعبأ بمهام هذه الحياة كأن العناية كانت تجهزه لعمل أشرف ولغاية أعظم بل كان عفوفًا تقيًا وَرِعًا محبًا للفقراء، وكان يميل إلى العزلة والتفكُّر في سير القديسين.


ولما بلغ الثانية والعشرين من عمره أحب الرهبنة وعزم على الرحيل من وطنه فمنعه أبواه، ولكنه أصر على الرحيل وانتهز الفرصة وودع أصحابه وهرب سنة 1554 ش. إلى دير القديس انطونيوس في الوشن حيث توجه إلى عزبة الدير، وقابل هناك القمص أثناسيوس القوضي رئيس الدير وعرض عليه نيته أن يكون راهبا، فظل فترة تحت الاختبار، ولما نجح في هذا الاختبار انضم إلى رهبان دير الأنبا أنطونيوس بجبل العربة بالصحراء الشرقية.

وقد أظهر محبة كبيرة للرهبان والذكاء والورع والميل لدراسة الكتاب المقدس، وكان يجمع أخوته الرهبان ويقرأ عليهم الكتاب المقدس ويشرحه لهم ويحببهم في دراسته، فسر منه رئيس الدير، ولما ذاع صيته بين الرهبان ووصل إلى آذان البطريرك البابا بطرس السابع، استدعاه إليه، ولما حضر بين يديه رأى فيه ما أكد له نبوغه وعبقريته فباركه ودعا له بالتوفيق وكان ذلك في حضور الأنبا صرابامون أبو طرحة أسقف المنوفية، ورسمه قسًا.

وبعد أن قضى الراهب داود سنتين في دير الأنبا انطونيوس تنيَّح القمص أثناسيوس القلوض رئيس الدير عام 1840، وعلى الرغم من حداثة عهد داود بالرهبنة، إلا أن الرهبان اجمعوا على تزكية رئيسًا للدير، ورفعوا الأمر إلى البابا بطرس فوافق على ذلك، ومنذ ذلك الحين بدأ يتألق بنور مواهبه، فوضع نظامًا للدير حرم به على الرهبان مغادرته إلا لضرورة قاطعة وأخذ في إصلاح أحواله الأدبية والمادية والروحية، وفي نفس الوقت وسع من ثقافته هو بالقراءة والدراسة والإطلاع.

اهتم القس داود بدراسة اللغة العربية نحوًا وحرفًا، فاكتسب منها ما ضبط ألفاظه، كما عني بتعليم الرهبان، فخصص من العزبة بناحية بوش مديرية بنى سويف، التي كانت مقرا للدير مكانا جمع فيه كثيرًا من الكتب بالإضافة إلى ما كان موجودًا، ودبَّر حلقات للدرس والمناقشة في الموضوعات الدينية والأدبية والتاريخية على السواء، كما افتتح كتابا في بوش لتعليم الأولاد اللغتين العربية والقبطية.


  رد مع اقتباس
قديم 06 - 11 - 2021, 04:25 PM   رقم المشاركة : ( 8 )
بشرى النهيسى Male
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية بشرى النهيسى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 124929
تـاريخ التسجيـل : Oct 2021
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : مصر
المشاركـــــــات : 25,621

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

بشرى النهيسى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: باباوات بأسم كيرلس


سفره الأول إلى الحبشة:

اختلف الأحباش في بعض القضايا اللاهوتية والطقسية مع مطرانهم الذي كان البابا بطرس السابع قد رسمه في 20 أغسطس 1851 باسم الأنبا كيرلس، وإذ لم يستطيع الأسقف تقويم رعاياه حسب المفهوم الكنسي حرم عددا منهم، واعتدى بالضرب على الآخرين، فلما سمع البطريرك بذلك كتب إليه يأمره بالإقلاع عن هذا الأسلوب الجاف، وينصحه باستعمال الرأفة والليونة ولكن الأسقف لم ينجح في علاج الموقف، واستمر الوضع هكذا، حتى اغتاله رجل اسمه سبغيدس في مدينة عدوة بالحبشة، فأرسل إليهم البطريرك سنة 1841 مطرانا آخر هو الأنبا اندراوس وكان قد تعلم اللغة الإنجليزية في مدرسة ليدرس الإنجليزية بالقاهرة.

ولما وصل الأنبا أندراوس إلى إثيوبيا وجد المشاكل التي تركها سلفه متفاقمة، فكتب للبطريرك بطرس السابع يشرح له أوجه الخلاف، ويسأله المعونة في تصفية هذه المشاكل، فأرسل إليه القس داود رئيس دير الأنبا انطونيوس وحمله رسالتين واحدة للمطران والأخرى للشعب الإثيوبي (الحبشي) فسافر القس داود الصوامعي سنه 1851 واصطحب معه القس برسوم الانطونى الذي صار فيما بعد مطرانًا للمنوفية باسم الأنبا يؤانس، وقد حاول القس داود أثناء وجوده في الحبشة أن يحل المشاكل العقائدية القائمة بين المطران والشعب، وأن يضع حدًا حاسمًا لمشكلة دير السلطان الذي تتنازعه الكنيستان، إلا أنه لم يتوصل إلى تسوية قاطعه في كلا الأمرين، وكان للأسف للقنصل الإنجليزي يدًا في هذا النزاع، لدرجة أنه أثار النجاش عليه فأخر موعد عودته إلى مصر وضايقه إلى حد ما، ثم سمح بعد ذلك بالسفر، فعاد إلى القاهرة في 17 يوليو 1852 بعد أن قضى هناك سنه وبضعة أشهر.

وفيما بعد نقم الأحباش على الأنبا اندراوس فأودعوه السجن حيث ظل فيه إلى أن تنيَّح بسلام 1867.
  رد مع اقتباس
قديم 06 - 11 - 2021, 04:26 PM   رقم المشاركة : ( 9 )
بشرى النهيسى Male
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية بشرى النهيسى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 124929
تـاريخ التسجيـل : Oct 2021
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : مصر
المشاركـــــــات : 25,621

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

بشرى النهيسى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: باباوات بأسم كيرلس




ترشيح القس داود للبطريركية:


كان البطريرك بطرس السابع قد وعد القس داود بترقيته إلى رتبة المطران إذا نجح في تسوية المشكلة الإثيوبية، ولكن داود عاد إلى القاهرة بعد نياحة البابا باثنين وسبعين يومًا، ووجد الشعب يعمل لترشيح بطريرك جديد، وقد انقسمت صفوفه إلى ثلاثة أحزاب هي:

الحزب الأول: كان ينادى بترقية الأنبا يوساب أسقف جرجا وأخميم إلى رتبة بطريرك.

الحزب الثاني: قال بصلاحية القس داود الصوامعي إلى منصب البطريركية على أساس توصيه البابا الراحل بذلك.

الحزب الثالث: رأى أن الأنبا أثناسيوس أسقف أبو تيج هو رجل المهام الصعبة الذي يليق بالموقف الراهن حينئذ.

وقد تزعم أنصار أسقف أخميم الأرخن "جاد افندى شيحة" وآخرون من وجهاء الأقباط الذين عمدوا إلى ترديد شائعة تقول "أن أصحاب الدجل وعلوم المطالع يؤكدون انه لو صار داود بطريركًا فسوف يكون قدومه شؤما على الحاكم والمحكومين!!

ولكن هذه الأمور وغيرها لم توهن من عزيمة أنصار القس داود، بل أخذوا يزدادون نفوذًا وعددًا، حتى أصبحوا يمثلون صوت الشعب القبطي برمته، وخدمتهم الظروف بانسحاب الأنبا أثناسيوس من المعركة.

أما أتباع أسقف جرجا فلما رأوا أن فوز مناهضيهم قد أًصبح وشيكا، ادعى عميدهم أنهم اخذوا أمرا شفويًا من عباس باشا الأول بتنصيب أسقف أخميم بطريركًا وتأهبوا لرسامته يوم الأحد الموافق 10 ابريل 1853، ولكن أنصار القس داود أصرّوا على رسامته رغم وقوف عباس الأول في صف الآخرين خصوصا بعد أن أرجفوه بما قاله الدجالون من أن رسامته مستجلب الخراب على البلاد.

ولما كاد الشقاق يستعلى استعان أنصار القس داود بالمستر ليدر أحد مرسلي جمعية التبشير الإنجليزية وطلبوا منه التوسط لدى قنصل انجلترا في مصر لتعليم عباس الأول في قبول القس داود بطريركا، وفعلا كلمه فوعد ولكنه ماطل في وعده حتى قدم من الحبشة قس حبشي ومعه كثير من الهدايا وكتاب من النجاش لعباس باشا، فقابله عباس ومكث الرجل لدية أياما، فأشيع أيامها أن القس داود سار إلى بلاد الحبشة ليستعين هو وأتباعه بالنجاش على الخروج على طاعة عباس، فاستدعى القس داود إلى دار المحافظة واستجوب في شأن هذه الإشاعة على ما كان بينه وبين نجاش الحبشة، وكان الباشا قد أمر أن يذهب به إلى مجلس الأحكام بقلعة الجبل، فكانوا يأتون أمام المجلس كل يوم مرة أو مرتين، ويضيقون عليه الخناق في التحقيق، أما هو فكان هادئا ثابتا يتكلم برزانة وتعقل، فاغتاظ عباس باشا، واشتد غضبه على الأقباط، فأمر بفصل الموظفين منهم من خدمة الحكومة، ونفي الأعيان منهم إلى ستار في السودان ودارفور، وأذل الباقين في مصر كلها وعاشت الكنيسة والشعب في اضطهاد رهيب.

استدعى بعد ذلك كتخدا باشا (في مرتبة رئيس الوزراء الآن) جاد أفندي شيحة وأعلمه برغبة الباشا في اختيار بطريرك غير القس داود، وطلب منه التعجيل في ذلك خشية تدخل القنصل الإنجليزي، فجمع جاد أفندي الأساقفة وعرض الأمر: فكثرت آرائهم وحججهم، في الوقت الذي اتفق فيه حزب أسقف أخميم على تنفيذ رغبتهم بالحيلة. وكانت حيلتهم أنهم يجتمعون ليلًا في دير ليرسموه بطريركًا، فإذا أصبح الصباح وجد أنصار القس داود أن السهم قد نفذ، فيرضخون مكرهين أمام الواقع، وكما قبل من قيل أن جاد أفندي شيحة قد حصل على أمر شفهي من عباس الأول برسامته.

اجتمع الأساقفة بالدار البطريركية ويتبعهم الغوغاء سرا ومعهم أسقف أخميم وجاد أفندي وبعض أقاربه، وأغلقوا عليهم الأبواب، ووضعوا عليها حراسًا، وبدأوا يتممون الرسامة في الداخل سرا، ولكن حيلتهم لم تتم. إذ بينما هم كذلك ظهر أحد العميان العرفان وجعل يطوف في شوارع المسيحيين والحارت والأزقة وينادى أن قوموا من نومكم يا قوم، ففي هذه اللحظة يتممون رسامة أسقف أخميم. وظل ينادى ويصيح حتى استيقظ الناس وانطلقوا مسرعين إلى الدار البطريركية فتصدى لهم الحراس فاقتحموا الأبواب، وكثر الهياج، وكان في البطريركية بعض الأحباش نيام فاستيقظوا وسألوهم الخبر، فأوعزوا إليهم بإخراج الأساقفة من الكنيسة بالقوة، فأمسكوا القس وكسروا أبواب الكنيسة، واخرجوا الأساقفة رغمًا عنهم، واختلطت الأصوات وتعالى الصياح، واستمر الهياج خارج الكنيسة وداخلها وفي الشوارع المؤدية إليها حتى مطلع الفجر!!

ولما خابت جهود المتشعين (المُناصِرين والذين وراءه) للأسقف جعلوا يختلقون الأقاويل على القس داود، فأشاعوا انه في مدة إقامته بالحبشة تزوج من امرأة حبشية وله منها ولدان، وكان أصل هذه الإشاعة قسيس حبشي كان مغتاظا منه بسبب ما ذهب إلى الحبشة من أجله، وكان قد أتى ليشي به بهذا القول إلى البطريرك ليعطل رسامته فوجده قد تنيَّح، ولما استقصى الناس عن حقيقة هذا الإشاعة أتضح كذب القس الحبشي.

ورأى القنصل الإنجليزي أن الفتنة كادت تعم، فحذر عباس باشا من سوء العاقبة، وكان الخلاف قد ظل قائمًا عشرة أشهر، انتهى بتوسيط الحكومة الأنبا كيرلس مطران الأرمن الأرثوذكس بالقاهرة في الصلح بين الفريقين، ولم يوفَّق أولًا، لكنه أعاد الكرة ونجح أخيرًا في إقناع الطرفين برسامة القس داود مطرانا عاما أو مطرانا لبابليون على رأى بعضهم، فإن ثبتت كفاءته قلدوه البطريركية بعدئذ، وان لم تثبت فيظل مطرانا لمصر، ويتجه الأقباط بعد ذلك إلى مرشح آخر، ثم كتبت له تزكية بذلك ووقع عليها كل من: الأنبا صرابامون أسقف المنوفية، الأنبا ابرام أسقف أورشليم، الأنبا باكوبوي (ياكوبوس - يعقوب) أسقف المنيا والاشمونين، الأنبا أثناسيوس أسقف منفلوط، الأنبا مكاريوس أسقف أسيوط، الأنبا يوساب أسقف جرجا وأخميم، الأنبا إبرام أسقف قنا وقوص، الأنبا ميخائيل أسقف إسنا، الأنبا اسحق أسقف الفيوم والبهنسا والجيزة.

ومن رؤساء الأديرة: القمص عبد القدوس رئيس دير السريان، والقمص حنا رئيس دير البراموس، والقمص جرجس كاهن دير أبو مقار وإذ كان جماعة الأحباش لا يحبون القس داود ولم يرضوا عن رسامته اجتمعوا مع بعض العامة وبأيديهم العصي ودخلوا الكنيسة قبل إتمام الرسامة، وصاحوا في وجوه المصلين بالسب والشتم، واشتد الهياج، فهرب الأساقفة، وتعقب الأحباش القس داود ليقتلوه فاختفي، ولكن الكتلة كانت قد اتحدت على رسامته مطرانًا، فرشم في اليوم الثاني باسم كيرلس وكان ذلك في يوم 10 برمودة 1569 / 1853 م.

وقد لاقى في أيامه هذه أسوأ معاملة وأسوأ مقابلة (فقام خصومه وحالوا بينه وبين إنجاز مصالح الطائفة، واشتدوا عليه شدة بالغة، حتى كان إذا أراد النوم لا يجد لرأسه وسادة ينام عليها، ولا لجبينه فراشا، وإذا جاع لا يقدمون طعامًا إلا ما يسمحون به له، وإذا زاره احد لا يسمحون له بلقاؤه، أما هو فكان ساكن البال، رائق الحال لا يألوا جهدا في تأليف القلوب المتفرقة والنفوس المتنافرة، حتى طرحوا الخلاف جانبا، ومنذ ذلك الحين أخذ يباشر أعمال الطائفة.



أعماله بعد الرسامة:

بعد أن استقر الأنبا كيرلس في منصبه كمطران عام لجميع تخوم الكرازة المرقسية بدأ بهمة لا تعرف الكلل في تنفيذ مخططه الإصلاحي دون حساب لما يدور حوله، فوجه اهتمام إلى نشر التعليم بين أبناء شعبه، وكتب في ذلك منشورا مطولا ينتقد فيه طرق تعليم النشء في الكتاتيب التي يديرها عرفاء فاقِدوا البصر، وجعل يحث الأراخنة والمعلمين وأرباب الحرف على المساهمة في جمع المال لإنشاء المدارس النظامية لتهذيب البنين والبنات ونشر المعارف الصحيحة في كل البلاد، فاستجاب الشعب لرغبته وانهالت العطايا عليه، فبلغ ما جمعه من تبرعات لهذا المشروع 44106 فرشًا، وبالطبع كان لهذا المبلغ قيمته في تلك الفترة.

وكان أول عمل باشره هو بناء المدرسة الكبرى للأقباط وكانت إلى فترة وجيزة موجودة في فناء البطريركية القديمة بالدرب الواسع، كما اشترى عدة منازل وهدمها وأقام على أنقاضها مدرسة مسيحية ويقال أنه أنفق في بنائها 600 ألف قرشًا، فكان بناؤها موجبا لإجماع الجميع على اختياره بطريركًا، وطلبوا من قنصل انجلترا معاونتهم على ذلك لدى عباس باشا الأول، واخذ فعلا موافقته بحضور الأساقفة ما عدا أسقفي أخميم وأبو تيج ورسم بطريركا ولقب بكيرلس الرابع في 28 بشنس 1570 س / 1854 م.

ومما هو جدير بالذكر أن الذين كانوا يوصَفون بالزايرجة وأصحاب الطوالع الفلكية من مرشحي الأنبا يوساب كما أسلفنا أشاعوا انه لو جاء كيرلس بطريركًا فسوف يكون شؤمًا على حاكم البلاد، وتلعب الصدفة دورها ويقتل عباس الأول في قصره بينها في 14 يوليو 1854 أي بعد رسامته بطريركًا بأربعين يومًا فقط، فعمد البعض إلى تصديق هؤلاء الدجالين!


+ وكان من إصلاحاته المبكرة أيضًا أن أصدر أيام أن كان مطرانا على مصر منشورا في 23 أغسطس 1853 يوصى فيه بالآتي:

1- منع الكهنة من عمل عقد أملاك عند إجراء الخطوبة حتى تترك فترة للتعارف.

2- تحذير الكهنة من تزويج البنات القاصرات.

3- تحذير تزويج النساء المترملات المتقدمات في السن من الشباب.

4- تحتيم أخذ رضاء وموافقة الزوجين قبل الإكليل المقدس.

ولما تمت رسامته بطريركًا باحتفال عظيم قدمت عليه الوفود للتهنئة، أما هو فسعى لجمع قلوب الناس على المحبة وإزالة أسباب النفور حتى تم له ما أراد، ثم عكف على العمل لما فيه رقى الأمة القبطية، فنظم إدارة البطريركية والأوقاف، وأتم بناء المدرسة ليجعل التعليم في متناول الجميع بعد أن كان قاصرًا على مدارس الدولة التي كان قد أنشأها محمد على واقتصرت على أبناء الوجهاء، وبعد جلوسه على الكرسي البابوي وسع مساحتها حتى تستوعب أكبر عدد من التلاميذ وافتتحها رسميا بحضور وجهاء الدولة في سنة 1855، وكان يقوم بكل مطالب التلاميذ من دفع مرتبات المدرسين واختارهم من المهرة في تعليم اللغات الحية من عربية وتركية وفرنسية وإنجليزية وإيطالية مع كافة المواد الأخرى التي أقرتها برامج المدارس الحكومية، وجعل فيها التعليم والكتب والأدوات بالمجان.

ومن شدة اهتمامه بها كان يزور غرف التدريس دائما كل يوم مرة أو مرتين، ويستمع لإلقاء المدرسين للدروس، ثم أنشأ بالمدرسة قاعة يستقبل فيها الزوار لاسيما الأجانب الذين كان يكلفهم بفحص غرف التدريس وإبداء ملاحظاتهم عليها وما يؤول لنجاحها.

وكان يقوم هو نفسه بإلقاء بعض الدروس التاريخية والأدبية على الطلبة مما يناسب إدراكهم وسنهم، وجعل تعليم اللغة القبطية إجباريًا مع الإشراف على ذلك بنفسه، وإذ رأى أن بعض الطلبة من جهات بعيدة يتكبدون مشقة الحضور إلى المدرسة أنشأ لهم مدرسة بحارة السقايين كان يزورها كل أسبوعين، كما أنشأ بحارة السقايين مدرسة أخرى للبنات فكانت أول لفته في مصر لتعليم البنات، حيث كانت البنات تعانى من قبل من الجهل وعدم العناية بها.



مشكلة في طريق التعليم:

لقد كان إقبال الأقباط -رغم ذلك- على التعليم في مدرسة الأزبكية (مدرسة الأقباط الكبرى) قليلًا، فلم يزد عدد طلبتها على مائة وخمسين طالبًا، وكان المُشار إليهم في تعليم الأطفال حينئذ جماعة من العرفان، فلما أحسوا بما أجراه البطريرك سعوا يلقون بالفتنة ضده في البر، وجعل هؤلاء العرفاء يوهمون أهالي الأولاد بأن بين البطريرك والوالي عقدًا على أن يجند له من الأولاد ألوفًا. وكان إذا وصل الدار البطريركية شيء من الأدوات المدرسية بكوا وناحوا، وقالوا هذه آلات للحرب! وإذ رأى البابا كيرلس الرابع هذا الخطر يتزايد من جراء إشاعات هؤلاء العرفان، بدأ يستميلهم بأن أشركهم في مراحل التعليم الأولى في الدارس التي أنشاها، فلم تمض مدة حتى بدأوا يرتلون بحمده ويستديروا مائة وثمانين درجة!

ولقد أنجبت المدارس أبناء كثيرين تكلموا باللغات المختلفة، وكانوا من الأقباط المسيحيين منهم عبد الخالق ثروت باشا رئيس الوزراء في العشرينيات من هذا القرن، وكان يدعو سنويًا كِبار القَوم ليوزع الجوائز الفاخرة على التلاميذ النابغين تشجيعًا لهم وتنشيطًا لسواهم.

وقد كلف أحد قسوس الكنيسة الكبرى بالأزبكية (القمص تكلا) وكان يجيد الألحان بأن يختار من بين التلاميذ عددًا من ذوى الأصوات الحسنة، وعهد إليه بتعليمهم، وأعد لهم ملابس خاصة ليقوموا بالخدمة في الكنيسة، مما دفع الأهالي للإعجاب بالمشروعات ودفعوا أولادهم على الالتحاق بمدارسه والانتظام فيها.

وبعد قليل تخرج من هذه المدرسة عدد كبير، واتفق إنشاء مصلحة السكك الحديدية بمصر فدخلوها موظفين، وانتشروا في محطاتها، وكانوا يؤدون أعمالهم باللغة الإنجليزية، وعمل بعضهم في البنوك وعند التجار لمعرفتهم باللغات الأجنبية.

كان اهتمامه عظيما باللغة القبطية وإحيائها، فطبع منها عدة كتب، وبدأ الطباعة بلندن، فتعلمها أعضاء الكتبة القبطية، وتكلموا بها، فكانت في آخر أيامه من أهم اللغات التي كان يتكلم بها أبناء المدارس لديه، وقد أنشأ حوالي 12 مدرسة منها مدرسة للبنات علا فيها التدريب المنزلى من طهى ونسيج وخياطة وتطريز وبعض أعمال الخدمة الطبية إلى جانب علوم الدين واللغات.



إصلاحاته الأخرى:


1- وجه عنايته إلى ترميم الكنائس وإعادة ما تخرب منها فأعادها إلى ما كانت عليه، ولما رأى صعوبة تحمل مساكن حارة السقايين والجهات القريبة منها المشاق لحضور الصلاة في الكنيسة المرقسية بالأزبكية سعى لدى سعيد باشا سنه 1572 ش. ليحصل على إذن ببناء كنيسة في تلك الجهة فصدر له في 5 ربيع الأول 1272 هجرية، فكرس مكانا بمنزل رجل شهرته القيصاوى ليكون كنيسة إلى حين التمكن من بناء جديد، وأقام أول صلاة شكر في تلك الكنيسة وبقيت كذلك إلى أن بنيت الكنيسة الحالية في عام 1881 م.

St-Takla.org Image: Moalem Gerges El Gohary صورة في موقع الأنبا تكلا: المعلم جرجس الجوهري

St-Takla.org Image: Moalem Gerges El Gohary

صورة في موقع الأنبا تكلا: المعلم جرجس الجوهري

2- أما كنيسة البطريركية بالدرب الواسع بالأزبكية فقد وجد مبناها الذي كان قد بناه المعلمان إبراهيم وجرجس الجوهرى ضيقًا متواضعًا، وأن عمارتها ضعفت ومهدده بالانهيار فقام بهدمها من أساسها ووضع تصحيحًا يليق بكاتدرائية كبرى تليق بمركز الرئاسة وترفع من شأن قومه أمام الجاليات الأجنبية، واحتفل بوضع أساسها يوم الخميس 6 مايو 1858 بحضور كثيرين من وجهاء مصر وكبار رجال الدولة، إلا انه مات أثناء بنائها فأكملها خليفته ديمثريوس الثاني.



إنشائه للمكتبة:

عقب هذا التقدم والنجاح العلمي والديني، وجه نظره نحو إنشاء مكتبة تجمع الكتب النفيسة، فوجد في الدار البطريركية كثيرا من الكتب المهملة دون عناية، وبها كتب نفيسة للغاية، فجعل يصلح نظمها وتنظيمها ووضعها في مكان خاص بها أخذ يجمع من خزائن الأديرة الكتب الثمينة والسجلات المهمة لوضعها في المكتبة، كما أمر بتصحيح الكثير من كتب الكنيسة، حيث كانت تضم كثيرا من الحشاوي والتخاريف فأصلحها وضبطها.



إنشائه المطبعة:

عندما انتظمت مدارس البنين والبنات التي أنشأها، رأى أن رسالتها لا تكتمل إلا بوجود مطبعة تتولى طبع الكتب المدرسية، وما تحتاج إليه الكنيسة من الكتب الدينية على اختلاف أنواعها، وكانت حتى ذلك الحين تعتمد على الكتب المخطوطة التي حرفها النساخ أو كتبوها بخطوط رديئة تصعب قراءتها، فكلف صديقًا له يدعى رفلة عبيد الرومي بشراء مطبعة من أوربا وفعلا حقق له رفلة رغبته واشترى له مطبعة من إيطاليا، وصلت ميناء بولاق وكان يومها في دير الأنبا انطونيوس بالصحراء الشرقية، فكتب إلى وكيل البطريركية بالقاهرة بأن يستقبلها في زيه الكهنوتي ويكون الشمامسة بملابسهم الكهنوتية، وهم يرددون ألحان الفرح والسرور، ولما عابه البعض على ذلك بعد مجيئه من البرية، أجابهم لو كنت حاضرا فور وصولها لرقصت أمامها كما رقص داود النبي أمام تابوت العهد.

+ قام بتوسيع بعض الأديرة مثل دير السريان، وأرسل من قبله عمالا قاموا بقطع الأحجار من هضبة مجاورة، وزودهم بعربة لنقلها ونقل مواد البناء ومستلزماتها أثناء العمل.

+ نظرا لما كان يعرفه من خطورة بعض الكهنة وتأثير المادة عليهم، بدأ يصلح أحوالهم المعيشية وربط مرتبات شهرية لبعضهم حتى لا تقف المادة عائقا لخدماتهم، وبدأ في عمل مدرسة إكليريكية لتعليمهم.

+ كان راهبا صلبا، ولكنه بجانب عطفه على الرهبان الذين اختاروه رئيسًا لهم في الدير، إلا أنه كان قاسيًا عليهم ليحد من حريتهم، فكان خشنا رسمى (أبو نبوت) فلم يسمح بخروج الراهب من ديره إلا للضرورة.

+ كانت المرأة تعد من سقط المتاع، إلا في مجال الأمومة، فجاء البابا كيرلس الرابع ليغيرها، فأصبحت شريكة الرجل في كل أطوار حياته، وعمل على تعليمها وتهذيبها في مدرسة خاصة بها وكانت الأولى في مصر، وقد اقتدت الحكومة به، ونظرت إليه كرائد اجتماعي وفتحت بعده مدارس البنات، كما حفظ للمرأة كرامتها فلم يكن يسمح بالطلاق إلا لعلة الزنا تطبيقا لمبدأ الإنجيل، كما كان يوصي أولاده المسيحيين بعدم التفريق بين الاثنيّ والذكر في الميراث فهم سواء لأن الله لا يميز بين روح الرجل وروح المرأة.

+ من الأعمال النافعة التي حققها أنه أقنع الحكومة باستعمال التاريخ القبطي، وقال في ذلك صاحب كتاب التوقيعات الإلهامية (في ابتداء 21 شوال سنه 1271 هـ. استعملت التواريخ القبطية بحسابات مصر) أي من أول أبيب 1571 شهداء الموافق 7 يوليو 1855، وبقى مستعملًا إلى أن أبدل بالتوقيت الإفرنجي من أول ديسمبر 1875 م.

+ ومن تأثيره كذلك أنه نهض باللغة القبطية، وأصلح النطق بحروفها بمساعدة أحد مدرسي اللغة اليونانية في المدرسة العبيدية، فنبغ في مصر وقتها كثيرون كان في مقدمتهم، المعلم عريان جرجس مفتاح - القمص فيلوتاوس إبراهيم عوض - برسوم إبراهيم الراهب - فانوس ميخائيل جرجس - الدكتور إبراهيم بك حلمي من مركز صحة السويس.

+ ولما صدر الفرمان السلطاني في 18 فبراير سنه 1856 بمساواة كل المواطنين والتمتع بكافة الحقوق، قام البابا كيرلس الرابع وتقدم إلى الوالي يطلب منه تطبيق نصوص الفرمان على جميع المصريين فوعده الباشا بذلك، ولكن عندما رآه يماطل في تنفيذه استاء من تهربه وَتَوَجَّه إلى دير الأنبا انطونيوس ومعه الأنبا كلينيكوس بطريرك الروم الأرثوذكس الذي كانت تربطه به صداقة قويه، ومكثا هناك قرابة ستة أشهر، فانتهز قنصل فرنسا هذا الخلاف وعرض على البطريرك تسوية الأمر بينه وبين أمير البلاد شريطة أن يسمح للرهبان اليسوعيين بتأسيس مراكز تبشيرية في الحبشة إلا أن البابا رفض هذه الوساطة التي لا تتفق ومصلحة الكنيسة.

+ عندما تولى سعيد باشا الحكم واجهته مشاكل متعددة فيها الجيش والتجنيد، فجعل التجنيد إجباريا على كل المصريين، وَشَنَّ نظامًا للاقتراع يدعى بموجبه كل المصريين بلا فارق بينهم لحمل السلاح حتى الأقباط، وقد رحب البابا كيرلس بهذا ليكون القبطي مواطنا لأخيه المسلم ويكون هذا مُبررًا لرفع الجزية التي كانت تدفع بدعوى الدفاع عن المسيحيين، وان كان الأقباط قد خافوا ووقعوا ضده في هذا، إلا أنه استمر في موقفة وشجع سعيد باشا على هذا، ليكون للمسيحي شرف الجندية وشرف المواطنة كمصري.



سفره الثاني إلى الحبشة:

وقع في أيام البابا كيرلس الرابع خلاف بين الحكومتين المصرية والحبشية بسبب تعيين الحدود بينها، وقيل أن السلطان عبد المجيد العثماني هو الذي أوعز إلى سعيد باشا خديوي مصر بأن يرسل بطريرك الأقباط إلى البلاد الحبشة لعقد اتفاق بينه وبين ثيودور ملك الحبشة Tewodros II أو Theodore II: ዳግማዊ ቴዎድሮስ الذي كان قد تعدى على بعض نقاط الحدود في إقليم هرر Harrar وحدثت مشاكل للتابعين في ذلك الوقت للحكومة المصرية العثمانية، فجهزت له باخرة، وقام البطريرك بهذه المهمة السياسية بدون أن يدرى به أحد إلا الذين رافقوه في السفر وبعض خدامه، وألفت النظر هنا إلى أن الكنيسة القبطية لا تعمل بالسياسة أصلا ولا تتدخل فيها إلا إذا طلب منها، وأن تنفيذها للسياسة في حدود ما تكلف به فقط ويقود إلى حياتها الدينية كما هو موضوع بها.

وقد سافر البابا كيرلس الرابع رغم أن السفر كانت تعلوه الكآبة ويشوبه التشاؤم من هذه السفرية، وكان يرافقه اثنان من أغوات المنزل (جمع أغا)، فانتهز فرصة طول السفر وتعلم منهم التركية.

ولما علم النجاش بقدومه خرج لملاقاته بموكب حافل على مسيرة ثلاثة أيام من عاصمة مملكته، وطلب منه أن يمسحه ملكا بحضور جميع ملوك الحبشة، وكان في الحبشة بعض من المرسلين الإنجليز المرسلين من (جمعية التبشير بالإنجيل) لبث تعاليم ما رتبه لوثر كينج البروتستانتية بين الأحباش، وقد تقربوا من النجاش بعمل المدافع وصنع الأسلحة لحبشة، وتعليمهم فنون الحرب والقتال، حتى سأل إليهم وأعطاهم الحرية ليجولوا في كل مكان، فكانوا يعبثون بطقوس الكنيسة القبطية، ولم يفلح مطران الحبشة في مقاومتهم، فانتهز فرصة وجود البطريرك ورفع أمرهم إليه، فبعد انقضاء الأفراح طلب البطريرك من النجاش أن يرد لبلاد مصر ما أخذه منها، فأجابه إلى طلبه بسرور زائد، ثم كلمه بشأن المرسلين الإنجليز وطلب منه ترحيلهم، فاعتذر بكونهم يعلمون جنوده فنون الحرب، فأفهمه أن الحال غير داعية للحرب، فأمر النجاش بإخراج المرسلين من بلاده، فحقدوا على البطريرك وعملوا على الانتقام منه.

وكان البطريرك قد بعث يطلب من سعيد باشا أن يسير إليه بعض الصناع والمعلمين، فدس إليه قنصل الإنجليز بأن كيرلس هذا يريد أن يسلم بلاده إلى النجاش، وما زال سعيد باشا حتى قام إلى الخرطوم بجيش عظيم، وفي الوقت نفسه كان الإنجليز يحيكون مكيدة أخرى ضد كيرلس لدى النجاش، فدسوا عليه أنه قدم لطرد الإنجليز الذين كانوا يعدون لك الآلات الحربية ليمكن والي مصر منه، وقد حمل إليه من قبل سعيد باشا كسو (كساء) مسموما إذا ما لبسته قضي عليه! وكان فعلا من بين الهدايا التي قدمها البابا كيرلس للنجاش برنسا مزركشا بالجواهر الكريمة فهاب النجاش الأمر، لاسيما لما علم بقدوم سعيد باشا بجيشه إلى الخرطوم، فأمر بسجن البطريرك وضيق عليه الخناق، وخشية من أن يفلت البطريرك، ويمسح ملكا آخر للحبشة سواه، اصطحبه معه، فكان يسوقه أمامه في كل مكان يحل به محاطا بالحراس وكان إذا جلس يقف أمامه، ويبكته بأغلظ الألفاظ.

تمكن البابا من أن يصل إلى والدة النجاش، وكانت تقية ورعة، وأفهمها بحقيقة الأمر، فتوسلت إلى ولدها من جهته، فسمح له أن يدافع عن نفسه، فتمكن من إقناعه بجليل مقاصده، ومن ثم طلب أن يلبس الثوب الذي ارتاب فيه فلبس البطريرك مدة يومين دون أن يصاب بأذى، ولبسه رجل محكوم عليه بالإعدام مدة ثلاثة أيام فلم يصبه سوء، وكان النجاش قد أمر بحرم البطريرك حيا، فعفي عنه، وأرسل البطريرك إلى سعيد باشا أن نجاحه متوقف على رجوعه من حيث أتى، فرجع سعيد باشا إلى مصر بقواته من الخرطوم، وهنا عرف النجاش حقيقة الموقف، واعتذر للبطريرك على سوء فعلته وذلك برفع حجر على رأسه كعادة الأحباش وكان قد مر أكثر من سنه منذ خرج الأنبا كيرلس من مصر ولم يرد عنه خبر أو يسمع عنه شيء، وكان الناس قد قلقوا عليه كثيرًا، وبعد سنه وأربعة أشهر حل مكتوب منه ينبئ بأنه وصل إلى الخرطوم ومعه اثنان من رجال حكومة الحبشة، أحدهما قسيس الملك والثاني وزيره، فسر الشعب بعد أن ظنوا أنه مات، ووصل إلى القاهرة في 17 أمشير 1574 ش. وقد استقبل استقبالا عظيما.



نهاية البابا كيرلس:

لم ينسى الإنجليز له موقفه هذا فدبروا له مأساة محزنه لقاء إيعازه للنجاش بطرد تابعيهم من الحبشة، ولم يمكنهم من أخذ السلطان، كما اشتد غيظ الإنجليز عندما علموا أنه ينوى توحيد الكنائس الأرثوذكسية، فبعد رحيل وزير نجاش إلى الحبشة شعر البابا كيرلس بتغير محمد سعيد باشا عليه واتفق انه اصطحب معه بطريركي الروم والأرمن إلى دير القديس انطونيوس كما أسلفنا هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت ترويحًا عن أنفسهم، فانتهز القنصل الإنجليزي ودس له عند سعيد باشا بأنه يريد توحيد الكنائس تحت حماية روسيا التي كانت مكروهة من السلطان ومن سعيد باشا، فأرسل سعيد باشا إلى مدير مديرية بنى سويف يأمره بأن يستدعى البطريرك فورا، فاستمهله أيامًا، فاشتد غيظ سعيد باشا، ويروى التاريخ أنه كان في أحد الأيام أن جاء إلى البابا رسول من قبل محافظ مصر يستدعيه إلى الديوان لأمر لا يتم إلا بحضوره، فلم يقبل الذهاب، وصرف هذا الرسول بالحسنى فعاد إليه مرة ثانية وثالثة، فلم ير البابا بدا من الذهاب، واصطحبه وغاب ساعة وعاد ووجهه يقطر منه العرق، وقد نزلت به حمى، فعرف العلة وأشار بالدواء، فلم يأته حتى أتاه طبيب محمد باشا بأمر منه، وأخذ في علاجه، وظل يعالجه أيامًا، وقد اشتدت عليه الحمى وعظم مرضه، وفقد الرشد وسقط شعر رأسه ولحيته على وسادته وانحل جسده.. ومات.

ويروى من كانوا حوله، أنه لم يقبل السم في القهوة لأنه سمعهم يتكلمون بالتركية وكان يفهمها، ورجع إلى قلايته حزينًا، حتى حضر إليه كل من صديقه ربيب الأرمن والخواجة حنا مسرة وأحضرا له طبيبًا قالا عنه أنه أمين، ولكنه دَسَّ له السم في الدواء، ولما شعر به يمزق أحشاءه من الألم سَلَّم أمرهُ لله وجعل يُرَدِّد: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، بل خافوا مَنْ يقتل النفس".

وكانت وفاته في ليلة الأربعاء 23 طوبه 1577 ش. / 1861 م. ودفن بقبره الذي كان قد بناه لنفسه بالكنيسة الكبرى، بعد أن قدم للكنيسة ولمصر كل هذه الأعمال الجليلة والإصلاحات الكبيرة ومن ثم دعي (أبو الإصلاح).
  رد مع اقتباس
قديم 06 - 11 - 2021, 04:27 PM   رقم المشاركة : ( 10 )
بشرى النهيسى Male
..::| VIP |::..

الصورة الرمزية بشرى النهيسى

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 124929
تـاريخ التسجيـل : Oct 2021
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : مصر
المشاركـــــــات : 25,621

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

بشرى النهيسى غير متواجد حالياً

افتراضي رد: باباوات بأسم كيرلس




ترشيح القس داود للبطريركية:


كان البطريرك بطرس السابع قد وعد القس داود بترقيته إلى رتبة المطران إذا نجح في تسوية المشكلة الإثيوبية، ولكن داود عاد إلى القاهرة بعد نياحة البابا باثنين وسبعين يومًا، ووجد الشعب يعمل لترشيح بطريرك جديد، وقد انقسمت صفوفه إلى ثلاثة أحزاب هي:

الحزب الأول: كان ينادى بترقية الأنبا يوساب أسقف جرجا وأخميم إلى رتبة بطريرك.

الحزب الثاني: قال بصلاحية القس داود الصوامعي إلى منصب البطريركية على أساس توصيه البابا الراحل بذلك.

الحزب الثالث: رأى أن الأنبا أثناسيوس أسقف أبو تيج هو رجل المهام الصعبة الذي يليق بالموقف الراهن حينئذ.

وقد تزعم أنصار أسقف أخميم الأرخن "جاد افندى شيحة" وآخرون من وجهاء الأقباط الذين عمدوا إلى ترديد شائعة تقول "أن أصحاب الدجل وعلوم المطالع يؤكدون انه لو صار داود بطريركًا فسوف يكون قدومه شؤما على الحاكم والمحكومين!!

ولكن هذه الأمور وغيرها لم توهن من عزيمة أنصار القس داود، بل أخذوا يزدادون نفوذًا وعددًا، حتى أصبحوا يمثلون صوت الشعب القبطي برمته، وخدمتهم الظروف بانسحاب الأنبا أثناسيوس من المعركة.

أما أتباع أسقف جرجا فلما رأوا أن فوز مناهضيهم قد أًصبح وشيكا، ادعى عميدهم أنهم اخذوا أمرا شفويًا من عباس باشا الأول بتنصيب أسقف أخميم بطريركًا وتأهبوا لرسامته يوم الأحد الموافق 10 ابريل 1853، ولكن أنصار القس داود أصرّوا على رسامته رغم وقوف عباس الأول في صف الآخرين خصوصا بعد أن أرجفوه بما قاله الدجالون من أن رسامته مستجلب الخراب على البلاد.

ولما كاد الشقاق يستعلى استعان أنصار القس داود بالمستر ليدر أحد مرسلي جمعية التبشير الإنجليزية وطلبوا منه التوسط لدى قنصل انجلترا في مصر لتعليم عباس الأول في قبول القس داود بطريركا، وفعلا كلمه فوعد ولكنه ماطل في وعده حتى قدم من الحبشة قس حبشي ومعه كثير من الهدايا وكتاب من النجاش لعباس باشا، فقابله عباس ومكث الرجل لدية أياما، فأشيع أيامها أن القس داود سار إلى بلاد الحبشة ليستعين هو وأتباعه بالنجاش على الخروج على طاعة عباس، فاستدعى القس داود إلى دار المحافظة واستجوب في شأن هذه الإشاعة على ما كان بينه وبين نجاش الحبشة، وكان الباشا قد أمر أن يذهب به إلى مجلس الأحكام بقلعة الجبل، فكانوا يأتون أمام المجلس كل يوم مرة أو مرتين، ويضيقون عليه الخناق في التحقيق، أما هو فكان هادئا ثابتا يتكلم برزانة وتعقل، فاغتاظ عباس باشا، واشتد غضبه على الأقباط، فأمر بفصل الموظفين منهم من خدمة الحكومة، ونفي الأعيان منهم إلى ستار في السودان ودارفور، وأذل الباقين في مصر كلها وعاشت الكنيسة والشعب في اضطهاد رهيب.

استدعى بعد ذلك كتخدا باشا (في مرتبة رئيس الوزراء الآن) جاد أفندي شيحة وأعلمه برغبة الباشا في اختيار بطريرك غير القس داود، وطلب منه التعجيل في ذلك خشية تدخل القنصل الإنجليزي، فجمع جاد أفندي الأساقفة وعرض الأمر: فكثرت آرائهم وحججهم، في الوقت الذي اتفق فيه حزب أسقف أخميم على تنفيذ رغبتهم بالحيلة. وكانت حيلتهم أنهم يجتمعون ليلًا في دير ليرسموه بطريركًا، فإذا أصبح الصباح وجد أنصار القس داود أن السهم قد نفذ، فيرضخون مكرهين أمام الواقع، وكما قبل من قيل أن جاد أفندي شيحة قد حصل على أمر شفهي من عباس الأول برسامته.

اجتمع الأساقفة بالدار البطريركية ويتبعهم الغوغاء سرا ومعهم أسقف أخميم وجاد أفندي وبعض أقاربه، وأغلقوا عليهم الأبواب، ووضعوا عليها حراسًا، وبدأوا يتممون الرسامة في الداخل سرا، ولكن حيلتهم لم تتم. إذ بينما هم كذلك ظهر أحد العميان العرفان وجعل يطوف في شوارع المسيحيين والحارت والأزقة وينادى أن قوموا من نومكم يا قوم، ففي هذه اللحظة يتممون رسامة أسقف أخميم. وظل ينادى ويصيح حتى استيقظ الناس وانطلقوا مسرعين إلى الدار البطريركية فتصدى لهم الحراس فاقتحموا الأبواب، وكثر الهياج، وكان في البطريركية بعض الأحباش نيام فاستيقظوا وسألوهم الخبر، فأوعزوا إليهم بإخراج الأساقفة من الكنيسة بالقوة، فأمسكوا القس وكسروا أبواب الكنيسة، واخرجوا الأساقفة رغمًا عنهم، واختلطت الأصوات وتعالى الصياح، واستمر الهياج خارج الكنيسة وداخلها وفي الشوارع المؤدية إليها حتى مطلع الفجر!!

ولما خابت جهود المتشعين (المُناصِرين والذين وراءه) للأسقف جعلوا يختلقون الأقاويل على القس داود، فأشاعوا انه في مدة إقامته بالحبشة تزوج من امرأة حبشية وله منها ولدان، وكان أصل هذه الإشاعة قسيس حبشي كان مغتاظا منه بسبب ما ذهب إلى الحبشة من أجله، وكان قد أتى ليشي به بهذا القول إلى البطريرك ليعطل رسامته فوجده قد تنيَّح، ولما استقصى الناس عن حقيقة هذا الإشاعة أتضح كذب القس الحبشي.

ورأى القنصل الإنجليزي أن الفتنة كادت تعم، فحذر عباس باشا من سوء العاقبة، وكان الخلاف قد ظل قائمًا عشرة أشهر، انتهى بتوسيط الحكومة الأنبا كيرلس مطران الأرمن الأرثوذكس بالقاهرة في الصلح بين الفريقين، ولم يوفَّق أولًا، لكنه أعاد الكرة ونجح أخيرًا في إقناع الطرفين برسامة القس داود مطرانا عاما أو مطرانا لبابليون على رأى بعضهم، فإن ثبتت كفاءته قلدوه البطريركية بعدئذ، وان لم تثبت فيظل مطرانا لمصر، ويتجه الأقباط بعد ذلك إلى مرشح آخر، ثم كتبت له تزكية بذلك ووقع عليها كل من: الأنبا صرابامون أسقف المنوفية، الأنبا ابرام أسقف أورشليم، الأنبا باكوبوي (ياكوبوس - يعقوب) أسقف المنيا والاشمونين، الأنبا أثناسيوس أسقف منفلوط، الأنبا مكاريوس أسقف أسيوط، الأنبا يوساب أسقف جرجا وأخميم، الأنبا إبرام أسقف قنا وقوص، الأنبا ميخائيل أسقف إسنا، الأنبا اسحق أسقف الفيوم والبهنسا والجيزة.

ومن رؤساء الأديرة: القمص عبد القدوس رئيس دير السريان، والقمص حنا رئيس دير البراموس، والقمص جرجس كاهن دير أبو مقار وإذ كان جماعة الأحباش لا يحبون القس داود ولم يرضوا عن رسامته اجتمعوا مع بعض العامة وبأيديهم العصي ودخلوا الكنيسة قبل إتمام الرسامة، وصاحوا في وجوه المصلين بالسب والشتم، واشتد الهياج، فهرب الأساقفة، وتعقب الأحباش القس داود ليقتلوه فاختفي، ولكن الكتلة كانت قد اتحدت على رسامته مطرانًا، فرشم في اليوم الثاني باسم كيرلس وكان ذلك في يوم 10 برمودة 1569 / 1853 م.

وقد لاقى في أيامه هذه أسوأ معاملة وأسوأ مقابلة (فقام خصومه وحالوا بينه وبين إنجاز مصالح الطائفة، واشتدوا عليه شدة بالغة، حتى كان إذا أراد النوم لا يجد لرأسه وسادة ينام عليها، ولا لجبينه فراشا، وإذا جاع لا يقدمون طعامًا إلا ما يسمحون به له، وإذا زاره احد لا يسمحون له بلقاؤه، أما هو فكان ساكن البال، رائق الحال لا يألوا جهدا في تأليف القلوب المتفرقة والنفوس المتنافرة، حتى طرحوا الخلاف جانبا، ومنذ ذلك الحين أخذ يباشر أعمال الطائفة.



أعماله بعد الرسامة:

بعد أن استقر الأنبا كيرلس في منصبه كمطران عام لجميع تخوم الكرازة المرقسية بدأ بهمة لا تعرف الكلل في تنفيذ مخططه الإصلاحي دون حساب لما يدور حوله، فوجه اهتمام إلى نشر التعليم بين أبناء شعبه، وكتب في ذلك منشورا مطولا ينتقد فيه طرق تعليم النشء في الكتاتيب التي يديرها عرفاء فاقِدوا البصر، وجعل يحث الأراخنة والمعلمين وأرباب الحرف على المساهمة في جمع المال لإنشاء المدارس النظامية لتهذيب البنين والبنات ونشر المعارف الصحيحة في كل البلاد، فاستجاب الشعب لرغبته وانهالت العطايا عليه، فبلغ ما جمعه من تبرعات لهذا المشروع 44106 فرشًا، وبالطبع كان لهذا المبلغ قيمته في تلك الفترة.

وكان أول عمل باشره هو بناء المدرسة الكبرى للأقباط وكانت إلى فترة وجيزة موجودة في فناء البطريركية القديمة بالدرب الواسع، كما اشترى عدة منازل وهدمها وأقام على أنقاضها مدرسة مسيحية ويقال أنه أنفق في بنائها 600 ألف قرشًا، فكان بناؤها موجبا لإجماع الجميع على اختياره بطريركًا، وطلبوا من قنصل انجلترا معاونتهم على ذلك لدى عباس باشا الأول، واخذ فعلا موافقته بحضور الأساقفة ما عدا أسقفي أخميم وأبو تيج ورسم بطريركا ولقب بكيرلس الرابع في 28 بشنس 1570 س / 1854 م.

ومما هو جدير بالذكر أن الذين كانوا يوصَفون بالزايرجة وأصحاب الطوالع الفلكية من مرشحي الأنبا يوساب كما أسلفنا أشاعوا انه لو جاء كيرلس بطريركًا فسوف يكون شؤمًا على حاكم البلاد، وتلعب الصدفة دورها ويقتل عباس الأول في قصره بينها في 14 يوليو 1854 أي بعد رسامته بطريركًا بأربعين يومًا فقط، فعمد البعض إلى تصديق هؤلاء الدجالين!


+ وكان من إصلاحاته المبكرة أيضًا أن أصدر أيام أن كان مطرانا على مصر منشورا في 23 أغسطس 1853 يوصى فيه بالآتي:

1- منع الكهنة من عمل عقد أملاك عند إجراء الخطوبة حتى تترك فترة للتعارف.

2- تحذير الكهنة من تزويج البنات القاصرات.

3- تحذير تزويج النساء المترملات المتقدمات في السن من الشباب.

4- تحتيم أخذ رضاء وموافقة الزوجين قبل الإكليل المقدس.

ولما تمت رسامته بطريركًا باحتفال عظيم قدمت عليه الوفود للتهنئة، أما هو فسعى لجمع قلوب الناس على المحبة وإزالة أسباب النفور حتى تم له ما أراد، ثم عكف على العمل لما فيه رقى الأمة القبطية، فنظم إدارة البطريركية والأوقاف، وأتم بناء المدرسة ليجعل التعليم في متناول الجميع بعد أن كان قاصرًا على مدارس الدولة التي كان قد أنشأها محمد على واقتصرت على أبناء الوجهاء، وبعد جلوسه على الكرسي البابوي وسع مساحتها حتى تستوعب أكبر عدد من التلاميذ وافتتحها رسميا بحضور وجهاء الدولة في سنة 1855، وكان يقوم بكل مطالب التلاميذ من دفع مرتبات المدرسين واختارهم من المهرة في تعليم اللغات الحية من عربية وتركية وفرنسية وإنجليزية وإيطالية مع كافة المواد الأخرى التي أقرتها برامج المدارس الحكومية، وجعل فيها التعليم والكتب والأدوات بالمجان.

ومن شدة اهتمامه بها كان يزور غرف التدريس دائما كل يوم مرة أو مرتين، ويستمع لإلقاء المدرسين للدروس، ثم أنشأ بالمدرسة قاعة يستقبل فيها الزوار لاسيما الأجانب الذين كان يكلفهم بفحص غرف التدريس وإبداء ملاحظاتهم عليها وما يؤول لنجاحها.

وكان يقوم هو نفسه بإلقاء بعض الدروس التاريخية والأدبية على الطلبة مما يناسب إدراكهم وسنهم، وجعل تعليم اللغة القبطية إجباريًا مع الإشراف على ذلك بنفسه، وإذ رأى أن بعض الطلبة من جهات بعيدة يتكبدون مشقة الحضور إلى المدرسة أنشأ لهم مدرسة بحارة السقايين كان يزورها كل أسبوعين، كما أنشأ بحارة السقايين مدرسة أخرى للبنات فكانت أول لفته في مصر لتعليم البنات، حيث كانت البنات تعانى من قبل من الجهل وعدم العناية بها.



مشكلة في طريق التعليم:

لقد كان إقبال الأقباط -رغم ذلك- على التعليم في مدرسة الأزبكية (مدرسة الأقباط الكبرى) قليلًا، فلم يزد عدد طلبتها على مائة وخمسين طالبًا، وكان المُشار إليهم في تعليم الأطفال حينئذ جماعة من العرفان، فلما أحسوا بما أجراه البطريرك سعوا يلقون بالفتنة ضده في البر، وجعل هؤلاء العرفاء يوهمون أهالي الأولاد بأن بين البطريرك والوالي عقدًا على أن يجند له من الأولاد ألوفًا. وكان إذا وصل الدار البطريركية شيء من الأدوات المدرسية بكوا وناحوا، وقالوا هذه آلات للحرب! وإذ رأى البابا كيرلس الرابع هذا الخطر يتزايد من جراء إشاعات هؤلاء العرفان، بدأ يستميلهم بأن أشركهم في مراحل التعليم الأولى في الدارس التي أنشاها، فلم تمض مدة حتى بدأوا يرتلون بحمده ويستديروا مائة وثمانين درجة!

ولقد أنجبت المدارس أبناء كثيرين تكلموا باللغات المختلفة، وكانوا من الأقباط المسيحيين منهم عبد الخالق ثروت باشا رئيس الوزراء في العشرينيات من هذا القرن، وكان يدعو سنويًا كِبار القَوم ليوزع الجوائز الفاخرة على التلاميذ النابغين تشجيعًا لهم وتنشيطًا لسواهم.

وقد كلف أحد قسوس الكنيسة الكبرى بالأزبكية (القمص تكلا) وكان يجيد الألحان بأن يختار من بين التلاميذ عددًا من ذوى الأصوات الحسنة، وعهد إليه بتعليمهم، وأعد لهم ملابس خاصة ليقوموا بالخدمة في الكنيسة، مما دفع الأهالي للإعجاب بالمشروعات ودفعوا أولادهم على الالتحاق بمدارسه والانتظام فيها.

وبعد قليل تخرج من هذه المدرسة عدد كبير، واتفق إنشاء مصلحة السكك الحديدية بمصر فدخلوها موظفين، وانتشروا في محطاتها، وكانوا يؤدون أعمالهم باللغة الإنجليزية، وعمل بعضهم في البنوك وعند التجار لمعرفتهم باللغات الأجنبية.

كان اهتمامه عظيما باللغة القبطية وإحيائها، فطبع منها عدة كتب، وبدأ الطباعة بلندن، فتعلمها أعضاء الكتبة القبطية، وتكلموا بها، فكانت في آخر أيامه من أهم اللغات التي كان يتكلم بها أبناء المدارس لديه، وقد أنشأ حوالي 12 مدرسة منها مدرسة للبنات علا فيها التدريب المنزلى من طهى ونسيج وخياطة وتطريز وبعض أعمال الخدمة الطبية إلى جانب علوم الدين واللغات.



إصلاحاته الأخرى:


1- وجه عنايته إلى ترميم الكنائس وإعادة ما تخرب منها فأعادها إلى ما كانت عليه، ولما رأى صعوبة تحمل مساكن حارة السقايين والجهات القريبة منها المشاق لحضور الصلاة في الكنيسة المرقسية بالأزبكية سعى لدى سعيد باشا سنه 1572 ش. ليحصل على إذن ببناء كنيسة في تلك الجهة فصدر له في 5 ربيع الأول 1272 هجرية، فكرس مكانا بمنزل رجل شهرته القيصاوى ليكون كنيسة إلى حين التمكن من بناء جديد، وأقام أول صلاة شكر في تلك الكنيسة وبقيت كذلك إلى أن بنيت الكنيسة الحالية في عام 1881 م.

St-Takla.org Image: Moalem Gerges El Gohary صورة في موقع الأنبا تكلا: المعلم جرجس الجوهري

St-Takla.org Image: Moalem Gerges El Gohary

صورة في موقع الأنبا تكلا: المعلم جرجس الجوهري

2- أما كنيسة البطريركية بالدرب الواسع بالأزبكية فقد وجد مبناها الذي كان قد بناه المعلمان إبراهيم وجرجس الجوهرى ضيقًا متواضعًا، وأن عمارتها ضعفت ومهدده بالانهيار فقام بهدمها من أساسها ووضع تصحيحًا يليق بكاتدرائية كبرى تليق بمركز الرئاسة وترفع من شأن قومه أمام الجاليات الأجنبية، واحتفل بوضع أساسها يوم الخميس 6 مايو 1858 بحضور كثيرين من وجهاء مصر وكبار رجال الدولة، إلا انه مات أثناء بنائها فأكملها خليفته ديمثريوس الثاني.



إنشائه للمكتبة:

عقب هذا التقدم والنجاح العلمي والديني، وجه نظره نحو إنشاء مكتبة تجمع الكتب النفيسة، فوجد في الدار البطريركية كثيرا من الكتب المهملة دون عناية، وبها كتب نفيسة للغاية، فجعل يصلح نظمها وتنظيمها ووضعها في مكان خاص بها أخذ يجمع من خزائن الأديرة الكتب الثمينة والسجلات المهمة لوضعها في المكتبة، كما أمر بتصحيح الكثير من كتب الكنيسة، حيث كانت تضم كثيرا من الحشاوي والتخاريف فأصلحها وضبطها.



إنشائه المطبعة:

عندما انتظمت مدارس البنين والبنات التي أنشأها، رأى أن رسالتها لا تكتمل إلا بوجود مطبعة تتولى طبع الكتب المدرسية، وما تحتاج إليه الكنيسة من الكتب الدينية على اختلاف أنواعها، وكانت حتى ذلك الحين تعتمد على الكتب المخطوطة التي حرفها النساخ أو كتبوها بخطوط رديئة تصعب قراءتها، فكلف صديقًا له يدعى رفلة عبيد الرومي بشراء مطبعة من أوربا وفعلا حقق له رفلة رغبته واشترى له مطبعة من إيطاليا، وصلت ميناء بولاق وكان يومها في دير الأنبا انطونيوس بالصحراء الشرقية، فكتب إلى وكيل البطريركية بالقاهرة بأن يستقبلها في زيه الكهنوتي ويكون الشمامسة بملابسهم الكهنوتية، وهم يرددون ألحان الفرح والسرور، ولما عابه البعض على ذلك بعد مجيئه من البرية، أجابهم لو كنت حاضرا فور وصولها لرقصت أمامها كما رقص داود النبي أمام تابوت العهد.

+ قام بتوسيع بعض الأديرة مثل دير السريان، وأرسل من قبله عمالا قاموا بقطع الأحجار من هضبة مجاورة، وزودهم بعربة لنقلها ونقل مواد البناء ومستلزماتها أثناء العمل.

+ نظرا لما كان يعرفه من خطورة بعض الكهنة وتأثير المادة عليهم، بدأ يصلح أحوالهم المعيشية وربط مرتبات شهرية لبعضهم حتى لا تقف المادة عائقا لخدماتهم، وبدأ في عمل مدرسة إكليريكية لتعليمهم.

+ كان راهبا صلبا، ولكنه بجانب عطفه على الرهبان الذين اختاروه رئيسًا لهم في الدير، إلا أنه كان قاسيًا عليهم ليحد من حريتهم، فكان خشنا رسمى (أبو نبوت) فلم يسمح بخروج الراهب من ديره إلا للضرورة.

+ كانت المرأة تعد من سقط المتاع، إلا في مجال الأمومة، فجاء البابا كيرلس الرابع ليغيرها، فأصبحت شريكة الرجل في كل أطوار حياته، وعمل على تعليمها وتهذيبها في مدرسة خاصة بها وكانت الأولى في مصر، وقد اقتدت الحكومة به، ونظرت إليه كرائد اجتماعي وفتحت بعده مدارس البنات، كما حفظ للمرأة كرامتها فلم يكن يسمح بالطلاق إلا لعلة الزنا تطبيقا لمبدأ الإنجيل، كما كان يوصي أولاده المسيحيين بعدم التفريق بين الاثنيّ والذكر في الميراث فهم سواء لأن الله لا يميز بين روح الرجل وروح المرأة.

+ من الأعمال النافعة التي حققها أنه أقنع الحكومة باستعمال التاريخ القبطي، وقال في ذلك صاحب كتاب التوقيعات الإلهامية (في ابتداء 21 شوال سنه 1271 هـ. استعملت التواريخ القبطية بحسابات مصر) أي من أول أبيب 1571 شهداء الموافق 7 يوليو 1855، وبقى مستعملًا إلى أن أبدل بالتوقيت الإفرنجي من أول ديسمبر 1875 م.

+ ومن تأثيره كذلك أنه نهض باللغة القبطية، وأصلح النطق بحروفها بمساعدة أحد مدرسي اللغة اليونانية في المدرسة العبيدية، فنبغ في مصر وقتها كثيرون كان في مقدمتهم، المعلم عريان جرجس مفتاح - القمص فيلوتاوس إبراهيم عوض - برسوم إبراهيم الراهب - فانوس ميخائيل جرجس - الدكتور إبراهيم بك حلمي من مركز صحة السويس.

+ ولما صدر الفرمان السلطاني في 18 فبراير سنه 1856 بمساواة كل المواطنين والتمتع بكافة الحقوق، قام البابا كيرلس الرابع وتقدم إلى الوالي يطلب منه تطبيق نصوص الفرمان على جميع المصريين فوعده الباشا بذلك، ولكن عندما رآه يماطل في تنفيذه استاء من تهربه وَتَوَجَّه إلى دير الأنبا انطونيوس ومعه الأنبا كلينيكوس بطريرك الروم الأرثوذكس الذي كانت تربطه به صداقة قويه، ومكثا هناك قرابة ستة أشهر، فانتهز قنصل فرنسا هذا الخلاف وعرض على البطريرك تسوية الأمر بينه وبين أمير البلاد شريطة أن يسمح للرهبان اليسوعيين بتأسيس مراكز تبشيرية في الحبشة إلا أن البابا رفض هذه الوساطة التي لا تتفق ومصلحة الكنيسة.

+ عندما تولى سعيد باشا الحكم واجهته مشاكل متعددة فيها الجيش والتجنيد، فجعل التجنيد إجباريا على كل المصريين، وَشَنَّ نظامًا للاقتراع يدعى بموجبه كل المصريين بلا فارق بينهم لحمل السلاح حتى الأقباط، وقد رحب البابا كيرلس بهذا ليكون القبطي مواطنا لأخيه المسلم ويكون هذا مُبررًا لرفع الجزية التي كانت تدفع بدعوى الدفاع عن المسيحيين، وان كان الأقباط قد خافوا ووقعوا ضده في هذا، إلا أنه استمر في موقفة وشجع سعيد باشا على هذا، ليكون للمسيحي شرف الجندية وشرف المواطنة كمصري.



سفره الثاني إلى الحبشة:

وقع في أيام البابا كيرلس الرابع خلاف بين الحكومتين المصرية والحبشية بسبب تعيين الحدود بينها، وقيل أن السلطان عبد المجيد العثماني هو الذي أوعز إلى سعيد باشا خديوي مصر بأن يرسل بطريرك الأقباط إلى البلاد الحبشة لعقد اتفاق بينه وبين ثيودور ملك الحبشة Tewodros II أو Theodore II: ዳግማዊ ቴዎድሮስ الذي كان قد تعدى على بعض نقاط الحدود في إقليم هرر Harrar وحدثت مشاكل للتابعين في ذلك الوقت للحكومة المصرية العثمانية، فجهزت له باخرة، وقام البطريرك بهذه المهمة السياسية بدون أن يدرى به أحد إلا الذين رافقوه في السفر وبعض خدامه، وألفت النظر هنا إلى أن الكنيسة القبطية لا تعمل بالسياسة أصلا ولا تتدخل فيها إلا إذا طلب منها، وأن تنفيذها للسياسة في حدود ما تكلف به فقط ويقود إلى حياتها الدينية كما هو موضوع بها.

وقد سافر البابا كيرلس الرابع رغم أن السفر كانت تعلوه الكآبة ويشوبه التشاؤم من هذه السفرية، وكان يرافقه اثنان من أغوات المنزل (جمع أغا)، فانتهز فرصة طول السفر وتعلم منهم التركية.

ولما علم النجاش بقدومه خرج لملاقاته بموكب حافل على مسيرة ثلاثة أيام من عاصمة مملكته، وطلب منه أن يمسحه ملكا بحضور جميع ملوك الحبشة، وكان في الحبشة بعض من المرسلين الإنجليز المرسلين من (جمعية التبشير بالإنجيل) لبث تعاليم ما رتبه لوثر كينج البروتستانتية بين الأحباش، وقد تقربوا من النجاش بعمل المدافع وصنع الأسلحة لحبشة، وتعليمهم فنون الحرب والقتال، حتى سأل إليهم وأعطاهم الحرية ليجولوا في كل مكان، فكانوا يعبثون بطقوس الكنيسة القبطية، ولم يفلح مطران الحبشة في مقاومتهم، فانتهز فرصة وجود البطريرك ورفع أمرهم إليه، فبعد انقضاء الأفراح طلب البطريرك من النجاش أن يرد لبلاد مصر ما أخذه منها، فأجابه إلى طلبه بسرور زائد، ثم كلمه بشأن المرسلين الإنجليز وطلب منه ترحيلهم، فاعتذر بكونهم يعلمون جنوده فنون الحرب، فأفهمه أن الحال غير داعية للحرب، فأمر النجاش بإخراج المرسلين من بلاده، فحقدوا على البطريرك وعملوا على الانتقام منه.

وكان البطريرك قد بعث يطلب من سعيد باشا أن يسير إليه بعض الصناع والمعلمين، فدس إليه قنصل الإنجليز بأن كيرلس هذا يريد أن يسلم بلاده إلى النجاش، وما زال سعيد باشا حتى قام إلى الخرطوم بجيش عظيم، وفي الوقت نفسه كان الإنجليز يحيكون مكيدة أخرى ضد كيرلس لدى النجاش، فدسوا عليه أنه قدم لطرد الإنجليز الذين كانوا يعدون لك الآلات الحربية ليمكن والي مصر منه، وقد حمل إليه من قبل سعيد باشا كسو (كساء) مسموما إذا ما لبسته قضي عليه! وكان فعلا من بين الهدايا التي قدمها البابا كيرلس للنجاش برنسا مزركشا بالجواهر الكريمة فهاب النجاش الأمر، لاسيما لما علم بقدوم سعيد باشا بجيشه إلى الخرطوم، فأمر بسجن البطريرك وضيق عليه الخناق، وخشية من أن يفلت البطريرك، ويمسح ملكا آخر للحبشة سواه، اصطحبه معه، فكان يسوقه أمامه في كل مكان يحل به محاطا بالحراس وكان إذا جلس يقف أمامه، ويبكته بأغلظ الألفاظ.

تمكن البابا من أن يصل إلى والدة النجاش، وكانت تقية ورعة، وأفهمها بحقيقة الأمر، فتوسلت إلى ولدها من جهته، فسمح له أن يدافع عن نفسه، فتمكن من إقناعه بجليل مقاصده، ومن ثم طلب أن يلبس الثوب الذي ارتاب فيه فلبس البطريرك مدة يومين دون أن يصاب بأذى، ولبسه رجل محكوم عليه بالإعدام مدة ثلاثة أيام فلم يصبه سوء، وكان النجاش قد أمر بحرم البطريرك حيا، فعفي عنه، وأرسل البطريرك إلى سعيد باشا أن نجاحه متوقف على رجوعه من حيث أتى، فرجع سعيد باشا إلى مصر بقواته من الخرطوم، وهنا عرف النجاش حقيقة الموقف، واعتذر للبطريرك على سوء فعلته وذلك برفع حجر على رأسه كعادة الأحباش وكان قد مر أكثر من سنه منذ خرج الأنبا كيرلس من مصر ولم يرد عنه خبر أو يسمع عنه شيء، وكان الناس قد قلقوا عليه كثيرًا، وبعد سنه وأربعة أشهر حل مكتوب منه ينبئ بأنه وصل إلى الخرطوم ومعه اثنان من رجال حكومة الحبشة، أحدهما قسيس الملك والثاني وزيره، فسر الشعب بعد أن ظنوا أنه مات، ووصل إلى القاهرة في 17 أمشير 1574 ش. وقد استقبل استقبالا عظيما.



نهاية البابا كيرلس:

لم ينسى الإنجليز له موقفه هذا فدبروا له مأساة محزنه لقاء إيعازه للنجاش بطرد تابعيهم من الحبشة، ولم يمكنهم من أخذ السلطان، كما اشتد غيظ الإنجليز عندما علموا أنه ينوى توحيد الكنائس الأرثوذكسية، فبعد رحيل وزير نجاش إلى الحبشة شعر البابا كيرلس بتغير محمد سعيد باشا عليه واتفق انه اصطحب معه بطريركي الروم والأرمن إلى دير القديس انطونيوس كما أسلفنا هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت ترويحًا عن أنفسهم، فانتهز القنصل الإنجليزي ودس له عند سعيد باشا بأنه يريد توحيد الكنائس تحت حماية روسيا التي كانت مكروهة من السلطان ومن سعيد باشا، فأرسل سعيد باشا إلى مدير مديرية بنى سويف يأمره بأن يستدعى البطريرك فورا، فاستمهله أيامًا، فاشتد غيظ سعيد باشا، ويروى التاريخ أنه كان في أحد الأيام أن جاء إلى البابا رسول من قبل محافظ مصر يستدعيه إلى الديوان لأمر لا يتم إلا بحضوره، فلم يقبل الذهاب، وصرف هذا الرسول بالحسنى فعاد إليه مرة ثانية وثالثة، فلم ير البابا بدا من الذهاب، واصطحبه وغاب ساعة وعاد ووجهه يقطر منه العرق، وقد نزلت به حمى، فعرف العلة وأشار بالدواء، فلم يأته حتى أتاه طبيب محمد باشا بأمر منه، وأخذ في علاجه، وظل يعالجه أيامًا، وقد اشتدت عليه الحمى وعظم مرضه، وفقد الرشد وسقط شعر رأسه ولحيته على وسادته وانحل جسده.. ومات.

ويروى من كانوا حوله، أنه لم يقبل السم في القهوة لأنه سمعهم يتكلمون بالتركية وكان يفهمها، ورجع إلى قلايته حزينًا، حتى حضر إليه كل من صديقه ربيب الأرمن والخواجة حنا مسرة وأحضرا له طبيبًا قالا عنه أنه أمين، ولكنه دَسَّ له السم في الدواء، ولما شعر به يمزق أحشاءه من الألم سَلَّم أمرهُ لله وجعل يُرَدِّد: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، بل خافوا مَنْ يقتل النفس".

وكانت وفاته في ليلة الأربعاء 23 طوبه 1577 ش. / 1861 م. ودفن بقبره الذي كان قد بناه لنفسه بالكنيسة الكبرى، بعد أن قدم للكنيسة ولمصر كل هذه الأعمال الجليلة والإصلاحات الكبيرة ومن ثم دعي (أبو الإصلاح).
  رد مع اقتباس
إضافة رد


الانتقال السريع

قد تكون مهتم بالمواضيع التالية ايضاً
الموضوع
تصميم | مارمرقس الرسول اول باباوات الاسكندرية
إختيار أبونا مينا ليكون بابا بأسم الأنبا كيرلس السادس الـ 116
عندما أصبح أبونا بطريركا بأسم البابا كيرلس السادس
من هم آخر عشر باباوات على كرسي روما الرسولي؟
إختيار أبونا مينا ليكون بابا بأسم الأنبا كيرلس السادس الـ 116


الساعة الآن 12:32 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025