رابعًا – المسيحية في أسيا الصغرى:
لقد رسخت أقدام المسيحية – في حياة الرسول بولس – في الكثير من المراكز الكبرى للثقافة اليونانية الرومانية في أسيا وغلاطية. وقد كان التبشير بالإنجيل في أفسس – عاصمة أسيا، وإليها كانت تنتهى إحدى الطرق العظيمة التي كانت تخترق شبه الجزيرة – عاملا كبيرا في نشر المسيحية في المناطق الداخلية من أسيا وبخاصة في فريجيه، وبناء على خطة الرسول بولس، رسخت المسيحية أولا في المدن ومنها انتشرت إلى كل مناطق الاقليم.
النقوش المسيحية:
وأول مقر لها كان في فريجية حيث نجد الكثير من الوثائق التي ترجع إلى نهاية القرن الثانى وبداية القرن الثالث الميلادى. وأهم ما يميز هذه النقوش القديمة هو خلوها – بعامة – من أي شيء يدل بوضوح على مسيحيتها، وهي ظاهرة تجعل من الصعب تمييزها، وكان الهدف من ذلك تجنب استلفات أنظار أشخاص قد يثيرون السلطات الرومانية لاتخاذ اجراءات ضدهم وترجع النقوش الليكأونية إلى نحو قرن بعد ذلك، ولم يحدث هذا لأن المسيحية لم تنتشر من إيقونية ولسترة وغيرها بنفس السرعة التي انتشرت بها من المدن الأسيوية، ولكن لأن الثقافة اليونانية استغرقت وقتا أطول في الوصول إلى السهول قليلة السكان في الهضبة الداخلية عنها في المناطق الغنية بمدنها. ويتضح من رسائل بلينى إلى الامبراطور تراجان (111 – 113 م) أن الديانة الجديدة كانت قد رسخت في بيثينية في أوائل القرن الثانى، ولكن كان تقدم المسيحية أبطأ في الجهات الشرقية حيث كانت المعابد العظيمة مازال لها تأثيرها الكبير. ولكن في القرن الرابع أنتجت كبدوكية رجالا عظاما من أمثال باسيليوس والجريجوريين. وقد اشتعلت الاضطهادات بعنف – كما تثبت الكتابات والنقوش الكثيرة – في أسيا الصغرى. ويبدو تأثير الكنيسة في أسيا الصغرى في القرون الأولى من الامبراطورية من تلك الحقيقة: أنه لا يكاد يوجد أثر لديانة مثرا – المنافس الرئيسي للمسيحية – في كل الاقليم.
ومنذ مجمع نيقية (325 م) أصبح تاريخ أسيا الصغرى هو تاريخ الامبراطورية البيزنطية، فتوجد أطلال الكنائس من العصر البيزنطى في كل نواحى شبه الجزيرة، وتكثر بصورة خاصة في المناطق الوسطى والشرقية، وقد نشر سير وليم رمزى ومس ج. بل كتابا مفصلا عن مدينة ليكأونية التي كان بها عدد كبير جدا من الكنائس، بعنوان " ألف كنيسة وكنيسة " . وظلت القرى المتحدثة باليونانية في أجزاء كثيرة من أسيا الصغرى على اتصال دائم بالامبراطورية الرومانية.