ذهب مرةً أبونا النبي أنبا شنودة إلى البلاط الملكي لكي يكلِّّم الملوك الأتقياء عن مظالم الولاة للفقراء. ولما دخل المدينة اضطربت كلها بسبب زيارته لها، وجاء الجميع إليه لكي يأخذوا بركته بإيمان عظيم، وظلوا يُدخلونه إلى بيوتهم لكي يصلّي فيها.
وفي أحد الأيام عندما كان ذاهبًا إلى بيت واحد مكرَّم عند الملك لكي يصلّي هناك، بدأ النهار يميل وقد مضى الوقت الذي يأكل فيه الإخوة الذين معه، فاشتكوا قائلين: "إن أبانا يريد هكذا أن يقتلنا، نريد أن نشرب قليل ماء"! لأن الوقت كان صيفًا، وكان سكان القسطنطينية يتكلمون عن درجة الحرارة العالية عندهم. فعلم أبونا بالروح بما كانوا يفكرون فيه، وبينما كان سائرًا معهم في الطريق لمس أحد الأبواب فانفتح في الحال، فدخل ودعا الإخوة المصاحبين له وقال: "تعالوا كلوا". فلما دخلوا وجدوا مائدةً معدّةً كما في ديرهم تمامًا، وكان هناك راهبان واقفان وهما يحملان آنيتين صغيرتين لتقديم الماء وكل ما يحتاجونه.
ثم قال أبي لهم: "اجلسوا وكلوا". وبعد أن أكلوا انصرفوا. ثم سألوه: "يا أبانا، مَنْ أعدّ هذه المائدة؟ ومَنْ هما هذان الأخوان اللذان كانا يخدماننا؟ حقًا إننا بصعوبة نجد ما نحتاجه في ديرنا مثل ذلك"! فقال لهم بصراحة: "مجدوا الله، لأن ذاك الذي أرسل طعامًا لدانيال النبي في جب الأسود (انظر دا 14: 32-38 في الأسفار المحذوفة)، هو الذي أعدّ لكم اليوم هذه المائدة، وهذان الأخوان اللذان كانا يخدمانكم هما ملاكا الرب"! فاندهش الإخوة ومجدوا الله وشكروا أبانا
وحينما كان أبونا أنبا شنودة جالسًا في حضرة الملك، جاء إليه أحد أعضاء مجلس السناتو (أي البرلمان) الذي كانت له كرامة سامية عند الملك، وأراد أن ينال بركته. ولما حياه وأراد أن يأخذ يده ليقبّلها، سحب أبي يده منه ورفض أن يعطيها له. فقال له الملك: "يا أبي القديس، من أجل محبتك أعطه بركتك لأنه رجلٌ عظيمٌ سواء في القصر أو في مجلس السناتو". فقال أبونا بغضب: "أَتريد مني أن أعطي يدي لإنسان ينجس هيكل الله بأعماله الشنيعة"؟ فاندهش الملك ومجد الله وطوّب نبيه القديس أنبا شنودة
يتبع