بساطة القدّس سابا وقداسته أدهشتا البارَّ أفثيميُس فلقَّبه "بالفتى الشيخ". في السنة 43 من عمره تنسّك لفترة طويلة في الصحراء قرب القدّيس جِراسِمُس الأردنيّ. انسحب بعدها وعاش وحده لخمس سنوات في كهفٍ منيعٍ في رّيْدِ جبل قَدرون قبالةَ الدير الحاليّ بالتمام. لذا، فإنّ ناسكاً كهذا صارماً وملتهباً حبُّه لحياة الرَّهبانيّة في المسيح كان مبتغى شبّان كثيرين. في عمر 45 سنة كان قد أحاط به 70 من نسّاك البراري الذين يعيشون في المغاور المجاورة. ولمّا صاروا 150 شخصاً، اضطُرَّ القدّيس أن يبني مُتَوَحَّده شمالَ مجرى النهر في وادي قدرون. ذاعت شهرة القدّيس، فالتجأ إليه رهبان كثيرون شبّان، من جنسيّات مختلفة من بينهم أسقفُ قُلُنِيُّةَ يوحنّا الهدوئيّ. لما بلغ 63 من العمر، صارت حاشيته تضمّ 5000 راهب.
غير أنّه، وبينما كان عدد الرهبان يزداد، بدأت الجدالاتُ الأُرِجِنّيّة تُعكِّرُ الجوَّ الهادئ، إذ عصى بعض الرهبان رئيسَهم. أفسح القدّيس مجالاً للغضب مغادراً ديرَه مُؤقَّتاً. إلا أنّ الأوضاعَ ما تحسَّنت. فرجَع حاملاً رسائلَ تحذيرٍ من البطريرك إيليّا للرهبان العاصيين. أولئك ازدادوا تعصّباً فشاغبوا ثمّ ارتحلوا.