إذًا، زالت الماركسيّة في سَنوات قليلة، ولكنّها خلّفت عشرات ملايين الضّحايا، وهو رقم قياسيّ في التاريخ، يَحدونا، مع اعتبار النّازيّة، على وصف القرن العشرين بأنّه قَرن المذاهب السّياسيّة (الأُدلوجات idéologies) الفاتِكة. وَلَئِنْ زالَتْ هذه بشكلها السّياسيّ، فإنّ بعض أفكار “أيّار 68‘” أحدثَتْ فِعلاً ثورة خُلُقيّة في العالم الغربيّ بأسره.
تلك الأيّام التي أكملتُ خلالَها دراستي الجامعيّة هي حقبة من التاريخ زَعزعَتْ أُسُسَ السّلوك برمّتها، وقَلَبَتْ المَفاهيم في مَيْدانَي الجنس والأخلاق، فأحدثَتْ ثَورة خُلُقيّة امتدَّت عَواقبُها على المدى الطّويل امتدادًا أفعل من التغيّرات السياسيّة، مهما تكن هذه جذريّة، وقد أمست العَودة عنها غير معقولة. أدّت هذه الثورة الخُلُقيّة إلى تفكُّك الأُسرة، وانهزام كلِّ سلطة، وانهيار مفاهيم الدّين والمُثُل العُليا التي ربطت أواصر شعبٍ كاملٍ، كحُبّ الوطَن، أو بذل الذات، وسواها.
يا للمفارقة، لقد انتَصر الفَوضويّون، لا سياسيًّا، بل خُلُقيًّا، حيث يسود اليوم مُعظمَ المجتمعاتِ الغربيّة “تحرّرٌ فوضويّ”. والذين أرادوا القضاء على المجتمع الرأسماليّ أمسوا من أغنياء رجال الأعمال أو من رجالات السيّاسة، ولكنّهم لا يزالون يحاولون ضرب سائر أسس المجتمع الذي أنشأته المسيحيّة منذ ألفَي سنة، من أجل أن يفرضوا “مبدأ اللذّة”، يعني سيادة الفرد المتروك إلى أبسط ميوله الغريزيّة. فمنذ القرن التاسع عشر، وضَعَ علم التحليل النفسانيّ (psychanalyse) هذا المبدأ في أساس شخصيّة الإنسان، فيما ينظر إليه اللاهوت المسيحيّ كمصدر سقوط الإنسان الأوّل (ما يسمّيه الآباء حُبّ الذات philautia).