3-روح وحياة: سر الكهنوت والحياة الداخلية
نصل الآن إلى وجه آخر من أوجه الملكوت، إلى وجه عميق وقريب منا نفهم معه حقَّ الفهم روحانية الكهنوت والكاهن: فرحة وتضحيته، كرامته وهزالته، خدمته وأبعادها…
أ-ثمار كهنوت المسيح هي الروح والحياة
لقد أعطانا المسيح الروح، ولم يكن هذا العطاء الإلهي الأخير سوى ثمرة ذبيحة المسيح على الصليب، أي ثمرة كهنوت المسيح: “إن الروح القدس لم يكن قد أُعطي بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجِد بعد” (يو7: 39): أي أنه لم يكن قد صلب بعد: “أتت الساعة، مَجِد ابنك” (يو17: 1). ولقد تمّ هذا الكشف الأخير عن ألفة الله مع الناس من خلال جسد المسيح على الصليب. كان المسيح مملوءاً من الروح. فكل كلمة من كلماته كان يقولها بالروح وكل عمل من أعماله كان يعمله في “الروح”، وذلك طبيعياً: لقد نال “مسحة” الروح منذ تجسده. إن “المسحة” وردت في العهد القديم بمثابة علامة لكرامة جديدة تنسكب على الرأس ومنه على كل الكيان فالدهن الذي يمسح به المرء ينسكب عليه وهذا رسم لقوة الروح السرية أعني الانسكاب والانسياب والتغلل.. أما الآن فنرى الروح لأول مرة في كل ملئه في جسد المسيح. لم يكن الروح قبلاً في ملئه في العالم (بعد الخطيئة الجدية) إذ لم يكن هناك كائن نقي وشفاف، مطواع ومتواضع يستطيع أن يستقر فيه الروح. كان الروح يعمل من الخارج وبطريقة عنيفة أحياناً إذ يضطر خدام الرب إلى العمل بوحيه رغماً عنهم. فالخطيئة في الأساس هي “ضد الروح”، ولذلك نتيجتها الموت. لقد تقسّى آدم ضد الله واختار ذاته عوض خالقه، فانسحب الروح. أما الروح المنسحق “فلا يرذله الله” (مز50: 17). هناك في العهد القديم رسوم “ظلِّية” للروح: مثال مرنم المزمور الخمسين ومثال “عبد يهوه” المنسحق في سفر أشعياء (الإصحاح 53). فالروح ثمرة الانسحاق وانكار الذات والتخلي عنها ولذا هو ثمرة الصليب. فقد انسحب قديماً لما أراد آدم الأول أن يرفع نفسه متعظماً، ثمّ عاد فأتى لما وضع نفسه يسوع آدم الجديد. اتضع طوعاً حتى موت الصليب فأفاض الروح. إن الروح والتواضع كما نرى متلازمان على الدوام.