هذا الاعتقاد عبّر عنه بقوة الآباء الكبادوكيون، في صراعهم ضد الأفنوميين، وعبّر عنه القديس يوحنا الذهبي الفم في مباحثه الرائعة “في عدم إدراكنا لله” (Peri Akataliptou). فإذا كان الإنسان لا يقدر أن يدنو من الله في جوهره، وإذا كان اتحاده بجوهره مستحيلاً فكيف يكون “التأله” ممكنا؟ يقول الذهبي الفم: “من يبتغِ إدراك جوهر الله يشتمه”، والقديس أثناثيوس ميّز بين جوهر الله وقواه فقال: “هو موجود بصلاحه في كل الأشياء، لكنه يبقى خارجها بطبيعته الخاصة” (في مقررات مجمع نيقية 2). هذا المفهوم وسّعه بدقة الكبادوكيون. فقال القديس باسيليوس إن الإنسان لا يقدر أن يدنو من “جوهر الله” (ضد أفنوميوس 1: 14). إننا نعرف الله في قواه فقط ومن خلالها: “نحن نقول إننا نعرف إلهنا من قواه وأفعاله لكننا لا نعطي وعداً بأننا ندنو من جوهره، لأن قواه تنحدر إلينا، أمّا جوهره فيبقى بعيداً” (الرسالة 234 ضد أمفيلوخيوس). لكنّ هذه المعرفة لا تكون حدساً أو استدلالاً، إذ إن قواه تنحدر إلينا. وفي تعبير القديس يوحنا الدمشقي، هذه القوى إعلان عن الله نفسه: “الإشراق الإلهي والقوة” (العرض الدقيق للإيمان الأرثوذكسي 1: 14). فحضوره حقيقي ولا يكون فقط مثل “حضور الممثِّل فيما يفعله”. ورغم التعالي المطلق في الجوهر الإلهي تعلو هذه الطريقة السرية للحضور الإلهي على كل فهم، لكنّ هذا التعالي لا يجعلها غير أكيدة بالنسبة للعقل.
في هذا المجال يستند القديس غريغوريوس بالاماس إلى تقليد قديم. فالله الذي لا يُدانى يدنو من الإنسان “بقواه” سرِّياً. هذه الحركة الإلهية تُحدث اللقاء، فهي “حركة نحو الخارج” على حدّ قول مكسيموس المعترف (تعليق على كتاب الأسماء اللإلهية 1، 5).