لا تقبلوا في فكرِكم ولا تَصِفوا في كلامِكم أيَّ إنسانٍ بأنه شريرٌ، لأن بطرسَ الرسولَ يقولُ: إن اللهَ أراني وأوصاني أن لا أقولَ عن إنسانٍ إنه نجسٌ أو رجسٌ. فالقلبُ النقي ينظرُ كلَّ الناسِ أنقياءَ. فقد كُتب: إن كلَّ شيءٍ طاهرٌ للأطهارِ والقلبُ النجسُ ينجِّسُ كلَّ أحدٍ، لأن كلَّ شيءٍ للأعمى ظلامٌ. هو ذا الربُّ قد حَّلنا من عبوديةِ الشيطانِ فلا نعودُ نربطُ أنفسَنا أو نستعبدها بسوءِ رأينا.
احفظوا ما كلمتُكم به ليكونَ لأنفسِكم منه دواءٌ وصحةٌ، ولا تجعلوه شاهداً عليكم، لأنه سيأتي وقتٌ فيه تُطَالبون بالجواب عن كلامي هذا. تمسَّكوا بالتوبةِ واحذروا لئلا تُصطادوا بفخِ الغفلةِ. لا تتهاونوا لئلا تكونَ الطلبةُ من أجلِكم باطلةً. داوموا على التوبةِ ما دام يوجدُ وقتٌ. فإنكم لا تعرفون وقتَ خروجِكم من هذا العالمِ. لنعمل ما دام لنا زمانٌ لنجد عزاءً في وقتِ الشدةِ. فمن لم يعمل ويتعب في حقلِهِِ في أوانِ الشتاءِ لن يجدَ في الصيفِ غلَّةً يملأُ بها مخازنَه ليقتاتَ بها. فليحرص كلُّ واحدٍ على قدرِ طاقتِهِ، فإن لم يمكنه أن يربحَ خمسَ وزناتٍ فليجاهد كي يربحَ اثنتين. أما العبدُ الكسلانُ الذي لا يعملُ ولا يربحُ فمصيرُهُ العذاب. طوبى لمن يجاهدُ بكلِّ قوَّتهِ فإن ساعةً واحدةً في نياحه تنسيه جميعَ أتعابهِ. فويلٌ وويلٌ لمن تغافل وكسلَ لأنه سيندمُ حيث لا ينفعُ الندمُ. لا تكمِّلوا شهوةَ الجسدِ لئلا تُحرموا من خيراتِ الروحِ. فإن الرسولَ قد كتب: إن اهتمامَ الجسدِ هو موتٌ، واهتمامَ الروحِ هو حياةٌ. افرحوا بكمالِ إخوتكم وضعوا نفوسَكم لهم وتشبَّهوا بهم واحزنوا على نقصِكم. اصبروا للتجارب التي تأتي عليكم من العدو واثبتوا في قتالهِ ومقاومتهِ، فإن اللهَ يعينُكم ويهبكم أكاليلَ النصرةِ، فقد كُتب: طوبى للرجلِ الذي يصبرُ للبلايا ويصبحُ مجرَّباً فإنه ينالُ إكليلَ الحياةِ. لا غَلَبة بدونِ قتالٍ ولا إكليل بدونِ غَلَبةٍ. اصبروا إذاً فقد سمعتَ قولَ الربِّ لأحبائِه: أما أنتم الذين صبرتم معي في تجاربي، ها أنا أُعدُّ لكم الملكوتَ كما وعدني أبي. وقوله أيضاً: إن الذي يصبرُ إلى المنتهى فهذا يخلصُ. وقد قدم لنا نفسَه مثالاً كيف نصبرُ إلى المنتهى. ففي الوقت الذي كان فيه يُسَبُّ ويُعَير ويُهان من اليهودِ نراه يتراءف عليهم ويحسنُ إليهم ، فكان يشفي أمراضَهم ويعلِّمهم. وقَبِلَ الآلامَ بجسدهِ وصبر حتى الصلبِ والموتِ. ثم قام بالمجدِ وصعد إلى السماءِ وجلس عن يمينِ اللهِ