وإذ كانوا أمناء للحق إلى الموت، لم يجاهدوا بمجازاة الشرّ بالشرّ بل بالاحتمال، ولم يَتَغّلبوا بالَقْتلِ، بل بموتهم. وهكذا َتَغيَّرَ العالم وَقبِل الإيمان وهكذا تحولت قلوب الناس إلى هذا الإنجيل؛ الرّجالُ والنِّساءُ، الصغار والكبار، المتعلمون والأمِّيُون، الحكماء والجهلاء، الأقوياء والضعفاء، الُنبَلاء والمجهولون، المرتفعون والمتواضعون.
والكنيسة نمت انتشرت في كل الأممِ، ولا تقوم ضد إيمان الكنيسة الجامعة ي طائفة منحرفة أو أي نوع من الخطأ مما يتعارض مع لحق المسيحي. ولا يُسمَح لذلك الخطأ أن ينتشر في كل مكان إن كان وجود هذا الخطأ نفسه يشجع على التمسك بالحق. “لأنه لا بد أن يكون بينكم بدع أيضاً ليكون المزكون ظاهرين بينكم” (1كو 11: 19)
كيف استطاع المَصْلوب أن يعمل كل هذا إن لم يكن هو الله الذي تأنس، حتى إن لم يكن قد تكّلم من خلال الأنبياء عما سيأتي؟ لكن إذ نرى الأنبياء قد سبقوا وتنبأوا بكلماتهم الموحَى بها من الله عن هذا السر العظيم الذي للّتقوى، ونرى أن ما حدث منطبق على كلام النبوات، فمن هو عديم العقل الذي يستطيع أن يقول أن الرسل َ كذبوا في كلامهم عن المسيح، إذ قالوا عنه أنه أتى كقول الأنبياء، هؤلاء الأنبياء الذين تكلموا أيضًا عن الأحداث المستقبلية في حياة هؤلاء الرسل أنفسهم؟ لأن الأنبياء تكلموا عنهم قائلين:
“لا قول ولا كلام. لا تسمع أصواتهم. في كل الأرض خرج منطقهم، وإلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم.” (مز 18: 4، 5). ونحن َنرى في العالم أن هذا الكلام قد تمّ حقا، وإن لم نكن قد رأينا المسيح بالجسد.
فمن هو الذي لا يضع إيمانه في الكتب المقدسة، التي تنبأت عن إيمان العالم كله، إلا مَن هو أعمى بجنون شديد، أو متشدِّد ومتصلِّب بعنادٍ عجيب؟