أن أردنا أن نضع مقارنة سريعة بين العهدين، من جهة الناموس والنعمة، فهذه المقارنة لن تخرج عن أنها مقارنة بين الناقص بسبب ضعف البشرية، وبين الكامل بسبب عمل المسيح الخلاصي، بموته الفدائي والكفاري: [قد أُكمل] (يوحنا 19: 30)، وهذا هو سرّ النعمة وعملها العميق.
فكل ما كان ناقصاً بسبب عجز الإنسان الساقط،
أكمله المسيح الرب في نفسه (حسب التدبير) ثم أعطاه لنا مجاناً، وهذه هي النعمة المُعطاة لنا، لأن في المسيح يسوع منتهى كمال الناموس، حتى أصبح الناموس نفسه بلا قيمة بدون شخص المسيح، لأن الانحصار في الناموس وتتميمه بالجهد الإنساني الضعيف بسبب الجسد المتسلطة عليه الخطية يورط الإنسان في الموت، لأن بولس الرسول نفسه قبل لقاءه مع شخص المسيح كان متعمقاً في الناموس، وبسبب غيرته [وكنت أتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابي في جنسي إذ كنت أوفر غيرة في تقليدات آبائي (غلاطية 1: 14)] تورط في جريمة خطيرة وهي القتل الذي حرَّمهُ الناموس [لا تقتل؛ ابتعد عن كلام الكذب ولا تقتل البريء والبار لأني لا أُبرر المذنب (خروج 20: 13؛ تثنية 5: 17؛ خروج 23: 7)]، فأتاه صوت المسيح الرب من السماء قائلاً: أنا يسوع الذي انت تضطهده (أعمال 9: 5)، فأيقظ ضميره الذي لم يستطع الناموس أن يوقظه، لذلك فأن الناموس بدون شخص المسيح يورط الإنسان في الموت ويُثبت دينونته بسبب إنسانيته الساقطة (التي تُسمى حسب الإنجيل بالإنسان القديم أو العتيق):
[لأنه لو أُعطى ناموس قادر أن يُحيي، لكان بالحقيقة البرّ بالناموس، لكن الكتاب قد أغلق (συγκλείω shut in) (لازم بيتا؛ منحصر حبيس؛ اغلاق؛ انغلق؛ أوصد؛ أوصد حجز) على الكل تحت الخطية ليعطي الموعد من إيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون؛ لأن الله أغلق على الجميع معاً في العصيان لكي يرحم الجميع (غلاطية 3: 21، 22؛ رومية 11: 32)]
لذلك فأن الناموس واسطة لكشف وفضح البرّ الناقص للإنسان:
أنه ليس بار، ولا واحد (رومية 3: 10)، فمهما ما أدى الإنسان من تقدمات كفاريه أو أعمال صالحة [أما الفريسي فوقف يصلي في نفسه هكذا "اللهم أنا أشكرك إني لستُ مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار، أصوم مرتين في الاسبوع وأُعشر كل ما اقتنيه" (لوقا 18: 11، 12)]، فأن الناموس يفضح أقل تقصير ويُظهر عيوب النفس ونقص هذه الأعمال أمام الله [أنا الله القدير سرّ أمامي وكن كاملاً؛ لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة فقد صار مُجرماً في الكل. (تكوين 17: 1؛ يعقوب 2: 10)]
عموماً فأن المقارنة بين الناموس والنعمة
في حقيقتها مقارنة بين الجسد والروح، وبالطبع لا بُدَّ من أن نعلم يقيناً، أن الناموس روحي، وهو يعبَّر بوضوح عن فكر الله، ونقص الناموس لا يأتي أبداً بسبب موسى الذي استلمه من الله وسلمه للشعب، وبالطبع أيضاً ليس بسبب الله الذي أعطاه – حاشا – فالمسيح الرب يقول بوضوح: [ما جئت لأنقض بل لأُكمل (الكمال)، فأني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل (يتم حسب التدبير)] (متى 5: 17 و18)
فما هو نوع النقص وسببه على وجه التحديد:
النقص بسبب الذين أُعطى لهم، وليس في الناموس ذاته كوصية إلهيه، لأن من يسمع لوصية الله ويخضع لها بكل قلبه ويُطيعها يحيا بها إلى الأبد لأن فيها سرّ الحياة وقوة الأبدية، والمسيح إلهنا يوضح هذا النقص في رده على سؤال الفريسيين: [فتقدم الفريسيون وسألوه: هل يحق للرجل أن يُطلَّق امرأته [ليجربوه] فأجاب وقال لهم: بماذا أوصاكم موسى؟ فقالوا: موسى أذن أن يُكتب كتاب طلاق فتُطلَّق. فأجاب يسوع وقال لهم: من أجل قساوة قلوبكم كُتبت لكم هذه الوصية. ولكن من بدء الخليقة ذكراً وأُنثى خلقهما الله، من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنين جسداً واحداً. إذاً ليسا بعد اثنين بل جسد واحد. فالذي جمعهُ الله لا يفرقه إنسان] (مرقس 10: 2 – 9)
إذاً النقص هنا وعدم الكمال والعيب كله في الإنسان نفسه،
لأنه قاصر على أن يعيش وصية الله في كمالها حسب القصد من الخلق الأول، لأنه خاضع لسلطان الجسد الذي لا يقدر أن يحيا بالروح، بسبب السقوط، لذلك فأنه لا يستطيع أن يُرضي الله أبداً: لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله، إذ ليس هو خاضعاً لناموس الله، لأنه أيضاً لا يستطيع، فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله (رومية 8: 7، 8)، وذلك: لأني لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أُريده بل ما أُبغضه فإياه أفعل. فأن كنت أفعل ما لستُ أُريده فأني أُصادق الناموس أنه حسن. فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا (بحريتي) بل الخطية الساكنة فيَّ (التي استعبدتني). فاني أعلم أنه ليس ساكن فيَّ، أي في جسدي، شيءٌ صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحُسنى فلستُ أجد. لأني لستُ أفعل الصالح الذي أُريده بل الشرّ الذي لست أُريده فإياه أفعل. فأن كنت ما لست أُريده إياه أفعل فلستُ بعد أفعلهُ أنا بل الخطية الساكنة في. إذاً أجد الناموس لي حينما أُريد أن أفعل الحُسنى أن الشرّ حاضر عندي. فإني أُسر بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. ولكني أرى ناموساً أخر في أعضائي يُحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. (رومية 7: 15 – 23)
وبعد أن تعرفنا على سبب النقص بإيجاز،
علينا الآن أن نُغير نظرتنا للعهد القديم وننظر إليه بشكل أعمق حسب قصد الله وتدبيره الحسن، لأن من بدء الوعد لإبراهيم – قبل الناموس – وتأكيده بعد ذلك لإسحاق ويعقوب، ومن بعدهما إعطاء الناموس لموسى، فأننا نجد ملامح التبني كانت ظاهرة في كل هذا، لأننا نجد أن القديس بولس في رسالة رومية يُظهر قوة التبني الموجود ملامحه في والوعد والناموس نفسه، إذ يعود إلى علاقة العهد بين الله وإسرائيل ويقول: [الذين هم إسرائيليون ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد] (رومية 9: 4)
أما في رسالته إلى غلاطية فإنه يوضح التباين التاريخي بالمقابلة بين:
(1) من يريدون أن يعيشوا تحت سيادة الناموس (الذي زيد) وعبادته (النافلة)
بحسب الجسد التي هي شبه السماويات وظلّها، والتي في ظل هذا العهد كانت الخطية مالكه على قلب الإنسان وسائدة على الجسد بسلطان الموت، وقد ألغت قوة الناموس ومسخت روحانياته وجعلته غير صالح، رغم قوة صلاحه العظيم: [لأن الخطية وهي متخذة فرصة بالوصية، خدعتني بها وقتلتني، إذاً الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة. فهل صار لي الصالح موتاً – حاشا – بل الخطية، لكي تظهر الخطية مُنشأة لي بالصالح موتاً، لكي تصير الخطية خاطئة جداً] (رومية 7: 11 – 13)
(2) وبين الذين يريدون أن يعيشوا بالإيمان في عهد النعمة الذي رُفع فيه سلطان الخطية
بذبيحة ربنا يسوع على الصليب، وعهد ختان الروح بخلع جسم الخطايا وشفاء القلب بالروح: [وبه أيضاً ختنتم ختاناً غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح] (كولوسي 2: 11)، والذي جعل فيه الوصية والعبادة بالروح والحق، وجعل سيرتنا في السماويات عينها التي جاء منها، وهي طبيعة الله وحياته التي جاء ليُخبَّر بها: [ولكن تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له](يوحنا 4: 23)
فالخطية التي ألغت قوة الناموس في قلب الإنسان
وأثمرت فيه موتاً، هي التي ألغاها المسيح يسوع في عهد النعمة وقتلها في جسده: إذاً لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع، السالكين ليس حسب الجسد [تحت الناموس وحراسته] بل حسب الروح [تحت النعمة وحراستها]، لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية والموت. لأن ما كان الناموس عاجزاً عنه في ما كان [الإنسان] ضعيفاً بالجسد (لأن الناموس قد زيد بسبب التعديات، لأن القانون يتم وضعه بسبب انحراف الإنسان عن الطريق السوي السليم)، فالله إذ أرسله أبنه (ونحن بعد خطاة) في شبه جسد الخطية [أي بدون خطية إذ ليس لها سلطان عليه] ولأجل الخطية [التي عطَّلَت عمل الناموس في الإنسان]، دان (= دينونة) الخطية في الجسد [بالصليب]، لكي يتم حكم الناموس فينا [الذي هو الموت (لأن القانون يحكم بالموت على من يُخطئ)، لأننا في المسيح أخذنا صك براءة باسمه ومختوم بدمه المسفوك] نحن السالكين ليس حسب الجسد [المُعطل لوصية الله] بل حسب الروح [بالإنجيل الذي هو بشارة العهد الجديد والخلاص من الخطية المتسلطة بالموت بالمسيح ونوال حياته فينا بالتبني – ناموس روح الحياة]؛ (وذلك) إن كنا قد صرنا مُتحدين معهُ بشبه موته نصير أيضاً بقيامته عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معهُ، ليبطل جسد الخطية.. فإن كنا قد مُتنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا معهُ أيضاً. (رومية 8: 1 – 4؛ 6: 5، 6، 8)
وباختصار شديد وملخص لعمل المسيح الرب هنا
يقول القديس بولس ببراعة شرح دقيق للغاية واختصار وإيجاز: [ولكن حين ظهر لُطف "مُخلصنا الله" وإحسانه، لا بأعمال في برّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا "بغسل الميلاد الثاني"، "وتجديد الروح القدس"، الذي سكبه بغنى علينا "يسوع المسيح مخلصنا"] (تيطس 3: 4، 6)
وهنا يظهر قوة الخلاص بالميلاد الثاني والتجديد المستمر
[ولبستم (الإنسان) الجديد الذي يتجددللمعرفة حسب صورة خالقه (كولوسي 3: 10)]، أي الخليقة الجديدة في المسيح يسوع التي لها شهادة الروح القدس، الذي يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله في الابن الوحيد، لأن الخليقة الجديدة لا تحتاج قانون يحكمها من الخارج، لأن النبوة تقول: بَلْ هَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً [لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ لِجَمِيعِ النَّاسِ، مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ الْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ الْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فِي الْعَالَمِ الْحَاضِر، مُنْتَظِرِينَ الرَّجَاءَ الْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اللهِ الْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، لِكَيْ يَفْدِيَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَيُطَهِّرَ لِنَفْسِهِ شَعْباً خَاصّاً غَيُوراً فِي أَعْمَالٍ حَسَنَةٍ] (إرميا 31: 33؛ تيطس 2: 14)