أَمَّا أَنا فأَقولُ لكم: لا تَحلِفوا أَبداً، لا بِالسَّماءِ فهِيَ عَرشُ الله
فِي قَوْلِهِ "لَا بِٱلسَّمَاءِ"، يَقْتَبِسُ يَسُوعُ مَعْنًى مَعْرُوفًا فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ: "ٱلسَّمَاءُ عَرْشِي وَٱلْأَرْضُ مَوْطِئُ قَدَمَيَّ" (أشعيا 66: 1). فَٱلْقَسَمُ بِٱلسَّمَاءِ لَيْسَ أَقَلَّ ٱلْتِزَامًا مِنَ ٱلْقَسَمِ بِٱللَّهِ ذَاتِهِ، لِأَنَّهَا مَكَانُ حُضُورِهِ وَعَرْشِهِ.
وَهُنَا يُفَنِّدُ يَسُوعُ ٱلْحِيلَةَ ٱلْفِرِّيسِيَّةَ ٱلَّتِي مَيَّزَتْ بَيْنَ أَقْسَامٍ "مُلْزِمَةٍ" وَأُخْرَى "غَيْرِ مُلْزِمَةٍ"، فَٱلْكُلُّ، فِي ٱلْوَاقِعِ، يَرْجِعُ إِلَى ٱللَّهِ.
وَيُشِيرُ القديس يوحنا الذهبيّ الفم إِلَى أَنَّ ٱلْمَسِيحَ "لَمْ يُلْغِ ٱلْقَسَمَ لِأَنَّهُ شَرٌّ فِي ذَاتِهِ، بَلْ لِأَنَّ ٱلصِّدْقَ ٱلْكَامِلَ يَجْعَلُهُ عَدِيمَ ٱلْحَاجَةِ" (pg 57)،
وَيُؤَكِّدُ القديس أوغسطينوس أَنَّ كَثْرَةَ ٱلْحَلِفِ هِيَ عَرَضُ ضَعْفٍ دَاخِلِيٍّ، فَحَيْثُ يَسْكُنُ ٱلْحَقُّ فِي ٱلْقَلْبِ، لَا يَعُودُ ٱلْإِنْسَانُ مُضْطَرًّا إِلَى ٱسْتِدْعَاءِ ٱللَّهِ لِتَصْدِيقِ كَلِمَتِهِ" (pl 34). وَمَعَ ذٰلِكَ، لَا يُنْكِرُ ٱلْعَهْدُ ٱلْجَدِيدُ وُجُودَ أَقْسَامٍ شَرْعِيَّةٍ فِي سِيَاقَاتٍ رَسْمِيَّةٍ وَجِدِّيَّةٍ، كَمَا نَرَى فِي ٱسْتِشْهَادِ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ بِٱللَّهِ شَاهِدًا عَلَى صِدْقِ خِدْمَتِهِ: "فَٱللَّهُ ٱلَّذِي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي… يَشْهَدُ لِي أَنِّي لَا أَفْتُرُ عَنْ ذِكْرِكُمْ" (رومة 1: 9)، وَ"وَٱللَّهُ شَاهِدٌ أَنِّي لَا أَكْذِبُ" (غلاطية 1: 20).
غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ ٱلْأَقْسَامَ لَا تَنْقُضُ تَعْلِيمَ ٱلْمَسِيحِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نَوْعِ ٱلْقَسَمِ ٱلْمُتَدَاوَلِ فِي ٱلْمُحَادَثَاتِ ٱلْيَوْمِيَّةِ، بَلْ شَهَادَةٌ جِدِّيَّةٌ لِلْحَقِّ فِي سِيَاقٍ رَسُولِيٍّ.