منتدى الفرح المسيحى

منتدى الفرح المسيحى (https://www.chjoy.com/vb/index.php)
-   قسم الكتب الدينية (https://www.chjoy.com/vb/forumdisplay.php?f=56)
-   -   كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق (https://www.chjoy.com/vb/showthread.php?t=921694)

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 11:59 AM

كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق

أسباب ظهور القديسة العذراء مريم على قباب كنيستها بالزيتون في 2 أبريل 1968 م.


https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg




من أقوال قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني

https://upload.chjoy.com/uploads/167127823739371.jpg






ظهور العذراء مريم حادثة تاريخية.... نسلمها للأجيال جيل بعد جيل … وشاهدنا البابا شنوده في العيد الأربعين لظهور العدرا يتحدث... وشفنا القديس البابا كيرلس أيضًا اللي في حبريته ظهرت أمنا العدرا... وشفنا آباء مطارنة وأساقفة أجلاء عاصروا وتكلموا وشهدوا... كل هذه أمور رائعة في حياتنا ونسلمها جيل بعد جيل... ولكن أيضًا يجب أن نشعر جميعنا بهذه الشفيعة المؤتمنة أمنا العدرا مريم، التي تشفع في جنسنا، لأنها فخر جنسنا، ونتعلم منها فضيلة السلام الداخلي... أطلب من ربنا النهارده... كل يوم في القداس... تقول له: يا رب اديني فضيلة السلام الداخلي واعطيني يارب هذه النعمة لكي، ما استحق أن أكون بالحقيقة ابن لهذه القديسة العظيمة أمنا العذراء مريم.

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:01 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
شكرٌ واجبٌ


أشكر الله الحنون الذي أعطاني شهوةَ قلبي في كتابةِ شيء بسيط عن هذا التجلي العظيم الذي للعذراء القديسة، فوق وعلى قبابِ كنيستها بالزيتون عام 1968م. والتي بصلواتها منحني الله نعمة لكي أكتب هذه الصفحات القليلة عن هذا الحدث العظيم، وأرجو أن تتقبل أمي العذراء القديسة هذا العمل المتواضع ليكون بشفاعتها بركةً لكثيرين ممَن سيقرؤونه.
أقدم شكري وامتناني لأبي نيافة الحبر الجليل الأنبا مينا أسقف ميسيسوجا وفانكوفر وغرب كندا، على مراجعته لهذا الكتاب رغم انشغالاته الكثيرة في الخدمة وضيق وقت نيافته، وقد سعدت جدًا بمراجعة نيافته للكتاب لأنه أحد شهود العيان لهذا التجلي العظيم في عام 1968م. كما أَخصُّ بالشكرِ آبائي كهنة الكنيسة على تعضيدهم وتشجيعهم لي، لكتابة هذا الكتاب وما صدر من كتب أخرى من قبل.
أَخصُّ بالشكرِ أيضًا الأحباء الخدَّام والخادمات الذين تعبوا في المراجعة اللغوية والتنسيق والطباعة. وأخصُّ بالشكرِ أيضًا خدَّام الكنيسة بمركز "تين أورو"، الذين بذلوا جهدًا كبيرًا في التنسيق وإضافة الصور والمستندات (الوثائق) اللازمة، لكي يخرج الكتاب في صورةٍ لائقة بهذا التجلَّي العظيم الذي ليس له مثيل.. لعظمته وأهميته في العَالمِ أجمع على مر التاريخ.

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:02 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
تقديم لنيافة الحبر الجليل الأنبا مينا


"لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي" (لو 1: 48).
إنَّ تجلَّي العذراء في كنيستها بالزيتون في 2 أبريل عام 1968م هو أعظم ظهور روحي في القرن العشرين، شهَد له قداسة البابا كيرلس السادس وكثير من أحبار وكهنة الكنيسة، بل والآلاف من الذين شاهدوا بأنفسهم هذا الظهور العجيب، كما تحدثت عنه الصحف والمجلات المصرية والأجنبية في ذلك الوقت، كما كُتبت عنه عدة كتب وثقت هذا الظهور العجيب.
لقد ظهرت العذراء منذ 2 أبريل 1968م ولمدة شهور بأشكال مختلفة وأنا من الشهود العيان لهذا الظهور منذ بدايته في أبريل 1968م والذي كان واضحًا جليًا للجميع.
بالتأكيد هناك بركات كثيرة لهذا الظهور سواء معجزات أو تثبيت إيمان الكثيرين بل وتغيير حياة الكثيرين أيضًا.
نشكر قدس أبونا الحبيب بيشوي فايق كاهن كنيسة العذراء بالزيتون، على هذا المجهود الجميل وعلى تعبه في إعداد هذا الكتاب الجميل، الذي يتحدث فيه عن العذراء في تعاليم الكتاب المقدس وتعاليم الآباء، وأيضًا في صلوات وتسابيح الكنيسة. ويتحدث عن هذا الظهور الروحاني من حيث أشكال التجلَّي، وبركات هذا الظهور، وأشياء أخرى كثيرة سوف نقرأها في هذا الكتاب.
نطلب من الرب يسوع أن يعوض أبونا الحبيب على تعبه في إعداد وتجهيز هذا الكتاب ببركة السيدة العذراء أم النور وقداسة أبينا الحبيب البابا تواضروس الثاني

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:04 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
هذا الكتاب

ظهور وتجلي العذراء في الزيتون أمر قد ترتب، وأُعِدَ له من قبِلِ السماء وهدفه خلاص الناس. وهو رسالة لا بد أن تفحص الكنيسة ما ورائها من معاني روحية لخير الناس، وتقدمهم الروحي وخلاصهم، لأن الغاية العظمى من كل ما يدبره الله، أو يسمح به تحت السماء هو خلاص كل أحد، كقول الكتاب: "... فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَكُمْ:... أَمِ الْعَالَمُ، أَمِ الْحَيَاةُ، أَمِ الْمَوْتُ، أَمِ الأَشْيَاءُ الْحَاضِرَةُ، أَمِ الْمُسْتَقْبَلَةُ. كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ" (1كو 3: 21، 22).
هذا الكتاب لا يركز كثيرًا على الحقائق التاريخية لتجلي العذراء في الزيتون عام 1968م، لأنها سُجلت، ووثقت في الكثيرِ من الكتبِ القيمة من قبل، ولكنه يحتوي على الكثير من التأملات الروحية التي تكشف عن جمال العذراء أم النور، والتي قدمتها السماء للناس فوق قباب كنيسة الزيتون، كمعينة وشفيعة وأم قادرة ورحيمة...
يحتوي الكتاب أيضًا على تأملات روحية في مناظر وأشكال الظهور كما وصفها شهود العيان، كما ينبه ذهن القارئ لفهم معاني ورموز الظواهر الروحانية، التي صاحبت تجلي العذراء في ضوءِ تعاليم الكتاب، كقوله: "وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ، الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ" (1كو 2: 12، 13).
أتمنى أن يكون هذا الكتاب سبب بركة لكل مَن يقرأه، بشفاعة سيدتنا وملكتنا أم النور العذراء القديسة والدة الله مريم.

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:07 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

الأفعال تتكلم



تحير الكثيرون في معرفة الغرض من ظهور أم النور مريم في، وعلى قباب كنيستها بالزيتون في 2 أبريل عام 1968م، وقد أُشيع أن العذراء قد تركت رسالة لكاهن الكنيسة الشيخ الوقور قسطنطين موسى (المشهود له بالتقوى) عن هذا التجلي، وقد كتبت PEARL ZAKI في كتابها BEFORE OUR EYES ما يلي: "قام نيافة الأنبا غريغوريوس، رئيس اللجنة البابوية الذي أرسله قداسة البابا كيرلس السادس للتحقيق في أحداث كنيسة الزيتون، بسؤال الأب قسطنطين: "ما هي الرسالة التي أعطيت لك"؟ وقد أخبر الأب قسطنطين نيافته، بأن مريم العذراء كشفت له عن طبيعة ظهوراتها الوشيكة في كنيسة القديسة مريم، وأخبرته بأن يكون جاهزًا! وقد كان". ورد هذا على لسان الأنبا غريغوريوس[3]
لم يثبت بالدليل وجود رسالة نصية أو كلامية قد تركتها العذراء للناس بخصوص هذا التجلي، لكيما يتكشف لهم أغراض وأسباب هذا التجلي الفريد من نوعه.
ولكننا في تناولنا لهذا الكتاب سنترك مؤقتًا البحث في هذه النقطة، حتى نتمكن من الاستفاضة في التأمل عن صفات العذراء القديسة، وفضائلها وظروف تجليها، وأشكال تجليها، والظواهر الروحانية المصاحبة لتجليها، ونتائج هذا التجلي العجيب أولًا، ومع وضوح كل ذلك يمكننا أن نستنتج الغرض من زيارات النعمة التي شرفت بها العذراء هذه الكنيسة المباركة وشعبها، بل العالم كله مدة من الزمن تصل إلى نحو سنتين وبضعة أشهر.

إننا لا يمكننا أن نحصر نعمة الله في عدد محدد من النعم، أو في إطار معين يمكن تخيله، لأن الله غني ويعطي حسب غناه، كقول الكتاب: "فَيَمْلأُ إِلهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (في 4: 19).
وإنه لمن الخطأ حصر غرض السماء من تجلي العذراء بأهداف معينة: مثل الاستعداد للأيام الأخيرة فقط... أو تعويض المؤمنين عما فقدوه من بركة زيارة الأماكن المقدسة في القدس في ذلك العام... أو... أو... لأن ذلك يقلل من نعم الله، التي أفاضها علينا من خلال هذا التجلي العجيب.

لقد قضى معلمنا بولس الرسول في مدينة ترواس ليلة كاملة، يعظ ويعلم المؤمنين، ثم صلى معهم وناولهم من الأسرار المقدسة، وأثناء اجتماعه بهم أقام من الموت شاب كان قد مات، بعد أن سقط من الطبقة الثالثة، ولهذا وصف كاتب سفر الأعمال عظمة البركة التي نالها شعب ترواس من وجود معلمنا بولس الرسول معهم، قائلًا: "وَأَتَوْا بِالْفَتَى حَيًّا، وَتَعَزَّوْا تَعْزِيَةً لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ.." (أع 20: 12).
إنَّ البركات التي نالها العالم والكنيسة والمؤمنون؛ جماعات وأفراد في هذه الفترة كثيرة جدًا، ولا يمكن أن تختزل في بضع نقاط، ودليل ذلك التأثير الفعال لهذا التجلي في تقوية إيمان الناس بالله.
إن الله يتكلم بالأفعال قبل الأقوال، كقول الكتاب عن الرب يسوع المسيح: "اَلْكَلاَمُ الأَوَّلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ، عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ" (أع 1: 1).
فالمتأمل للبركات التي حصدها الناس من وراء تجلي العذراء في الزيتون يستطيع أن يدرك غرض وهدف هذا التجلي، ومن يريد أن يدرك لماذا تجلت العذراء في 2 أبريل عام 1968م، عليه أن يجمع الفوائد الروحية، التي يمكن أن يتعلمها الناس من تفاصيل هذا التجلي وما تشير إليه من تعاليم إنجيلية، حينئذ سيتعرف على الكثير من أغراض الظهور الخلاصية والتي دفعت الكثيرين في طريق الإيمان والخلاص، لأنها هي هدف السماء من وراء هذا التجلي.
إننا لا بد أن نقرأ هذا الظهور وتفاصيله في ضوء تعاليم الكتاب المقدس، كقوله: "... لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ" (1كو 2: 13). فمثلًا لا بد أن نفهم ما يرمز إليه الحمام أو السحاب أو البخور أو... أو... كما جاء في الكتاب المقدس، ولا بد لنا أيضًا أن نفهم كل ما جاء عن العذراء في الكتاب المقدس، حينئذ سنفهم الرسالة التي تتفق مع شخصيتها المباركة، وهكذا....
القارئ العزيز... ستتمتع ببركات سمائية عظيمة من خلال قراءتك لتأملات هذا الكتاب، والتي هي في الواقع منهج عملي حياتي، ومثال حي لحياة أم النور مريم، التي أشرقت بنورها لتدعو كل أحد للخلاص.
إنني أثق أن من يتأمل في منهج حياة العذراء القديسة الطاهرة وفضائلها لا بُد أن يشتاق لحياة القداسة، فيتبع العذراء القديسة في الطريق للمجد، كقول الكتاب: "كُلُّهَا مَجْدٌ ابْنَةُ الْمَلِكِ فِي خِدْرِهَا. مَنْسُوجَةٌ بِذَهَبٍ مَلاَبِسُهَا. بِمَلاَبِسَ مُطَرَّزَةٍ تُحْضَرُ إِلَى الْمَلِكِ. في إِثْرِهَا عَذَارَى صَاحِبَاتُهَا. مُقَدَّمَاتٌ إِلَيْكَ. يُحْضَرْنَ بِفَرَحٍ وَابْتِهَاجٍ. يَدْخُلْنَ إِلَى قَصْرِ الْمَلِكِ" (مز 45 : 13- 15). وهذا عينه ما تجلت العذراء لأجله في 2 أبريل 1968م في كنيستها بالزيتون.
.


Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:09 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

تمهيد




تَعَرف الناس بسهولة على العذراء أم النور عندما تجلت على قباب وفي كنيستها بالزيتون في 2 أبريل عام 1968م، ذلك لأنها ظهرت لهم بصورة مطابقة لإيمانهم الذي تعلموه من خلال تعاليم الكتاب المقدس.
فقد ظهرت القديسة العذراء مريم كأم تحمل على ذراعيها ابنها الرَّب يسوع..
وظهرت أيضًا في صورة منيرة، لأنها أم النور بحسب إيمان الكنيسة..
وظهرت أمام عيون الناس، يحيط برأسها هالة من نور بحسب إيمان الكنيسة عنها كقديسة عظيمة.
وظهرت وعلى رأسها تاج ملكي، لأنها الملكة أم ملك الملوك ورب الأرباب. إن العذراء التي ظهرت في الزيتون في ذلك الزمان بحسب معتقد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية هي ذات الكرامة والشفاعة، التي صنعت الكثير من الآيات ومعجزات الشفاء. وهي أيضًا الهادئة كما شهد لها الكتاب المقدس...، وهي الحنون التي باركت الجموع المحتشدة، وهي المعينة...، وهي...، وهي...، وهي... إنها العذراء القديسة والدة الإله أم النور مريم التي عرفناها من خلال الكتاب المقدس، ومن خلال تعاليم الآباء، ومن خلال تسابيح وصلوات الكنيسة المسلمة لنا جيل بعد جيل.

إننا لا يمكننا أن نتكلم عن ظهور العذراء في كنيسة الزيتون وخصائصه ونتائجه والغرض منه، بعزلة عن شخصية العذراء التي عرفناها من خلال الكتاب المقدس، ومن خلال صلوات الكنيسة الطقسية (الليتورجية) المسلمة لنا من الآباء الأولين، لذلك سنتناول في الكتاب الفصول التالية:
  1. العذراء وتعاليم الكتاب المقدس.
  2. العذراء وصلوات وتسابيح الكنيسة.
  3. بركات التجلي.
  4. مناظر وأشكال تجلي العذراء في الزيتون.
  5. الظواهر الروحانية المصاحبة لتجلي العذراء.



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:11 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





الفصل الأول: العذراء وتعاليم الكتاب المقدس

منذ الآن جميع الأجيال تطوبني




لم يكتف الملاك بإعلانه عن رضا الله وسروره بالعذراء القديسة، بقوله: "... لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ" (لوقا 1: 30)، لكن الملاك كشف عظمة النعمة التي نالتها العذراء، بقوله: "وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ" (لو 1: 31، 32).

فاقت العذراء البشر أجمعين في الكرامة، بسبب عظمة النعمة التي نالتها. لقد استحقت أن يلقبها الملاك بالممتلئة نعمة، ولهذا تطوبها جميع أجيال البشر، كما تنبأت، بقولها: " لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي" (لوقا 1: 48).
يشهد التاريخ بتحقق نبوة العذراء بتطويب الأجيال لها على مر العصور أفرادًا وجماعات وهيئات. ولكن هذا التطويب تأكد وتحقق بصورة لم يسبق لها مثيل بتجلي العذراء فوق وعلى قباب كنيستها بالزيتون عام 1968م.

لقد اهتم مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث بالتأريخ لهذا التجلي العظيم، ففي كلمة له بخصوص تجلي العذراء في الزيتون عام 1968م. في عيد تجليها الأربعين وصف الجموع المحتشدة من كل مكان، لتنعم ببركة رؤية العذراء وتطويبها، قائلًا: " كان‏ ‏الناس‏ ‏يقضون‏ ‏الليالي‏ ‏حول‏ ‏الكنيسة‏ ‏ينتظرون‏ ‏هذا‏ ‏الظهور‏ ‏وعيونهم‏ ‏وقلوبهم‏ ‏معلقة‏ ‏بقباب‏ ‏الكنيسة‏.. ‏وكثر‏ ‏الناس‏ ‏وتجمعوا ‏بمئات‏ ‏الآلاف، ‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏هذا‏ ‏أمرًا‏ ‏عاديًا‏ ‏في‏ ‏أيام‏ ‏جمال‏ ‏عبد الناصر‏، ‏بل‏ ‏علي‏ ‏عكس‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏يعتقد‏ ‏البعض‏. ‏أخذت‏ ‏الدولة‏ ‏بأجهزتها‏ ‏المتعددة‏ ‏تعطي‏ ‏اهتمامًا‏ ‏بظهور‏ ‏العذراء‏، ‏وكان‏ ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏تعطي‏ ‏الدولة‏ ‏هذا‏ ‏الاهتمام‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏بدأت‏ ‏مجموعات‏ ‏كبيرة‏ ‏من‏ ‏السائحين‏ ‏تفد‏ ‏إلي‏ ‏مصر‏ ‏في‏ ‏أفواج‏ ‏متلاحقة‏، ‏حتي‏ ‏جاء‏ ‏وقت‏ ‏كان‏ ‏حجز‏ ‏الطائرة‏ ‏للمجئ‏ ‏إلي‏ ‏مصر‏ ‏أمر‏ ‏صعب‏ ‏في‏ ‏بعض‏ ‏البلاد‏.. ‏وكان‏ ‏اهتمام‏ ‏الدولة‏ ‏واضحًا‏ ‏من‏ ‏توجهات‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏وزارة‏..
‏ووزارة‏ ‏الداخلية‏ ‏اهتمت‏ ‏بتأمين‏ ‏سلامة‏ ‏الجماهير‏ ‏الموجودة‏ ‏بعشرات‏ ‏الآلاف‏ ‏ومئات‏ ‏الآلاف‏ ‏أحيًانا‏، ‏حتي‏ ‏قيل‏ ‏إن‏ ‏قطارًا‏ ‏يتحرك‏ ‏كل‏ 10 دقائق‏ ‏لنقل‏ ‏الوفود‏ ‏القادمة‏ ‏من‏ ‏كافة‏ ‏المحافظات‏ ‏إلي‏ ‏الزيتون‏ ‏بالإضافة‏ ‏إلي‏ 150 ‏سيارة‏ ‏أتوبيس‏ ‏يوميا‏ ‏تعمل‏ ‏علي‏ 8 ‏خطوط..."‏

واستفاض قداسته في شرح عظمة الحدث، وما أحدثه من صدى عالمي واسع، فقال أن الأمر لم يقف عند حضور الجموع لرؤية ومشاهدة الظهور... لكن الصحف المحلية والعالمية ووكالات الأنباء، وأيضًا المحطات التليفزيونية العالمية تتبعت ظهور العذراء في الزيتون، وأرجع قداسته ذلك لاستمرار ظهور العذراء فترة طويلة امتدت حتى عام 1970م كقول قداسته: "‏وأيضا‏ ‏ظهورها‏ ‏كان‏ ‏لمدة‏ ‏طويلة‏ ‏ففي‏ ‏بعض‏ ‏الظهورات‏ ‏كانت‏ ‏تظهر،‏ ‏وينتهي‏ ‏ظهورها‏ ‏في‏ ‏نفس‏ ‏اليوم‏. ‏أما‏ ‏العذراء‏ ‏في‏ ‏الزيتون‏ ‏فقد‏ ‏استمر‏ ‏ظهورها‏ ‏لأشهر‏ ‏طويلة‏ ‏امتدت‏ ‏من‏ ‏عام‏ 1968 ‏إلي‏ ‏عام‏ 1969 ‏وإلي‏ ‏بداية‏ ‏عام‏ 1970.‏"

القارئ العزيز... لا يكفي فقط تطويب العذراء بمدحها بالألقاب كتسميتها مثلًا بالمطوبة، ولكن تطويب العذراء لا يتحقق دون إدراك لعظمة فضائلها، وما نالته من نعمة عظيمة تفوق الوصف، وهذا لا يأتي دون الدراسة والتأمل العميق لكل ما يخص أمنا العذراء القديسة مريم. حينئذ سيمتلئ قلبك بمشاعر عميقة عن عظمة أمك العذراء والدة الإله، وسيلذ لك أن تشارك الكنيسة التماجيد والتسابيح اللأئقة بها، وسينبض قلبك بحب أم النور أمك، وستجدها قريبة منك جدًا. لقد نصح قداسة البابا شنوده الثالث بالتأمل في عظمة العذراء وفي تجليها فوق قباب الزيتون، بقوله: "جميل بنا ان ننتزع أنفسنا من وسط مشغوليات العالم، لنسبح في هذه الذكريات المقدسة، ونعيش -ولو للحظات- في عالم اسمى من عالمنا، وفي أجواء روحية تعلو بنا إلى فوق، حسبما تستطيع أرواحنا أن ترتفع..."



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:14 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg


الملكة البارة



أقام الملوك أمهاتهم معهم ملكات، وبالطبع كان لهنّ سلطانًا في المملكة، ولكن سلطان الملكة كان لا بد أن يتوافق مع سياسة الملك ومبادئه.
لقد أعطى سليمان لأمه كرامة خاصة، كقول الكتاب: "فَدَخَلَتْ بَثْشَبَعُ إِلَى الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ... فَقَامَ الْمَلِكُ لِلِقَائِهَا وَسَجَدَ لَهَا وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَوَضَعَ كُرْسِيًّا لأُمِّ الْمَلِكِ فَجَلَسَتْ عَنْ يَمِينِهِ" (1مل2: 19). ومع ذلك رفض سليمان طلبها بشأن زواج أخيه أدونيا من (أَبِيشَجَ الشُّونَمِيَّةَ) امرأة أبيه داود، لأن ذلك كان مخالفًا للشريعة وللناموس.

أما معكة زوجة رحبعام الملك فكانت ملكة في عهد الملك آسا، ولكن آسا خلعها من المُلك بسبب شرها، كقول الكتاب: "حَتَّى إِنَّ مَعْكَةَ أُمَّهُ خَلَعَهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَلِكَةً، لأَنَّهَا عَمِلَتْ تِمْثَالًا لِسَارِيَةٍ، وَقَطَعَ آسَا تِمْثَالَهَا وَأَحْرَقَهُ فِي وَادِي قَدْرُونَ" (1مل15: 13). إن الملكات اللائي يعملنّ ضد مشيئة ملكهن يفقدن كرامتهن.
أما العذراء القديسة مريم فقد صارت ملكة بالحقيقة، لأنها كانت تعمل مشيئة ابنها وملكها، حسب قوله: "لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي" (مت12: 50).

لم يرفض الرَّبُّ يسوع تكريم أقاربه، لأنَّ تكريمَ الأب والأم واجبٌ وحق، لكنه أوضح أن مَن يُريد أن يكون قريبًا له، لا بد أن يصنع مشيئته الطوباوية، ولا بديل عن ذلك. فكلما اقترب الإنسان من الله كلما اقتدى بالله في القداسة، فيصير محبوبًا له، كالأخ والأخت والأم.
لقد استحقت العذراء القديسة مريم أن تكون أمًا للمسيح الرب بالجسد، فاختارها وسكن في أحشائها تسعة أشهر، واختارها أيضًا لتحمله على يديها، وليسكن معها في بيتها، ذلك لأن الله سبقَ ونظر أمانتها وحبها له. ولهذا أيضًا استأمنها على رعاية ابنه الظاهر في الجسد وهو رضيع، واستأمنها أيضًا أن تعلمه، وتسلمه خبراتها الإيمانية، كما تفعل الأمهات مع أطفالهن، كقول الكتاب: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ" (لو 2: 52). لقد استؤمنت العذراء القديسة على رعاية ابن الله الحبيب وهو طفل، إذ أنها كانت قادرة أن تهيئ للمولود الإلهي وسطًا مقدسًا، لأنها قد اعتادت أن تحيا حياة مقدسة منذ طفولتها.
القارئ العزيز... إننا نؤمن أن العذراء ملكة حقانية، وأن لها سلطان وشفاعة عظيمة، لأنها بارة وقديسة وممتلئة من نعمة الله، وهي تسعد وتفرح بكل من يصنع مشيئة ابنها الحبيب، ولسان حالها يردد ما قالته قديمًا للخدَّام في عرس قانا الجليل: "... مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ" (يو2: 5). فيا ليتك تُطيع العذراء الملكة كما أطاعها الخدَّام في عرس قانا الجليل.



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:16 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

نفس العذراء الشَبعانة


أشاعَ سلام العذراء والدة الإله بهجة عظيمة في نفس أليصابات فطوبتها بمديح، قائلة لها: "... مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي" (لو1: 42- 44). ولكن العذراء القديسة لم تهتمّ كثيرًا بسماع كلمات المديح، لكنها سَبَحَّت الله القدير، واتضعت أمامه، قائلة: "فَقَالَتْ مَرْيَمُ: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي" (لو1: 46- 48).
لم تطلب العذراء القديسة مجدًا من الناس، لأن نفسها كانت في حالة شبع بالنعم الكثيرة الموهوبة لها من الله.
إنَّ مَن يطلب لنفسه مجدًا من الناس هو فقير النفس، ولم يتذوق غنى عطايا الله ومجده. فلذلك يتسول لنفسه مجدًا زائفًا رخيصًا من الناس، ولن ينعم بمجدِ الله، كقول الرب: "كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟" (يو 5: 44). إن الله الخالق هو الوحيد القادر أن يُغني نفس الإنسان، ويُشبعها برضاه ونعمه الكثيرة. أما من لم يغتنِ بالله، فسيظل يبحث لنفسه عن كرامة وتقدير لدى الناس، ولن يجد في النهاية شبعه!! كقول الكتاب: "اَلنَّفْسُ الشَّبْعَانَةُ تَدُوسُ الْعَسَلَ، وَلِلنَّفْسِ الْجَائِعَةِ كُلُّ مُرّ حُلْوٌ" (أم 27: 7).
نالت العذراء غنى عظيم برضا الله عليها، بحسب قولها، ولهذا امتلأت من النعم الإلهية الكثيرة، فصارت الممتلئة نعمة. لقد باركها الله بالخيرات السماوية الفائقة، التي تدوم وتعوض النفس عن أي خسارة. لم تضطرب العذراء القديسة لميلاد ابنها (المالئ الأرض والسماء) في مكان بسيط، ولم تضطرب وهي تقمطه وتضعه في مزود للبقر، لأنها أدركت مقدار عظمته التي حولت المزود سماءً. اكتفت العذراء القديسة بعظمة وجود المسيح ابن الله الأزلي بين ذراعيها، ولهذا لم تلتفت إلى ما عانته من فقر أو مَشَقَّات. لقد اكتفت القديسة الطاهرة بما نالته من نعم، بسبب وجود ابن الله في حياتها.
القارئ العزيز... لا تفتخر بذاتك أمام الناس طالبًا منهم مجدًا، لأنهم لن يقدروا أن يعطوك، وإن أعطوك اليوم شيئًا، فقد يسلبوك غدًا ما أعطوه لك. أعلم يا أخي أنه لا قيمة لكل مديح تسمعه أذنك من الناس، لأنه صادر من البشر الخطاة، الذين قيل عنهم: "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ" (رو3: 23).
أما الله فهو الغني، الذي قيل عنه: "الْمُقِيمِ الْمَسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ، الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ لِيُجْلِسَهُ مَعَ أَشْرَافٍ، مَعَ أَشْرَافِ شَعْبِهِ" (مز113: 7- 8).



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:17 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

قلب العذراء يحفظ ويتفكر بكلام الله




جاء الرعاةُ مسرعين إلى بيت لحم ونظروا الطفل يسوع، وأخبروا بكل ما قال لهم الملاك، ثم سجدوا له وانصرفوا. ولكن العذراء القديسة حفظت كلام الرعاة في قلبها وتأملته، كقول الكتاب: "وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ. وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا" (لو2: 18- 19).
القلب؛ أي داخل الإنسان أو باطنه هو موضع التأمل والتفكير في كل ما يسمعه، أو ما يراه الإنسان، وأثناء التفكر والتأمل يسترجع الإنسان أمور أخرى مرتبطة بما يتأمله. إني أتخيل العذراء القديسة بعد سماعها من الرعاة أن المولود هو المخلص، قد استرجعت أجزاء من سفر إشعياء.. مثل قوله: "أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ" (إش43: 11). وأنها تذكرت أيضًا أن ابنها هو العجيب والأبدي والأزلي المولد خصيصًا لخلاص البشرية، كقوله: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إش 9: 6). وهكذا كانت العذراء القديسة من خلال تأملاتها تدرك بقلبها أسرار مفرحة، كشفها لها الروح القدس.
إن ‏كثيرين من الناس قد يتعجبون من أعمال الله، ولكن الأتقياء أمثال العذراء القديسة لا يكتفون بالتعجب، لكنهم يتأملون، ويتفكرون، ويسترجعون أقوال الله ومحبته ووعوده الصادقة لهم.

لقد أمر الرَّبُّ شعبه منذ القديم أن يلهج نهارًا وليلًا في ناموسه. إن اللهج في أقوال الله يعني الفرح بأقواله، والاهتمام والشوق لمعرفتها وفهمها، واكتشاف ما فيها من أمور خفية، وذلك كقول الكتاب: "لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا" (مز1: 2). ومع استمرار الاهتمام والانشغال بكلمة الله تُصَيِّر الكلمة موضوع تفكير وانشغال الإنسان، فإذا نام قد يجد نفسه يرددها في نومه، وإذا استيقظ يجدها أول ما يَرّدْ على باله وفكره. كل هذا يحدث بتلقائية وفرح وشغف، وقد لوحظ أن بعض الأتقياء يرددون أقوال الله في مرضهم دون وعي منهم.
القارئ العزيز... قراءة الكتاب المقدس عمل عظيم يحتاج للفهم والربط بين نصوصه وأحداثه بعضها البعض، كقوله: "الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ" (1كو 2: 13). وهذا لا يتم بدون انسكاب نعمة الروح القدس من خلال الصلاة واللجاجة، حينئذ سَيُفهِمك روح الله ما تقرأ، وسيقود تأملاتك، ويهئ لك من خلالها إرشادًا صالحًا خاصًا بك، لتعزيتك وإرشادك وتقويمك في سبيل الحياة الأبدية.



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:18 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

تكريس العذراء القديسة




إن طاعة وصايا الله، والخضوع له تُّمَثًّل بذبيحة المحرقة التي تظل النيران تشتعل فيها، حتى تلتهمها إلى التمام. لقد أشارت ذبيحة المحرقة لطاعة الرب يسوع المسيح الكاملة لله، كقول الكتاب: "وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في2: 8).
تكرست العذراء القديسة منذ طفولتها لخدمة الله في الهيكل. فعاشت عابدة له على الدوام. تسمع وتفهم وتدرس الناموس والوصايا الإلهية، تخدم في خضوع وتكريس كلي، فهي تطيع ما تؤمر به بفرح، كأَمَةً (عبدة) لأنها تحب الله، وتثق في حبه لها. تعودت العذراء أن تطيع من القلب، وليس كالعبيد الذين يطيعون، ويخدمون عندما تلاحظهم أعين أسيادهم، لكنهم لا يطيعونهم متى تحرروا من رقابتهم لهم. لكن أبناء الله يقدمون الحب للجميع ببساطة قلب، كعبيد لله مع فارق كبير، وهو حبهم لله أبيهم، كقوله: "أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ، لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ بِبَسَاطَةِ الْقَلْبِ، خَائِفِينَ الرَّبَّ" (كو3: 22).
عندما ذهبت العذراء لعرس قانا الجليل مع الرب يسوع المسيح، لم يكن هدفها تقديم مجاملة شكلية لأهل العروسين (كما يفعل من يخدمون لكي تنظرهم عيون الإخرين)، ثم تنصرف بعدها، لكنها كانت تنوي تقديم حبها لهم، بحسب الوصية: "فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ" (رو12: 15). وبالفعل قدمت لهم حبًا حقيقيًا عاملًا. لم يسألها أحد عن تدبير خمرًا بديلًا للذي نَفَذَ، ولم يكن يتوقع أحد منها المساعدة، لكنها تقدمت لمد يد العون. حثها قلبها على الخدمة والتفاني، وإنقاذ أهل العرس من الحرج. فقد ذهبت للرب لتخبره بالمشكلة، حبًا في الناس، وهي على يقين باستجابته لها.
القارئ العزيز... إن قلب العذراء المملوء حبًا لله كان دائمًا هو المحرك القوي لطاعتها لوصاياه بدقة. لقد ملك الله على قلبها، لأنها أعطته قلبها بالكامل، حسب الوصية: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (أم23: 26). وهذا هو المعنى الحقيقي للتكريس لله.
فاحرص يا أخي الحبيب على تنقية قلبك من أي محبة غريبة. كرس قلبك له، وكن مستعدًا لإطاعة وصايا الله من قلبك، كقوله: "اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ..." (في2: 14- 15).




Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:19 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

فخر العذراء القديسة




دخل الملاك جبرائيل إلى العذراء مريم وحياها، بقوله: "... سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ" (لو 1: 28) ثم بشرها بتجسد ابن الله منها، فأعلنت العذراء العفيفة قبولها البشرى الإلهية، بقولها: "... هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ..." (لو1: 38). انصرف الملاك من عندها، بعدما بشرها بالحبل الإلهي (بدون زرع بشر)، دون أن تطلب منه كشف السرَّ ليوسف النجار خطيبها. تركت الأمر لله، فقد كانت تعلم أن الله قادر أن يدبر الأمر بالطريقة المناسبة، وفي الوقت المناسب.
لقد آمنت العذراء القديسة في قدرة الله أكثر من حكمة البشر، التي تشير بوجوب كشف السرَّ ليوسف النجار لتجنب وقوعه في الشك، ولم تُخبر العذراء يوسف بالأمر، حتى كشفه الله له في حلم.
يعتز الكثيرون، ويفتخرون بإمكانياتهم المادية، أو بمركزهم الاجتماعي، أو بمواهبهم، أو،... أو،... ولكن الخطر الشديد الذي يهدد أمثال هؤلاء هو اتكالهم على ما لهم من ذكاء أو قدرة، بدلًا من الاتكال على الرب، كقوله : "هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: مَلْعُونٌ الرَّجُلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الإِنْسَانِ، وَيَجْعَلُ الْبَشَرَ ذِرَاعَهُ، وَعَنِ الرَّبِّ يَحِيدُ قَلْبُهُ... مُبَارَكٌ الرَّجُلُ الَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى الرَّبِّ، وَكَانَ الرَّبُّ مُتَّكَلَهُ" (إر17: 5-7). إن الإنسان الحكيم هو الذي يفتخر بالله، ولا يثق في قدراته، ولا يتكل على ذاته، لأن قدراته لا تقدر أن تخلصه وقت الشدة. لقد تعلمت العذراء العفيفة أن تتكل، وتفتخر بالله بحسب وصية إرميا النبي، القائل: "هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: لاَ يَفْتَخِرَنَّ الْحَكِيمُ بِحِكْمَتِهِ، وَلاَ يَفْتَخِرِ الْجَبَّارُ بِجَبَرُوتِهِ، وَلاَ يَفْتَخِرِ الْغَنِيُّ بِغِنَاهُ. بَلْ بِهذَا لِيَفْتَخِرَنَّ الْمُفْتَخِرُ: بِأَنَّهُ يَفْهَمُ وَيَعْرِفُنِي أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الصَّانِعُ رَحْمَةً وَقَضَاءً وَعَدْلًا فِي الأَرْضِ، لأَنِّي بِهذِهِ أُسَرُّ، يَقُولُ الرَّبُّ" (إر9: 23- 24).

‏عرفت العذراء عظمة الله ورحمته، واتكلت عليه باعتزاز وفخر، لذلك أجابت على مديح أليصابات لها بإعلان افتخارها بالله، قائلة: "... تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ..." (لو1: 46- 48).
‏القارئ العزيز... اطلب باجتهاد أن يكشف الله عن عينيك، فيظهر لك عظمة قوته وشدة محبته لك، ومقدار رحمته الفائقة نحوك، حينئذ ستفتخر به على الدوام، كما افتخرت به العذراء القديسة، وكما افتخر به أيضًا الرسول بولس، الذي قال باعتزاز: "اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ *بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ" (أف2: 4- 5).



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:22 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

العذراء القديسة أم كل الأحياء


دعى أبونا آدم امرأته حواء أم كل الأحياء، ولكنها عندما أخطأت جلبت لنفسها ولجنسها الموت بعصيانها، فصارت أمًا للأموات. أما العذراء مريم فهي التي قيل عنها: "... مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!" (لو1: 42). إن ثمرة بطن العذراء هي ابن الله الظاهر في الجسد، الذي فيه كانت الحياة، والذي يضيء لكل إنسان آت للعالم. لقد قدمت العذراء - حواء الثانية - للبشر أجمعين المسيح الرب، حياة كل أحد، فصارت بالحقيقة أمُ الأحياء، بدلًا من حواء التي جلبت الموت لأولادها.
إن العذراء القديسة مريم أمٌ للبشر الذين سينالون الخلاص أجمعين، لأنها أم المسيح، الذي قيل عنه: "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ" (رو8: 29). وإن كان الرَّب يسوع الذي به الخلاص قد صار في شركة إخوة معنا بسبب اشتراكه معنا في اللحم والدم، فلا بد أن تكون أمه أمًا لنا.
لقد سلَّمَ الرَّبُّ يسوع للبشرية على عود الصليب أعظم أم حين قال للعذراء وليوحنا الرسول: "فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ: "يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ". ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: "هُوَذَا أُمُّكَ". وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ" (يو19: 26- 27).

لقد كشف الرب بهذه الكلمات الرائعة أن العذراء أم حنون مسئولة عن تقديم شفاعتها حبًا في أبنائها البشر أجمعين.
فالعذراء مريم أم لكل الأحياء من البشر، ولهذا يطوبها البشر في كل الأجيال من مشارق الشمس إلى مغاربها، كقولها: "لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي" (لو 1: 48).
لقد تجلت العذراء على قباب كنيستها بضاحية الزيتون بالقاهرة عام 1968م، فاجتمعت الجموع من بلدان العالم أجمع، ومن كل الأديان والأطياف والأجناس، لتكرم العذراء الأم تحقيقًا لنبوتها. وقد ظهرت أم النور وهي تستدير لتنظر وتبارك الجموع المحتشدة حول الكنيسة من كل جهة في صمت، كما لو كانت تريد أن تقول لهم: "أنا أم لجميعكم".
صنعت المعجزات مع الجميع سواسية دون محاباة لأحد على أحد، واجتذبت الجميع لابنها، وقربت الجميع إلى أعتاب الكنيسة فُلك النجاة.
القارئ العزيز... أخذ يوحنا الحبيب العذراء بيته لتحيا معه كأم له، كقول الكتاب: "... هُوَذَا أُمُّكَ. وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ" (يو 19: 27). لقد قبلها أمًا له، لتباركه. فيا ليتك تقبل العذراء أمًا لك في بيتك، أي تدعوها لتبارك حياتك بشفاعتها القوية والمقبولة. اطلبها في أمور حياتك، ولا تنس أنها أم حنون عظيمة... هي العذراء القديسة مريم أم جميعنا.



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:23 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

مريم أم النور، هي أعظم الأمهات



يصف الكتاب المقدس الأمهات بالحنائن (جمع كلمة حنون)، ويخصهنَ بأنهن لا ينسين رعاية أبنائهنَ الرضع، مع أنهن في بعض الحالات الاستثنائية قد ينسين اولادهن، كقوله: "هَلْ تَنْسَى الْمَرْأَةُ رَضِيعَهَا فَلاَ تَرْحَمَ ابْنَ بَطْنِهَا؟ حَتَّى هؤُلاَءِ يَنْسَيْنَ، وَأَنَا لاَ أَنْسَاكِ" (إش49: 15). ويشبه الله مقدرته العظيمة في تخفيف وإزالة آلام أولاده بالأم القادرة أن تُفرج عن ابنها كربه، قائلًا: "كَإِنْسَانٍ تُعَزِّيهِ أُمُّهُ هكَذَا أُعَزِّيكُمْ أَنَا... " (إش66: 13).

إن الأمومة في قلب المرأة نعمة إلهية فطرية، ولكن روح الله القدوس الغني قادر أن يهب البشر من النساء والرجال نعمة الرحمة والحنان والحب العظيم، الذي يفوق ما وُهِبَ للأمهات بالفطرة، لأنه كنز الصالحات ومعطي الحياة. لقد شبه معلمنا بولس الرسول اهتمامه ورعايته لمخدوميه باهتمام المرضعة الحنون، التي تربي أطفالها، قائلًا: "بَلْ كُنَّا مُتَرَفِّقِينَ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا تُرَبِّي الْمُرْضِعَةُ أَوْلاَدَهَا، هكَذَا إِذْ كُنَّا حَانِّينَ إِلَيْكُمْ، كُنَّا نَرْضَى أَنْ نُعْطِيَكُمْ، لاَ إِنْجِيلَ اللهِ فَقَطْ بَلْ أَنْفُسَنَا أَيْضًا، لأَنَّكُمْ صِرْتُمْ مَحْبُوبِينَ إِلَيْنَا" (1تس2: 7- 8).
لقد امتلأ قلب العذراء بأمومة فطرية طبيعية كباقي الأمهات. أما ما هو أهم من ذلك فهو المحبة الإلهية، التي سكبها الروح القدس في قلبها، لتصير أمًا لأعداد لا حصر لها من المؤمنين.

لقد طوبها الملاك وأعطاها السلام، ولقبها الممتلئة نعمة بحسب الترجمة القبطية، وقد وصفت في أغلب الترجمات الإنجليزية، بالقول: "Hail, O highly favored one" وذلك لتوضيح أن أحدًا لم ينل ما نالته العذراء مريم من نعَمِ.
فقد ظلل الله العذراء بقوة العلي، وانسكب روح الله القدوس عليها بفيض، لكي يؤهلها لأمومة لا مثيل لها، كقوله: "فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35).
القارئ العزيز... اتسع قلب العذراء، ليحتوي بالاهتمام والحب والاحتمال أبناءها البشر جميعهم، مهما كان ضعفهم. هي أم لا تنس أولادها، بل تشفع فيهم أمام ابنها طالبة الرحمة لجميعيهم، لأنها أم الرحمة الحنون. لقد سجل مشهد تجليها في الزيتون عام 1968م صورة رائعة لأمومتها، وهي تنحني، وتبارك جميع الحاضرين.
إن كل إنسان تمتع بهذا الظهور كان يشعر بأنها تتعامل معه شخصيًا بالرغم من الزحام الشديد. لقد كنت ترى كل أحد يتكلم معها، وكأنه يهمس في أذنها، وهي تسمعه. وقد أظهرتها السماء في صورة أعظم أم. فيا ليتك يا أخي الحبيب تحافظ على دالة الحب التي تربطك بهذه الأم الحنون العظيمة.



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:24 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

السحابة السريعة القادمة إلى مصر



ارتبط حضور الرَّبِّ في الكتاب المقدس بالسحاب، وقد أخبرنا إشعياء النبي عن قدوم الرب إلى أرض مصر على سحابة سريعة، قائلًا: "... هُوَذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ، فَتَرْتَجِفُ أَوْثَانُ مِصْرَ مِنْ وَجْهِهِ..." (إش 19: 1).

وقد شبه الوحي الإلهي القديسين والملائكة الأبرار بسُحبِ السماء، التي تحمل الرَّبَّ، لأنهم يعطونه المجد والكرامة، بينما هو حال وسطهم ليباركهم، كقوله: "كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ" (دا 7: 13). هم سحابة عالية شاهدة للرب، لأن قداستهم ظاهرة للناس، كقوله: "لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ..." (عب12: 1).
العذراء هي هذه السحابة التي أتى الرب محمولًا على ذراعيها مع يوسف النجار هربًا من هيرودس الشرير، ولكن الوحي الإلهي يخص مجيئه بالسرعة، لأنه مشتاق أن يخلص مصر من أوثانها وخطاياها سريعًا.
إن العذراء مريم هي السحابة السريعة أيضًا، لأنها مطيعة كخدامه من الملائكة الغَيُورين، الذين قيل عنهم: "... الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (103: 20). لقد ذهبت العذراء السحابة السريعة لتخدم أليصابات بهمة وحب عظيمين، كقول الكتاب: "فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْجِبَالِ إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا" (لو1: 39).
عندما أتت العذراء مرة أخرى إلى مصر متجلية بمجد عظيم فوق قباب كنيستها بالزيتون في 2 أبريل 1968م، أتمت مهمتها في تخليص الكثيرين من شكوكهم وفتورهم وقلة إيمانهم، وهكذا حطمت الأوثان التي في القلوب، ليملك ابنها وربها على قلوب المصريين، وقد صاحب هذا التجلي ظهور سحاب يُذَكِرُ بما قاله إشعياء سابقًا عن السحابة السريعة.
إن العذراء التي ظهرت فوق قباب كنيستها بالزيتون ينبطق عليها وصف السحابة السريعة؛ لأنها أتمت مهمتها في إنعاش الإيمان في الزيتون بسرعة، وذلك بسبب حب الناس لها كأم وديعة وحنون، تخفف آلام الضعفاء والمرضى، وتشيع البهجة والسلام في قلوب الكثيرين.
إن وصف "السحابة" "بالسريعة" يخصّ العذراء القديسة بالذات، فلو افترضنا ظهور أي قديس آخر فوق قباب كنيسة الزيتون ما كنت أظن أنه كان ممكنًا أن يلهب الإيمان، ويرد النفوس بنفس هذه القوة والسرعة التي تأثرت بها مصر في عام 1968م نتيجةً لظهور العذراء أم النور.
القارئ العزيز... درب نفسك لتقتني هذه الغيرة التي للعذراء في محبتك لله وللناس. أما التباطؤ والتراخي في خدمة الله ومحبة الناس فهو صفة لا تليق بالقديسين.



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:35 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

أم الوداعة


ذَهبَ الرَّب يسوع مع أمه ويوسف النجار إلى أورشليم، للاحتفال بعيد الفصح كعادة اليهود، وفي طريق الرجوع ظناه بين الرفقة فذهبا مسيرة يوم في الطريق إلى الناصرة، وكانا يطلبانه بين الأقرباء والمعارف الذين يتقابلون معهم في الطريق، ولما لم يجداه رجعا إلى أورشليم فوجداه في الهيكل جالسًا وسط المعلمين فاندهشا، كقول الكتاب: "فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!" (لو 2: 48).
تُظهر هذه الحادثة وداعة العذراء القديسة التي لم تفقد هدوءها بالرغم من كونها معذبة ثلاثة أيام في البحث عن ابنها الحبيب، وعندما وجدته جالسًا وسط المعلمين، جلست تسمعه أولًا، ولم تسبب له حرجًا بلومه أو تعنيفه... لم تسأله الوديعة عن سبب عدم رجوعه معهم للناصرة، إلا بعد أن انتهى من حديثه مع المعلمين. لقد أشار الكتاب لذلك بذكره عن اندهاشهما، وهذا يعني أنهما سمعا أولًا حديثه مع المعلمين.
عاتبت العذراء ابنها يسوع بلطفٍ شديد، عندما نادته بالقول: " يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟..."... لقد أظهرت مشاعرها بلطف دون صياح أو صراخ في وجهه، وعَبَرّتْ أيضًا عن معاناتها بأقل الكلمات، بقولها: "كنا نطلبك معذبين".
ويظهر اتضاع العذراء من تقديمها يوسف النجار على نفسها، بقولها: "أبوك وأنا".
إن الوداعة فضيلة من ثمر الروح القدس، والإنسان الوديع يتميز بالهدوء والسلام الداخلي بسبب إيمانه بالله وتقواه، ولذلك فهو قليل الكلام، وهو لا يخاصم ولا يصيح، لأنه غير منشغل بذاته، بل يشغله الفوز برضا الله عليه، كما قيل عن الرب يسوع المسيح: "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ" (مت12: 19). وهو أيضًا ينظر للآخرين بتقدير، ويحتمل الجميع، ويغفر للمسيئين، ويتعامل بلطف دون أن يجرح مشاعر أحد، ولا يحتقر أحد، لأنه متضع ومحب.
القارئ العزيز... لقد أطلق الناس على العذراء لقب أم الوداعة، وقد أكدت العذراء في تجليها بكنيستها بالزيتون في 2 أبريل 1968م هذه الحقيقة. فشُهِدَ لها باللطف وهي تتحرك برزانة وهدوء لتحيِّ وتبارك الجموع المحتشدة، وأيضًا في اهتمامها بالمجموعات المختلفة؛ إذ كانت العذراء تلتفت وتتطلع، وتبارك الجميع كما لو كانت تسجيب لكل فرد يناديها وسط الجموع على حدة.
حكت إحدى شهود العيان [8]أنها تأففت من صياح الباعة الجائلين الموجودين بالمكان، ومن بعض التصرفات غير اللائقة لبعض الحاضرين، ولذلك استبعدت الشاهدة إمكانية ظهور العذراء هناك بسبب تلك التصرفات، لكنها فوجئت بالعذراء تظهر محتملة ضعف الناس وتباركهم، وتتعامل معهم بلطف شديد كأحباء لها، وهم يقولون لها بحماس: "أنتِ جميلة يا أم الله". لقد تشبهت بابنها القدوس، الذي كان يحتمل الخطاة والعشارين. فيا ليتنا يا أخي نتشفع بالعذراء أم الوداعة طالبين اقتناء تلك الفضيلة العظيمة.



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:39 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

العذراء الأَمَةُ والخادمةُ




كثيرون يظهرون استعدادهم للخدمة، بقولهم لغيرهم: "مُرني أنا خدَّامك"، ولكنهم في غالب الظن قد لا يقصدون ما يقولون، لأن مثل هذه التعبيرات قد يرددونها على سبيل المجاملة.
أما العذراء فقد أجابت الملاك جبرائيل الذي أتاها بالبشارة المباركة، قائلة: "...هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ.." (لو1: 38). لقد عبرت العذراء عن منهج الحياة الذي تحيا به، وهو الاستعداد الدائم لطاعة الله كخادمة، أو كعبدة.
كانت أليصابات الحبلى في شيخوختها في حاجة ماسة لمحبتها، فقامت سريعًا لتضع نفسها كخادمة مطيعة بين يديها، كقول الكتاب: "فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْجِبَالِ إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا" (لو 1: 39). إن قول الكتاب: "ذهبت بسرعة" يؤكد استعدادها للخدمة، لأن مَن يخدم على سبيل أداء الواجب دون أن تدفعه المحبة، لا يوجد ما يجبره على الاستعجال، أو الشوق لتقديم الخدمة، فالمهم عنده أن يتمم العمل شكلًا.
في عرس قانا الجليل عَلِمت العذراء القديسة أن الخمر فرغ، وهذا يؤكد أنها لم تكن تجلس كزائرة أو ضيفة، لكنها كانت تخدم بالداخل مع أهل العروسين، ذهبت القديسة تشفع في أهل العرس أمام الرب، دون أن يطلب منها أحد ذلك؛ فأعطاها الرب اشتياق قلبها، وحَوّلَ الماء إلى خمر.
لقد رفض الرب المفهوم العالمي القائل: أنَّ العظيمَ هو الذي يُخْدَم، وأنَّ مَن يَخَدِم هو الأقل كرامة، بقوله: "أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو 13: 13- 15). إن الخدمة عمل عظيم لأن فيها بناء لنفوس الآخرين، إنها أصدق تعبير عن المحبة، التي قال عنها الكتاب: "... الْعِلْمُ يَنْفُخُ، وَلكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي" (1كو 8: 1). وإن كان الله محبة فهو قد جاء إذًا ليَخدم.
القارئ العزيز... العذراء الخادمة هي أم ملك الملوك ورب الأرباب، التي عَلت عن الأرضيين والسمائيين، لأنها حفظت أمر الرَّبِّ، القائل: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا، كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت 20: 27، 28). ولكن لا تنس أنه لا توجد خدمة بدون تعب واتضاع وبذل، وهكذا من خلال خدمة الآخرين يمكنك أن تجذب الكثيرين لله كأمك العذراء خادمة سر التجسد الإلهي، التي جاز في نفسها سيف الآلام من أجل ابنها الحبيب، الذي قدم نفسه فدية عن الكثيرين.



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:41 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

نظر لاِتضاع أَمَته




أثار مديح أليصابات وتعظيمها لمريم العذراء مشاعر العرفان بالجميل والشكر لله، ففاض قلبها بتسبيح الله على عظم صنيعه معها، قائلة : "... تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 46- 47). كانت العذراء تدرك أن الله يهب عطاياه بحسب غناه، وليس بحسب استحقاق الإنسان، كقوله: "فَإِذًا لَيْسَ لِمَنْ يَشَاءُ وَلاَ لِمَنْ يَسْعَى، بَلْ ِللهِ الَّذِي يَرْحَمُ" (رو9: 16).
إن نعم الله تُعطى للمتضعين العارفين ضعفهم، لأنه يهتم بالمتضعين، ويعتبرهم الأولى باستحقاق عطاياه، كقوله: "مَنْ مِثْلُ الرَّبِّ إِلهِنَا السَّاكِنِ فِي الأَعَالِي؟ النَّاظِرِ الأَسَافِلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ، الْمُقِيمِ الْمَسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ، الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ" (مز113: 5- 7).
اعتبرت العذراء القديسة فضائلها الكثيرة وممارستها الروحية العميقة من صلاة وتأمل وخدمة و... و... لا شيء، مع أنها فاقت في قداستها كل من حولها. لقد أرجعت العذراء الفضل في تَشرُفِها بمنزلة والدة الإله لله العظيم الرحيم المتواضع، الذي يهتم بالمساكين أي المزدرى بهم، أو الأسافل بحسب ما جاء في المزمور السابق: "النَّاظِرِ الأَسَافِلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ...".
لقد نظرت العذراء لضعف طبيعتها البشرية كإنسانة، وهذا ما أكده القديس بولس الرسول عن البشر أثناء حياتهم على الأرض، بقوله: "يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضَعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ" (1كو 15: 43).

إن قول العذراء القديسة "نظر لاتضاع أمته" جاء في الترجمة المشتركة "وضاعة عبدته" وفي الترجمة الإنجليزية:
"For He Has regarded the low estate of His handmaiden"
أي الحالة الوضيعة (الضعيفة والبسيطة) لعبدته، فلم تكن العذراء تعتبر فضائلها، لكنها اعتبرت أن ما صنعه الله معها فضل عظيم جدًا، لا تستحقه، كقولها: "لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ، وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ" (لو1: 49- 51).
‏القارئ العزيز... ليتنا نتعلم من القديسة والدة الإله العذراء، التي نظرت لضعف طبيعتها، ولم تعتبر فضائلها، لأنها أرجعت سبب كل نعمة وفضيلة لله العظيم الحنون، لأنه هو المستحق لكل مجد وكرامة.



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:42 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

العذراء وحياة التسليم



تعلمت العذراء أنَّ الله القدير والصالح يدبر حياتها بحسب صلاحه، فسَلَّمت حياتها بين يدي الله، لم تعترض العذراء القديسة على ظروف حياتها الصعبة، بل قبلت كل الأمور في رضا...

لقد فقدت مريم العذراء والديها في سن صغير، وعاشت طفولتها في الهيكل في حياة خشنة شاقة، لم تنعم خلالها باستقرار ودفء المنزل الهادي. عاشت في الهيكل، وهي تعلم أنها لا بد أن تغادره يومًا من الأيام، لتحيا في بيت آخر لا تعرفه، وعندما سلموها ليوسف النجار لم يسألها أحد عن رأيها في الذهاب معه، لكن الكهنة ألقوا قرعة فوقعت على رجل مسن من أقاربها هو يوسف النجار، فأخذها لبيته لتخدمه.

وبالرغم أن ظروف حياة العذراء فُرِضَت عليها، لكن ملاك الرَّب أتى هذه المرة خصيصًا، ليخبرها بأمر حبلها بالرب يسوع المسيح، وهي أجابته بالتسليم والخضوع التام لمشيئة الله المقدسة، قائلةً: "... هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ..." (لوقا 1: 38). قبلت العذراء البشرى السماوية، وما تبعها من أحداث... مثل ذهابها لبيت لحم، لتلد هناك ابنها الحبيب في مكان بسيط، وولادتها له في مزود بقر، وهروبها مع يوسف خطيبها والطفل يسوع لأرض مصر، وكل ما أتى عليها من آلامٍ نفسية بسبب ارتباطها وحبها لابنها الرب يسوع، الذي اضطهده اليهود وصلبوه، هكذا ظلت العذراء تعاني كل أيام غربتها، كقول سمعان الشيخ: "وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ..." (لو 2: 35).



يريد الناس توجيه أمور حياتهم للأفضل ولكن ذلك بحسب ما يرون، مع أنهم لا يدرون ما هو الأنفع أو الأفضل لهم، ولهذا يتذمرون كثيرًا معترضين على ظروف حياتهم، ولهذا يحزنون أيضًا كثيرًا بسبب تذمرهم الدائم.

إن الإيمان بوجود الله ذو السلطان وبقدرته العظمية، التي توجه كل الأمور في هذا الكون وفق مشيئته الصالحة، يحتاج للاتضاع والاعتراف بسلطانه كقوله: "... الَّذِي سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ، وَمَلَكُوتُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ" (دا 4: 34).

القارئ العزيز... التسليم هو قبول الظروف والأحداث التي تطرأ على حياة الإنسان دون تذمر، والثقة في حكمة ومحبة الله، (الذي يسمح بهذه الأحداث) أنه قادر ان يجعلها تعمل لخيرك حسب صلاحه.

أما الإيمان بأبوة الله كخالق أمين فهو الدافع الوحيد لتسليم الحياة بين يديه في رضا، كقوله: "فَإِذًا، الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ، فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ، كَمَا لِخَالِق أَمِينٍ، فِي عَمَلِ الْخَيْرِ" (1بط 4: 19)..

إن أبناء الله يثقون في حب الله لهم، ويسلمون حياتهم له، ولهذا يقودهم الله في طريق الحياة، كقول الكتاب: "لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ" (رو8: 14).

القارئ العزيز... ليتك تسلم أمورك بين يدي الله، وتتخذ من قول أمك العذراء القديسة: "... لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ..." شعارًا تحيا به، وهكذا سيتمم الله مقاصده الصالحة في حياتك.



Mary Naeem 17 - 12 - 2022 12:43 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg

العذراء القديسة الوفية





عندما عاتبت العذراء الرب يسوع بسبب بقائه في أوروشليم، لإنشغاله في مناقشة المعلمين هناك، قالت له: "... يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!" (لو 2: 48).

نلاحظ في حديثها، أنها قدمت القديس يوسف النجار في الكرامة على نفسها، وأنها لقبته أبوك، مع أنه لم يكن أب للرب يسوع بالجسد، لأنه حُبل به بالروح القدس، كقول الملاك: "... اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو 1: 35).

ولكن العذراء أعطته كرامة، الأب كما كان ظاهرًا أمام الناس. لم تحرمه العذراء من هذا اللقب احترامًا، وعرفانًا بفضله في حماية ورعاية العائلة المقدسة. إن إعطاء الكرامة لمن له الكرامة واجب، كقول الكتاب: "فَأَعْطُوا الْجَمِيعَ حُقُوقَهُمُ: الْجِزْيَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِزْيَةُ. الْجِبَايَةَ لِمَنْ لَهُ الْجِبَايَةُ. وَالْخَوْفَ لِمَنْ لَهُ الْخَوْفُ. وَالإِكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإِكْرَامُ" (رو13: 7).

إنَّ تسمية العذراء ليوسف النجار بكلمة "أبوك" فيها إشارة أيضًا لمناداة الرب يسوع ليوسف النجار بالقول: "يا أبي" إنه الوفاء الذي ملأ قلبها... وبالطبع كانت العذراء تعطي يوسف النجار كرامة واحترام. لقد أكدت السماء أحقية يوسف النجار في تلقي الكرامة من العذراء كعائل لها (مع أنه لم يكن زوجًا لها) حين قال له الملاك في الحلم: "... يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت 1: 20).



وقد أكدت السماء أيضًا دور يوسف النجار كأب في رعاية عائلته حين أمره الملاك، قائلًا: "... قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ" (مت 2: 13). لذلك استحق يوسف النجار أن يخضع له الرب يسوع كابن، كقوله: "ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ وَكَانَ خَاضِعًا لَهُمَا..." (لو2: 51).

القارئ العزيز... لقد أوفت العذراء بتعهدها بإكرام يوسف النجار خطيبها أو رجلها. لم تتنصل من اعتباره رجل البيت وعائله، لأنه لم يكن بالحقيقة زوجًا لها. لقد قبلت أن تخطب له، وأن تذهب إلى بيته فلماذا تنكث بعهدها؟!

إن الإنسان الروحي لا بد أن يوفي بتعهداته، ولا يتنصل منها لأي سبب من الأسباب، لأن وفاء الإنسان بتعهداته يشهد لأمانته.

ولقد أكد الرَّب ضرورة حفظ الأمانة والعهد حتى مع غير الأمناء، كقوله: "فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ؟ أَفَلَعَلَّ عَدَمَ أَمَانَتِهِمْ يُبْطِلُ أَمَانَةَ اللهِ؟" (رو3: 3). فإياك يا أخي أن تفكر يومًا في التنصل من الوفاء بتعهداتك نحو أب أو أم، أو زوجة أو زوج، أو أخ أو أخت، أو ابن أو ابنة، أو صديق... أو... أو... لأن تعهداتك نحو الآخرين هي بالأحرى تعهدات نحو الله، فاحفظ الأمانة.




Mary Naeem 17 - 12 - 2022 06:27 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





الفصل الثاني: العذراء وصلوات وتسابيح الكنيسة



هذا الفصل يلقي الضوء على تعاليم الكنيسة عن العذراء القديسة والدة الإله، من خلال صلوات وتسابيح الكنيسة.
الجدول التالي يبين التعاليم وأمام كل تعليم منها اسم المقال الخاص به.

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 06:29 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





مهمة الملكة والدة الإله


كل ملك أو ملكة له سلطان، يمارس من خلاله أعمال إداراته لمملكته. لم تعط الكنيسة للعذراء والدة الإله لقب ملكة على سبيل المدح والتشريف، ولكنها كانت بالحقيقة ملكة، كما لقبتها الكنيسة، بقولها في تسبحة السلام لك: "السلام لك أيتها العذراء الملكة الحقيقية. السلام لفخر جنسنا ولدت لنا عمانوئيل...". لقد كان للعذراء سلطان عظيم جدًا في تدبير مملكة الله على الأرض.

إن أهم عمل للملكات هو تربية أولاد الملوك. فقد أخذت ابنة فرعون على عاتقها تربية موسى النبي، لكنها فشلت في تربيته كابن لها.

أما العذراء القديسة فهي ملكة لأن السماء استأمنتها على المولود العجيب، الذي قيل عنه: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إش9: 6). إنه ابن الله الذي ولد منها، كقوله أيضًا: "وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ" (غل 4: 4). هو ابن الله وكلمته الأزلي، لكنه أخلى ذاته آخذًا شكل العبد. لقد ولد كطفل يحتاج أن يرضع ثدي أمة بالرغم من أنه باري الخليقة وحافظها. احتاج لأم ترعاه عند ولادته كالأطفال حديثي الولادة، ولهذا قمطته العذراء ووضعته في مزود البقر محاطًا بعيدان القش ليدفأ.


احتاج يسوع ابن الله الظاهر في الجسد لمن يعلمه النطق، ومن يلقنه قصص الإيمان عن أجداده إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف... احتاج لمن يرنم له بصوت ملائكي شجي، احتاج... واحتاج... واحتاج...

لقد كانت المهمة الأولى لهذه الملكة العظيمة هي تهيئة الجو الروحي الخالي من الشر والمملوء بالدفء والقداسة لملك الملوك ورب الأرباب يسوع، وهكذا نما الملك العظيم في رعاية أعظم ملكة عرفها تاريخ البشر، حتى قيل عنه: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ" (لو2: 52). وقد خاطبته كأم دون حرج، قائلة له: "... هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!" (لو2: 48).

القارئ العزيز... ليتنا نكرم هذه الملكة البارة ونتمثل بها، لأن السيد الرب يسوع المسيح ما زال يبحث له في قلوب البشر عن مكان راحة يحل فيه، وكما حل قديمًا في بطن العذراء القديسة يريد أن يحل بالإيمان في قلبك، كقول معلمنا بولس الرسول: "لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ" (أف 3: 17- 18). فهل لك يا أخي سلطان على قلبك لكي تهيئ له مكانًا يستريح فيه؟!
.

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 06:30 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





كرامة والدة الإله عند الله



بعد نياحة والدة الإله العذراء القديسة مريم أتى السيد الرب يسوع المسيح خصيصًا مع ملائكته القديسين، ليستلم روحها الطاهرة. أما جسدها الطاهر فقد دفنه الرسل بإكرامٍ جزيل في قبر خاص في الجسيمانية. ولم تنقطع أصوات التسابيح حول القبر، كما فاحت رائحة بخور ذكية من القبر عطرت المكان كله، وفي اليوم الثالث انقطعت أصوات التسابيح، لأن الملائكة حملت الجسد الطاهر وصعدت به إلى السماء.

وبينما كان القديس توما راجعًا من الهند، رأى مجموعة من الملائكة، تطلب منه أن يتقدم ليتبارك من جسد العذراء، الذي كانت تحمله الملائكة.

ثم بعد ذلك ظهر الرب يسوع ومعه العذراء مريم لرسله، وأعلمهم أن جسد البتول الطاهرة في السماء، لأن الجسد الذي حمل الله الكلمة تسعة أشهر، وأخذ منه ناسوته، لا يجب أن يبقى في تراب الأرض، ويتحلل مثل باقي الأجساد.

يكرم الله أنبياءه وكهنته وخدامه، ويحتوي الكتاب المقدس على الكثير من الأمثلة، التي تؤكد تلك الحقيقة... ومنها إكرامه لإبراهيم أب الآباء أمام فرعون مصر، وأمام أبيمالك ملك جرار، حين حاول كل منهما أخذ سارة لتصير زوجة له. فقد أظهر الله كرامة إبراهيم أمام فرعون، كقوله: "فَضَرَبَ الرَّبُّ فِرْعَوْنَ وَبَيْتَهُ ضَرَبَاتٍ عَظِيمَةً بِسَبَبِ سَارَايَ امْرَأَةِ أَبْرَامَ" (تك 12: 17). وقوله لأبيمالك: "فَالآنَ رُدَّ امْرَأَةَ الرَّجُلِ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَيُصَلِّيَ لأَجْلِكَ فَتَحْيَا. وَإِنْ كُنْتَ لَسْتَ تَرُدُّهَا، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتًا تَمُوتُ، أَنْتَ وَكُلُّ مَنْ لَكَ" (تك 20: 7).



وهكذا أظهر الله كرامة أيوب الصديق أمام أصدقائه، واشترط لرضاه عنهم، إن يقدم أيوب ذبيحة وصلاة شفاعة من أجلهم.

‏وقد وبخ الرَّبُّ مريم وهارون إخوي موسى النبي، عندما تكلما عليه رديًا بسبب زواجه من المرأة الكوشية، قائلًا: "فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرَّبِّ يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لاَ تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا عَلَى عَبْدِي مُوسَى؟" (عدد 12: 8).

‏القارئ العزيز... إن العذراء القديسة مكرمة جدًا، لأنها والدة الإله المالئ بلاهوته السموات والأرض، كقول الكتاب: "فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو 2: 9). فأي كرامة تستحق هذه العذراء، التي قيل عنها أنها فخر جنسنا البشري؟!!

وإن كان الرب يكرم خدامه من البشر، كقوله: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي فَلْيَتْبَعْنِي، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا هُنَاكَ أَيْضًا يَكُونُ خَادِمِي. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ" (يو12: 26). فكم يكرم الله والدته، وكم وكم يجب أن نسبح ونمجد ونعظم والدة خالق الأكوان بكل هيبة ووقار؟!
.

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 06:32 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





العذراء فرح الأجيال



خص لحن شيري ني ماريا العذراء بقوله: "فرح الأجيال" فلماذا خصها بهذا الوصف؟

أوكَّلَ الملك بطليموس الأول لسمعان الشيخ ومعه 72 عالمًا يهوديًا، مهمة ترجمة أسفار العهد القديم من العبرية إلى اليونانية.. لكن سمعان توقف عند قول إشعياء: "وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»".. (إش 7: 14).


خشى سمعان أن يترجم كلمة عذراء "تي بارثينوس" فيهزأ به الملك، فأراد أن يستبدلها بكلمة "فتاة" ولكنه رأى في حلم من يقول له: "إنك لن تعاين الموت حتى ترى بعينيك عمانوئيل مولودًا من عذراء".

عاش الرجل حوالي 300 عام، تعاقبت عليه فيها أجيال، وهو ينتظر أن يتحقق أمله في رؤية عمانوئيل ابن العذراء المُخَلِّص، الذي تنتظره الأجيال. وتحقق الأمل ودخلت العذراء مريم العروس الطاهرة، وهي تحمل على ذراعيها طفلها ومُخلصها وفاديها عمانوئيل. فرح سمعان، وأخذ الطفل من أمه، وحمله على ذراعية، وبارك الله، قائلًا: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ" (لو 2: 29- 30). وقد سبحت معه أيضًا الأرملة التقية المنتظرة فداء الله: حنة بنت فنوئيل وجمعٌ من المنتظرين خلاص الله.

إن سبب تسبيح هؤلاء الأتقياء في ذلك اليوم هو بهجة وفرحة رؤيتهم للمُخَلِّص، كقول سمعان الشيخ: "عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب"(لو 2: 30- 31).

كل مَن يرى العذراء تحمل على ذراعيها ابنها الحبيب المولود لأجل خلاصنا يفرح بالمخلص، كقول العذراء القديسة: "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو1: 47). لأن تجسد غير المرئي، وغير المحوى، وغير المحدود، وغير المستحيل، وولادته من عذراء قد فتح الباب للفداء والخلاص من الهلاك بالخطايا، كقوله: "خَلاَصٍ مِنْ أَعْدَائِنَا وَمِنْ أَيْدِي جَمِيعِ مُبْغِضِينَا" (لو1: 71).



لقد سبب ميلاد الرب يسوع من العذراء سرورًا عظيمًا لشعب الله، كقول الملاك للرعاة: "فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ" (لوقا 2: 10). ووصفت صلوات الأجبية [9]عظمة الفرح بميلاد عمانوئيل، بقولها: "... كل الخليقة تهللت بمجيئك، خلصت آبانا آدم من الغواية وعتقت أمنا حواء من طلقات الموت...".

القارئ العزيز...

منظر العذراء القديسة الملكة، وهي تحمل على ذراعيها الرب يسوع طفلًا، وفوق رأسه تاج يشير لسلطانه وملكه الأبدي، وهالة من النور تشير لقداسته. هو منظر مبهج، لأنه يصور تجسد الله الأزلي الذي جاء خصيصٍا ليخلص العالم كله. إن النفوس المتضعة تتذكر على الدوام ضعفها وخطاياها، وتطلب وتتضرع من أجل خلاصها، كأمر الرسول القائل: "... تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في 2: 12). فابتهج وأنتَ تعظم أم النور الحقيقي، لأنها ولدت لك مُخَلِّص العالم، وثق أن مسيحنا هو القادر أن يخلص إلى التمام.

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 06:33 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





غير الدنسة الهادئة

تصف ثيؤطوكية يوم الأحد العذراء بالقول: "غير الدنسة الهادئة" وتتضح هذه الصفة للعذراء من هدوئها، كما ذكر الكتاب المقدس. لم يُذكر مطلقًا أن العذراء مريم اضطربت، إلا عندما حياها الملاك جبرائيل بعبارات التعظيم والمديح، ففكرت في نفسها، قائلة: "... مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ!" (لو 1: 29)، فبشرها الملاك عن خبر حملها الإلهي بالله الكلمة الأزلي، وكشف لها أنها ستحبل بالروح القدس دون زرع بشر. فأجابت بإيمان، قائلة: "... هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ" (لو 1: 38).

لقد كان قبول السيدة العذراء للبشرى الإلهية سيترتب عليها تبعيات خطيرة، تستدعي من أي فتاة (متبتلة) لا تنوي أن تعرف رجلًا التثقل بالهمِّ والاضطراب. فعلى سبيل المثال؛ من الطبيعي أن تفكر مريم في موقف خطيبها يوسف النجار تجاه هذا الحبل، الذي ستظهر آثاره عليها في خلال شهور، ولكن العذراء العفيفة لم تضطرب، ولم تجزع، لأنها كانت تؤمن أن الله سيدبر الأمر في حينه، كقول الكتاب: "فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أَنْ لاَ تَهْتَمُّوا مِنْ قَبْلُ لِكَيْ تَحْتَجُّوا، لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا" (لو 21: 14- 15). لقد اتصفت العذراء مريم بفضيلة الهدوء والثبات، ولذلك تمجدها الكنيسة بوصفها "غير الدنسة الهادئة".



إن الخطية في قلب الإنسان تبدد سلامه، لأنها تجعله عدوًا لله، وخير مثال لذلك اضطراب قايين حين قتل أخيه هابيل، فقد أحس أنه لا بد أن يُقتل، ولهذا ظل يشعر أنه مطارد، حتى ولو لم يطارده أحد.

أيضًا تَمَلُّكْ الشهوات على قلب الإنسان يقلقه ويمرضه، فقد تمررت حياة شعب بني إسرائيل في البرية، بسبب اشتهائهم للكرات والبطيخ والبصل، الذي حُرِموا منه، عندما خرجوا من مصر.

إن الأبرار أمثال العذراء يتجنبون أسباب كثيرة للاضطراب. فهم لا يتزعزعون سريعًا بسبب نقاوتهم. لقد تعودت العذراء أن تنعم على الدوام بالسرور، لأنها تعودت على التمتع بتعزيات الروح القدس من خلال عبادتها الحارة، وبسبب معرفتها الروحية السامية لكلمة الله وللنبوات، وأيضًا بالتأمل العميق في عظم صنيع الله معها، وبما كُتِبَ في النبوات عن خلاص الله العظيم الذي عاينته في حياتها.

وتمتعت العذراء أيضًا بخدمتها لأليصابات وهي في الشهور الأخيرة من حملها بيوحنا المعمدان. لقد ملأ الفرح قلبها، كقول الكتاب: "... مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ" (أع 20: 35).

القارئ العزيز... لقد تعودت العذراء أن تهتم بأمور إيجابية تُشبع نفسها الهادئة بالسرور، أما ما هو فوق طاقتها فتتركه لعناية الله، كقول الكتاب: "... لِكَيْ يَهْتَمَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ أَنْ يُمَارِسُوا أَعْمَالًا حَسَنَةً. فَإِنَّ هذِهِ الأُمُورَ هِيَ الْحَسَنَةُ وَالنَّافِعَةُ لِلنَّاسِ" (تي 3: 8). فيا ليتنا نهرب من كل شر، ونركز كل اهتمامنا في الأمور النافعة لخلاصنا، حتى نقضي حياة هادئة ملؤها السرور، بسبب ما يهبه الله لنا من نعم وتعزيات. أما ما هو فوق قدراتنا فلنترك لله أمر تدبيره.

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 06:34 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





أم النور فاقت السمائيين والأرضيين



سُرَّ فرعون بيوسف وبحكمته فأعطاه كرامًة وسلطانًا في ملكه، كقوله: "ثُمَّ قَالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ: انْظُرْ، قَدْ جَعَلْتُكَ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ". وَخَلَعَ فِرْعَوْنُ خَاتِمَهُ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهُ فِي يَدِ يُوسُفَ، وَأَلْبَسَهُ ثِيَابَ بُوصٍ، وَوَضَعَ طَوْقَ ذَهَبٍ فِي عُنُقِهِ، وَأَرْكَبَهُ فِي مَرْكَبَتِهِ الْثَّانِيَةِ، وَنَادَوْا أَمَامَهُ "ارْكَعُوا". وَجَعَلَهُ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ. وَقَالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ: "أَنَا فِرْعَوْنُ. فَبِدُونِكَ لاَ يَرْفَعُ إِنْسَانٌ يَدَهُ وَلاَ رِجْلَهُ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ" (تك 41: 41-44).


إنَّ السلطان الذي منحه فرعون ليوسف أعطاه صلاحيات خاصة ليحكم بين المصريين، ويدبر معيشتهم. لقد أعطاه حرية تصرف في أمور مملكته. وقد شهد منصب يوسف في مصر بمدى ثقة فرعون في حكمته ومواهبه، وأيضًا في استحقاقه لما ناله من الكرامة.

فإن كان ملوك الأرض يرفعون من يثقون في حكمتهم وطهارة أيدهم ومواهبهم العظيمة للدرجات والمناصب الرفيعة، فبالأولى يفعل الله العظيم بمن يسر به لتقواه وطهارته. لقد شهد الوحي الإلهي بإكرام الله لمن يسر به، قائلًا: "... فَإِنِّي أُكْرِمُ الَّذِينَ يُكْرِمُونَنِي، وَالَّذِينَ يَحْتَقِرُونَنِي يَصْغُرُونَ" (1صم 2: 30).



تَرسم الأيقونة القبطية العذراء القديسة والدة الإله وعلى رأسها هالة أكبر من التي على رؤوس تلاميذ الرب وقديسيه، وهذه دلالة على قداستها وتقواها، لأنها فاقت السمائيين والأرضيين، وفي وسط هذه الهالة النورانية نجد دليل تكريمها، وهو تاج الملك، الذي يشهد لسلطان العذراء العظيم الموهوب لها من الله. لقد نالت العذراء الملكة سلطانًا وشفاعة قوية مقبولة عند ابنها، لتعين الضعفاء، إذ أنها أهلًا لثقته العظيمة. وقد رأها داود النبي بروح النبوة في هيئة ملكية بجانب ابنها الحبيب ملك الملوك ورب الأرباب، فصرخ قائلًا: "... جُعِلَتِ الْمَلِكَةُ عَنْ يَمِينِكَ بِذَهَبِ أُوفِيرٍ" (مز 45: 9).

القارئ العزيز... إن الذي يتقي الله يسر به، ويرفعه ويُمَلِّكهُ أي يمنحه المواهب والبركات والنعم، ويمنحه سلطان أولاد الله، كقوله: "وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ" (رؤ1: 6).

ولكن بالطبع هناك فرق كبير بين ما نالته العذراء من كرامة وسلطان، وما يناله المؤمنون، لأن كل إنسان يُكَرم كل على قدر قامته الروحية، كقول الكتاب: "مَجْدُ الشَّمْسِ شَيْءٌ، وَمَجْدُ الْقَمَرِ آخَرُ، وَمَجْدُ النُّجُومِ آخَرُ. لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1 كو 15: 41). فاتضع يا أخي تحت يد الله ليرفعك ويكرمك ويُمَلِّكك معه.

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 06:36 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





الشفيع الأكرم



أُرسلَ الملاك جبرائيل إلى فتاة عذراء من الناصرة اسمها مريم ليبشرها بحبلها بابن الله الكلمة؛ فحياها ودعاها "الممتلئة نعمة"، ولما تعجبت واضطربت من تعظيمه لها، طمأنها الملاك وشرح سبب تلك التحية الفائقة، قائلًا لها: "... لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ" (لو1: 30).

لقد نالت العذراء رضا الله، ولذلك دعاها الملاك المباركة في النساء، قائلًا لها: "قد وجدتِ نعمة عند الله..."، ولكن قد يقول قائل أن آخرين من البشر قد سُرَّ بهم الله، وقيل عنهم أنهم وجدوا نعمة، ومثال ذلك قوله عن شعب إسرائيل: "هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: قَدْ وَجَدَ نِعْمَةً فِي الْبَرِّيَّةِ، الشَّعْبُ الْبَاقِي عَنِ السَّيْفِ، إِسْرَائِيلُ حِينَ سِرْتُ لأُرِيحَهُ" (إر 31: 2).

نعم، سُرَّ الله ببقيةٍ من شعبه إسرائيل، فأعطاهم نعمة الدخول لأرض الراحة كنعان، ونال داود النبي والملك هو أيضًا نعمة من الله، لأنه سار مع الله باستقامة قلب، كقول الكتاب: "الَّذِي وَجَدَ نِعْمَةً أَمَامَ اللهِ، وَالْتَمَسَ أَنْ يَجِدَ مَسْكَنًا لإِلهِ يَعْقُوبَ" (أع 7: 46). ولهذا أنعم الله عليه بجلوس بعض بنيه على عرش مُلكه. أما العذراء فقد فاقت هؤلاء أجمعين، وهذا ما سنشرحه فيما يلي:



علت العذراء القديسة في الكرامة عن السمائيين والأرضيين، ودليل ذلك عظمة النعمة التي وهبها لها الله، وهي: حبلها وميلادها الرب يسوع المسيح، ولهذا عَظَّمها الملاك، ولما سألته عن سبب تعظيمه لها، أخبرها أنها وجدت أعظم نعمة وأجل عطية إلهية، قائلًا: "وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ" (لو 1: 31، 32). لقد أعطاها الله نعمة أمومتها له، لأنه لا يوجد أكرم منها في البشر. لم يعينها الله أمًا له أولًا، ثم بعد ذلك كرَّمها، لأنها اصبحت أمه، ولكنه رضي عنها أولًا، لأنها أرضته بصنع مشيئة المقدسة، حينئذ استحقت أعظم كرامة، ولهذا تجسد وولد منها.

القارئ العزيز... أطلق الناس على مريم العذراء لقب "الشفيع الأكرم" وذلك بسبب تفوق قوة شفاعتها عند الله عن أي مخلوق آخر. لقد آمنت الكنيسة بقوة شفاعتها عند ابنها، ووصفتها بالقول: "فإنكِ أمٌ قادرة رحيمة معينة والدة ينبوع الحياة ملكي وإلهي يسوع المسيح رجائي..." [10](قطع صلاة النوم)

أما قطع صلوات الساعة السادسة من الأجبية المقدسة فتصف شفاعتها بالقول: "إذ ليس لنا دالة ولا حجة ولا معذرة من أجلِ كثرة خطايانا، فنحنُ بكِ نتوسل إلى الذي ولد منكِ يا والدة الإله العذراء، لأن كثيرة هي شفاعتك قوية ومقبولة عند مخلصنا..."، فهنيئًا لنا بهذه الأم "الشفيع الأكرم".

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 06:37 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





الفرح لك يا والدة الإله

"الفرح لك يا والدة الإله مريم أم يسوع المسيح..." إعطاء الفرح للعذراء في اللحن القبطي "راشي تي تيؤطوكوس"[11] هو تطويب وتكريم ووصف لسعادة العذراء، لمَّا نالته من كرامة عظيمة؛ فإنها وهي إنسانة وعبدة كالبشر صارت والدة للإله، كقول اللحن القبطي أيضًا: "افرحي يا مريم العبدة والأم لأن الذي في حجرك الملائكة تسبحه، والشاروبيم يسجدون له باستحقاق، والسيرافيم بغير فتور"[12]

إن أعظم شيء يستحق عليه الإنسان التطويب هو ما يناله الإنسان من مجدٍ إلهي، ولذلك نطوب العذراء بسبب شرف علاقتها بابن الله الكلمة، فالإنسان مهما نال من مجد الأرض يظل فقير وبائس.

فالتطويب الحقيقي إذًا يجب أن يكون على ما هو سماوي، ولذلك شَبَه الرَّبُّ المجد الذي يهبه للإنسان بالذهب، كقوله: "... أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ. أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى بِالنَّارِ لِكَيْ تَسْتَغْنِيَ..." (رؤ3- 17- 18). لذلك أيضًا يَكثر ذكر الذهب في الرؤى السماوية، لأنه يشير للمجد الإلهي الأبدي الذي لا يتغير. أما الأشياء الأرضية فهي على عكس ذلك تزول بسهولة. فكيف يُطَوب مالكها؟!

إن المجد والفرح والسعادة التي سنحياها في الأبدية السعيدة تستحق التطويب، لأنها أمور أبدية، كقول الكتاب: "وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى.." (1بط 5: 4). وقوله: "أَمَّا الَّذِينَ بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ، فَبِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (رو 2: 7)



الله هو وحده الذي له كل المجد والكرامة، وهو وحده واهب المجد لمن يعرفه، ويتقيه، ولهذا يستحق التطويب. لقد عرفت العذراء الرب حق معرفة، والتصقت به من خلال علاقتها القوية به، والتي كانت ثمرة لصلواتها النقية وتأملاتها ومعرفتها لكلمة الله، وإعلانات الروح القدس لها، لهذا استحقت أن تكون أمًا لله تحمله في أحشائها وعلى ذراعيها، وتسكن معه في منزل واحد، فلهذا طوبتها جميع الأجيال، كقولها: "... فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي" (لو1: 48).

القارئ العزيز... نال تلاميذ الرَّب تطويبًا بسبب أعينهم التي أبصرت الرب، وآذانهم التي سمعت من فمه الطاهر وصاياه وتعاليمه المقدسة، وما زال الكثيرون ممن عرفوا الرب وأحبوه، وصنعوا وصاياه ينالون تطويبًا سَيُعلَّن عنه في السماء قريبًا.

فإن أردت أن تكون من المطوبين في السماء، فعليك أن تفخر وتسر بمعرفة الرب، وتتكل عليه، كقول الرب: "بَلْ بِهذَا لِيَفْتَخِرَنَّ الْمُفْتَخِرُ: بِأَنَّهُ يَفْهَمُ وَيَعْرِفُنِي أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الصَّانِعُ رَحْمَةً وَقَضَاءً وَعَدْلًا فِي الأَرْضِ..." (إر 9: 24).

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 06:38 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





الحصن المنيع وسور الخلاص





"أنتِ هي سورُ خلاصنا يا والدة الإله الحصن المنيع غير المُنثَلِم. ابطلي مشورة المعاندين لنا، وحزن عبيدك رُديه إلى فرح، وحَصني مدينتنا، وعن ملوكنا حاربي، وتشفعي عن سلام العالم..." [13]

شفاعة العذراء تُشَبَّه بحصن مَنيع. وكما استُخدِمَ الحصن في الماضي لكي يهرب إليه الناس، ويتحصنوا به من خطر الحروب. كذلك شفاعة العذراء مقتدرة جدًا في قوتها، كما قيل عنها في صلوات السواعي (الساعة السادسة) "شفاعتك قوية ومقبولة...".

إن شفاعة العذراء مريم تحفظ مُحبيها الذين يطلبونها. لأنها أم حنون لكافة المؤمنين، وهذا ما يدفعنا أن نلجأ إليها وقت الشدائد. نحن نلجأ إليها طالبين شفاعتها وحمايتها، كما يحتمي الطفل الصغير بحضن أمه - كلما شعر بخطر يدنو منه - لأنه يثق في حنانها. هكذا يشعر كل من يدرك أمومة العذراء وحنانها الفائق، وهي لا تخذل طالبيها.

إن أمنا العذراء تصلي وتطلب عنا لدى ابنها الحبيب، الذي لا يرد طلبتها، ذلك، لأن الله وعد أن يُكرم الذين يكرمونه أمثال العذراء العفيفة، كقوله: "لِذلِكَ يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ:... فَإِنِّي أُكْرِمُ الَّذِينَ يُكْرِمُونَنِي، وَالَّذِينَ يَحْتَقِرُونَنِي يَصْغُرُونَ" (1صم 2: 30). وقد أكد الكتاب المقدس على استجابة الله طلبة الأبرار أمثال العذراء، بقوله: "... طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا" (يع 5: 16).

إننا نُطَالِّب أمنا العذراء العفيفة، بدالة أمومتها لنا ألاَّ ترفضنا من شفاعتها عند ابنها الحبيب، قائلين لها: "أيتها الأم الطاهرة لا ترفضي الخطاة من شفاعتك، عند الذي ولدتيه..."[14] ولكننا أيضًا لا ننسى أن العذراء بدالة أمومتها لنا تحثنا على الثبات في حبِّ ابنها الحبيب، بقولها لكل منا دائمًا: "... مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ" (يو2: 5).

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 06:39 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





الفصل الثالث: بركات التجلي



في هذا الفصل يمكننا أن نستنتج على الأقل خمس بركات من وراء تجلي العذراء في الزيتون عام 1968م فيما يلي نذكر هذه البركات ونشير لعناوين المقالات التي تشرح كل بركة من هذه البركات:

Mary Naeem 17 - 12 - 2022 06:40 PM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





السماء تفتح أبوابها





زارت العذراء القديسة والدة الإله أليصابات، لتخدمها في الشهور الأخيرة من حبلها، وبمجرد وقوع سلام العذراء على أذني أليصابات امتلأت أليصابات من الروح القدس، وارتكض الجنين -يوحنا المعمدان- في بطنها، كقولها: "فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي" (لو1: 44). لقد امتلأت أليصابات ومعها جنينها من السلام والبهجة، لأن العذراء كانت تحمل في أحشائها ملك السلام ابن الله الكلمة... وتكرر الحدث بصورة مشابهة مرة أخرى بعد مرور أكثر من ألفي عام في ضاحية الزيتون في القاهرة، عندما أطلت العذراء بطيفها من فوق قباب كنيستها على الجموع المحتشدة فامتلأت الجموع المحتشدة بهجة وسلام، ولكن هذه المرة كانت والدة الإله تحمل الله الكلمة في كيانها وفي داخل قلبها. لقد أشاعت السلام والبهجة في نفوس الناس من كلِّ الأجناس والأديان. نسى الناس عند رؤيتهم لها ما يقلقهم، وتخلوا عن ما يؤرقهم من الشكوك، ونسوا الشرور ومحبة الذات والأنا، وانسكبت دموعهم طالبين رحمة الله والنصيب السماوي الصالح.. ليكونوا مع السيد الرب ومع العذراء القديسة ومجمع القديسين كل حين.

لقد سجلت إحدى السائحات النمساويات شهادتها وذكرياتها في كتيب باللغة الألمانية، قائلة: "لم تخرج أي كلمة رديئة مني وقت الظهور... لقد شعرت برهبة ومسئولية كبيرة، فأنت لا يمكنك أن تتفوه بأي كلام غير لائق وسط هذا كله"، لقد انطبع داخل قلب هذه الشابة مشاعر لا تمحى، وظلت تتكلم عن هذا التجلي، وما صاحبة من مشاعر سماوية فائقة.

إن لقاء أم الله والقديسين عمومًا، وما يصاحبه من مشاعر فرح وهيبة بالحضور الإلهي، وأيضًا مشاعر اتضاع وصفاء في النفس، يمكن تشبيهه بانفتاح باب السماء، الذي يُمَكِّن النفس من اختبار أمجاد وأفراح السماء. لقد أطلقت الكنيسة في صلواتها على العذراء لقب باب السماء، قائلة: "إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نحسب كالقيام في السماء، يا والدة الإله أنتِ هي باب السماء افتحي لنا باب الرحمة" (صلوات السواعي)[15]

القارئ العزيز... إن من يحمل الله في داخله يشابه العذراء الملكة، التي حملت الرب الإله في أحشائها متجسدًا، وعلى ذراعيها، وفي قلبها فأشاعت السلام لمن حولها. لقد اشتهر القديس أغناطيوس تلميذ القديس يوحنا الحبيب الإنجيلي بلقب حامل الإله (ثيؤفوروس) بسبب قوة تأثيره الروحي على سامعيه. فيا ليتك يا أخي القارئ تحمل داخلك إلهك القدوس، من خلال علاقة قوية ثابتة فيه، لكيما تحول الأرض حولك إلى فردوس نعيم مليء بالأفراح.

Mary Naeem 18 - 12 - 2022 10:05 AM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 

https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg





السماء تفتح أبوابها





زارت العذراء القديسة والدة الإله أليصابات، لتخدمها في الشهور الأخيرة من حبلها، وبمجرد وقوع سلام العذراء على أذني أليصابات امتلأت أليصابات من الروح القدس، وارتكض الجنين -يوحنا المعمدان- في بطنها، كقولها: "فَهُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي" (لو1: 44). لقد امتلأت أليصابات ومعها جنينها من السلام والبهجة، لأن العذراء كانت تحمل في أحشائها ملك السلام ابن الله الكلمة... وتكرر الحدث بصورة مشابهة مرة أخرى بعد مرور أكثر من ألفي عام في ضاحية الزيتون في القاهرة، عندما أطلت العذراء بطيفها من فوق قباب كنيستها على الجموع المحتشدة فامتلأت الجموع المحتشدة بهجة وسلام، ولكن هذه المرة كانت والدة الإله تحمل الله الكلمة في كيانها وفي داخل قلبها. لقد أشاعت السلام والبهجة في نفوس الناس من كلِّ الأجناس والأديان. نسى الناس عند رؤيتهم لها ما يقلقهم، وتخلوا عن ما يؤرقهم من الشكوك، ونسوا الشرور ومحبة الذات والأنا، وانسكبت دموعهم طالبين رحمة الله والنصيب السماوي الصالح.. ليكونوا مع السيد الرب ومع العذراء القديسة ومجمع القديسين كل حين.

لقد سجلت إحدى السائحات النمساويات شهادتها وذكرياتها في كتيب باللغة الألمانية، قائلة: "لم تخرج أي كلمة رديئة مني وقت الظهور... لقد شعرت برهبة ومسئولية كبيرة، فأنت لا يمكنك أن تتفوه بأي كلام غير لائق وسط هذا كله"، لقد انطبع داخل قلب هذه الشابة مشاعر لا تمحى، وظلت تتكلم عن هذا التجلي، وما صاحبة من مشاعر سماوية فائقة.

إن لقاء أم الله والقديسين عمومًا، وما يصاحبه من مشاعر فرح وهيبة بالحضور الإلهي، وأيضًا مشاعر اتضاع وصفاء في النفس، يمكن تشبيهه بانفتاح باب السماء، الذي يُمَكِّن النفس من اختبار أمجاد وأفراح السماء. لقد أطلقت الكنيسة في صلواتها على العذراء لقب باب السماء، قائلة: "إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نحسب كالقيام في السماء، يا والدة الإله أنتِ هي باب السماء افتحي لنا باب الرحمة" (صلوات السواعي)[15]

القارئ العزيز... إن من يحمل الله في داخله يشابه العذراء الملكة، التي حملت الرب الإله في أحشائها متجسدًا، وعلى ذراعيها، وفي قلبها فأشاعت السلام لمن حولها. لقد اشتهر القديس أغناطيوس تلميذ القديس يوحنا الحبيب الإنجيلي بلقب حامل الإله (ثيؤفوروس) بسبب قوة تأثيره الروحي على سامعيه. فيا ليتك يا أخي القارئ تحمل داخلك إلهك القدوس، من خلال علاقة قوية ثابتة فيه، لكيما تحول الأرض حولك إلى فردوس نعيم مليء بالأفراح.



Mary Naeem 18 - 12 - 2022 10:06 AM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg




العذراء تفتقد أهل مصر



رحلة العائلة المقدسة لمصر حُسبت زيارة بركة لمصر، حيث بارك بها ربُّ الجنودِ أرض مصر فتحطمت أوثان مصر، وعرف المصريون الرَّبَّ. ولكن ظهور وتجلي القديسة العذراء على قباب كنيستها بالزيتون في 2 أبريل 1968م، هو زيارة افتقاد إلهية أخرى خصَّ بها الله المصريين.
إنَّ الافتقادَ هو عمل محبة من المُحبِ لمن يحبه، هو مبادرة حب يتفضل فيها المحبوب بتقديم حبه وشوقه لمن يحبه... يتحمل المشقات لكي يقترب إليه بالود والحب.

أما مفهوم افتقاد الله للبشر فهو يختلف عن ذلك لأنه لا يقدم مشاعر وعواطف فقط، لكنه يقدم نعمة وبركة أو خلاصًا لمن يفتقدهم.. ومثال ذلك افتقاد الله للبشرية بميلاد الرب يسوع المخلص، كقوله: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ" (لو1: 68- 69).
ومن أمثلة افتقاد الله للبشر أيضًا افتقاده لسارة زوجة أب الآباء إبراهيم، كقوله: "وَافْتَقَدَ الرَّبُّ سَارَةَ كَمَا قَالَ، وَفَعَلَ الرَّبُّ لِسَارَةَ كَمَا تَكَلَّمَ. فَحَبِلَتْ سَارَةُ وَوَلَدَتْ لإِبْرَاهِيمَ ابْنًا فِي شَيْخُوخَتِهِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكَلَّمَ اللهُ عَنْهُ" (تك21: 1- 2).
وافتقد الله مصر في الزمان الحديث بتجلي العذراء أم النور مريم على قباب كنيسة العذراء بالزيتون في أبريل 1968م في ظهورات متكررة كثيرة ارتقت لدرجة التجلي، ودامت حوالي العامين.


* وكان من النعَمِ المقدمة للمصريين خاصة وللبشر عامة من خلال هذا الافتقاد ما يلي:
1. تأكيد إيماننا الذي استلمناه من خلال الأسفار الإلهية والحقائق الكتابية بشهادة سماوية معجزية.
2. تأكيد اهتمام السماء ومحبتها للبشر.
3. تأكيد وجود حياة أخرى غير منظورة بالعين الجسدية، ولفت الأنظار لأهمية إتخاذ السماء كمصير وهدف حياة، يستحق السعي بجد لأجله.
4. تقديم السماء العذراء مريم للبشر كأم يهمها أمر كل واحد، وتأكيد قوة شفاعتها.

القارئ العزيز... قدمت السماء خلال عامين من افتقاد العذراء للمصريين (عام 1968م و1969م وجزء من عام 1970م) [16] أعظم النعم في هيئة زيارات حب وافتقاد من الملكة اللطيفة الوديعة والدة الإله لملايين من البشر.
إن مجرد تجلي العذراء غرس في نفوس الناس قوة إيمانية جبارة، وهو ما لم يكن ممكنًا إتمامه بسهولة في سنوات كثيرة من تدريس الإيمان بالوسائل التعليمية المعروفة، هذا بالإضافة لامتداد الأثر الصادق لانتشار بركات التجلي من الآباء إلى ابنائهم بسبب نشر حقيقة تجليها لهم.
لقد علمتنا العذراء القديسة من خلال تجليها في الزيتون عام 1968م إن الافتقاد حب، يقدم من خلاله المحب إخلاصه وصدقه لمن يحبه بصورة عملية ملموسة.
إن الحب المقدم من خلال افتقاد الخادم للمخدوم يجعله مقبولًا ومُرحبًا به. فهل نتعلم الدرس من العذراء، التي أتت لتفقد المصريين بالحب؟






Mary Naeem 18 - 12 - 2022 10:08 AM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg




ظلُّ العذراءِ السريع المعونة



أثناء ظهور العذراء القديسة مريم فوق قباب كنيستها بالزيتون عام 1968م، كنت ترى العذراء القديسة منيرة ويشع منها النور وكانت تتحرك لتبارك الجماهير، والنجوم النورانية تتسارع هابطة من السماء نحو الجموع لتختفي فجأة، والسحاب المنير يتحرك في السماء فوق القباب، وأسراب الحمام النوراني تسير في تشكيلات مبهرة، ورائحة البخور العطر يعبئ المكان، وروح القداسة والسلام يشيع في نفوس الناس الفرح والتهليل.

لقد خيم على المكان نعمة خاصة، لأن ظلَّ العذراء القديسة الممتلئة نعمة قد شمل المكان بمن فيه، ليصبح سماءً لا أرضًا.

إن العظماء يشملون رَعَاياهم بعطاياهم واهتمامهم، وقد شبه الوحي الإلهي نبوخذ نصر بشجرة كبيرة وَارفة، لها أغصان كثيرة وأوراق كثيفة وثمرها كثير، ولهذا سكنت فيها طيور السماء، واستظل بظلها حيوان البر. لقد اؤتمن نبوخذ نصر على خيرات مادية كثيرة وسلطات واسعة، ليشمل بها رعاياه. أما أولاد الله القديسين فيستأمنهم الله على نعمه الغزيرة، ليشملوا بها المؤمنين. لقد أُعطيَ بطرس الرسول موهبة شفاء الأمراض، وإخراج الشياطين بمجرد وقوع ظلّه عليهم، كقوله: "حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْمَرْضَى خَارِجًا فِي الشَّوَارِعِ وَيَضَعُونَهُمْ عَلَى فُرُشٍ وَأَسِرَّةٍ، حَتَّى إِذَا جَاءَ بُطْرُسُ يُخَيِّمُ وَلَوْ ظِلُّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ" (أع 5: 15).

أما العذراء فهي تظلّل المؤمنين بمعونة روحية عظيمة، فتنحل عنهم قوىّ الشر، ويحل السلام في قلوبهم. لقد أكدت صلوات الساعة الثانية عشرة من صلوات السواعي (الأجبية المقدسة) صدق هذا الاعتقاد الإيماني، ولذا يخاطب المصلي العذراء، قائلًا: "أيتها العذراء الطاهرة أسبلي ظلّك السريع المعونة على عبدك. وأبعدي أمواج الأفكار الرديئة عني... فإنك أمٌ قادرة رحيمة مُعينة، والدة ينبوع الحياة، ملكي وإلهي، يسوع المسيح رجائي".



وفي صلاة الغروب يطلب المصلي أيضًا حضور العذراء القديسة عند خروج روحه من جسده، لتنهزم بمعونتها مؤامرات الأعداء (الشياطين) الشريرة، ويطلب منها أيضًا أن تُغلق من أمام وجهه أبواب الجحيم، فتُخزى قوّات الشرِ المُتهيأة لابتلاعه.

القارئ العزيز... إن أتعبتك أمواج الأفكار والمحاربات الشريرة، اطلب حضور العذراء وشفاعتها، لكي تظللك بمعونتها العجيبة السريعة، فتتبدد عنك قوىّ الشرِ والأفكار الرديئة وأمواج الشهوات الثقيلة، ويحل في قلبك سلام الله، وتشرق فيك الأفكار المضيئة النورانية، فتنعم براحة وسلام.






Mary Naeem 18 - 12 - 2022 10:09 AM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg




العذراء أم المعونة


صاحب تجلّي وظهور العذراء في كنيستها بالزيتون في 2 أبريل عام 1968م حدوث الكثير من المعجزات، وقد سجلت صفحات الجرائد في ذلك الوقت الكثير من هذه المعجزات، ومع تزايد معجزات الشفاء شكلت الكنيسة لجنة من ستة أطباء (برئاسة أ. د. شفيق عبد الملك) للتأكد من صحة المستندات الدالة على تلك المعجزات، وتسجيلها، وقد سُميت "بلجنة تقصي الحقائق".



إنَّ حدوث المعجزات بكثرة أثناء ظهور العذراء له مدلول عظيم، لأن المعجزات تُشير إلى قوة غير عادية مصاحبة للظهور، وهي تؤكد أن هذه الظهورات، -بما تشير إليه من مدلولات إيمانية- حقيقة تؤيدها السماء. وأيضًا يكشف حدوث المعجزات عن جانب من جوانب شخصية العذراء، وهو العطاء وتقديم العون لكل محتاج، ولهذا يلقبها الكثيرون "بأمِ المعونة" بسبب كثرة ما قدمته من معونة للتعابى والمحتاجين.

لقد صنع الرَّبُّ يسوع الكثير من المعجزات بدافع حبه وحنانه، كقول الكتاب: "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ. وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مت 9: 35- 36). ذلك، لأنه دائمًا يُغلَب من شفقته وحنانه، كقول الكتاب لعروس النشيد: "حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي..." (نش 6: 5).


شفى الرَّبُّ يسوع ذي اليد اليابسة يوم السبت، شفقةً بالرجل بعد أن رفض أن يتركه في معاناته، ولو ليوم واحد آخر (كما كان يريده اليهود أن يفعل) كقوله: "ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَلْ يَحِلُّ فِي السَّبْتِ فِعْلُ الْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ الشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ قَتْلٌ؟ فَسَكَتُوا. فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ، حَزِينًا عَلَى غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ:«مُدَّ يَدَكَ». فَمَدَّهَا، فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى" (مر 3: 4- 5).

لفد امتلأت العذراء شفقة وحنان ورحمة كابنها الحبيب، وهذا ما يدفعها دائمًا لتقديم المعونة سريعًا للمتألمين، فالكتاب المقدس يخبرنا ان العذراء القديسة أسرعت بالذهاب إلى اليهودية مدفوعة بحنانها نحو أليصابات، لتخفف عنها أتعابها، كقوله: "فَقَامَتْ مَرْيَمُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَذَهَبَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْجِبَالِ إِلَى مَدِينَةِ يَهُوذَا" (لو 1: 39).

القارئ العزيز... اطلب العذراء وقت ضيقك، وألجأ إليها واثقًا في معونتها لك، لأنها تُقَدِّر أتعابك كأم حنون، وتشفع فيك أمام عرش النعمة، ولكن لا تنسى أيضًا أن تسارع بمد يد العون للمحتاج، فتكون أم المعونة بالحقيقة أمًا لك.

Mary Naeem 18 - 12 - 2022 10:10 AM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg




سفيرة فوق العادة



ظهور العذراء فوق قباب كنيستها بالزيتون عام 1968م ورؤية مئات الآلاف لها كان ظهورًا هادفًا. فمع أن العذراء القديسة لم تترك رسائل شفهية أو مكتوبة لأي شخص بخصوص أهداف تجلّيها للعيان، لكنها تركت رسائل ضمنية كثيرة من وراء الأشكال التي رأها بها الناس. وأيضًا من خلال الظواهر الروحانية المصاحبة لتجلّيها...


* من أمثلة هذه الرسائل...

ظهورها على قباب الكنيسة القبطية كان إشارة، لا يمكن إغفالها عن رضا السماء بإيمان كنيستنا القبطية الأرثوذكسية.

ظهورها حاملة على يديها ابنها الحبيب ربنا يسوع المسيح، تأكيد لتجسد ابن الله وولادته من العذراء مريم.

وجود تاج على رأسها، تأكيد لكرامتها، لأنها الملكة أم الله ملك الملوك، ورب الأرباب.

وجود هالة نورانية تحيط رأسها المقدس تأكيد لعظمة قداستها، وما نالته من نعمة عظيمة

انحناؤها أمام الصليب، يعبر عن اعتزاز وفخر المسيحيين بالصليب، كمنهج حياة.

وإتخاذها وضع الصلاة، فيه إشارة لتشجيع الجموع على الصلاة.

مباركتها للجموع برفع يديها في وضع البركة، إشارة لمحبتها وطلبها الشفاعة من أجل أولادها.

ظهورها مع الرَّبِ يسوع ويوسف النجار خطيبها، إشارة لمجيئها إلى مصر منذ أكثر من ألفي عام.

ظهورها ممسكة بغصن زيتون، إشارة لاستعداد السماء للفيض بالسلام على مَن يقبل المسيح ملك السلام.

الظواهر الروحية المصاحبة مثل السحاب النوراني، والحمام، وانطلاق بخور عطر في المكان عند تجليها، يمثل دعوة للبحث والتأمل في معاني هذه الظواهر، التي ذكرت من قبل في الكتاب المقدس.



لقد أكدَّ ظهور العذراء في هذه الأشكال صدق الحقائق الإيمانية المكتوبة في الإنجيل، فقد أرسلتها السماء فوق قباب كنيسة الزيتون كسفيرة لها.

وقد أكدت العذراء بنفسها من خلال مناظر الظهور، ما سلمته للقديس لوقا الإنجيلي عند كتابته البشارة المسماة باسمه، كقوله: "كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق... " (لو1: 2- 3).

وكما أنه يوجد سفراء للبلدان لهم صلاحيات أن يبرموا المعاهدات لحساب بلدانهم (سفراء فوق العادة) فهكذا تممت العذراء إتفاقات ومصالحات كثيرة بين الناس وبين ربِّ السماء، كقوله: "إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 20). لقد ردت أم النور للأحضان السماوية من خلال هذا التجلّي الكثيرين من الملحدين والرافضين للإيمان، ومنهم من هم قد انشغلوا بالماديات متناسين مجد السماويات.

القارئ العزيز... إننا نحن المؤمنين ما زلنا متغربين عن الوطن السماوي، لكننا لا نحيا حسب الجسد، كقوله: "فَإِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ نَحْنُ مَدْيُونُونَ لَيْسَ لِلْجَسَدِ لِنَعِيشَ حَسَبَ الْجَسَدِ" (رو 8: 12). ولذلك لا بد أن نحيا ونسلك بالمحبة كأمنا العذراء القديسة، لأن المحبة هى لغة السماء، التي تميز أولاد الله، كما قيل عن بطرس الرسول: "وَبَعْدَ قَلِيل جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ: حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ!" (مت 26: 73).

Mary Naeem 18 - 12 - 2022 10:13 AM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg




الفصل الرابع: أشكال ومناظر التجلي


ظهور أم تجلّي



كتب المتنيح الحبر الجليل الأنبا غريغوريوس مؤكدًا أن ظهور العذراء في الزيتون ليس ظهورًا فقط لكنه تجلي، موضحًا الفرق بين الظهور والتجلي..

فقال عن التجلّي: "أما التجلي فهو الرؤيا التي تتخذ فيها الكائنات الروحية أشكالًا بارزة واضحة للعيان، ويمكن أن تراها عيون أخرى لأشخاص آخرين، والمثل على ذلك تجلّي مخلصنا يسوع المسيح على الجبل المعروف بجبل التجلي (جبل طابور- جبل حرمون).... وعلى هذا القياس ظهورات العذراء على وفي قباب كنيسة الزيتون، إنها ليست مجرد ظهور وإنما أكثر من ظهور"[17].

لقد ظهر منظر العذراء الروحاني المهيب لعيون المجتمعين حول الكنيسة، فقد رآها عشرات الألوف في وقت واحد، رآها المؤمنون وغير المؤمنين، رآها أصحاب الميول الروحية والماديون والملحدون. ولكن ماذا يعني هذا التجلي؟!

* التجلي بهذه الصورة العظيمة يعني ما يلي:

1. تأكيد للحقيقة، لأنه عندما يشهد واحد فقط قد يتمكن المشككون من التشكيك في شهادته، لكن إن اجتمع شهود كثيرون على نفس الشهادة، فالقاضي مجبر على اعتبار صدق شهادتهم، حتى لو أراد غير ذلك، وهذا ما أكده الكتاب بقوله: "لاَ يَقُومُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى إِنْسَانٍ فِي ذَنْبٍ مَا أَوْ خَطِيَّةٍ مَا مِنْ جَمِيعِ الْخَطَايَا الَّتِي يُخْطِئُ بِهَا. عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ عَلَى فَمِ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَقُومُ الأَمْرُ" (تث 19: 15). أما تجلي العذراء فما زال المئات من الأحياء في وقتنا هذا يشهدون له بعد انقضاء أكثر من خمسين عامًا عليه. لقد سجلت الكنيسة على موقعها الإلكتروني [18] أكثر من مئة شهادة صوتية ومرئية حديثًة لاناس عاينوا التجلي عام 1968م. وقد سجلت أيضًا الإذاعات ومحطات التليفزيون، والصحف والمجلات، شهادات الشهود في زمان حدوثها، وما زالت هذه الوثائق تشهد لمن يريد أن يطلع عليها.

2. إرادت السماء انتشار أخبار تجلي أمنا العذراء في الزيتون في قارات العالم، ليكون التجلي عالميًا. فقد نشر الخبر كل من تحقق من صدقه لأهله وبلده، ثم سلمه لأجيال لاحقة، ومثال ذلك السيدة الأمريكية الأصل PEARL ZAKI والتي أخذت على عاتقها نشر حقيقة ظهور العذراء من خلال محاضرات واجتماعات كثيرة اقيمت خصيصًا لذلك في امريكا، وشهدت فيها برؤيتها للتجلي، وقامت بكتابة كتابين باللغة الإنجليزية عن ذلك التجلي.

3. إرادت السماء أن تدوم ذكرى التجلي لفترة طويلة، كما هو الحال الآن، لأنه وبعد مرور أكثر من خمسين عام، ما زالت هذه الذكرى العطرة حاضرة.

القارئ العزيز... إن حضور العذراء في حياتك الروحية أمر قد أكدت ضرورته السماء، من خلال تجلي أم النور في الزيتون، فلا تنس أن تتشفع بها في صلواتك، لأن السماء قد أكدت حضورها في حياة أولادها من خلال تجليها في الزيتون..

وهي كأم عظيمة لا تفارق ابنها وحبيبها الرب يسوع، كما هو الحال في عرس قانا الجليل، كقول الكتاب: "وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَانَ عُرْسٌ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاكَ" (يو 2: 1) فهي تحضر معه على الدوام، لتوصي يسوع ربها بك خيرًا، ولتقول لك ما قالته للخدام هناك: "... مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ.." (يو 2: 5)، فاقتدي بها، واطلب شفاعتها وحضورها في حياتك، لأن السماء تقدمها لك أمًا وملكة عظيمة.

Mary Naeem 18 - 12 - 2022 10:14 AM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg




مريم أم النور



ظهرت العذراء القديسة مريم في كنيستها بالزيتون عام 1968م بصورة منيرة مبهرة[19]، بحسب إيمان الكنيسة، فالرَّبَّ يسوع المسيح هو النور الحقيقي، لأنه مذخر فيه جميع كنوز الحكمة والمعرفة، وتصف الكنيسة العذراء القديسة والدة الإله في صلواتها الليتورجية بأم النور الحقيقي، بقولها: "نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة والدة الإله..." [20]لقد ظهرت العذراء في كنيستها بالزيتون منيرة وسط الظلام. إن النور يشير لله القدوس، وروحه القدوس الذي هو أيضًا روح الحكمة (النور) كقول الكتاب عنه: "وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ" (إش11: 2). مما سبق يتضح ارتباط النور بالحكمة والفهم والمعرفة والمشورة الداخلية، التي يتحلى بها الإنسان، وأيضًا بمخافة الله وبالقدرة على العمل بهذه الحكمة.

لقد وصف الرب يسوع الخمس عذارى اللائي أدخرن زيتًا في آنيتهن بالحكيمات، لأنهن امتلأن من روح الله القدوس، روح الحكمة، ولذلك كن قادرات أن يضئن مصابيحهن في أي في وقت، أو تحت أي ظرف (وقت الضيقات والتجارب).

إن إضاءة المصباح تعني توظيف الحكمة والفهم للسلوك في الطريق المؤدي للحياة الأبدية، كقول الكتاب: "... النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلًا بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ" (يو12: 35).



أما عكس الحكمة فهي الحماقة والجهل، الذي يضل الإنسان. إن عدم اقتناع الأحمق بأهمية الوصية، وعدم مقدرته على السلوك بها (بسبب طباعه الشريرة) يحرمه من العمل بالوصية، فيهلك، كقوله: "فَأَبَوْا أَنْ يُصْغُوا وَأَعْطَوْا كَتِفًا مُعَانِدَةً، وَثَقَّلُوا آذَانَهُمْ عَنِ السَّمْعِ. بَلْ جَعَلُوا قَلْبَهُمْ مَاسًا لِئَلاَّ يَسْمَعُوا الشَّرِيعَةَ وَالْكَلاَمَ الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّ الْجُنُودِ بِرُوحِهِ عَنْ يَدِ الأَنْبِيَاءِ الأَوَّلِينَ..." (زك7: 11- 12).

لقد تميزت العذراء القديسة بالحكمة العالية، فهي أم النور الحقيقي، لأنها فاقت في حكمتها كل بشر. إن سبب ذلك هو تقواها ومخافتها لله، كقوله: "مَخَافَةُ الرَّبِّ رَأْسُ الْمَعْرِفَةِ، أَمَّا الْجَاهِلُونَ فَيَحْتَقِرُونَ الْحِكْمَةَ وَالأَدَبَ" (أم1: 7). ولهذا وهبها الله أعظم النعم، كقول الملاك لها: "... اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو 1: 35).

القارئ العزيز... إن النور هو الحكمة الإلهية التي وضعها الله في وصيته المقدسة، والتي بها ينير الرب قلبك بعمل الروح القدس في حياتك، لتفهم كيف تسلك في طريق الحياة.

فإن أردت الحياة عليك أن تتضع أمامه على الدوام في تقوى، طالبًا فهم وصاياه وإرشاده لك. حينئذ تستنير وتستحق أن تكون ابنًا محبوبًا لله النور الحقيقي ولأمك أم النور الحقيقي، كوعده الصادق: "أَنَا أُحِبُّ الَّذِينَ يُحِبُّونَنِي، وَالَّذِينَ يُبَكِّرُونَ إِلَيَّ يَجِدُونَنِي" (أم 8: 17).


Mary Naeem 18 - 12 - 2022 10:15 AM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg




أم النور تمسك بغصن الزيتون



حملت حمامة نوح بشرى مُفرحة لنوح ولمن معه في الفلك[21]، عندما أقبلت عليه، وغصن الزيتون في فمها. كان غصن الزيتون الذي حملته حمامة نوح في فمها إشارة لنمو النبات، ولعودة الحياة لطبيعتها، وزوال خطر الموت. فرح نوح ومن معه بهذه البشرى وأصبح غصن الزيتون من وقتها رمزًا للسلام.

وبعد زمان كثير أقبلت العذراء على البشرية، وهي حاملة فاديها ومخلصها ابنها الحبيب الرب يسوع المسيح، لتزفَّ للبشرية بشرى الحياة الحقيقة. لقد تهللت أليصابات، وتهلل الرعاة، وتهلل سمعان الشيخ، وتهللت حنة بنت فنوئيل بالبشرى الخلاصية المفرحة... تهلل الجميع، لأنها بشارة ودعوة لانتقال البشر من الموت إلى الحياة، كقوله: "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ" (1يو3: 14).


وبعد حوالي ألفين عام وبالتحديد في 2 أبريل عام 1968م. عادت العذراء القديسة، حمامة نوح بشكل نوراني تحمل غصن زيتون في يدها، وتقف فوق قباب كنيستها بالزيتون، وتلتفت للجموع في جهات الأرض الأربع ملوحة للجماهير ببشرى جميلة ودعوة عظيمة، ومضمونها: السماء تحبكم وتنتظركم لا تتوانوا، كقول الكتاب: "قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ. لِنَسْلُكْ بِلِيَاقَةٍ كَمَا فِي النَّهَارِ... بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ" (رو13: 12- 14).



لقد كان لهذا التجلي أثره المفرح على الكثيرين في مصر وفي جميع أنحاء الأرض.

تقابلت مع راهب مسن روسي يدعى بارسينوفيسكي [22] أتى لزيارة الكنيسة، وأدلى لي شخصيًا بشهادته عن تأثير أخبار الظهور على المؤمنين المضطهدين في روسيا في زمن الشيوعية. لقد دبَّ فيهم أملًا جديدًا عندما سمعوا خبر هذا التجلي، لأن الظهور كان رسالة من السماء ومن الحياة الأخرى، التي أنكرها الملحدون في روسيا في ذلك الزمان! (بحسب قول الراهب الروسي) وحكى لي ذلك الراهب الشيخ أنه مع رفاق له التقطوا رسالة العذراء بوجود حياة أخرى، وكرزوا بها مشجعين إخوتهم في روسيا، وذلك من خلال تكوينهم لجمعية سرية أسموها "عذراء الزيتون".

القارئ العزيز... من يتكلم بالكلام البنّاء الإيجابي يحمل بشرى مفرحة ودعوة بناءة لإخوته، ويتشبه بأمه العذراء حمامة نوح الحسنة. وهذا بعكس من يتكلم بكلام يحمل لنفس سامعيه ألمًا وإحباطًا.

لقد أمر الكتاب المقدس أبناء الله أن يتكلموا بالكلام البناء، بقوله: "لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحًا لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ.... لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ" (أف4: 29، 31).


Mary Naeem 18 - 12 - 2022 10:17 AM

رد: كتاب قباب الزيتون المنيرة - القس بيشوي فايق
 
https://upload.chjoy.com/uploads/16712781570431.jpg




مريم العذراء أمٌ لا تَشيخ



انتقلت العذراء والدة الإله من هذا العالم الفاني في سن الستين من عمرها، ولكن العذراء كانت تبدو للناس في ظهوراتها في الزيتون كشابة صغيرة، ويشهد شهود عيان تجليها فوق كنيستها بالزيتون أنهم رأوها كشابة صغيرة السن جميلة رقيقة، مع أنه من المنطقي أن تبدو في سن اكبر من ذلك.

لقد سجل عمال الجراج المقابل للكنيسة شهادتهم برؤيتها، كفتاة صغيرة فوق القبة الكبرى للكنيسة، فظنوا أنها شابة تريد الانتحار[23] فكانوا يصرخون لينقذوها من السقوط من فوق القباب بحسب ظنهم، وأكد أيضًا الكثيرون ممن رأوها هذه الحقيقة أن الناس كانوا ينادونها عندما رأوها، قائلين: "أنتِ جميلة جدًا يا مريم"

إن الأمهات في شبابهن قادرات على العطاء والتفاني أكثر منهن في سن الشيخوخة، حيث أنهن في شيخوختهن يحتجن لرعاية أبنائهن. لقد ظهرت العذراء وهي تبدو في سن الشباب، لأن العذراء الأم مريم ما زالت أمًا قادرة على العطاء والخدمة لجميع أبنائها، وهكذا ستفعل إلى أواخِر الدهور.



لم يُسلِّم الرَّبُّ يسوع العذراء أمه ليوحنا، لكي تجد الرعاية المناسبة في بيته، فما أيسر أن يعول الرب أمه بعد صعوده للسماء دون أن يوصي بشر عليها، لأنه هو الذي يعول خليقته كلها، لكنه سلمها أمًا للبشرية كلها في شخص يوحنا، ودليل ذلك أن الرّبَّ يسوع المسيح لم يكتفِ بقوله ليوحنا: "هذه أمك" أي أمك التي يجب أن تهتم بها، لكن المدقق يلاحظ أن الرب وجه كلماته لأمه العذراء أولًا، لكي تهتم بيوحنا كابنٍ لها، حسب قول الكتاب: "فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ: يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ" (يو 19: 26). ثم بعد ذلك أوصى يوحنا أن يتخذها أما له، لتهتم به.

القارئ العزيز... إن قول الرب لأمه العذراء والدة الإله قول خالد لن يسقط أبدًا، لأن من خلال تلك الكلمات أعلن الرَّب أمه العذراء القديسة أمًا ليوحنا ولبطرس، وليعقوب، ولتوما، ولكل المؤمنين به حتى آخر الدهور. فيجب عليك أن تتعامل معها، كما يتعامل الطفل الصغير مع أمه الحنون، التي يلجأ إليها على الدوام، لتعينه وتهتم به، فهي الصدر الحنون له والملجأ لحمايته على الدوام. فلتتعود على طلب شفاعتها بدالة الأمومة.



الساعة الآن 03:57 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026