منتدى الفرح المسيحى

منتدى الفرح المسيحى (https://www.chjoy.com/vb/index.php)
-   قسم الكتب الدينية (https://www.chjoy.com/vb/forumdisplay.php?f=56)
-   -   كتاب الشهوة والحب فى المسيحية (https://www.chjoy.com/vb/showthread.php?t=280227)

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:25 PM

كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
إنَّ الحُب هو ذلك النجم اللامع، الذي يُضيء الطريق أمام كل زورق تائه في الحياة! هو لؤلؤة فريدة ما أن تسطع بين سائر الانفعالات البشرية المُظلمة فسرعان ما تُبددهـا! الحُب شمس منيرة ما أن تُرسل إشعاعاتها الذهبية حتى تَعُم الخليقة بنورها ودفئها!
والحق إنَّ كلمة الحُب من الكلمات السامية التي شغلت قلب وفكر الإنسان منذ أن وجد، وستبقى هكذا تشغله إلى أن يتوقف عن الإحساس! وليست مبالغة إن قلت: إنَّ الحُب هو الشيء الوحيد الذي سيُرافق الإنسان بعد الموت فالعالم سيزول وشهواته تمضي معه، أمَّا الحُب فسيبقى لأنَّ " اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَداًً " (1كو13: 8).
ولهذا أراد الله أن نعرف الحُب على الأرض، لنتذوق رشفة من ماء الحياة الممزوج برحيق السماء، فنشتاق إلى الشراب النقي الذي لا تشوبه مرارة، وربَّما كان هذا هو السر في تلك المِسحة الإلهية، التي نراها على جبين المُحِبين وكأنَّهم صعـدوا على أجنحة حُبّهـم الطاهر إلى السماء، فمُسحوا على جبينهم ثمَّ عادوا إلى الأرض ليحيوا لا كبشر بل كنجوم لامعة تُضيء في ظلام الحياة!
ألم يقل فيكتور هوجو شاعر فرنسا العظيم : " التقيت في الطريق بشاب فقير جداً يُحِب، كانت قُبَّعته رثّة، ومعطفه مُمزقاً، والماء يتسلل من حذائه، ولكنَّ النجوم كانت تطل من خلال روحه، والنور يُشرق من سماء وجهه " !
لقد خلق الله الإنسان من تراب الأرض، ثمَّ نفخ فيه أنفاس الحُب، فالله محبة وكل ما يصدر منه هو حُب ويدعو إلى الحُب، ولو تأملنا الخليقة لرأينا أنَّ الكون بكل حركاتـه إنَّما يشير إلى الحُب، فرياح الصباح تهُب لكي توقظ الأوراق النائمة على أشجار الحُب، والليل يأتي بظلامه لا ليُخيفنا، بل ليدعو الناس إلى الصلاة في أعظم مخدع ألا وهو: مخدع الحُب!
إنَّ قصة تكويـن الجنس البشريّ كلها،
مكتوبة بأعظم لغة ألا وهى: لغة الحُب!
الحُب في معناه الساميّ حل، ولكنَّ البشر هم الذين صنعوا منه مشكلة عندما لوّثوا وجه الحُب بمفاهيمهم الخاطئة، فغلّفوا الحُب الطاهر البسيط ، بغلاف الشهوة الدنسة الماكرة والنفعية المُدمِرة، فصار الحُب مشكلة ذلك الإنسان المسكين الذي عرف أنَّ الله محبة، ولكنَّه عاجز حتى اليوم عن حُبِه أو حُب غيره محبة صادقة!
إنَّ الحُب في نظر المسيحية لم يعد مجرد هوى عنيف، يتّخذ من الآخر واسطة لزيادة إحساسه بالحياة، أو تحقيق أمله في السعادة، أو إشباع عواطفه المضطربة!

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:26 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
بل أصبح الحُب اتجاهـاً روحانياً يسمو بالغـريزة، وينظر للمخلوق البشريّ على أنَّه كائن سماويّ قد خُلق على صورة الله، ويتّجه نحو الآخر لا لكي يُدنّسه ويُشوه صورته، وإنَّما ليخدمه ويرعاه ويُسهم في تحقيق سعادته، ويشترك معه في تثبيت دعائم ملكوت الله على الأرض!
والحق إنَّ المحبة أصبحت من الفضائل السامية، بل أسمى فضائل المسيحية، ومهما حاولت أن أُفسر حُب المسيحيّ لعدوه فلن أجد سوى هذه العبارة: إنَّه حُب فريد لا تفسير له سوى أنَّه لا يُفسر! ولهذا كانت أعظم رسالة وجهها الله للبشر، تلك التي أوصى فيها بمحبة الأعداء: " أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت44:5).
إننا نحيا في عصر نرى الإنسان يذبح أخاه بسيف حاد علناً، وعلى مرأى من الجميع! كما أنَّه عقّد الحياة بما أدخله عليها من مظاهر الاصطناع والافتعال وشتّى أساليب التنافس والصراع، متفنناً في إيذاء غيره أو تحدّيه أو القضاء عليه! ولا علاج لكل هذا سوى الحُب، الذي يُسقط ذلك الحاجز السميك الذي يفصل بين البشر، ويُزيل من نفس الإنسان تلك الأنانية التي تعزله عن غيره، ويُشعره بأنَّ الهوة العميقة، التي كانت تفصل بينه وبين الآخرين قد زالت تماماً! ومعنى هذا: إنَّ الحُب هو الذي يُخرج الإنسان من قوقعته الذاتية، ليندمج في الآخرين، بـل يتّحد مع الإنسانية بأسرها!
والحق إنَّ أُناساً كثيرين بقوا قساة، غيورين.. لمجرد أنَّ قلوبهم لم تنبض بذلك الإحساس الجميل، أعنى الحُب، ولو سلّطنا على هؤلاء أشعة الحُب الطاهرة والمُطهّرة، لاستطعنا أن ننزع من قلوبهم تلك الكراهية السوداء، وأدركنا أنَّ وراء أسوار قلوبهم الغليظة، تكمُن نفوس ساطعة تستطيع أن تُرسل ما لا حصر له من الأضواء!
بالحُب وحده يستطيع كل إنسان أن يعرف، أنَّ كل وجه بشريّ هو " عيد من الأنوار!" فما أن يخرج الإنسان من عالم الشهوة المُظلم، فسرعان ما يتحوّل إلى شعلة متوهّجة من النور والنار، والنار إن كانت تحرق كل ما تُلامسه إلاَََّ أنَّها تُضيء ما هو حولها.
إنَّ الحُب هو نار تُطهّر معادن النفوس، وتُزيل الشوائب من داخل القلوب، وقد يكون أعجب ما في الحُب أنَّه تجربة مُركّزة، كما لو كان قطعة سكر لذيذة! يستطيع الإنسان أن يُذيبها في حياته المائعة، فيشرب كل يوم شيئاً من مائها الحلو، فتهدأ حواسه، وتتعزى نفسه، فما من إنسان إلاََََّ واختبر طعم مرارة الحياة التي تجرح حلق البشر، وما الحُب إلاَََّ تلك العذوبة التي - على الأقل - تُقلل من حِدة مرارة الحياة إن لم تُزلها!

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:26 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
إنَّ الإنسان هو ذلك المخلوق المتناقض، الذي يتعانق في داخله النور والظلام! ويمتزج في قلبه عواطف الحرب والسلام! وهكذا تبدو الحياة كما لو كانت تذبذباً بين قطبي الحُب والكراهية، أو الحياة والموت، إنَّها أشبه برقص يؤديه ذلك المخلوق المتناقض، الذي لابد أن يحيا مُعلقاً بين السماء والأرض! فبجسده يسير على تراب الأرض، وبروحه يُحلّق في سماء المجد، وكم نتمنى أن ينتصر البشر بالحُب! لكي يرتفعوا بأرض الشقاء إلى سماء الراحة! أو يُزيلوا طبقة الهواء السميكة المعبّقة بالحقد التاريخيّ وخلافات الشعوب!
ليس الحُب سوى تلك العلاقة السامية الجميلة، التي تنقلني إلى عالم أشعر فيه بأنني لا أكون إنساناً، إلاَّ إذا كنت أحيا في علاقة طاهرة مع الآخرين، فالحُب شعاع ينتشر عبر الكون لكي يغمر كل الخليقة بنوره الطاهر البسيط! وليس الإحساس بالآخرين والعمل على حفظ صورتهم طاهرة، سوى رباط المحبة الذي يُقيّد تلك الخليقة لكي يجعل منها كائناً واحداً، فالحُب إذن انفتاح القلب واتساعه للآخرين لكي تتحد معاً، ويصير لها فكر واحد، إيمان واحد، رب واحد!
والحق إنَّ كل من أغلق باب قلبه على نفسه، هو إنسان لم يعرف معنى الحُب ولم يتذوقه بعد، وإن وصل إلى أعلى درجات التقشف فهو إلى الآن لم يعرف الله وما صلواته إلاَّ فقاعات هوائيّة، لا يمكن لها أن تصل إلى السماء " لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ ؟ " (1يو20:4)، فالحُب فيه قوة إلهية هابطة من السماء، ترسم أمام الإنسان طريق الحياة، فتدعوه إلى محبّة القريب والأعداء، لكي يحيا مع الله والناس في سلام!

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:27 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
الحُب في مفهومه الساميّ خروج عن عزلتنا الأليمة، وتحطيم لقوقعتنا الذاتية، وانتصار على أنانيتنا الجامحة، فإن كنت تريد أن تكون منعزلاً وحدك، منشغلاً بذاتك، تُفضّل العيش في عالم كل سكّانه شخص واحد، فتأكد أنَّ الأنانية سوف تُحطّمك وتنزع من يدك كل ما تقبض عليه من قيم! ولكن يجب أن تعلم أن الوردة لا يستطيع أحد أن يتمتع بحسن جمالها أو عبير رائحتها، إلاَّ إذا خرجت من بُرعومها، والفراشة لا تطير إلاَّ إذا حطّمت شرنقتها!
إنَّ الإنسان عندما يُحِب تبدو له الحياة جميلة، بل أيقونة رائعة الجمال، فحياة بلا حُب هي حياة بلا معنى، صفر من كل قيمة، وما الحياة إلاََّ سيمفونية رائعة على قيثاراتها يعزف الإنسان أنغام الحُب، فإن خلت نغماتها من الحُب تحوّلت إلى نَشَاز مكروه، لا يُطرب النفس بل يُزيدها قلقاً واضطراباً من الوجود!
إنَّ الحُب الناضج فيه شيء من العقل، وشيء من القلب، وشيء من الجسد، فأنا عندما أُحِب الله أتأمل فيه بعقلي، وأشعر به بقلبي، وأسجد له بجسدي.. فالحُب إذن يتطلب البذل، وما هذا إلاَّ اعتراف بقيمة الآخرين في حياتي، فليس البشر مجرد آلات منتجة أُحرّكها كما أشاء لكي يتحقق لي بواسطتها رغباتي! إنََّما الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، فهو إذن أيقونة الوجود، بل أعظم ما في الوجود، والويل لمن يذله، أو يستعبده، أو يستغله بصورة خاطئة..!
ألم يبذل المسيح ذاته؟! ولماذا بذلها؟! أليس حباً لنا ورغبة فى خلاصنا؟! وبهذا علّمنا أنَّ كل من امتلأ قلبه بالحُب، لا ينفق بسخاء من ماله فقط، بل من صميم ذاته يُعطى الآخرين! أمَّا الكراهية فتسد آذانها عن سماع أنين المحتاجين! وتضع على عينيها عمائم الأنانية! وتُثبّت فوق وجهها قناع الصلابة! والصلابة تعرف كيف تغلق سائر المنافذ، حتى لا يصل صوت القريب والغريب إلى قلبها المقفر الخالي من الثمر!
يقول رب المجد يسوع: " إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ ؟ " (مت5 :46), وهذا يؤكد لنا أنَّ الحُب الحقيقيّ يمتد لكي يشمل الإنسانية كلها، وفى مقدمتهم الضعيف والفقير والمنبوذ والخاطيء..

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:27 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
ألا تعلم أنَّ نازفة الدم هي المرأة الوحيدة التي دعاها المسيح ابنة؟ " ثِقِي يَا ابْنَةُ إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ " (مت22:9) وماذا كانت تعني نازفة؟ كانت قديماً تعني:
إنسانة ممزقة نفسياً، ومنبوذة اجتماعياً، ونجسة جسدياً، ولهذا فإنَّ كل ما تلمسه كان يتنجس، وهى بذلك لم يكن مسموحاً لها أن تدخل الهيكل، ولا أن تقترب من زوجها، وبالتالي لم يكن ممكناً لها أن تُنجب.. ومع ذلك فقد تخطى المسيح الحواجز التي تفصل عادة بين البشر، لكي يُعلن لنا:
إنَّ الحُب الحقيقيّ ليس لمن يستحقون الحُب فقط، إنَّما الحُب شعاع يجب أن ينتشر ليملأ الكون، حتى يستطيع كل إنسان أن يستدفيء بحرارته ويستضيء بنوره!
فإن كنت تُحِب لغرض ما، فأنت في الحقيقة نفعيّ لا تُحِب إلاَََّ ذاتك، والإنسان النفعيّ شهوانيّ لأنَّ النفعية والشهوانية وجهان لعملة واحدة ألا وهى: " حُب الذات " أمَّا التمركز حول الذات فهو أساس أمراضنا النفسية، ولهذا يقول العالٍم الجليل الأستاذ الدكتور أحمد عكاشة، رئيس الجمعية العالمية للطب النفسيّ:
" إنَّ الصحة النفسية تنشأ من الاهتمام بالآخرين بينما المرض النفسيّ ينتج عن التمركز حول الذات، والإيمان يُنقذك من التفكير في نفسك ويدفعك إلى التأمل والتسامي".
عندما طُلب من العالِم النفسيّ " سيجموند فرويد Sigmmund Freud " أن يُعطي تعريفاً للصحة النفسية قال: " إنَّها القدرة على العمل وعلى الحُب "، وللعالم النفسيّ " ألفرد إدلر Alfred Adler " ، قول مُشابه ألا وهو: " إنَّ كل إخفاق بشري هو نتيجة لا نعدام الحُب ".
ويزداد كل يوم عدد الأطباء، الذين يُنادون بأهمية تكوين علاقات حميمة مركزها الحُب، وذلك لكي لا نسقط فى بئر الأمراض النفسية.
ولكن إنَّ كان علماء النفس أصبحوا اليوم يُشددون على أهمية الحُب، إلاَّ أنَّ السيد المسيح قد سبقهم في وصف هذا الدواء الشافي لأمراضنا الروحية والنفسية عندما قال: " وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا.. " (يو34:13)، ولكي لا يكون كلامه مجرد فلسفة نظرية، أو كلمات جوفاء تتطاير مع الرياح، قدّم ذاته ذبيحة مقدسة على أعظم مذبح ألا وهو: الصليب المقدس مذبح الحُب!
والحق إنَّ المحبة الصادقة لا تخشى التنازل عن كرامتها، بل هي تنزل إلى مستوى الخطاة وتتعامل معهم وتشملهم بحنانها، هكذا كان السيد المسيح يحيا ويُعلّم! لا ننكر أننا نكره الخطية ولكننا لا يجب أن نكره الخطاة، بل يجب أن نُحِب الخطاة في الوقت الذي نُبغض فيه خطايا الخطاة! وهذه المحبة ليست منحة منا، بل هي حق الخطاة علينا، لأنَّهم في أمس الحاجة إليها! فهي تُعطي الخاطيّ ثقة، لكي يستمر على قيد الحياة، إذ تفتح له حساباً جديداً في سجل المستقبل! ولا ننسى أنَّ من يُخطيء اليوم قد يتوب غداً، وأمَّا أنا الذي أتوهم القداسة فقد أخطيء غداً ولا أتوب!

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:28 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
نستطيع أن نقول: إنَّ المحبة هى نداء ورجاء، نداء للخاطيّ أن يعود إلى صوابه ويكُف عن خطاياه، ورجاء في توبته وخلاصه!
هذا بالإضافة إلى أنَّ الصفح عن زلات البشر نوع من السخاء، لأنَّه عطاء دون مقابل! وإذا كانت محبة الشرير هي أعلى صور الفضيلة، فذلك لأنَّها عاطفة سخية، وأجمل ما في هذه العاطفة أنَّها تتعامل مع كائن شقيّ، تعلم أنَّه قد يلحق بها الأذى في أية لحظة! ومع هذا تعمل جاهدة فى سبيل إنقاذه من وحدة الشر القاتلة!
إنَّ المحبة الحقيقية ليست مجرد كلمة نتعزى بترديدها فالكلام ما أسهله وما أكثره! لكنَّها قبل كل شئ عمل حقيقيّ من أجل تخفيف آلام الآخرين وتضميد جراحاتهم، وإدخال السرور إلى قلوبهم، كما أنَّها لا تنتظر مقابلاً، ولهذا يجب على المُحبين ألاَّ ييأسوا من مصير حُبهم، لأنَّ " اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَسْقُطُ أَبَداًً " (1كو8:13).

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:28 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
يُحكى عن القديس " أندرونيكوس " أنَّه كان يقطن الصحراء، وكعادته كان يخرج من مغارته عند الغروب للتأمل.. وفى إحدى المرات بينما كان القديس يسير في الجبل، رأى أسداً يُزمجر فخاف منه وابتعد قليلاً عنه، وأخذ يُصلّي لله وهو يرشم ذاته بعلامة الصليب، إلاَّ أنَّه لاحظ أنَّ الأسد رابض على الأرض وغير قادر على المشي، فلابد أنَّ رجله قد أصابها شيء، فلمَّا رأى شدة توجُّعه اقترب منه، وإذا بشوكة كبيرة تغوص في إحدى رجليه، فعندما نزعها هب الأسد مسرعاً بعيداً عنه!!
وتمر الأيام.. ويُقبض على القديس في أيام الاضطهاد ويُلقى في جُب الأُسود الجائعة، وتشاء العناية الإلهية أن يكون في الجُب ذلك الأسد، الذي قد صنع معه معروفاً، ونزع الشوكة التي كانت تؤلمه من رجله، وكم كانت المفاجأة مثيرة، عندما رفض الأسد أن يلتهم القديس " أندرونيكوس " على الرغم من شدّة جوعه بل في منظر لا يتجسد بقلم كاتب عانقه وأخذ يُداعبه! إذ عرفه من رائحته ولم ينسَ ما فعله معه!
إنَّها المَحبَّة التي لا تسقط أبداً
حتى مع الحيوانات المفترسة!

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:28 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
كما أنَّ المَحبَّـة لا تشترط عطاءً مادياً في كل الأحوال، ففي أحيان كثيرة تكون الابتسامة أو كلمات الحُب الرقيقة أقوى بكثير من كل العطايا المادية، فكلمات الحُب حوّلت زناة إلى قديسين وأذابت الكراهية من قلوب كثيرين، كما يُذيب وهج شمس الربيع الدافئة الثلوج المتجمدة، فتُحوّلها إلى مياه تروي الأرض الجافة، وتسقي القلوب العطشانة، وهل ننسى كلمات السيد المسيح على الصليب! ومعلمنا بولس الرسول ألم يقل: " كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ " (2كو10:6)، فبأي شيء نُغنيهم ومنهم قد يكونون أثرياء؟!
ولكن رغم أهمية المحبة البشرية وضرورتها للحياة، إلاََّ أنِّها لا تهب الناس سعادة كاملة، إن لم تكن ثمرة من ثمار محبة الإنسان لله، فالإنسان كثيراً ما يجد نفسه وهو مستغرق بتمامه في المحبة البشرية بكل ما تشمل من بذل وعطاء.. إنَّه لا يزال يعاني من آلام الوحدة القاسية، ولم ينجح قط فى التغلب على القلق الناجم عن الشعور بالعزلة وضغوط الحياة.. ومن هنا ينصرف عن هذا الحُب البشريّ بضعفه ونقصه وقصوره، وذلك لكي ينشد حباً أكمل وأنقى وأشمل.. ألا وهو: الحُب الإلهيّ! الذي هو النهاية، وأرفع ما يمكن أن يصل إليه البشر، ولا استقرار أو خلاص إلاََّ من خلاله.
هذا عن الحُب، أمَّا الشهوة فهي ذلك الشعور الذي يهدف إلى إشباع الذات بطريقة خاطئة، إنَّها علاقة مع الآخر، ولكنَّها تهدف إلى تدميره وتدنيس صورته وتشويه سمعته! وعلى حين أنَّ المحبة تعني البذل والعطاء إلى أبعد الحدود، نجد أنَّ الشهوة تعني السلب والاستغلال إلى آخر قطرة من الدماء!
وإن كانت المحبة تُمثّل نوعاً من التعمق عند الآخر، لترى فضائل الروح الكامنة في أعماقه، فالشهوة تُمثّل السطحية التي لا تنظر إلى ما يحمله الآخر من مواهب أو قيم.. لأنَّ الشهوة متعجّلة لا تتوقف، صمّاء لا تسمع، عمياء لا تُبصر! ويُعد التمركز حول الذات هو أهم ما يُميّز الشهوة، أمَّا ما يُميّز الحُب هو الخروج عن نطاق الذات!
إنَّ الحُب ما هو إلاَََّ تعبير عن الرغبة في التسامي، أو الصعود نحو كل ما هو طاهر وجليل، بينما الشهوة هى تعبير عن حركة هابطة، يُراد بها تحقيق كل ما هو تافه ووضيع! وإن كانت الشهوة لا تخرج عن كونها رغبة وشوق وابتزاز، نجد أنَّ المحبة ترتبط بالتضحية والبذل والعطاء.
الشهوة لا ترى في الناس إلاَََّ تكراراً لبعض اللذات المُملة، وتنظر إليهم كما لو كانوا قطع من اللحم أو الحلوى.. تمنوا لو التهموها! ولهذا فإنَّ الشخص الذي تتأصل فيه مشاعر الشهوة سرعان ما يُصبح ذاتاً صلبة، ومثل هذا الإنسان يحيا في عجز تام عن معرفة قريبه حامل القيم السامية، وبالتالي فإنَّه يظل غريباً عنه بل غريباً عن نفسه!

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:29 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
ولمَّا كان من شأن الشهوة أن تدفع بصاحبها إلى البحث عن لذاته على حساب الآخرين، فمن الطبيعيّ إذن أن يعمل الشهوانيّ على استمرار نموه ومضاعفة لذته، ولو كان ذلك على حساب غيره من الناس، إن لم نقل على حساب غيره من الكائنات الحية! وتِبعاً لذلك فإنَّ سعادة البعض كثيراً ما تكون مصدر عذاب لغيرهم! لأنَّ " اَلرَّجُلُ الظَّالِمُ مَكْرَهَةُ الصِّدِّيقِينَ وَالْمُسْتَقِيمُ الطَّرِيقِ مَكْرَهَةُ الشِّرِّيرِ" (أم29: 27).
إنَّ الشهوة في صميمها نوع من التصلّب والتحجّر والنفعيّة والأنانيّة.. فكيف لها أن تُحِب الآخرين أو تهتم بهم، وهى الغارقة دائماً في سُبات العشق الذاتيّ الذي ليس لمحيطه قرار! إنَّها سمة من سمات حُب الذات، الذي مهما امتد واتسع.. فإنَّه لن يصبح يوماً مركزاً لانتشار إشعاعات التضحية والبذل والعطاء.. إذن فالذات التي تُحِِب هي في حاجة إلى التخلي عن مصلحتها الخاصة، والتنازل عن حُبَّها المريض لنفسها!
ولأنَّ حُب الذات لا يتجه نحو شخص أو شيء، بل هو يتجه نحو لذة أو منفعة.. فهو لذلك بلا مستقبل لأنَّ بدايته هي نهايته ومستقبله مثل ماضيه، أمَّا الحُب الحقيقيّ فله مستقبل، لأنَّه يُخلّص الإنسان من عبادة الذات، ويتجه نحو الآخر، دون أي تفكير في العودة أو الارتداد إلى الذات مرة أُخرى، وتٍٍبعاً لذلك فإنَّ كل الآمال ميسّرة له، وسماء العالم الخارجيّ مفتوحة أمامه! إنَّه عميق كالبحر، عالٍِ كالنجوم، متّسع كالفضاء، فإن كنت لا تريد أن لا تخرج من ذاتك، وتتخلّص من أنانيتك، وإن كنت لا تُريد أن تتعلّم كيف تهتم بالآخرين وتقدّرهم، أو تتصل بهم بعمق مشاعرك أو أفكارك، وتُشركهم أيضاً في عمق ذاتك، فأنت في الحقيقة ترفض الحُب!
إنَّ كثيرين يخلطون بين الحُب والشهوة، فلا يصبح الحُب عندهم سوى نقطة تلاقي، تتقابل عندها شخصيتان أنانيتان جشعتان، تخدم الواحدة منهما نفسها حين تخدم الآخر! ولا شك أنَّ مثل هذا الحُب لابد من أن يتحوّل إلى أداة، مادام الشخصان لا يلتقيان، إلاَََّ لكي يعمل كل منهما على زيادة نصيبه من المنفعة التي يُريدها من الآخر!
ولكننا نعترف بأنَّ أصعب شيء على الإنسان، هو أن يرى الآخرين يتعاملون معه كما لو كان آلة ينتفعون بإنتاجها، أو ينظرون إليه نظرات شهوانية خالية من الوقار والحُب، وقد تشعر المرأة بمثل هذه السهام السامة، وهى تخترق قلبها أكثر من الرجل.

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:29 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
إنَّ الوردة لا تحيا إلاَّ في النور والهواء، أمَّا إذا وضعت في مكان مُغلق فإنَّها حتماً ستموت، والإنسان شأنه شأن الوردة، فهو حين يُغلق بابه على نفسه فإنَّه سرعان ما يجف ويذبل، وأمَّا حين يفتح باب قلبه للحُب فسرعان ما ينمو وتفوح منه روائح الفضيلة، ولهذا فإنَّ مسكن الذات في حاجة دائمة إلى تهوية.
وها نحن نتساءل: أيهما أفضل للإنسان: أن يفتح ذاته لَعَلَّه يخرج من قوقعته، ويعرف أنَّ الكون فيه كثيرون غيره، هم في حاجة إليه وهو في حاجة إليهم؟! أم أن يظل في عزلته العقيمة يُراقب نفسه بطريقة سلبية، ويسعى لتحقيق رغباتها بوسائل خاطئة؟!
إنَّ البشر لا يملكون أبواباً ولا نوافذ، لأنَّهم لم يُخلَقوا ليعيشوا منعزلين أو منغلقين على أنفسهم، بل خُلقوا لكي يحيوا في علاقة مباشرة مع العالم، وكأنَّما هم بطبيعتهم موجودات مكشوفة، تحيا في العراء، فلماذا نعزل أنفسنا؟! ولماذا نغلق علينا باب الأنانية؟!
نعترف بأنَّ كل من يقول: إنَّ الذات هى عالم قائم بنفسه، هو إنسان ليس على صواب وأقرب إلى المريض النفسانيّ، لأننا كائنات عاملة خُلقنا لنحيا في الخارج مع الآخرين أكثر مما نحيا في الداخل مع أنفسنا! حقاً إنَّ كل ذات متفرّدة تفرّد البصمة للإصبح، ولكن أليست الذات هى حصيلة تراث تعاقبت الأجيال فى تكوينه؟ وما عسى أن تكون الذات لو جردناها من كل ما وضعه الآخرين فيها؟!
قد نكون على صواب إن قلنا: إنَّ الحُب شمس منيرة تُرسل إشعاعاتها الذهبية فتَعُم الخليقة، وتملأها دفئاً وحرارة، أمَّا الشهوة فهي كالغيّمة السوداء، التي تحجب عنا نور الشمس، إنَّها مجرد ظل من الظلال، أو سُلم ندوسـه بأقدامنا، أو انفعال عنيف يقوم على التهور والاندفاع..
وإن قلنا إنَّ الشهوة أرض مقفرة بلا ثمار، كانت المحبة مظهراً من مظاهر الوفرة، أو الخصوبة، أو الامتلاء.. ولهذا لا يستطيع إنسان أن يُحِب إلاَََّ إذا كان يُعطي، فمن خلال الأعمال نعرف الشخصية الثرية من الشخصية القفرة، فالحُب ليس مجرد ذبذبات هوائية ينطق بها الإنسان ، إنَّما الحُب أعمال قبل أن يكون أقوالاً.
نستطيع أن نقول: إنَّ المحبة هى شجرة مثمرة، ولهذا لا يشكو المُحِب من الوحدة، لأنَّ هناك دائماً من ينتظرون ثماره الحلوة، أمَّا الشهوة فهى شوك حاد، لا يجني منه الإنسان سوى الجروح والآلام...!

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:30 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
حقاً إنَّ الشهوانيّ يعتقد في صميم ذاته أنَّه يُحِب، لكنَّه في الحقيقة يُحِب ذاته لا الآخرين، وهل يمكن لإنسان منتفخ بأنانيته، متّخم بأطعمة العشق الذاتيّ أن يُحِب؟! دعنا نتساءل: كيف يُحِب الشهوانيّ وهو الذي يُطلق حواسه تجول بغير ضابط هنا وهناك؟! كيف يُحِب من لا يهتم إلاَّ بالتوافه والتفاصيل المخزية.. ويبرع في الكشف عن نقائص الآخرين وإظهار ضعفاتهم.. ويتفنن في حشد الأخبار السيئة دون أن يهتم مُطلقاً بمصير القريب الذي يتعقب أخباره..؟! أيّ حُب هذا الذي يجعل الإنسان يُحطّم البشر، لكي يحصل على لذة تافهة، أو شهوة عابرة ... ومتى نالها يتركهم حطاماً؟!
والحق إنَّ الشهوة أنانية، والأنانية هى انحلال وتفكك تام للشخصية، والشخص الأنانيّ هو إنسان لا يعرف معنى الحياة ولا يعرف كيف يعيشها، ومثل هذا إن تزوج فلن ينجح! لأنَّ حُبه شهوانيّ، مرتبط بالجسد، وحُب مثل هذا يقتل الروح، ويقلق النفس، ويضعف الجسد، إنَّه حُب مميت!
ولو أردنا أن نصف الأنانيّ لقلنا، إنَّه يُشبه حفرة لا قعر لها يُرهق نفسه محاولاً أن يملأها ولكن دون جدوى! ولهذا يعيش في قلق دائم وتوتر مستمر.. ويعاني شعوراً حاسداً حارقاً، لرؤية إنسان آخر يتمتع بأكثر مما يملك، ولأنَّه منشغل دائماً بذاته فهو لذلك لا يعرف الاستقرار أو الهدوء، بل يستمر في حالة من الاضطراب، خوفاً من أن يُحرم من شيء أو يفوته شيء، فهل مثل هذا النوع من البشر يُحِب ذاته محبة حقيقية؟! أعتقد أنَّه يكرهها ويضرها بسمومه!
وربَّما كان أتعس البشر هو ذلك الشخص الذاتيّ المُتَوتّر، الذي يحيا في عزلة تامة عن البشر يُراقب دوافعه ويدرس غيره، بحثاً عن منفعة أو لذة يُشبع بها نفسه الحائرة، إنَّه لا ينعم بالحياة الطبيعية التلقائية، لأنَّه يُفكّر في الحياة بطريقة خاطئة بدلاً من أن يعيشها! ومن ثَمَّ فإنَّ حياته لابد من أن تكون حافلة بالتكلف والتصنع وشتّى مظاهر التناقض..

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:30 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
ولهذا كثيراً ما ينجح الرجل البسيط التلقائيّ في تكوين علاقات طيّبة مع غيره من الناس، لأنَّه يتعامل معهم بصفاء طبيعيّ، ويتذوق حياة التعاطف والصداقة على نحو تلقائيّ، بينما يبقى الإنسان الذاتي عاجزاً عن تحقيق أى تواصل حقيقيّ بينه وبين غيره، لأنَّه لا يكُف بحثاً عن منفعته أو شهوته، دون أن يعمل أى حساب للمحبة أو الواجب أو الصداقة.. ولعل هذا هو السبب في أنَّ حياة كثيرين من الناس البسطاء، هى حياة اجتماعية سويّة، تقوم على روابط طبيعية من المودة، بينما تبدو حياة غيرهم من أهل النفعيّة والمصالح الخاصة.. حياة انعزاليّة أهم سماتها القلق!
لا تتعجبوا إنَّ قلت لكم: إنَّ الرجل الأنانيّ لا يُحِب نفسه بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، بل يُحِبها بطريقة خاطئة، مُدمّرة، ربَّما تقوده إلى الهلاك! فالأنانية سلوك يقوم على الانشغال بالذات، دون أن يكون وراء هذا السلوك أيّ حُب حقيقيّ للذات! ولذلك فالإنسان العاجز عن حُب نفسه، عاجز أيضاً عن حُب الآخرين، والدليل:
إنَّ الانشغال المَرَضٍيّ بالذات، يجعل الإنسان عاجزاً عن الخروج بعيداً عن نفسه، وهذا الانشغال الدائم بالنفس يقف حاجزاً بينه وبين الآخرين، ويعوق تعلّقه بهم، وتوثيق أواصر المحبة بينه وبينهم! وقد أوضح لنا هذه الحقيقة السيد المسيح عندما قال: " أَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ " (مت19:19).
إذن هناك ما يُعرف بحُب النفس، ولولاه ما استطاع الإنسان أن يُحِب غيره! ويبقى السؤال الحائر: ما هو المفهوم الحقيقيّ لحُب النفس؟ هل هو تحقيق رغباتها الشريرة والاستجابة لميولها الشهوانية؟!
إنَّ المفهوم الحقيقيّ لحُب الذات هو تحقيق رغباتها الحسنة، لا الرغبات القاتلة التي تقودها للهلاك، وحثّها على حياة الفضيلة، وتوطيد علاقتها بالله من خلال الصلاة والصوم والعمل بوصاياه... وأعتقد أنَّ كل من يسمو بذاته نحو الأفضل حتماً سيخرج من قوقعته الذاتية، وينفتح نحو الآخرين، فيُحِبهم ويخدمهم ولا يعمل ما يضرّهم، وهنا نتذكر قول السيد المسيح: " مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ " (يو25:12) فماذا كان يقصد بهلاك النفس؟ أعتقد عدم الاستجابة لرغباتها الشريرة التي تقودها إلى الهلاك!
وتتجلى محبة الذات بكل وضوح في سن المراهقة، فالمراهق كثيراً ما يرتدي أقنعة غيره، مبرزاً جماله أو قوته أو رقته أو ذكاءه، وأحياناً حزمه وصرامته... لا لشيء إلاَََّ لكي يستعرض ذاته على الجنس الآخر، الذي يتطـلّع إليه على أنَّه المِِرآة التي تكشف له ذاته! وعندما يستحوذ على قلب فتاة، ففي الحال يفرض عليها نفوذه، ويعاملها تارة بالرقة وتارة بالعنف، وفى كل هذا لا يطلب ما لبنائها، بل ما يؤكد ذاته! وبنفس الروح تُمارس الفتاة المراهقة ما تُسمّيه حُباً، لكي تسيطر على المراهق، لا من أجل رغبة جسدية – فى كل المواقف - وإنَّما بالأكثر للاستحواذ على قلبه، وتأكيد ذاتها بين زميلاتها!

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:31 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
قال أحد الحكماء:
تسأل عن الفرق بين الحُب والأنانية؟ الأنانية تبحث عن المتعة، أمَّا الحُب فتعبير عن السعادة، تحوي الأنانية شعوراً مشتعلاً من الخوف الدائم من الخسارة والانفصال، في حين أنَّ الحُب يُغلََّف بشـعور منعش من الوحدة والانصهار.
وعلى مستوي الحياة الزوجيّة، إن لم يُهذب الحُب الشهوة المتجسّدة في الرغبة الجنسية، فإنَّ الحياة لن تتعدى مجرد قضاء حاجات، فالشهوة إذا استقلت عن الحُب فإنَّها لا ترى في الآخر سوى جسده، أمَّا الحُب فيرى فيه شخصاً حاضراً في هذا الجسد.
الشهوة تبحث في الآخر عن الجنس، وما يجعل هذا الجنس مُغرياً وجذاباً، أمَّا الحُب فيرى في الآخر كل نواحي إنسانيته لا جنسه فقط، فيهتم بأفكاره ومشاعره وأذواقه وميوله ورغباته ومشاكله وآماله وآلامه...
وإن كانت الشهوة تنظر إلى الآخر كفريسة لابد أن تُقتَنص بأيّ وسيلة، فإنَّ الحُب فينظر إليه على أنَّه كائن سماويّ يجب أن يُحَب ويُحترم.
هدف الشهوة أن تأخذ وتمتلك وتستهلك، أمَّا الحُب فهو يُعطي بقدر ما يأخذ، بل أكثر مما يأخذ، وإن كانت الشهوة تبحث عن المتعة، فإنَّ الحُب يهدف إلى مشاركة الآخر في المتعة وفي كل شيء...
ومادمنا نتحدث عن الفرق بين الحُب الحقيقيّ والشهوة المزيفة، يليق بنا أن نتحدث عن الحُب من أول نظرة، الذي ربّما يُخدع ويسقط فيه الإنسان، لمجرد صفة كان قد أحبَّها في آخرين من قبل، أو بسبب جمال جسديّ، أو موهبة، أو لطف في التعامل.. فما هو الحُب من أول نظرة ؟ وما هي خطورته على الإنسان؟
هناك عبارة تقول: نحن نُحِب أشباه الأشخاص الذين أحببناهم من قبل، ونكره أشباه الذين كرهناهم من قبل، ولفظة من قبل تمتد لتشمل الفترة من طفولتنا حتى وقتنا هذا، فالذي يحدث هو الآتي:
عندما تولد طفلة، تبدأ في اللعب عادة مع الإخوة والأقارب، الذين يتميز كل منهم بصفات وأشكال مختلفة، ونظراً لتعلّقها بطفل صغير مثلها فهي تُحِب لون الشعر الأصفر، إحدى سمات هذا الطفل نتيجة حُبها البريء له، ثمَّ تكبر الطفلة فتنفتح على الجيران، وإذا بطفل آخر يعطف عليها ويقاسمها لعبه وطعامه، فتُحِبه وتُحِب لون عينيه الأخضر إحدى ميزاته الظاهرة، وعندما تدخل المدرسة تُعجب بزميلها المتفوق فى الدراسة ذي البشرة البيضاء..
ويستمر هذا الإعجاب سواء كان بالملامح أو الصفات إلى أن تصل الفتاة إلى سن المراهقة، وتدخل الكلية، وهناك تتقابل مع شخص يحمل نفس صفات الأشخاص الذين قد أحبتهم الفتاة من قبل: البشرة البيضاء، العينان الخضراويتان، الشعر الأصفر... فتُحِب الشخص، لا لشخصه بل للصفات التي أحبتها في الآخرين قبله، ثمَّ بعد قليل تكتشف أنَّه ليس فتى الأحلام الذي كانت تحلم به، فالحبيب يحمل نفس الصفات التي أحبتها في غيره، لكنَّه لا يحمل نفس شخصياتهم، ولا أخلاقهم، ولا تفوقهم، ولا أيّ شيّ مما كانت تتمناه الفتاة..!

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:31 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
إنَّ هذا الحُب أشبه بالخدعة السينمائية، التي تُظهر الأبطال على غير حقيقتهم، فقد تُحِب فتاة ممثلاً لدور مثّله وليس لشخصه، فإن تزوّجته وجدته شخصاً آخر، وهو هكذا حقاً لأن الممثل شيء والدور الذي مثّله شيء آخر! ولهذا فالحُب الحقيقيّ يستلزم ثلاث مراحل ألا وهى:
+ النظرة التي من خلالها يُدرك الإنسان أبعاد الصورة التي أمامه بكل ملامحها.
+ التطابق ما بين هذه الصورة التي يراها، والصورة التي يرغبها أو يبحث عنها في وجدانه، وهذا التطابق يتم في مراكز المخ العصبية ويحتاج إلى وقت، فربَّما تُعجب بفتاة لأنَّها تُشبه أُمّك وهنا تكون الكارثة لو أنَّك تزوجتها! لأنَّ هذا هو ما يُعرف فى علم النفس بالعقدة الأُديبية!!
+ ظهور علامات الحُب على الإنسان، حيث تزداد سرعة دقات القلب، وتحمر العينان، ويتلعثم اللسان... وذلك عند رؤية الطرف الآخر.
إذن فالحُب الحقيقيّ يبدأ في المراكز العصبيّة في المخ، ويحتاج لعدة مراحل، وهذه المراحل تحتاج إلى فترة زمنية، لأنَّ هذه المراحل الثلاث لا يمكن أن تتم من النظرة الأولى.
ومن المعروف أنَّ الخيال يلعب دوراً هاماً في نشوء الحُب، والحُب الناضج هو الذي يتخطى شيئاً فشيئاً هذه الخيالات الدافئة التي تكوّنت في الطفولة، لكي يقبل الآخر بصفاته وإمكاناته، ويُحِبه من أجل شخصه لا من أجل الأحلام التى نُسجت حوله، لأنَّ الحقيقة لابد أن تُعرف، ويكتشف الإنسان أنَّه لا يُحِب في الآخر سوى التخيلات التى أحاطه بها، عند ذاك يموت حُبَّه الذي لم يوجد بالفعل منذ البداية! ولم يكن له ميلاد حقيقيّ!
ولا نُنكر أنَّ الشهوة تُسيطر علينا عندما نبتعد عن الله، فالشهوة تصل إلى ذروتها في لحظات الهبوط النفسيّ والروحيّ، ففي تلك اللحظات تكون النفس على استعداد للتقبل المَرَضيّ والاستقبال الشاذ‍! وفى مثل هذه اللحظات يستطيع أي موضوع كائناً ما كان، أن يأتي فيُحدث تأثيره على العقل القلٍق، أو على الأقل يترك انطباعه في تلك العقلية المضطربة!
وفى تلك اللحظات إن لم يسقط الإنسان، فعلى أقل تقدير يمكن أن يرتبط ولو ارتباطاً وهمياً بمن تصادفه ولو في الطريق! وسواء كانت من صادفها صغيرة أم كبيرة، متعلّمة أم جاهلة، ساقطة أم تائبة.. فهو على استعداد أن يرتبط بها بأي شكل كان!

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:31 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
هنا يبدو للإنسان أنَّ هذه الشخصية التي قد صادفه رؤياها، هي التي تُعزيه حينما ينزل بساحته الهم، وتأخذ بيده حينما يستبد به الضعف، وترسم له طريق الحياة، وتقدم له يد المعونة.. على الرغم من أنَّ هذه الشخصية قد تكون عاجزة بالفعل عن تحقيق كل هذه الأوهام، بل عاجزة عن حل مشاكلها وتحقيق السعادة لنفسها.
إنَّها حالة أقرب إلى الخيال ومع هذا يقنع بها الإنسان! لأنَّه في بعض اللحظات يريد أن يحيا هذا الوهم، أو يستغرق في ذاك الخيال!
مثل هذه الأوهام كثيراً ما قد تحدُث في مرحلة المراهقة، فتدفع بالواحد منهم إلى الشعور بالحاجة إلى الجنس الآخر، كما يشعر الجوعان بالحاجة إلى الطعام، فما أن يظهر على مسرح حياته امرأة - شابة كانت أم كهلة – فسرعان ما يسند إليها الفتى دور البطولة‍! والسبب:
إنَّ الفتى في مرحلة المراهقة، يكون في حالة سلبية من الانفعال، مثله في ذلك كمثل جسمنا، حينما يكون في حالة ضعف أو إعياء، فيقع تحت أول جُرثومة تُهاجمه من الخارج، وعندئذ يأتي المؤثر العاطفيّ- كائناً ما كان- فيوقعه في الحُب مع من يتصادف مقابلتها في الطريق أو أيّ مكان آخر!
نعترف بأنَّ الحُب أيسر الأمور وأعسرها في وقت واحد، فهو أعسرها: لأنَّه يتطلب منَّا أن نتنازل عن أنانيتنا الجامحة، وحبنا المَرَضيّ لأنفسنا، وبحثنا الدائم عن منفعتنا.. ولكنَّه في نفس الوقت أيسرها لأنَّه: لا يتطلب سوى بساطة ذهنية ووضوح وتلقائية.

Ramez5 10 - 05 - 2014 12:32 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
الشـهوة والحُب

راجع الكتاب الأصليّ وقدّم له
الأستاذ الدكتور / رسمي عبد الملك
عميد شعبة التخطيط بالمركز القوميّ للبحوث
وعميد معهد الدراسات القبطية ومعهد الرعاية

الراهب
كاراس المحرقيّ
غلاف الكتاب
يرمز إلى الحُب بملاك يختم أولاد الله على
جباههم لكي يُميَّزهم ويُقدَّس فكرهم، أمَّا الشهوة
فيرمز إليها بالوحش الذي له 7 قرون، ولأنَّ الحُب
هو تعبير عن كل ما هو طاهر وجليل، والشهوة هى حركة هابطة يُراد منها كل ما هو تافه ووضيع،
فإنَّ الأبرار أعلى، أمَّا الوحش فأسفل.
(رؤيا3:7،3:12)

Mary Naeem 10 - 05 - 2014 02:35 PM

رد: كتاب الشهوة والحب فى المسيحية
 
مشاركة جميلة جدا
ربنا يبارك حياتك


الساعة الآن 04:41 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026