منتدى الفرح المسيحى

منتدى الفرح المسيحى (https://www.chjoy.com/vb/index.php)
-   قسم الكتب الدينية (https://www.chjoy.com/vb/forumdisplay.php?f=56)
-   -   كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس (https://www.chjoy.com/vb/showthread.php?t=270113)

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:26 PM

كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
مفتدين الوقت - مقدمة
"انظروا كيف تسلكون بتدقيق مفتدين الوقت، لأن الأيام شريرة " (أفسس 5: 15 ،16)
يتحدث القديس بولس إلى الكنيسة التي في أفسس منذرًا إياهم - بمحبته الأبوية المعتادة - أن يتيقظوا وينتبهوا فإن الأيام تمر مسرعة، وعليهم من ثمّ أن يهتموا بأبديتهم، وقد لفت انتباههم إلى عدة نقاط:
أ- اليقظة خلال مسيرتنا (البصيرة الروحية).
ب- السلوك بحكمة (اختيار الطريق والمسيرة الروحية)
ج- التدقيق (الأمانة للطريق وحياة الالتزام).
د- افتداء الوقت (أي استثماره والمتاجرة به حسنًا).
هـ- كيف أن الأيام شريرة (مما يستلزم منا مزيدا من الحرص والاحتياط).

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:27 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
اليقظة

تساءلت ذات مرة،عن السبب في أن الخراف تتوه بسهولة وتفقد طريقها وراعيها، بينما لا تتوه القطط ولا تفقد هدفها،
وعرفت بعد قليل من الجهد أن الخروف يتنقّل بين كومة عشب وأخرى دون أن يرفع رأسه، ليفاجأ بعد قليل أنه َبعُدَ عن القطيع وضلّ طريقه،
في حين أن القطة بين دقائق وأخرى ترفع رأسها عن الطعام لتمسح الموقع كله بنظرة سريعة شاملة، ومن ثمّ تواصل تناول طعامها دون أن تفقد هدفها.
إنها بذلك تربط النقطة التي تقف فيها بالموقع العام!
هكذا يحتاج المجاهد بين وقت وآخر أن يقف مع نفسه ليطمئن على سلامة مسيرته، لئلا يكتشف بعد فوات الأوان أنه انحرف كثيرًا عن الطريق وبالتالي الهدف، عندئذ إمّا أنه سيُحبط ويتمادى في ذلك، وإما سيحتاج –إذا تجدد فيه الرجاء– إلى بذل جهد كبير في سبيل تصحيح مسيرته.
يحتاج الإنسان أن يبحث عن نقطة ثابتة خارج دائرته، نقطة ارتكاز، يرتكز عليها ليلقى نظرة شاملة، يقيّم فيها حالته ويحدد موقعه وموقفه من الله. فمن المعروف أنه بقدر ما يبعد الإنسان عن الله يصير الله بعيدًا عنه!

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:30 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
بين النظرة البسيطة العابرة والنظرة الثابتة الفاحصة

البصر و البصيرة



إن لفظة انظروا الواردة في الآية هنا، لا تعني مجرد النظرة السريعة العابرة، بل تعنى المراقبة والملاحظة الدقيقة، وفي اللغة القبطية هناك لفظتان تعبران عن النظر، الأولى "سومس" وتعنى مجرد النظر والأخرى "جوشت" وتعنى التطلع والمراقبة عن كثب.
نقول في مرد ثيئوطوكية الأربعاء qeotokia "تطلع الآب من السماء فلم يجد من يشبهك" والمقصود أن الله بحث وفتَّش حتى وجد السيدة العذراء "هي الأفضل" ليتجسد منها.

https://st-takla.org/Pix/People-Gener...__Envy-Eye.jpg
عين حاسدة
لذلك فعندما ينصح القديس بولس قائلًا: انظروا ... فهو يقصد راقبوا باستمرار ... وعندما طلب الله من إرميا النبى أن يبحث عن شخص بار في أورشليم ليرحم الشعب بسببه من السبى، قال له: "طوفوا في شوارع أورشليم وانظروا واعرفوا وفتشوا " (إر5: 1) (انظر نص السفر هنا في موقع الأنبا تكلا) أي مّروا ولاحظوا وادرسوا...
انظر .... تدبّر الأمر:
يأتي النظر هنا أيضًا بمعنى "تدبّر الأمر" لإتخاذ قرار، ونقرأ في محاكمة السيد لمسيح قول بيلاطس البنطى لليهود "أنا برئ من دم هذا البار، أبصروا أنتم"(مت27: 24) أي ادرسوا الأمر وقرروا ما ترونه، وهو القول ذاته الذى وجهه اليهود أنفسهم ليهوذا عندما أراد إعادة الفضة التي أُسلم بها سيده "ماذا علينا أنت أبصر"(مت4:27) ولم يكن بيلاطس يقصد مجرد النظر فهم لهم أعين ويرون الموقف كله، ولكنه قصد تدبر الأمر والخروج بقرار، ولكن اليهود كان لهم أعين ولكنها لا تبصر "ألكم أعين ولا تبصرون"(مر18:8).
ومن هنا فإن هناك فرق بين البصر والبصيرة... مثل الفرق بين السمع والفهم والطاعة، فعندما يطلب أب من إبنه أن يسمع الكلام، فهو يقصد الفهم والطاعة، عندما يقول سليمان الحكيم" الحكيم عيناه في رأسه"(جا2: 14) فهو يقصد أن الحكيم هو شخص واعٍ ويقظ يمسك بزمام الأمر، أما الجاهل فيسلك في الظلام...

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:30 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
النظرة البعيدة (بُعد النظر)

بعض الناس أهدافهم عند أقدامهم، والبعض الآخر على بُعد أمتار، وقليلون جدًا الذين تقع أهدافهم بعيدًا جدًا.. في الأفق البعيد... هناك في الأبدية..
ومن المقابلات اللطيفة في الحياة الرهبانية أن الرهبان بسبب طول حياتهم في البراري والقفار أصبح لهم طول نظر(بعد نظر)، يرون أفضل عن بعد، وهو يقابل اهتماماتهم والتي أصبحت مرتبطة بالأبدية السعيدة ولا تأبه لشئ من الأمور التي ُترى (عن قرب)...
يقول القديس بولس: "ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التي ترى بل إلى التي لا ترى.
لأن التي ترى وقتية وأما التي لا ترى فأبدية" (2كو18:4).
إذن فكل من يمعن النظر يفهم جيدًا ويُقرر جيدًا ويربط واقعه هذا بالمسيرة التي يحياها برفقة المسيح والذى هو الطريق وهو الهدف فهو شخص واع ، والإنسان لا يرمى إلى شئ إلا لبلوغ الأبدية، فيرقبها عن بعد بشوق شديد...

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:31 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
الاسترشاد

إذا لم تستطع أن تبصر أنت جيدًا وتميز بين الأمور المتخالفة كما يقول القديس بولس (رومية 18:3، فيلبي 10:1)، فيمكنك الاستعانة بالمرشد الروحي،
تُسلِّم نفسك له.. ترى بعينيه هو، كمن يستعين بنظارة أو بتليسكوب للحصول على رؤية أفضل،
ففي كثير من الأحيان يبدو الأمر على غير حقيقته " توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت"(أم14: 12)،
فإن المُدبر الحكيم يرى ما قد لا يراه تلميذه.
والحقيقة أن الإرشاد والتوجيه سيبقى مجرد كلام، ما لم تسنده الإرادة الواعية للإنسان، وعزمه على ضرورة وحتمية التغيير.

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:32 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
النظر الجيِّد وإصابة الهدف




https://st-takla.org/Pix/Symbols/www-...__Arrow-01.jpg
اكتشاف الهدف وتحديده أمر جيد،
يتم بناء عليه تحديد الطريق التي سوف نسلكها،
وبتعبير آخر فإن النظر الجيد والعين المفتوحة والإمعان والتحقق يساعد على التصويب (التنشين) الجيد،
وبالتالى إصابة الهدف،
ومن المُلفت أن لفظة خطية لها معنى هام في اللغة اليونانية ألا وهو الإخفاق في إصابة الهدف.
بمعنى أن الخطية تجعلنا نخرج خارج الهدف الذى خلقنا الله لأجله وهو التمتع بالعشرة معه،
يقول بلعام بن بعور عن السيد المسيح:
"وحى الرجل المفتوح العينين... مكشوف العينين...
أراه ولكن ليس الآن. أبصره ولكن ليس قريبًا... (عد 4: 15-17 و24: 3)

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:33 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
العين المختونة (العين المقدسة)

كان الختان رمزًا للحياة الجديدة بالمعمودية، ولفت الله أنظار الشعب في القديم، إلى أن الختان الحقيقي الذي يطلب أن يصلوا إليه هو ختان القلب والفكر والحواس "ويختن الرب إلهك قلبك وقلب نسلك لكى تحب الرب إلهك..."(تث30: 6).
وإلى ذلك يشير القديس بولس قائلًا: "ختان القلب بالروح... هو الختان الذى مدحه ليس من الناس بل من الله "(رو29:2).
إذن فالختان الروحى هو تقديس الأعضاء وجعلها مقدسة لله، فالقلب المختون مخصص للمسيح، والأذن المختونة هى التي تسمع وتُطيع، واليد المختونة هى التي تمتد لفعل الخير، والِرجل المختونة هى الساعية في البر، وأما العين المختونة فهى التي ترى جيدًا وصار لها الإستنارة ... تنظر الحق وتتحقق منه.
وعندما يقول القديس بولس في بداية الآية: "انظروا ... كيف تسلكون" فهو يقصد انتبهوا وراقبوا وتمعّنوا وقرروا كيف تسلكون بتدقيق، فالله قدَّم الفداء للبشرية، وسفك دمه الثمين عنا.
ولكن الخلاص- خلاص الإنسان- عمل مشترك بين الله والناس، بدأه الله وبادر وجاء يطلب ويخلص ما قد هلك، ولكن الأمر متوقف على قبول الإنسان، يقول القديس أغسطينوس:"إن الله الذى خلقك بدونك لا يريد أن يخلصك بدون إراداتك" ويقول الرب على لسان اشعياء النبى: "التفتوا إلىّ واخلصوا"(اش22:45).
علينا الآن أن نلتفت إلى الله بأنظارنا وقلوبنا وننظر كيف نسلك بتدقيق.

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:34 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
السلوك




https://st-takla.org/Pix/Portraits-Ge...___Artemis.gif
تحدثنا عن النظر مسبقًا إلى الطريق التي سوف نسلكها، والدروب التي سننتهجها في حياتنا، وأشرنا إلى أن المقصود باللفظة (انظروا) ليس مجرد النظر وإنما التمعّن، أي ليس بنظرة بسيطة عابرة، وإنما بنظرة ثاقبة فاحصة، والآن نتحدث عن السلوك وكيفيته.
لمن كتب القديس بولس:
كتب معلمنا بولس رسالته إلى أهل أفسس، ومنها نقتبس الآية التي اتخذناها محورًا لكتابنا، وكان يوجه كلماته المملحة بالروح القدس إلى أناس عاشوا لزمن طويل بعيدًا عن نور الإنجيل، وتردّوا في ظلمة الخطية ومختلف دروب الضياع، فلقد أولعت المدينة بعبادة الإلهة أرطاميس (ديانا) وكان معبدها هناك من عجائب الدنيا السبع، إذ كان تحفة نادرة، اجتذبت العبادة فيه الملايين من الوثنيين كل عام، ولذلك راجت تجارة التماثيل هناك (أعمال 19: 21-40) هناك أيضًا تفاقمت الشرور والإنحرافات بسبب الرفاهية التي كان الناس يحيون فيها، كما كانت المدينة ملاذًا للصوص والمجرمين، يقطنون قرية بالقرب من ذلك المعبد..
وينذرهم القديس بولس قائلًا: "لأنكم كنتم قبلًا ظلمة، وأما الآن فنور في الرب اسلكوا كأولاد نور" (أف 5 : 8).

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:37 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
اختيار الطريق

عندما لا يختار الإنسان طريقه، فإن طريق الضياع يختاره، لأن الذي لا يبذل جهدًا لكي يرتفع لابد وأن الجاذبية الطبيعية تشده إلى أسفل.
مثل شخص يقود سيارته ويتحكم بها إذ له سلطان عليها، أمّا إن أفلت منه الزمام فسوف يفقد السيطرة على سيارته فتقوده هي!! ويترقب مذعورًا ما سوف يحدث!
ويرجو القديس بولس قراؤه بحرارة قائلًا:
"أقول هذا وأشهد في الرب أن لا تسلكوا في ما بعد كما يسلك سائر الأمم أيضًا ببطل ذهنهم" (أف4: 17)
وفي صلاة باكر رتبت الكنيسة فصلًا من الرسالة ذاتها (إلى أهل أفسس) يحدد لنا منهجًا للسلوك خلال اليوم:
"أسألكم أنا الأسير في الرب أن تسلكوا كم يحق للدعوة التي دُعيتم إليها".
والدعوة التي دعينا بها هي أننا دعينا مسيحيين ... ُدعي علينا اسم المسيح ... وعلينا أن نسلك بالبر "ينبغي أنه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضًا" (1يو2: 6).

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:39 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
السلوك بيقظة

مثل قائد سفينة يسير بها وسط الصخور والألغام، يساعده في ذلك أجهزته الدقيقة، وخبرته وحساسيته الملاحية،
أو مثل رجل يسير في بقعة مليئة بالأشواك، عليه التسلح بالحذر، وليس عند مواضع الخطر فحسب وإنما عند الأماكن التي لا يتوقع فيها الخطر، فإن الشيطان ماكر ومخادع...
كما أن الأمر أيضًا يحتاج إلى مسح المنطقة كلها بين آن وآخر للإطمئنان على سلامة المسيرة فالإنحراف اليسير يُفضى مع الوقت إلى نتائج وخيمة،
ويبرز هنا دور المرشد الروحي، حيث كثيرًا ما ينجو الجندي في المعركة من الموت بفضل طاعته للقائد الذي يرى الموقف كاملًا عن بعد.
إن الحياة قصة مسيرة، إما قصة عطاء وإبداع، وفرح متدفق على طول الطريق، وإما متاهة كبرى، البعض يسلك الطريق الضيق فيحقق مسيرة أسرع، بينما يختار البعض الآخر الطرق الواسعة السهلة فيتوهون في جنباتها..
"ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذى يؤدى إلى الحياة وقليلون هم الذين يجدونه" (مت7 : 14)

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:40 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
المثابرة في الطريق

هناك أشخاص سلكوا وسط مصاعب كثيرة وقوى مضادة، ولكن مثابرتهم وثقتهم في الله وفي أنفسهم جعلت تلك المصاعب تتراجع أمامهم، لذلك يقول الكتاب:"من أنت أيها الجبل العظيم أمام زربابل تصير سهلًا" (زك7:4).
إن الشيطان يهرب ويتراجع أمام القوى، في حين يتقدم بجرأة نحو الضعيف الذي يتخاذل أمامه، الشيطان مثل وحش رديء كلما طاردته هرب من قدامك، بينما إذا تراجعت أمامه يطاردك بدوره.
السالك بحسب مشيئة الله لا يتحسب لما يقابله، فهو ثابت القلب، الكسلان ضعيف القلب متخاذل "قال الكسلان الأسد في الطريق. الشبل في الشوارع" (أمثال13:26)، ويقول الجامعة "الذي يرصد الريح لا يزرع ومن يراقب السحب لا يحصد" (جا11 : 4) واليائس يجمع حجارة الطريق كلها في كومة واحدة ليسد بها الطريق ويقف أمامها متحيرًا، أما المتسلح بالرجاء فهو يسير برفقة المسيح - وهو الطريق- وهو سيهبه نفقة الطريق، ويقول إشعياء النبي " طريق الصديق استقامة، تمهد أيها المستقيم (الله) سُبل الصديق" (إشعياء 26: 3)
هذا المُثابر كلما صادف حجرًا في طريقه إلتقطه ليضعه جانبًا ويواصل مسيرته، بل حتى متى وقع - ربما لتهاون أو لشدة الحرب عليه- فهو ينهض ثانية ينفض عن ثيابه الغبار ليواصل مسيرته من جديد، في هذا يقول أحد القديسين: " يستطيع الإنسان أن يبدأ كل يوم إذا كان مجاهدًا " كما أن الذي اختار الطريق من البداية بوعي وقناعة، لن يتشكك في اختياره، وإذا حدث أي تشكيك فإنه موقن مسبقًا أنها حرب وستنتهي..

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:41 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
أسعى علي أُدِرك

ليس السعي فقط هو المطلوب، وإنما السعي بكل القوة، عندما قال القديس بولس "أسعى لعلي أدرك الذي لأجله أدركني المسيح أيضًا"(في3: 12).
كان يقتبس هذا المشهد من الساحة الرياضية فيما يشبه ماراثون الجري الآن، والمتسابقين يبذلون قصارى جهدهم للحصول على المكافأة (الجعالة) ومكافأة المجاهد الروحي هنا هي الأبدية، لذلك فهو يسعى بكل قوته نحوها دون أن يحول عينيه عنها.
ولعلكم تذكرون ذلك المتسابق الذي احتال على منافسه في العدو بأن ألقى في طريقه بعض القطع الذهبية فانشغل الآخر بها – حين كان يتوقّف ليلتقطها مرة بعد الأخرى- وتعطل وفقد بذلك تميزه، ومثل الجندي في المعركة الذي يشق طريقه ليحقق غايته مهما وقعت عينيه على غنائم...
المجاهد الحقيقي يؤمن أن الله منتظره في أبديته منذ الأزل!!

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:42 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
ولكن، مَنْ هو الطريق؟!
كانت المسيحية تسمى في البداية: الطريق، لأنها كانت طريقًا للسلوك والفضيلة (أع23,9:19). فالمسيح هو الطريق وهو الطريقة، هو الهدف وهو الوسيلة، فنحن نصل إلى الله بالله أيضًا "فكما قبلتم المسيح يسوع الرب اسلكوا فيه" (كو6:2).

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:43 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
ما بين المسيرة و السيرة

لاشك أن مسيرة الإنسان في حياته هنا هي التي تصنع سيرته وتحددها، وعندما يقول الكتاب: "انظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم" (عب13: 7) يقصد بالطبع أن ننظر كيف سلكوا بجدية ووداعة وإيمان راسخ لا يتزعزع، فأثمر ذلك نماذجًا من القديسين كوّنوا سحابة من الشهود المحيطة بنا (عب12: 1)، صاروا لنا علامات على الطريق نهتدي بها "إن لم تعرفي أيتها الجميلة بين النساء فاخرجي على آثار الغنم"(نش1: 8).
هناك أشخاص ساروا بجدية في بداية حياتهم، ولكن سريعًا ما أدركهم الملل، ربما وثقوا في أنفسهم أكثر من اللازم فهبطت عزائمهم وأصابهم الفتور، لذلك فإن الاستمرار علامة هامة للنجاح على كافة المستويات ...
يقول قداسة البابا شنوده الثالث للسالكين في الطريق الروحي "اسعى بكل قوتك، إذا لم تستطع فامشِ بسرعة فإن لم تستطع فامشِ على مهل... إن لم تقدر على ذلك ازحف... فإن لم تجد القوة على ذلك فقف، ولكن حذارى من الرجوع للخلف"... أعود فأكرر "انظروا كيف تسلكون.." بتدقيق.

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:44 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
التدقيق



متى كان الإنسان متيقظًا، فإنه يحتاج بين آن وآخر إلى وقفة مع نفسه، يطمئن فيها على مسيرته... على موقفه وموقعه من الله، وكلما كان مدققًا كلما فعل ذلك على فترات متقاربة، تصل مع ذوى القامات الروحية العالية إلى العمل اليومي، وهو ما نسميه محاسبة النفس، والتي هي عبارة عن وقفات (محطات) إجبارية، يخضع فيها الإنسان نفسه للفحص والمحاكمة والمراجعة، وبذلك يمكنه تدارك أي انحراف عن الطريق، ورصد أي تغير طرأ على مسيرته.

https://st-takla.org/Pix/Words/www-St...ion-Arabic.gif
في رسالته إلى أهل أفسس تحدث القديس بولس عن الحياة القاسية التي يحياها المؤمنون هناك، في ظل الخطية المنتشرة بصورها المتعددة، تمشى في الشوارع برأس مرفوعة بغير حياء، "ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين" (مت24: 12)
حتى أن الإنسان قد يفقد مع الوقت القدرة على التفريق بين ما هو جيد وما هو رديء...
وتلعب المحاكاة (التقليد) دورًا كبيرًا في انتشار الخطية، بسبب اختلاط المفاهيم والتقدير النسبي للخطية من جهة والخطأ من جهة أخرى... إذ قد تتحول الخطايا إلى مجرد أخطاء... وتتحول بالتالي الأخطاء إلى مجرد سلوكيات عادية غير منتقدة!
من ثمّ نصحهم القديس بولس أن يسلكوا لا كجهلاء مسوقين بكل ريح... لا إرادة لهم... ناظرين تحت أقدامهم فقط، بل كحكماء يطلبون الحكمة من الله والاستنارة حتى يستطيعوا التمييز بين الأمور المتخالفة (رومية18:2، فيليبي10:1) فهم لا ينتمون إلى هذه الأرض المملوءة بالشرور والتجارب، وإنما إلى السماء، فإليها اشتياقهم ... وفيها أعظم آمالهم، حيث الحياة مع الله في ملكوته.

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:46 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
الفضائل وأشباه الفضائل

ربما قرأتم هذا الاصطلاح من قبل، وسوف تسمعونه وتقرأونه كثيرًا، وهو يعنى أن الإنسان قد ينخدع في سلوك ما ظانًا أنه فضيلة وهو في الواقع انحراف وخطية، مثل الاتضاع المزيف من جهة والاتضاع الحقيقي من جهة أخرى، فالدافع خلف الأول هو الكبرياء، بغرض مديح الآخرين، بينما الاتضاع الحقيقي فضيلة يسعى إليها شخص يشعر بضعفه واحتياجه إلى معونة الله وصلوات الآخرين.
يقول بعض الفلاسفة أن الفضيلة هي وضع متوسط بين نقيضين أحدهما الإفراط والآخر التفريط، فالكرم مثلًا وضع متوسط بين التبذير(الإفراط) والتقتير (التفريط)... والشجاعة وضع متوسط بين التهور والجبن...الخ، هناك فرق إذن بين: (النسكوالفقر، والصوم وفقدان الشهية، الاتضاع الحقيقي وضعف الشخصية، اللطف والهذر، البساطة والسذاجة، قوة الشخصية والكبرياء، الهدوء والانطواء، السهر والأرق، الرقة والحساسية، الشجاعة والتهور، العالِم والمعلم، الراعي والمدرس، البتول والعازب، البصر والبصيرة).
وهكذا الفرق بين التدقيق والوسوسة، الأمر يحتاج إلى حكمة... فالمدقق شخص جاد ملتزم منظم... يسلك بوعي ويقظة... في حين أن الموسوس هو شخص مبالغ في البديهيات، يُحَمِّل الأمور أكثر مما تحتمل، ويصل به الحرص إلى درجة المرض... وإلى الخطأ والخطر..
المدقق شخص جاد دون تطرف، لطيف دون تنازلات، جاد في لطفه.. لطيف في حزمه، صورة لمسيحنا الحلو... العادل في محبته والمحب في عدله ... بينما الموسوس هو شخص شكاك يعانى من اضطراب في شخصيته يجرى بلا مطارد.
قرأت عن أحد شيوخ البرية أنه اضطر في يوم من أيام الصوم الكبير لزيارة أب مريض، هناك قدموا له هو وتلميذه طعامًا فأكلوا .. وفي طريق عودتهما أبصر التلميذ ماءًا، فلمّا أراد أن يشرب نهره الشيخ بلطف بأنهما في صوم، فلما ذكّره التلميذ بأنهما أكلا منذ قليل!! أجابه ذاك المستنير: "من أجل المحبة أكلنا والآن لا نَحِلّ قانوننا"... انظروا كيف سلك الأب بتدقيق دون تطرف.

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:47 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
الثعالب الصغيرة
https://st-takla.org/Pix/Portraits-Ge...hris-Coyle.jpg


سمعتم كثيرا وقرأتم عن الثعالب الصغيرة "خذوا لنا الثعالب. الثعالب الصغار المفسدة للكروم..."(نش15:2) وبينما تحب الذئاب البطيخ! فتربض بجوار مزارعه، وتعبث به ليلًا وُتلحق به الكثير من الضرر، فإن الثعالب في المقابل تحب الكروم فتربض هي الأخرى حولها.. حتى إذا ما حل الظلام تسللت إلى الداخل تحصل منها على وجبه سهلة لذيذة، وينتبه الكرام لذلك فيسعى باستمرار لافتقاد السياج وتسديد الثغرات وتقريب المسافات بين أعواد السياج، وبذلك يتعذر على الثعلب الكبير الولوج إلى داخل الكرم، ومن ثم فإنه يدفع بصغيره ما بين قضيبين ليحصل له على الطعام، وقد يفعلها الصغير من تلقاء نفسه دون تكليف! يدخل ويعبث بالكرم هنا وهناك، يُتلِف أكثر ممّا يأكل، فهو عديم الخبرة... فإذا ما شعر بالخطر فيمكنه الاختفاء بسهولة بحيث يصعب على الكرام الوصول إليه، ويكرر الصغير فعلته يوميًا، ويطيب له المقام داخل الكرم، هناك يكبر ويلد كثيرين فيصبح مع الوقت قوة خطيرة في الداخل.

وقد يرى البعض عامل الكرم خيالًا لكائن صغير يجرى داخل الكرم، فلا يعبئون به كثيرًا، ظانين أنه بإمكانهم التخلص منه في لحظة متى شاءوا، فما بالهم بكائن أقرب في حجمه إلى حجم الفأر... وكيف له أن يهدد هذا الصرح الضخم الهائل من العنب في عشرات الأفدنة..!

هذه هي الخطايا الصغيرة المختبئة خلف الفضائل الكبيرة، الثعالب الصغيرة التي يستخف بها الإنسان دون تدقيق، مثل كذبة صغيرة، سيجارة، بعض المواقع على الإنترنت -على سبيل الاستطلاع- الصلاة المختصرة مرة بسبب ضيق الوقت، أو الإرهاق. وقد يتحول كل ذلك إلى نمط واضح... مثلها في ذلك مثل الاستيقاظ متأخرًا واختصار القداس وغيرها .. فلا شك أن التساهل يؤدى حتمًا إلى الانحراف .. وقد يكون الأمر أشبه ما يكون بقطار خرج عن القضبان ... ومن ثمّ يحتاج إلى جهد كبير للعودة إلى مساره.

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:49 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
المُدَقِّق الحقيقي هو المدقق مع نفسه

من السهل ضبط الآخرين وقيادتهم، في حين أن المحك الحقيقي هو ضبط النفس، فالمجاهد الحقيقي مدقق مع نفسه متساهلًا مع الآخرين، لا يشفق على ذاته، بينما يرثى لضعفات الناس، يحاكم نفسه ويبكتها بينما يلتمس الأعذار للآخرين ... مدقق مع نفسه، في تدبيره الروحي، يشجع أبيه الروحي على الانتقال به من مرحلة إلى أخرى ومن قامة إلى قامة أعلى.. يعود ليطمئن أب اعترافه "فعلت كما أمرتني يا أبى" فيفرح هذا "بالمجاهد الحقيقي" والفرق بين شخص وآخر في هذا الإطار، ليس أن الواحد لديه الوقت والآخر ليس لديه، وإنما أن الواحد قادر على تنظيم وقته بينما الآخر لا يستطيع.
وفي الدراسة أيضًا هو شخص جاد... ملتزم نحو الكلية.. نحو أسرته... نحو المجتمع... نحو الله.. فالدراسة وزنة، التزام روحي وأدبي ... وفي السلوك يعرف جيدًا أنه صورة الله.. يري الناس المسيح من خلاله... كلامه مملح بالروح القدس... يفرق بين فضيلة اللطف والمزاح الرديء... هناك حارس على فمه، ليس ذلك فحسب بل هناك حراسة قوية على كافة حواسه ... فالحواس هي التي تصطاد والعقل يخزن ويتفاعل... وفي القلب "تُعقد الصفقات"... وعندما تصل الخطية إلى القلب تكون بذلك قد أكملت مشوارها الإرادي داخل الإنسان... ولذلك فهو يحكم أبواب حواسه باعتبارها المدخل... هنا أيضًا التدقيق ...
التدقيق يحفظ لك كنزك دون تلف ... فلا يكون هناك موضع – بسبب التساهل- يمكن أن يهرب منه الكنز وتتسرب العافية الروحية... ولتكن الجدية والتدقيق بمعرفة وبحسب مشيئة الله... فالتدقيق لا يعنى الملامح القاسية ومسحة الحزن التي تكسو الوجه، وهو أيضًا ليس الأوامر الصارمة، والتشدد الخالي من الحكمة.. ولذلك يحسن أن يشترك معك الأب الروحي لئلا تتلاهى بك الشياطين... صلى وأطلب باستمرار من الله أن يهبك التدقيق الممزوج بالحكمة حتى تعرف كيف تفتدي الوقت...

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:50 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
افتداء الوقت

كتب القديس بولس رسالته هذه إلى أهل أفسس وهو مسجون في روما، إلا أنه أنجز الكثير من الأعمال الرعوية إلى جوار عباداته...
عن ذلك يشير القديس قائلًا: "بأسفار مرارًا كثيرة، بأخطار سيول، بأخطار لصوص، بأخطار من جنسي، بأخطار من الأمم، بأخطار في المدينة، بأخطار في البرية، بأخطار في البحر، بأخطار من أخوة كذبة" (2كو26:11).
وكان وهو مسجون "يصدّر" ثلاثة مسيحيين في اليوم الواحد!
وهم الجنود الذين حرسوه في ثلاث ورديات!!
حيث كان الجندي الوثني يخرج مسيحيًا نتيجة معايشته للقديس ثماني ساعات.
لذلك يحث القديس بولس القارئ على استثمار الوقت (افتداءه).

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:51 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
قيمة الوقت


كلمة الوقت الواردة هنا لا تعنى مجرد مرور الدقائق والأيام (كورنوس Kronos) وإنما المقصود هنا هو الوقت المعين (kairos) أو الفرصة المتاحة لنا من الله "حسبما لنا فرصة فلنعمل الخير للجميع"(غل10:6) والمقصود هنا شراء الفرصة، وافتداء الوقت يعنى استبداله، والفعل "يفتدي ex-agorazw" يعنى "يشترى من " كما ورد في (غل3: 13) (انظر نص السفر هنا في موقع الأنبا تكلا) من أن المسيح افتدانا من لعنة الناموس، أما إدخال المقطعex على الكلمة فيعطيها قوة ويخرجها من دائرة (التسويق) إلى معنى "يستخدم إلى أقصى درجة" وقد استخدم الفعلagorazw في التعبير عن تحرير المسيح للمؤمنين- الذين من أصل يهودي – من لعنة الناموس، وذلك بأن صار هو تحت لعنة الناموس " ليفتدى الذين تحت الناموس"(غل4: 5).
والفداء في معناه الجوهري هو تحويل الفاسد إلى عدم فساد، والشرير إلى صالح، والمحكوم عليه بالموت إلى العتق، والظلمة إلى نور. وأما الثمن فكان الآلام والصلب والموت. وأمّا جهاد الإنسان في المقابل فهو أن يحول الزمن الفاني الأرضي هنا إلى أبدي خالد، من خلال جهاده وتعبه وسهره وعمل المحبة الذي يسعى فيه بلا ملل... وهو عندما يبذل العرق والدموع والدم فإنه يستبدل الفاني بالباقي والزمني بالأبدي والأرضي بالسمائي... وكما يشترى (يفتدى) البعض أبديتهم بزمانهم بالحاضر الذي "يجرى كعداء" (أي 9: 45) فإن البعض الآخر- وعن عدم حكمة - يبيع أبديته من خلال تمسّكه بتوافه هذه الحياة الحاضرة، فهذا تجارته خاسرة وذاك ربح بحكمة.

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:52 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
كيف نجد الوقت؟

إن الفرق بين شخص وآخر، ليس أن الواحد يجد الوقت الكافي للجهاد والإنجاز بينما لا يجده الآخر، وإنما يوجد شخص منظّم وآخر لا ينظم وقته، وشخص يعمل أكثر من عمل في وقت واحد.. وآخر يدير مجموعة من الشركات وثالث يقف أيامًا متصلة في المعامل، بينما قد يقضى شخص آخر وقته في المقاهي أو أمام أجهزة الإعلام أو الكمبيوتر. وفي مراجعة بسيطة في نهاية اليوم لحصر الإنجازات مقارنة بالوقت، سيتضح أن بضع ساعات قد مرّت دون أن ننجز فيها شيئًا ...
وأتخيل أن الله يضع بين أيدينا عندما نستيقظ كل صباح 24 (أربع وعشرين) ساعة وكأنها "مصروف اليوم" لكي نحقق فيه ما لم نستطع تحقيقه بالأمس..!
بل لقد كان الآباء يقرأون وهم يعملون، ويصلون وهم يعملون، ولا يُخصّصوا للأكل أو العمل وقتًا بذاته... بل حاولوا إنجاز أكثر من عمل في نفس الوقت (على أن تكون الصلاة هي القاسم المشترك مع أي عمل آخر) وبين آن وآخر كانوا يستوقفون أنفسهم ماذا يعملون الآن.
ونقرأعن القديس بيمن أنه وبينما كان يقف مع شقيقه يطليان قلايتيهما من الخارج بالجير، أن نظر أحدهما إلى الآخر قائلًا: ماذا لو جاء المسيح الآن؟ هل يجدنا نصلي أم نعمل مثل هذا العمل؟ وللوقت تركا العمل ودخلا قلايتيهما.

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:53 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
النوم وافتداء الوقت

كما كان الآباء مقتصدين جدًا في النوم...
بل أن كلمة نوم غير محبوبة في القاموس الرهباني...
فالراهب إذا أراد النوم لبعض الوقت فهو يقول أنه سوف "يستريح قليلًا" إذ قبيح به أن ينام! ويشبع من النوم...
وأتعجب كيف ينام الناس كثيرًا!
إن الإنسان المعتدل ينام ثلث عمره!
تخيلوا شخصًا عمره ثلاثون عامًا نام فيها عشرة أعوام!!
إن النوم هو "موت صغير" إذ يخرج فيه الإنسان خارج دائرة التفاعل مع الحياة والمجتمع، كما ُسمي الموت أيضاَ نوم "لعازر حبيبنا قد نام أذهب لأوقظه" (يو11:11)
إن مَنْ كان مشغولًا بعمل عظيم لا يستطيع الاستغراق في النوم!!
بل أن عُمر الإنسان ُيحسب بما قضاه بالفعل من وقت فيه عمل وسهر وتعب وخير وثمر،
ويقول الآباء "يستطيع شخص ما أن يحقق في ساعة واحدة ما لا يستطيعه آخر في سنوات، إذا كانت نية الأول نشيطة ونيّة الآخر متوانية".
وأتذكر أننا سألنا راهبًا شيخًا ذات يوم عن عدد السنين التي قضاها فقال "ثلاثون عامًا" وعندما مدحناه أردف قائلًا: "ولكنها 30 × صفر"!!
قال ذلك اتضاعًا وكأنه لم ُينجز شيئًا فيها يستحق المديح.

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:54 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
سكان الجحيم والوقت




https://st-takla.org/Pix/People-Chris...nk-Walking.jpg
تخيلوا سكان الجحيم وكيف يحسدون الناس على السنوات التي يمرحون فيها، وتلك التي تضيع منهم، ويتعجبون كيف يغفل الناس أمر خلاصهم ولا يفتدون الوقت، لقد طلب الغنى من أبينا إبراهيم أن يرسل من يحذر عائلته في العالم، لئلا يواجهوا المصير ذاته.
وتخيلوا أن واحدًا من سكان الجحيم أتيحت له الفرصة ليعود ويحيا عدة أسابيع هنا؟ ماذا سيصنع فيها وكيف سيسلك، لاشك أنه لن يضيّع ثانية واحدة دون ثمر.
وفي سير الآباء نقرأ أنه عند نياحة أحد الآباء رآه الرهبان الجلوس حوله يبكى وكان شيخًا مجاهدًا، فلما سألوه ثانية كم من الوقت يريد، أجابولو يوم واحد. فقالوا له: وماذا تصنع في ذالك اليوم الواحد أكثر مما فعلت في هذا العمر الطويل .. فقال: وإن لم أستطع صنع شيء فعلى الأقل أبكى!!
كانت أعمار الناس في البداية مئات السنين مثل متوشالحوآدم. أما الآن فهي قليلة ورديئة، وتحتاج إلى مضاعفة الجهاد، ولذلك فعندما أرادت الشياطين خداع أحد القديسين بأن يترفق بنفسه إذ ما يزال أمامه متسع من الوقت (25 سنة) أجابهم شاكرًا إياهم فقد نبهوه ليجاهد أكثر، فقد كان يظن أنه سيحيا خمسون سنة!!
بل أن هناك لحظات في حياة الإنسان تساوى الكثير، مثل لحظة اتخذ فيها قرار رهبنة أو تكريس... أو التخلي عن خطية ما أو عادة ما. أو لحظة قال فيها كلمة جيدة، قد تساوى تلك اللحظة سنوات من التكاسل وتفوقها... كلمة خلدت وخلّدته. بل أنه من الممكن أن تتحدد مصائر شعوبًا بالكامل بكلمة واحدة في لحظات.
إن ما نستطيع تحقيقه اليوم في ساعات قد لا نستطيعه في شهور في مرحلة لاحقة من حياتنا، والذي يتعب في شبابه سيفرح في كبره، بل أن التوقف عن العمل يحسب خطية في حد ذاته، إن صاحب الوزنة الواحدة لم يعاقب لأنه أضاعها بل لأنه لم يستثمرها (مت25) وعلينا أن نتذكر أن أعظم عطية معنا الآن هي أننا لا نزال موجودين، ونصلى كل يوم – في صلاة الشكر- شاكرين الله لأنه أتى بنا إلى هذه الساعة، فكثيرين كانوا معنا العام الماضي وليسوا معنا اليوم، وآخرين كانوا على قيد الحياة منذ ساعات والآن في عداد المنتقلين... إن الوقت الذي نفتديه الآن بالعمل والثمر الروحي يحسب كقطرة ماء إلى جوار محيط، وإذا ما قيس بالأبدية أو حبة رمل في صحراء ...

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:55 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
الأيام شريرة




يعللالقديس بولس ضرورة افتداء الوقت بأن الأيام شريرة، هناك أعداءً كثيرين يتربصون به، وهُوى عديدة تحيط بالناس من كل جانب، فإن لم ينتبه الإنسان ويعي جيدًا ما يدور من حوله، فسوف يُبتلع بسهولة داخل هذا الخضم من الشرور.
لأن الأيام شريرة؟
لست أعلم إن كانت الأيام هي التي تزداد شرا مع الوقت، وينحدر الزمن من رديء إلى أردأ، أم أن الإنسان هو الذي يعتق في الشرور؟ هل تحوّل الناس إلى أشرار بسبب أن العالم شرير، أم أن العالم قد أصبح شريرًا بسبب شرور الناس؟ تلك الشرور التي بدأت مبكرًا جدًا مع العائلة البشرية الأولى! لقد قال الله لآدم عقب السقوط: " ملعونة الأرض بسببك" (تكوين17:3) وإشـارة أخرى ترد في بدايات سفر التكوين، تبعث على الألم والأسف: " ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض و تأسف في قلبه" (تكوين 6: 5، 6).

https://st-takla.org/Pix/Portraits-Ge...adi-Blasco.jpg
وفي فجر العهد الجديد يشير القديس بولس إلى الفساد المستشري آنذاك " لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهولة .." (عب12: 1) فمنذ البدايات والخطية تُعرض نفسها ما بين النجاسة بشتى صورها، والفساد والبحث عن مظاهر اللذة بكافة الطرق، والعنف والمقاتلة. وإلى سبعة عشر من أشكال الخطية يشير القديس بولس قائلًا: " وأعمال الجسد ظاهرة التي هي زنى. عهارة. نجاسة. دعارة. عبادة الأوثان. سحر. عداوة. خصام. غيرة. سخط. تحزب. شقاق. بدعة. حسد. قتل. سكر. بطر. وأمثال هذه التي أسبق فأقول لكم عنها كما سبقت فقلت أيضا أن الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله" (غلاطية 5: 19- 21).
وهي شريرة أيضًا: بسبب المفاجآت التي تصدم آذاننا وعيوننا ومشاعرنا كل يوم، من أخبار مؤلمة وحوادث مرعبة لم نكن نتوقعها، ولم نتقابل معها إلاّ من خلال القصص الخيالية والبوليسية لألفريد هتشكوك أو أجاثا كريستي وغيرهم.. الجرائم الغريبة التي نسمع عنها الآن مثل قتل الآباء والأمهات لأطفالهم، وقتل الأبناء والبنات لآبائهم. التلاميذ لمعلميهم والمعلمون لتلاميذهم؟ وحيث ينتشر الفساد والمخدرات، والمواقع الرديئة مجهولة المصدر على شبكة الانترنت... الخ. حتى أصبح الواقع اليومي للشرّ والجريمة أكثر إثارة للرعب والاستياء من الأفلام وقصص الجيب! وحتى أصبحت عناوينًا تقليدية في الصحف، وأخبارًا لا يتوقف عندها الناس دائمًا بسبب كثرتها!
ومما يجعل الأيام شريرة أيضًا: المفاهيم التي تختلط مع الوقت، ما بين الخطية والخطأ من جهة، وبين الخطأ والسلوك العادي من جهة أخرى. ولأن العالم ُوضع في الشرير (نعلم أننا نحن من الله والعالم كله قد وضع في الشرير" (1يو19:5) ولأن الشيطان هو رئيس هذا العالم، وهو شرير وكذَّاب وأبو الكذاب ومنه تنبع الشرور، وهو يشتكي على أولاد الله ويزرع الخصومات بين الناس، يهيج الأشرار على الأبرار، بينما يشكك الأبرار ويخيفهم. "إنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب" (يو 44:8).
إنها حياة مشوبة بالنقص وعدم الكمال وعدم الثبات، وكل من يرغب في ضمان مستقبله عليه التمسك بالبر والإلتصاق بالمسيح، وليس بهذا العالم الشرير غير الكامل. "اهتموا بما فوق لا بما على الأرض" (كو2:3).

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:57 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
أنتم ملح الأرض، أنتم نور العالم

الإنسان يمكنه أن يحيا في بِر وسط عالم شرير، مثل سفينة تسير في البحر دون أن تخترقها المياه وتغرقها، كما كان داود بركه لجيله "لأن داود بعدما خدم جيله بمشورة الله رقد و انضم إلى أبائه .."(أعمال36:13). بينما ينجرف شخص آخر في التيار، فتصبح أيامه شريرة, يُضفي على حياته سمة الشر فيصير هو شريرًا، وهكذا نقابل نوعان من الناس:
+ نوع يعاني بسبب بره لأن الأيام شريرة.
+ ونوع يعاني الأبرار منه لأنه شرير!
والعجيب أن الناس يئنّون ويتألمون متعللين بأن الأيام شريرة، ولكن هل سألوا أنفسهم لماذا هي شريرة، وإن كان لهم دور في هذا الشر أم لا فشخص واحد يمكن أن يجعل الحياة من حوله خيرًا وسلامًا مُضفيًا جوًا من البهجة، والعكس جائز أيضا.
وقد جاء عن لوط البار أنه كان يتعذّب بسبب الشرور التي تحيط به "إذ كان البار بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم يعذب يومًا فيومًا نفسه البارة بالأفعال الأثيمة" (2بط 2: 8). ولكنه احتفظ ببره، جاهد بصبر فكلّله الله.

Mary Naeem 01 - 04 - 2014 05:58 PM

رد: كتاب مفتدين الوقت - الأنبا مكاريوس
 
الأيام صالحة




https://st-takla.org/Pix/People-Chris...e-Cross-02.jpg
يمكننا أن نجعل الأيام خيّرة لمن يحيون معنا بأن نُخَفِّف عنهم،
من خلال أعمالنا الصالحة،
مثلما يتغرب شخص في بلد ما فتكون أيام غربته أيام بركة وفرح وعزاء لمن عاش بينهم،
لا ينسونها بل يرتبط اسمه بها وبالخير.
إن بإمكان الإنسان أن ُيضفي صلاحه وبره على مكان بأكمله،
لقد صرح الله قبل سبي بابل بأنه يمكن أن يصفح عن أورشليم إن وجد فيها بارًا واحدًا (إرميا2,1:5)،
بل يمكن لشخص بار أن يجعل من مسكنه أو مخدعه أقدس مكان في الوجود.


الساعة الآن 03:39 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026