![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 80861 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() وعد المسيح بالروح القدس
![]() الاحد السادس للفصح: وعد المسيح بالروح القدس (يوحنا 14: 15-21) في خطاب الوداع بعد العشاء الأخير (يوحنا 14: 15-21) وعد سيدنا يسوع المسيح تلاميذه في هذه اللحظات الحزينة والمظلمة والمأساوية ان يبقَ حاضراً معهم بالرغم من رحيله عنهم، وذلك بإرسال الروح القدس تحضيرا لحلوله عليهم يوم العنصرة؛ ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته. اولا: وقائع النص الانجيلي (يوحنا 14: 15-21) 15 إِذا كُنتُم تُحِبُّوني، حَفِظتُم وَصاياي تشير عبارة " إِذا كُنتُم تُحِبُّوني " الى فعل الشرط، وهو المحبة التي تقود الى طاعة أوامر المسيح، فطاعة الوصايا برهان على محبته، ويؤكد ذلك يوحنا الرسول. " أَنَّ مَحبَّةَ اللهِ أَن نَحفَظَ وصاياه " (1 يوحنا 5: 3). أن يحمل المرء اسم الرّب يسوع المسيح من دون حفظ وصاياه، أليس في ذلك خيانة للاسم الإلهي والتخلّي عن محبته؟ امَّا عبارة " حَفِظتُم " فتشير الى فعل الشرط أي إن كنا نحبّ يسوع نحفظ وصاياه ونعمل بها ونطيعها. والطاعة هي الثقة بكلمة شخص الذي نحبُّه. وهذه الثقة تقود إلى اتباعه. ومن يُحب يُطيع الوصايا، والروح القدس يعطينا الحب كي نحفظ الوصايا. لذا فإنَّ إرسال الروح من قبل الآب هو تلبية لطلب يسوع ويرتبط برسالته ارتباطا وثيقا (يوحنا 14: 13-14). ومن هذا المنطلق، إن محبتنا تُختبر بحفظ الوصايا وطاعتها. فالمحبة لا تكون بالكلام والعواطف، بل بحفظ وصايا يسوع كما يؤكد الكتاب المقدس "لا تَكُنْ مَحبَّتُنا بِالكلام ولا بِاللِّسان بل بالعَمَلِ والحَقّ" (1 يوحنا 3: 18). ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "الله يطلب الحب الذي يَظهر بالأعمال". هذا هو السبب الذي لأجله يقول يوحنا في رسالته: " مَن قالَ: إِني أَعرِفُه ولَم يَحفَظْ وَصاياه كان كاذِبًا ولَم يَكُنِ الحَقُّ فيه" (1 يوحنا 2: 4). وصايا الله هي إثبات لحبِّه لنا، وإطاعة وصاياه هي تعبيرٌ لحبِّنا له. أمَّا عبارة "وَصاياي" فتشير الىالوصايا العشر (خروج 34: 28). وهي ما نطق به الله في سيناء. وتدعى أيضاً كلمات العهد (تثنية الاشتراع 29: 1)، وهي موجز لكثير من تعاليم العهد القديم. فالوصايا الثلاث الأولى، تختص بواجبات الإنسان نحو الله، والسبع الأخيرة بواجبات الإنسان تجاه الإنسان. لقد أجَّلّ يسوع الوصايا، وشدَّد عليها ولخَّصها في وصية واحدة هي وصية المحبة، وفسَّرها تفسيراً حقيقياً، وعلم الناس أن غاية الوصايا، إنما هي المحبة الله والقريب (متى 22: 37). وضَّح بولس الرسول أن الإيمان العامل بالمحبة هو تكميل الناموس "في المسيحِ يسوعَ لا قِيمةَ لِلخِتانِ ولا لِلقَلَف، وإِنَّما القِيمةُ لِلإِيمانِ العامِلِ بِالمَحبَّة" (غلاطية 5: 6). وأمَّا يوحنا فقد وسع معنى الوصية وعمقه ودمغها بدمغة المحبة ولذا تكلم عن الوصية الجديدة " أُعْطيكم وَصِيَّةً جَديدَة: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً" (يوحنا 13: 34). وموجز القول إن المحبة هي أصل الناموس وتتمته. 16وَأَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم لِلأَبَد تشير عبارة "سأَسأَلُ الآب" الى النتيجة الثانية وهي رفع يسوع صلاته للآب الذي سيهبنا بدوره مؤيدًا آخرًا يكون معنا للأبد mيوحّدنا بالله. فالمسيح يشفع لتلاميذه أمام آبيه كما يقول بولس الرسول "المَسيحُ يسوع الَّذي مات، بل قام، وهو الَّذي عن يَمينِ اللهِ والَّذي يَشفعُ لَنا" (رومة 8: 34). فبدم المسيح وفدائه صار هناك إمكانية لإرسال الروح القدس للإنسان. وهذا يذكِّرنا برئيس الكهنة في العهد القديم الذي كان بعد ان يقِّدِّم الذبيحة يدخل بدمها الى قدس الاقداس ليشفع الى شعب العهد القديم، وكان ذلك رمزا الى ما فعله يسوع في السماء وهو رئيس الكهنة فبشفاعته تُغفر خطايانا وتستجاب صلواتنا. امَّا عبارة " فيَهَبُ لَكم " فتشير الى الآب الذي يمنح الروح القدس ويرسله الى التلاميذ. ولان مجيء الروح القدس يتوقف على موت المسيح وشفاعته، يحق للمسيح أيضا ان يقول انه هو يرسله أيضا "مَتى جاءَ المُؤَيِّدُ الَّذي أُرسِلُه إِلَيكُم مِن لَدُنِ الآب رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب فهُو يَشهَدُ لي" (يوحنا 15: 26). ويصح ان يُنسب الروح القدس الى كل من الآب والابن لانهما واحد. امَّا عبارة "مُؤَيِّداً آخَرَ " فتشير الى الروح القدس علما ان المؤيد الأول هو المسيح كونه مع تلاميذه بالجسد (لوقا 2: 25). ويؤكد ذلك البابا فرنسيس بقوله "إن البراقليط الأول هو يسوع المسيح نفسه والأخر هو الروح القدس" (عظة 25/4/5/2014). وتدل لفظة “مُؤَيِّداً" أيضا على المسيح "يا بَنِيَّ، أَكتُبُ إِلَيكم بِهذا لِئَلاَّ تخطَأُوا. وإِن خَطِئ أَحدٌ فهُناك شَفيعٌ د€خ±دپل½±خ؛خ»خ·د„خ؟د‚ لَنا عِندَ الآب وهو يسوعُ على المَسيحُ البارّ (1 يوحنا 2: 1). إن الشيطان يتهم الانسان ويضع خطيئته في المركز ويعامله كخاطئ غير قادر على سداد الدين من ناحية، ومن ناحية أخرى إن يسوع المؤيّد اجتاز الموت بسبب خطايا الانسان، وفداه بنفسه ليغفر له. واستعمل يوحنا لفظة مؤيد أربع مرات في الانجيل (لوقا 14: 16، 26؛ و15: 26، و16: 7) ومرة واحدة في رسالة يوحنا الأولى "إِن خَطِئ أَحدٌ فهُناك شَفيعٌ لَنا عِندَ الآب وهو يسوعُ المَسيحُ البار (1يوحنا 2: 1). أمَّا عبارة " مُؤَيِّداً" في الأصل اليوناني د€خ±دپل½±خ؛خ»خ·د„خ؟د‚ (معناها معزّي والمعنى الحرفي واحد يُدعى الى جانب الشخص) فتشير الى لفظ مقتبس من لغة القانون ويدل على من يسُتدعى لدى المتَّهم للدفاع عنه ليساعده في التحقيق امام المحكمة. فالمعنى الأول هو المحامي والمساعد والمدافع والشفيع (1 يوحنا 2: 1). وبناءً على هذا المعنى، ظهرت معان أخرى كالمُعزي والمُشجّع. فالمسيح عزّى تلاميذه حين كان معهم بالجسد، وإذ يفارقهم بالجسد يُرسل لهم روحه القدوس معزيًا آخر. وهذه اللفظة ترد فقط في كتابات يوحنا الرسول للدلالة على الروح القدس الاقنوم الثالث في اللاهوت لينوب عن المسيح بعد صعوده الى السماء كي يُعين الرسل في التبشير وهداية الناس الى التوبة والايمان، ولكي يتابع عمل يسوع، ويعاون التلاميذ في اتهام العالم لهم. ووظيفته هي ان يبكت (يوحنا 16: 8) وان يشهد (يوحنا 15: 26) وان يعلّم (يوحنا 14: 26)، ويرشدنا للمسيح الحق " لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه" (يوحنا 16: 14)، فهو يعزي ليس فقط بالمواساة بل أيضا بإعلان طبيعة يسوع وعمله. هذا الروح يبقى معنا، ولا يحل محل يسوع الذي هو معنا حتى انقضاء الدهور (متى 28: 20) ويعمل عمل التقديس في الكنيسة، دون ان يكون له حدود في الزمان والمكان (يوحنا 14: 16 و26، 15: 26 و16: 7). وهذا لا يعني ان الروح القدس لم يكن سابقا في قلوب أتقياء الله مثل يوحنا الممدان (لوقا 1: 15) إنما الآن يظهر بطرق جديدة. أمَّا عبارة " يَكونُ معَكم لِلأَبَد" فتشير الى موهبة الروح الذي تُعطى بلا سقف زمني، وهي تضمن للأبد الاتحاد بالمسيح الذي يهب الروح (يوحنا 18: 20). يبقى الروح القدس مع كل واحد من المؤمنين الى نهاية حياته ومع الكنيسة الى الابد. ونلاحظ في هذه الآية دلالة على الثالوث: الابن الذي يسأل، وألاب الذي يهب، والروح القدس المُرسل المعزِّي. 17 رُوحَ الحَقِّ الَّذي لا يَستَطيعُ العالَمُ أَن يَتَلَقَّاه لأَنَّه لا يَراه ولا يَعرِفُه. أَمَّا أَنتُم فتَعلَمون أَنَّه يُقيمُ عِندكم ويَكونُ فيكم تشير عبارة "روح الحق" الى الروح القدس أي الاقنوم الثالث من الثالوث الذي يهبه الآب، وسُمِّي بذلك "لأَنَّ الرُّوحَ هو الحقّ (1يوحنا 5: 6)، ولأنه علم تلاميذ المسيح الحق ويرشدهم إليه ويحفظهم من الباطل "فَمتى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه لِأَنَّه لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع ويُخبِرُكم بِما سيَحدُث " (يوحنا 16: 13)، ولأنه يقود الناس الى المسيح الذي هو الحق، ويشهد له ويجتذب النفوس لقبول إنجيله، والتعرف على أسراره. ويساعد الروح القدس التلاميذ على التقدّم في المعرفة (يوحنا 16:13) وفي تأدية الشهادة له "وأَنتُم أَيضاً تَشهَدون لأَنَّكُم مَعي مُنذُ البَدْء"(يوحنا 15: 27). وروح الحق يتعارض مع روح الضلال (1 يوحنا 4: 5) والكذب المُسيطر على العالم الذي " ليسَ فيه شَيءٌ مِنَ الحقّ. فَإِذا تكَلَّمَ بِالكَذِب تَكَلَّمَ بِما عِندَه لأَنَّه كذَّابٌ وأَبو الكَذِب " (يوحنا 8: 44). وكما ان الروح القدس حق فكذلك الآب حق كما جاء في تصريح يسوع "والحَياةُ الأَبدِيَّة هي أَن يَعرِفوكَ أَنت الإِلهَ الحَقَّ وحدَكَ ويَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَه يَسوعَ المَسيح" (يوحنا 3:17) والمسيح أيضا حق " أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة "(6:14)؛ أمَّا عبارة "لا يَستَطيعُ العالَمُ أَن يَتَلَقَّاه" فتشير الى رفض العالم للروح القدس كما رفض يسوع المسيح (يوحنا 1: 10)، وذلك لأنّه لا يراه ولا يعرفه. فالعالم لا يملك نظرة اعتبار لكل ما هو إلهي، لذلك لا يُميِّز روح الحق، ولا يستطيع ان يقبله لان العالم يجد ذاته في شهوات الجسد " لأَنَّ كُلَّ ما في العالَم مِن شَهوَةِ الجَسَد وشَهوَةِ العَين وكِبرياءِ الغِنى لَيسَ مِنَ الآبِ، بل مِنَ العالَم" (1 يوحنا 2: 16). فالعالم لا يُدرك سوى المحسوسات كما جاء في تعليم بولس الرسول " إِذا كانَت بِشارتُنا مَحجوبَة، فإِنَّما هي مَحجوبَةٌ عنِ السَّائِرينَ في طَريقِ الهَلاك، عن غَيرِ المُؤمِنينَ الَّذينَ أَعْمى بَصائِرَهم إِلهُ هذِه الدُنْيا، لِئَلاَّ يُبصِروا نورَ بِشارةِ مَجْدِ المسيح، وهو صُورةُ الله "(2 قورنتس 4: 3-4)، فالعام مُصاب بالعمى الروحي وفساد الفكر، فلا يقدر أن يرى روح الحق أو يعرفه. ويُعلق القديس اوغسطينوس "الحب العالمي (الزمني) ليس له تلك الأعين غير المنظورة بينما الروح القدس لا يمكن أن يُرى إلاَّ بالأعين غير المنظورة". امَّا عبارة " العالَمُ " فتشير الى اهل العالم المتكبِّرين الطمَّاعين الذين اتخذوا الدنيا نصيبا لهم ، فهؤلاء لا يستطيعون قبول الروح القدس معزِّيا لهم ، ويوضح ذلك بولس الرسول " الإِنسانُ البَشَرِيُّ لا يَقبَلُ ما هو مِن رُوحِ الله فإِنَّه حَماقةٌ عِندَه، ولا يَستَطيعُ أَن يَعرِفَه لأَنَّه لا حُكْمَ في ذلِكَ إلاَّ بِالرُّوح " ( 1 قورنتس 2: 14)؛ أما عبارة " لأَنَّه لا يَراه " فتشير الى سبب عدم رؤية العالم الروح القدس، لأن انسان العالم لا يرى سوى المحسوس ولا يُسر بالروحانيات، ولا يشعر بحقيقتها ويعتبر ان المسيحيين هم من اهل الاوهام لانهم يتكلمون على أمور لا ترى إلا بعين الايمان. امَّا عبارة " ولا يَعرِفُه" فتشير الى عدم ادراك إنسان العالم الروح القدس لأنه لا يقبله كي يحصل به على التوبة والإيمان والرجاء والمحبة ، ويوضِّح بولس الرسول ذلك لأن إنسان هذه الدنيا يعيش بالإثم "يَتَجَنَّبِ الإِثْمَ مَن يَذكُرُ اسمَ الرَّبّ " ( 2 طيموتاوس 2: 19) أمَّا عبارة " أَمَّا أَنتُم فتَعلَمون" فتشير الى رؤية التلاميذ ومعرفتهم للروح القدس لان المسيح اعدَّهم لذلك ، وهكذا المؤمنون الذين عرفوا الابن يعرفون الروح أيضا كما جاء في رسالة العبرانيين "أَنَّ الطَّعامَ القَوِيَّ هو لِلرَّاشِدين، لأَولئِكَ الَّذينَ بِالتَّدَرُّبِ رُوِّضَت بَصائِرُهم على التَمْييزِ بَينَ الخَيرِ والشَّرّ"(عبرانيين5: 4)؛ أمَّا عبارة " يُقيمُ عِندكم ويَكونُ فيكم " فتشير الى المؤمنين الذين هم هيكل الروح القدس الذي يُغير قلوبهم ويُقدِّسها ويُقدِّرها على الإتيان بأثماره الروحية "فمَن حَفَظَ وَصاياه أَقامَ في الله وأَقامَ اللهُ فيه. وإِنَّما نَعلَمُ أَنَّه مُقيمٌ فينا مِنَ الرُّوحِ الَّذي وَهَبَه لَنا" (يوحنا 5: 10). 18 لن أَدَعَكم يَتامى، فإِنِّي أَرجعُ إِلَيكم تشير عبارة "لن أَدَعَكم يَتامى" الى النتيجة الثالثة التي مُنحت لمَن يحبون الربّ يسوع ويحفظون وصاياه. انه يهبهم حياته ويُدخلهم في العلاقة ذاتها التي تجمعه مع الآب. ويُعزِّي يسوع هنا تلاميذه بعدم تركهم يتامى وكأن لا أب لهم يُسندهم ويَحميهم، ويعتني بهم. فقد كان اليهود يدعون المعلمين آباء والتلاميذ أبناءهم، فغياب السيد المسيح عن تلاميذه يصيرون كمن هم بلا أب؛ ويُعلق البابا فرنسيس "تنقل هذه الكلمات فرح مجيءٍ جديد للمسيح: فهو، قائم من الموت ومُمجَّد، يقيم في الآب وفي الوقت عينه، يأتي إلينا بالروح القدس" (كلمة البابا 21 أيار 2017)؛ أمَّا عبارة " فإِنِّي أَرجعُ إِلَيكم" فتشير الى وعد يسوع لتلاميذه بظهوره بعد قيامته كتأييد لوحدته الجوهرية مع الآب، ويأتي إليهم أيضا بعد صعوده في مجيئه الأخير ليحملهم إلى المجد. وإنه يأتي أيضًا إلينا على الدوام بروحه، الحاضر في قلوبنا، وفي وسطنا. فهو يأتي إليهم ولا سيما حين يصرخ المومئين: "تعالَ، أَيُّها الرَّبُّ يَسوع" (رؤيا 22: 20). وفي الواقع، إن لم يعطينا الله الروح، نبقى وحيدين في العالم. لهذا السبب يقول لنا يسوع بأنه لن يدعنا يتامى؛ فبالروح نصبح أبناء الله وبالتالي يصبح الله آب لنا. فالآب شاء ويشاء، والابن تمّم ويتمّم، والرّوح لا يزال يكمّل مشيئة الآب وعمل الابن فينا. هو المعزّي الّذي يحقـِّق استمراريّة إرادة الآب وعمل الابن في حياة المؤمنين، فيوقن التلاميذ أنّهم ليسوا يتامى في العالم، بل يحيوا بالرّوح بعد ارتفاع الابن إلى يمين الآب. 19 بَعدَ قَليلٍ لَن يَراني العالَم. أَمَّا أَنتُم فسَتَرونَني لِأَنِّي حَيٌّ ولأنَّكُم أَنتُم أَيضاً سَتَحيَون تشير عبارة "بَعدَ قَليلٍ" الى أقل من يوم لأنه قال يسوع ذلك في الليلة السابقة لآلامه وموته . امّا "لَن يَراني العالَم " فتشير الى عجز العالم عن معرفة يسوع القائم من الموت (يوحنا 6: 34 و8: 21). فبعد ان يُصلب يسوع ويموت لا يعود العالم يراه، لا حسب جسده ولا حسب لاهوته؛ لأنّ يسوع أوقف من قبل اليهود، وصُلِب في اليوم التالي، ودُفِن في المساء واختفى بالتالي عن أنظار البشر. وتبقى العلاقة بين يسوع والآب غير مرئية لمَن لا يؤمن ولا يُحبّ. أمَّا عبارة "أَمَّا أَنتُم فسَتَرونَني لِأَنِّي حَيٌّ ولأنَّكُم أَنتُم أَيضاً سَتَحيَون" فتشير الى اختبار التلاميذ بحضور يسوع القائم لمدة أربعين يوما بعد قيامته (أعمال الرسل 10: 41) ومشاركتهم في حياته الجديدة، وكذلك من سيؤمنون بناءً على شهادتهم. وهذه المعرفة وهذه المشاركة في حياة القائم من الموت تمهدان وتستبقيان ما سيتم عند مجي المسيح " نَحنُ مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله ولَم يُظهَرْ حتَّى الآن ما سَنَصيرُ إِليه. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه لأَنَّنا سَنَراه كما هو" (1 يوحنا 3: 1-2)، ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "فقد أبلغهم من خلال هذه العبارة بأنّه سيعود، وبأنّ الافتراق سيكون قصيرًا وبأنّ اللقاء معهم سيدوم إلى الأبد" أمَّا عبارة "أَنتُم فسَتَرونَني " الى رؤية يسوع القائم من بين الأموات وترائيه لتلاميذه (يوحنا 16: 16-22). ولكن هذه الحضور لن يكون حسي محض، إنَّما يرافقه اكتشاف روحي حيث يتضح لهم حضوره فيهم، والتلاميذ يحيون حياة جديدة بيسوع حاضرا فيهم ويعرفون علاقة يسوع بابيه وانهم سوف يرونه مُمجدا في السماء؛ امَّا عبارة " لِأَنِّي حَيٌّ " فتشير الى المسيح الذي لا يزال حياً باعتبار لاهوته لأنه منذ الازل والى الابد هو الله الحي. فالموت الذي اعترى جسده وقتيا لم يؤثر شيئاً في لاهوته، إذ قام حالا من ذلك الموت ولا يذوق الموت ثانية "وقضى على المَوت وجَعَلَ الحَياةَ والخُلودَ مُشرِقَينِ بِالبِشارة" (2 طيموتاوس 1: 10). أمَّا عبارة " سَتَحيَون" فتشير الى الحياة التي هي الاتحاد بالابن وعن يده بالآب، وهذا التبادل القائم على المعرفة والمحبة المتبادلة مضمون على وجه ثابت ونهائي كما جاء في تعليم بولس الرسول " أَحْيانا مع المَسيح" (أفسس 2: 5)؛ وكما اختبره بولس الرسول نفسه " فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ" (غلاطية 2: 20). حياة المسيح هي عربون حياة تلاميذه "إِنَّ المسيحَ قد قامَ مِن بَينِ الأَموات وهو بِكرُ الَّذينَ ماتوا" (1 قورنتس 15: 20)، وكما ان الكرمة تأكيد لحياة اغصانها، وحياة الراس تأكيد لحياة الأعضاء كذلك قيامة المسيح هي تأكيد لحياتنا وقيامتنا. وهناك التمييز بين التلاميذ والعالم. فالتلاميذ هم الذين يختبرون حضور المسيح القائم من الموت، ويقاسمونه حياته الجديدة. هو يحيا، وهم سيحيون، أمَّا العالم فلا يستطيع ان يُدرك يسوع (يوحنا 7: 34). 20 إِنَّكم في ذلك اليَومِ تَعرِفونَ أَنِّي في أَبي وأَنَّكم فِيَّ وأَنِّي فِيكُم تشير عبارة "إِنَّكم في ذلك اليَومِ" الى عبارة مألوفة في العهد القديم للدلالة على مجيء المسيح في آخر الأزمنة (أشعيا 2: 17). وتبتدئ هذه الأزمنة بقيامة يسوع التي يشترك فيها المؤمنون. وتشير العبارة أيضا الى يوم قيامة الرب لما ظهر لتلاميذه حيا في أماكن مختلفة وخاصة الى يوم الخمسين حين أرسل الروح القدس واظهر حياته بهبته الروح القدس. أمَّا عبارة "تَعرِفونَ" فتشير الى تبدُّل تفكير التلاميذ حيث يعرفون العلاقة التي تربط الآب بالابن، والعلاقة التي تربطهم بالابن، وبواسطته بالآب من خلال قيامته والظهور لهم. أمَّا عبارة "أَنِّي في أَبي " فتشير الى الوحدة القائمة بين الآب والابن، وحدة الطبيعة أو الجوهر، وجوهر الله ألوهيته كما اكّده سابق يسوع بقوله "وإِذا كُنتُ أَعمَلُها فصَدِّقوا هذهِ الأَعمال إِن لَم تُصَدِّقوني. فَتعلَموا وتُوقِنوا أَنَّ الآبَ فيَّ وأَنيِّ في الآب"(يوحنا 10: 38)؛ وهذا الامر يؤكد صحة دعوى يسوع انه رسول الله والمسيح المنتظر؛ أمَّا عبارة "وأَنَّكم فِيَّ وأَنِّي فِيكُم" فتشير الى العلاقات التي تربط التلاميذ بيسوع وتمكّن من اكتشاف حقيقة العلاقة القائمة بين يسوع والآب. وهذه شركة بيننا وبينه، حيث يهبنا حياته ويشترك معنا في كل عمل، وهو يعمل الاعمال فينا، ويعطينا القداسة، والسلطان على إبليس وعلى الخطيئة، وبهذا يصير لنا سلطان أن نكون أبناء الله (يوحنا 1: 12). أمَّا عبارة " وأَنَّكم فِيَّ " فتشير الى اتحاد بين جسد المسيح البشري وجسدنا البشري. المسيح هو الله المتأنس الذي تجسَّد، وصار له جسد بشريتنا، أنه أخذ البشرية فيه بتجسده، فأصبحنا مسكن الله. وهذا الاتحاد بالمسيح لا يُمكن الانفصال عنه على مثال الكرمة والاغصان (يوحنا 15: 1-7)، ويحقق للتلاميذ الأمن وقبول الآب إياهم وقداستهم وسعادتهم وحياتهم الأبدية. أمَّا عبارة " أَنِّي فِيكُم " فتشير الى الشركة في حياة المسيح حيث هو حال في تلاميذه بروحه ليهب لهم النعمة والقوة لكي يشهدوا له امام العالم كما اختبره بولس الرسول " وأَكونَ فيه " (فيلبي 9:3)، يسوع صار فينا، وهكذا نحن ننعم بشركة الطبيعة الإلهية. أخذنا أعضاء جسده، ووهبنا إياه فينا بإقامة ملكوته داخلنا. لم يعد الأمر يقوم فقط على معرفتنا بأن يسوع يعيش في الآب والآب في يسوع. ثمة أمر جديد وعظيم وأَنَّكم فِيَّ وأَنِّي فِيكُم " ويعلق الراهب البندكتاني غييوم دو سان تييري " مسكنك، أيها الرب يسوع، هو الآب، وأنت مسكن الآب. ولكن ليس هذا فقط، فنحن أيضًا مسكنك، وأنت مسكننا". (صلوات تأمّليّة). فهل نحن اليوم ندرك بحسّ الإيمان أنّنا شعب الله في شركة مع الآب ومع يسوع بواسطة الروح القدس؟ 21مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي تشير عبارة "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها" الى توجُّه يسوع الى جميع المؤمنين الذين عندهم وصايا المسيح ويعترفون جهرا انهم تلاميذه. وهذا الامر يدل على معنى مزدوج: عرف وعمل مثل: سمع وحفظ (يوحنا 12: 47) وسمع وآمن (يوحنا 5: 24)، وهذه الطاعة هي التعبير عن المحبة، وتمكّن من معرفة الآب على وجه ظاهر من خلال ظهوره؛ ان محبة المسيح تنشئ الطاعة له. أمَّا عبارة "حَفِظَها" في الأصل اليوناني د„خ·دپل½³د‰ فتشير الى حفظها في فكره وفي قلبه كوديعة، وعمل بها (يوحنا 12: 47). يتصف الحب الصادق بالخضوع التام لمن يُحبُّه. عندما نحب شخصا نستطيع ان نتخلى بحرية عن وجهة نظرنا الشخصية، للتوافق مع ارادته ورغباته، الحب الصادق هو تعبير عن هبة الذات للآخر، ولا ينفصل حب المسيح عن حفظ وصاياه. نسمع الى صوت يسوع ونحفظه (يوحنا 5: 24) ونسمع له ومؤمن به. فطاعة الرسل لوصايا المسيح بمثابة امتحان محبتهم ودليل وحدتهم معه. أمَّا عبارة "فذاكَ الَّذي يُحِبُّني" فتشير الى الشهادة الحقيقية لحبنا للسيد المسيح بالطاعة لوصيته؛ ويوضِّح يوحنا الرسول شرط محبة المسيح "مَن قالَ إِنَّه مُقيمٌ فيه وَجَبَ علَيه أَن بَسِيرَ هو أَيضًا كما سارَ يَسوع" (1يوحنا 2: 6). أمَّا عبارة " والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه" فتشير الى ثمرة الحب العملي، وهو تمتع المؤمن بحب الآب. فالآب يحب الابن، والابن يُحب مُحبّيه. ان المحبة هي الشرط الذي تنبع منه الطاعة للمسيح، والشركة الروحية مع الله. والطاعة للمسيح تجعل التلاميذ احباء للآب. المحبة هي سلسلة من الصداقة تقوم بين يسوع وبين الآب ومحبِّه. ويعلق البابا فرنسيس "المحبّة هي التي تدخلنا في معرفة يسوع، بفضلِ عملِ "المؤيد" الذي أرسله يسوع، أي الروح القدس. والربّ يدعونا اليوم لأن نتوافق بسخاء مع دعوة الإنجيل إلى المحبّة، واضعين الله محورًا لحياتنا ومكرّسين أنفسنا للإخوة، ولاسيما المحتاجين إلى العون والعزاء. لنتعلّم فنّ المحبّة كلّ يوم"(كلمة البابا 21 أيار 2017). أمَّا عبارة "فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي" فتشير الى ظهور يسوع القام من الموت والمُمجد كجزاء طاعة التلميذ لوصايا المسيح حيث يشرق يسوع بنوره على فكر المؤمن وعلى قلبه، ويتمتع باستنارة روحية. ولا يعني الظهور الخارجي للحواس إنما الظهور الداخلية للقوى الباطنية مما ينشئ راحة الضمير والسعادة والرجاء. ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 14: 15-21) بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (يوحنا 14: 15-21)، يمكن ان نستنتج انه يتمحور حول وعد يسوع بحضوره من خلال الروح القدس وحفظ وصاياه. 1. حضور يسوع لتلاميذه من خلال الروح القدس ان الروح القدس هو الذي يؤمِّن حضور المسيح بشكل من الاشكال "أَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم لِلأَبَد" (يوحنا 14: 16). كان حضور الله الموقت في المسيح على الأرض شيئًا حتميًا، لأن المسيح من حيث انه انسان، ما كان يستطيع أن يبقى على الارض إلى الأبد مع المؤمنين. لكن بالرغم من صعود يسوع بالجسد إلى أبيه، بقي حضوره مستمرًا بطريقة جديدة عن طريق الروح القدس. ويعلق القدّيس العلامة يوحنّا الآبلّيّ، " كما كان الربّ يسوع يَعِظُ، فإنّ الروح القدس يعِظُ الآن؛ وكما كان يُعَلِّم، فإنّ الروح القدس يعلّم؛ وكما كان المسيح يُعَزّي، فإنّ الروح القدس يعزّي ويعطي السرور. ماذا تطلب؟ عمّا تبحث؟ ماذا تريد أكثر من ذلك؟" (العظة رقم 30، الرابعة عن الروح القدس). إن المعزّي، روح الله ذاته، يجيء بعد صعود يسوع للاهتمام بتلاميذه ورعايتهم وإرشادهم. وقد حدث هذا في يوم العنصرة (اعمال الرسل 2: 1-4) حيث قطع الله عهداً جديداً معنا خاتما إياه بسكنى روحه القدوس فينا. وهذا ما اكّده بولس الرسول " أَما تَعلَمونَ أَنَّكُم هَيكَلُ الله، وأَنَّ رُوحَ اللهِ حالٌّ فيكم؟ " (1 قورنتس 3: 16)، فحضور الروح في حياتنا هو تتميم لمخطط الله الخلاصي لنا. قال القديس اثناسيوس الاسكندري: "لقد أصبح الله انسانًا ليجعلنا أهلاً لقبول الروح القدس". وكشف لنا الروح عن ذاته من خلال الصور: "حمامة" في عماد يسوع في الاردن “اعتَمَدَ يسوع وخَرجَ لِوَقتِه مِنَ الماء، فإِذا السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه (متى 3: 16)، وظهر بصورة "ريح وألسنة نار" يوم العنصرة. كما جاء الوصف في اعمال الرسل "انْطَلَقَ مِنَ السَّماءِ بَغتَةً دَوِيٌّ كَريحٍ عاصِفَة، فمَلأَ جَوانِبَ البَيتِ الَّذي كانوا فيه، 3 وظَهَرَت لَهم أَلسِنَةٌ كأَنَّها مِن نارٍ قدِ انقَسَمت فوقَفَ على كُلٍّ مِنهُم لِسان، 4 فامتَلأُوا جَميعًا مِنَ الرُّوحِ القُدس" (اعمال الرسل 2: 2-4). وشبّه الانبياء الروح بالذي "يمسح" مختاريه، إنّ الانسان الذي يحصل على هذه المسحة يصبح "ممسوحًا" أو "مسيحًا". نجد هذه الصورة مكتملة فينا عندما نحصل على سر الميرون المقدس (سر التثبيت المقدس)، ويتكلّم القديس بولس عن الروح القدس ويُشبِّهه بختم في علاقتنا مع الله، "ولا تُحزِنوا رُوحَ اللّه القُدُّوسَ الَّذي به خُتِمتُم لِيَومِ الفِداء" (أفسس 4: 3). ويُصبح المعمّد خاصة المسيح عندما يختمنا الرب بروحه. "فيه أَنتُم أَيضاً سَمِعتُم كَلِمَةَ الحَقّ أَي بِشارةَ خَلاصِكم وفِيه آمنُتُم فخُتِمتُم بِالرُّوحِ المَوعود، الرُّوحِ القُدُس" (أفسس 1: 13). فالروح القدس هو "عربون الميراث الآتي وباكورة الخيرات الابدية" (الليتورجيا الالهية). ويدعوه الرسول بولس الروح القدس هو "الضمانة" للحصول على الحياة الابدية: إنه "هو عُربونُ مِيراثِنا إِلى أَن يَتِمَّ فِداءُ خاصَّتِه لِلتَّسْبيحِ بِمَجدِه" (أفسس 1: 14). لن يتركنا الروح القدس بل يبقى معنا الى الابد، ويقودنا الى الحق كله "رُوحَ الحَقِّ الَّذي لا يَستَطيعُ العالَمُ أَن يَتَلَقَّاه لأَنَّه لا يَراه ولا يَعرِفُه"(يوحنا 14: 17)، ويحيا معنا وفينا لأنه في وسطنا وسيكون في داخلنا " تَعلَمون أَنَّه يُقيمُ عِندكم ويَكونُ فيكم" (يوحنا 14: 17)، وهو يُعيننا أن نحيا حسب ما يريده الربّ الإله منّا. وهو يُعلمنا كل شيء كما قال يسوع " المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُس الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسمي هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء"(يوحنا 14: 26)، ويذكّرنا بكل اقوال يسوع المسيح " يُذَكِّرُكُم جَميعَ ما قُلتُه لَكم "(يوحنا 14: 26). والروح القدس هو مصدر كل الحق، لأنه هو "رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب" (يوحنا 15: 26)، ويقنعنا بخطايانا وبدينونة الله " وهو، مَتى جاءَ أَخْزى العالَمَ على الخَطيئِة والبِرِّ والدَّينونَة "(يوحنا 16: 8)، وهو يشهد للحق أي للمسيح كما صرّح يسوع "فهُو يَشهَدُ لي" (يوحنا 26:15)، ويعطينا بصيرة الى أحداث المستقبل " فَمتى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه لِأَنَّه لن يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع ويُخبِرُكم بِما سيَحدُث" (يوحنا 16: 13)، ويُبيِّن مجد المسيح " سيُمَجِّدُني لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُخبِرُكم بِه "(يوحنا 16: 14). وكان الروح القدس عاملا بين الناس منذ بداية الزمان، لكنه بعد العنصرة سكن في المؤمنين (اعمال الرسل 2: 1-13). إن الروح القدس هو الله داخلنا وداخل كل المؤمنين. يعمل معنا ولأجلنا، وهو يُعيننا ان نحيا كأبناء الله؛ كتب بولس الرسول إِنَّ الَّذينَ يَنقادونَ لِرُوحِ الله يَكونونَ أَبناءَ اللهِ حَقًّا. لم تَتلَقَّوا روحَ عُبودِيَّةٍ لِتَعودوا إِلى الخَوف، بل روحَ تَبَنٍّ بِه نُنادي: أَبًّا، يا أَبَتِ! وهذا الرُّوحُ نَفْسُه يَشْهَدُ مع أَرواحِنا بِأَنَّنا أَبناءُ الله" (رومة 8: 14-16). وبالروح القدس نصبح أبناء للآب وأخوة بعضنا لبعض وللناس كلّهم. والروح القدس قريبٌ منّا، بشكل خاص، في الصلاة. ففي الصلاة نختبر بشكل خاصّ بأنّ "وكَذلِكَ فإِنَّ الرُّوحَ أَيضاً يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا لأَنَّنا لا نُحسِنُ الصَّلاةَ كما يَجب، ولكِنَّ الرُّوحَ نَفسَه يَشفَعُ لَنا بأَنَّاتٍ لا تُوصَف. والَّذي يَختَبِرُ القُلوب يَعلَمُ ما هو نُزوعُ الرُّوح فإِنَّهُ يَشفَعُ لِلقِدِّيسينَ بما يُوافِقُ مَشيئَةَ الله (روما 8، 26-27). ويُعلق أوريجانوس: " حينما نُصلّي نكون دائماً إثنين: نحن والروح القدس. بواسطة الروح القدس، نحن ندخل في حوار أبديّ مع الآب والابن، ولا يتمّ الاستماع إلى الصلاة بحسب صوتنا، بل بحسب صوت الروح القدس الّذي يُصلّي لنا، وهو الوسيط الدائم لدى الآب والّذي يطلب دائماً ما هو الأفضل لنا". ومن هنا نتساءل: ما هو دور الروح القدس اليوم في حياة كل واحد منا؟ ماذا عملنا بالروح القدس الذي أُعطي لنا يوم عمادنا؟ هل نسمح له أن يعمل في حياتنا؟ هل له أي دور في حياتنا؟ دعونا نطلب من الروح القدس، الروح المعزِّي، أن يأتي ويسكن في قلوبنا فنشعر بحضور المسيح فينا ونتذكر تعاليمه وصلاته ونعمل على حفظ وصاياه. 2) حضور يسوع لتلاميذه من خلال حفظ وصاياه يدعونا القدّيس يوحنّا، في بشارته، إلى استقبال كلام المسيح ومن كل قلبنا. وباستقبالنا له، نحن في الحقيقة نجعل المسيح نفسه حاضراً في حياتنا كما قال: "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي" (يوحنا 14: 21). وينشأ رباط وثيق بين يسوع والتلميذ الأمين لوصاياه، إذ يقوم حوار حميم بينه وبين يسوع، فيسوع يُظهر نفسه كما هو. وحيث ان يسوع لا ينفصل عن الآب، فوجود الواحد لا يُعقل دون وجود الآخر "أَنِّي في الآبِ وأَنَّ الآبَ فيَّ" (يوحنا 14: 10). وعليه ينتهي الوعد بمجيء الآب والابن الى التلميذ “إذا أَحَبَّني أَحَد حَفِظَ كلامي فأحَبَّه أَبي ونأتي إِلَيه فنَجعَلُ لَنا عِندَه مُقاماً" (يوحنا 14: 23). فالمسيحي يكون مضيفا وهيكلا للأقانيم الثلاثة. ويؤكد يسوع المسيح لتلاميذه الضمانة بحضور الآب والابن والروح القدس " مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي". (يوحنا 14: 21). هذه الآية تشكّل جواب يسوع لفيليبّس: " يا ربّ، أَرِنا الآبَ وحَسْبُنا" (يوحنا 14: 8). وهذه العبارة تعيدنا الى العهد القديم، إلى سفر الخروج حيث طلب موسى معاينة مجد الرّب قائلاً: "أَرِني مَجدَكَ " (خروج 33: 18)، فكان جواب الله له أن " وَجْهي لا تَستَطيعُ أَن تَراه لأَنَه لا يَراني الإِنْسانُ وَيحْيا " (خروج 33: 20)، فالله الّذي يحيا في النّور الّذي لا يمكن الوصول اليه "الَّذي لَه وَحدَه الخُلود ومَسكِنُه نَورٌ لا يُقتَرَبُ مِنه وهو الَّذي لم يَرَه إِنسان ولا يَستَطيعُ أَن يَراه لَه الإِكرامُ والعِزَّةُ الأَبَدِيَّة. آمين"(1طيموتاوس6: 16)، " ولا يَستَطيعُ أَن يُحِبَّ اللهَ وهو لا يَراه" (1يوحنا 4، 12) لا يمكن أن يُعاين فقط على ضوء العقل والمعرفة الحسيّة. لذلك حضور يسوع القائم يختلف عن الذي كان التلاميذ يحلمون به (يوحنا 14: 8-22). كما كان الحال في العهد القديم من خلال علامات حسِّيَّة مُبهرة والتي تُثير حماسهم كان يظهر الى موسى النبي "غَطَّى الغَمامُ الجَبَل. وحَلَّ مَجدُ الَرَّبِّ على جَبَلِ سيناء" (خروج 24: 15-16)، لكن يسوع أدخل تلاميذه في عالم الايمان. إنسان يطلب أن يرى ليؤمن، والرّب يطلب الإيمان لإظهار ذاته. فحين يطلب الإنسان المعاينة، لا يضحي للإيمان معنى، لأنّ من يعاين لا يعود بحاجة للإيمان. وهذا ما نستشفه من قول يَهوذا، غَيرُ الإِسخَريوطيّ: "يا ربّ، ما الأَمرُ حتَّى إِنَّكَ تُظِهرُ نَفْسَكَ لَنا ولا تُظهِرُها لِلعالَم؟ (يوحنا 14: 22). نجد الرّب يُعلن للتلاميذ أنّهم قادرون على معاينة الله "فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي"، لأنّ الرّب ذاته يُظهر لهم نفسه أي يُعلن الرَّبّ ذاته، ويحل في حياة التلميذ، إذ يجعل من حياته "مقاماً إلهيّاً". وهذه السكنى لا تتم دون توفّر الشَّرطَين: الحبّ وحفظ الوصايا. فشرط المعاينة هي ليست الرّغبة في المعرفة، في اللّمس والفهم والإدراك، بل إنَّ الشرط الوحيد هو الدخول في علاقة حبّ مع الرّب. فقط من يحبّ الله يمكنه أن يُعاين الله، لأنّ الله محبّة ومن يحيا المحبّة يشترك بالنِعمة، لا بالطبيعة، في جوهر الله نفسه. محبّة الإنسان لله ليست محبّة نظريّة، بل محبّة عمليّة، هي في أن نحيا في حياتنا وصايا الرَّبّ يسوع. الإيمان هو عمل حبّ لا عمل معرفة عقليّة، والحبّ الّذي يدخلنا في المعرفة الإلهيّة يكون السَّبيل إلى المعرفة العقليّة بالقدر الّذي يُمكن لعقلنا من الوصول إليه. وحفظ الوصايا هو التطبيق العملي للحبّ الإلهيّ، يجب أن نؤمن أوّلاً بالربّ، ثمّ أن نستسلم بدون تحفّظ لوصاياه. ونعتمد الايمان عنوانا لمحبتنا. الإيمان يأتي أولاً ثم المحبة كما قالت القديسة تريزا دي كالكوتا " ثمرة الايمان الحب"، فمن يؤمن يرى المسيح. ومن يرى المسيح يُحبُّه. ومن يحب المسيح يطيع الوصايا، والروح القدس هو الذي يُعطينا الحب لنحفظ الوصايا كما جاء في تعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية " أن المحبة التي هي ثمرة الروح وكمال الناموس تحفظ وصايا الله ومسيحه " (رقم 1824). فالوصية تأتي دائماً من الخارج، تُعطى لنا من قبل آخر. بينما الحبّ، على العكس يأتي من أعماقنا. المحبة هي التزام وسلوك أكثر من كونها كلمة لطيفة. المحبة هي التزام بالآخر وليست نزوة...هي مسؤولية تجاه النفس والآخرين وليست أنانية... ويصفها بولس الرسول "هي تَعذِرُ كُلَّ شيَء وتُصَدِّقُ كُلَّ شَيء وتَرْجو كُلَّ شيَء وتَتَحمَّلُ كُلَّ شيَء" (1 قورنتس 13: 7)، وتصحّح وتغفر، تلتزم بالحقّ وتدافع عن العدل، تنتبه إلى الفقير وتشفق على الضعيف، لا تبحث عن الغنى والجاه والتقدير، بل في كلّ شيء تبتغي خدمة الله وتمجيده وإعلان اسمه القدّوس. فمن تبع يسوع يُظهر محبته له بطاعة وصاياه. والوصايا هي ليست مجموعة من الأنظمة والقوانين، والأوامر والنواهي المفروضة من الخارج، بل هي برنامج حياة؛ نحن أحياناً نختار أن نرى الوصايا بأنها قيود. قد نشعر أحياناً أن قوانين الله تقيد حرية اختيارنا الشخصية وتسلب منا حريتنا وتحد من إمكانية نمونا. لكن عند سعينا لفهم أكبر وعند سماحنا لأبينا السماوي بأن يُعلّمنا، سنبدأ برؤية بأن وصاياه هي إثبات لحبه لنا، وان إطاعة وصاياه هو تعبير لحبنا له. الوصايا هي ان يدخل الانسان مع المسيح في شركة حب وحياة، وذلك ان يكون تلميذا وشاهداً ورسولا. فإن أردنا أن يجعل الربَ له مقاماً عندنا، فيجب علينا أن نحفظ وصاياه، فحفظ وصايا الرب هي الدليل على محبتنا له ورغبتنا باستقباله في حياتنا. فمن يحبّ الله يمكنه أن يُعاين الله، لأنّ الله محبّة ومن يحيا المحبّة يشترك بالنعمة في جوهر الله نفسه. والعلامة الحسيّة لهذه المحبّة هي في عيش الوصايا. وصاياه هي إثبات لحب الله لنا وحفظ وصاياه هو تعبير لحبنا له. وعد المسيح التلميذ الذي يحب ويحفظ الوصايا بحضور الآب والابن والروح القدس. ولكن هذه الحضور يتطلب الطاعة والمحبة اللتين كان الله يطلبهما في العهد القديم (تثنية الاشتراع 6: 4-9) كما يصرّح السيد المسيح " إذا أَحَبَّني أَحَد حَفِظَ كلامي فأحَبَّه أَبي ونأتي إِلَيه فنَجعَلُ لَنا عِندَه مُقاماً" (يوحنا 14: 23). فحضور المسيح في حياتنا وفي عالمنا يُقلب كل الموازين. لا يكفي احترام الوصايا وتطبيقها، لكن الأهم هو أن يقبل كل واحد أن يعيش من حب الله، الآب والابن والروح القدس. وإذا قبلنا أن نعيش من هذا الحب، فهذا سيغير كل حياتنا. فيصبح المسيح في قلب حياتنا اليومية ونكون شهوداً له في عالم اليوم. ما قيمة الحب إذا لم يقترن بأعمال ومبادرات فعلية؟ ما قيمة الحب إن لم أحترم الآخر؟ فحفظ التلميذ للكلمة وأمانته لها، يضمنان له حياة صداقة وعلاقة حميمة مع الله الذي كشف عن ذاته في عمق حياته الثالوثية (ثلاثة أقانيم في إله واحد). وعندئذٍ تتحقق نبوءة حزقيال "أَقطَعُ لَهم عَهدَ سَلام. عَهدٌ أَبَدِيّ يَكونُ معَهما، وأَجعَلُ مَقدِسي في وَسطِهم لِلأبد" (حزقيال 37: 26). فالمحبة هي العلامة الاساسية لحضور الروح فينا وهي تُضفي على كل عمل مسيحي صفته الشرعية، ويجعل فقدان المحبة ذلك العمل ناقصًا. الخلاصة نستنتج ان رحيل يسوع الجسدي هو ليس النهاية، بل هو بداية حضوره وبقاءه النهائي والمستمر للإله الثالوث في قلب وحياة المؤمن. والمؤمن الحقيقي هو الذي يعيش ويُطبِّق بمحبة كلام يسوع وتعليمه "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي" (يوحنا 14: 21). دعاء أيها الاب السماوي، اننا نضع ثقتنا في ابنك يسوع الذي قال "مَن تَلَقَّى وَصايايَ وحَفِظَها فذاكَ الَّذي يُحِبُّني والَّذي يُحِبُّني يُحِبُّه أَبي وأَنا أَيضاً أُحِبُّه فأُظهِرُ لَهُ نَفْسي." ضع فينا روحك القدس فنحبك ونحفظ وصاياك فنحافظ على حضورك فينا فنظل ثابتين في الربّ واثقين وآمنين لمُستقبلنا. آمين. |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 80862 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() أبنى الغالى .. بنتي الغالية أذهبوا وصالحوا أخوتكم ما أحوجنا للمحبة فكم من علاقات تهدمت بين الاصدقاء لا تخسروا أصدقائكم بل أكسبوهم بمحبتي |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 80863 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ابسط يدك للفقير لكي تكمل بركتك (سي 7: 36) ![]() |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 80864 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ثقوا في أنا أحفظكم مادام حضني حصنكم سأستجيب ![]() |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 80865 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() مَثَل الكَنْز واللُؤلُؤةً والشَبَكة
![]() الاحد السابع عشر من السنة (متى 13: 44-52) يُسلط إنجيل الاحد (متى 13: 44-52) الأضواء على تعليم يسوع لتلاميذه في البيت عن الملكوت من خلال الأمثال الثلاثة مثل الكنز واللؤلؤة والشبكة. فدعاهم الى فرح الملكوت من خلال مثل الكنز، وطلب الملكوت من خلال مثل اللؤلؤة (متى 13: 44-45) واختيار الملكوت من خلال مثل الشبكة (متى 13: 47-50)؛ فملكوت السماوات ثمين جداً، ويستحق التضحية بكل شيء للحصول عليه حيث ان الملكوت هو المسيح، الكنز واللؤلؤة الكريمة؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته. أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 13: 44-52) 44 مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ كَنْزٍ دُفِنَ في حَقْلٍ وَجدَه رَجُلٌ فأَعادَ دَفنَه، ثُمَّ مَضى لِشِدَّةِ فَرَحِه فباعَ جميعَ ما يَملِكُ واشتَرى ذلكَ الحَقْل. تشير عبارة "مَثَلُ" الى كلمات رمزية وإيحائية من خلال صور وتشابيه وليست افكارا مجرَّدة. امَّا عبارة "مَلَكوتِ السَّمَوات" فتشير الى مُلك المسيح الجديد الروحي كما وصفه بولس الرسول "فقَدِ استَكَنَّت فيه جَميعُ كُنوزِ الحِكمَةِ والمَعرِفَة" (قولسي 2: 3). امَّا عبارة "كَنْزٍ" فتشير الى ما هو ثمين، الى شيء مرغوب فيه، وشيء يعثر في طريقه. وإذا عثر رجل عليه، فإنّه يكتسب قيمةً لا تُضاهى. ويدل هنا على الملكوت السماوي كالغنى الحقيقي لان فيه رضى الله والحياة الابدية والميراث الذي لا يضمحل. أمَّا عبارة "كَنْزٍ دُفِنَ" فتشير الى عادة قديمة حيث كان الناس قديما يخفون الفضة في حقل لئلا تصل اليها ايدي اللصوص (أيوب 3: 21). إذ لم يعرف الناس في فلسطين زمن يسوع البنوك ولا الخزنة الحديدية التي تملكها الشركات اليوم لإيداع مدّخراتها، بل كانوا يدفنون أموالهم في الأرض أوقات الخطر في مكان خفي. وربما حدث ان مات مالك الكنز قبل ان يكشف عن المخبأ. ويُعلق القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم "إن بشارة الإنجيل مُخبّأة في هذا العالم ككنز مُخبّأ وقيمته غير مُدرَكة" (عظات حول إنجيل القدّيس متّى، العظة 47). والكنوز الروحية تبقى مخفية عن عيون اهل العالم من عمى قلوبهم كما جاء في تعليم بولس الرسول "عن غَيرِ المُؤمِنينَ الَّذينَ أَعْمى بَصائِرَهم إِلهُ هذِه الدُنْيا، لِئَلاَّ يُبصِروا نورَ بِشارةِ مَجْدِ المسيح، وهو صُورةُ الله. (2 قورنتس 4: 4)؛ فيسوع اختبأ في حقل العالم، على أمل أن يتمكن الجميع من العثور عليه. وحياتنا ليست مجرّد حقل، بل هي الحقل الذي فيه كنز مخفي. أمَّا. أمَّا عبارة "وَجدَه" فتشير الى رجل وجد كنزًا خفيًا آنذاك فشاع امره بين الجميع. ويذكرنا هذا الفعل الى ما ورد في مثل الخروف الضال، عن مجهود الراعي وهو يبحث عن الخروف الضال حتى يجده ففرح عندما وجده (لوقا 15: 4-6). وإنَ العثور على كنز مدفون، هو غريزة متأصّلة في طبيعتنا، وحلم عريق وجذّاب. أمَّا عبارة "رَجُلٌ" فتشير الى السيد المسيح الذي بذل كل ما عنده ليقتني الكنز المكوّن من شعبه او يشير الى الخاطئ الذي يبذل كل شيء ليقتني الخلاص. أمَّا عبارة "أَعادَ دَفنَه" فتشير الى غيرته وحرصه على الكنز خشية ان يخسره؛ والمراد من ذلك بيان وجوب الاجتهاد في طلب ملكوت السماء والاحتراس من كل ما يمنع من ذلك. ولكن لا حاجة من أن نخفي الكنز السماوي عن غيرنا حتى نتمتع به، فانه كافٍ لكي يُغني كل العالم، فاندراوس حين وجد المسيح الذي هو أعظم كنوز السماء أخبر فيلبس، وفيلِبُّسُ أخبر نَتَنائيل "ولَقِيَ فيلِبُّسُ نَتَنائيل فقالَ له: الَّذي كَتَبَ في شأنِه موسى في الشَّرِيعَةِ وذَكَرَه الأنبِياء، وَجَدْناه، وهو يسوعُ ابنُ يوسُفَ مِنَ النَّاصِرَة" (يوحنا 1: 43). لنسر على خطى اندراوس الرسول الذي لم يحتفظ بهذا الكنز لنفسه: بل لنطلق مسرعًين لنشارك الآخرين بالخيرات التي ننالها. وأمَّا عبارة "الفرح" فتشير الى البهجة والغبطة وانشراح صدر الرجل الذي وجد الكنز على غير انتظار، وهي النتيجة الذي يريد يسوع ان يصل اليها. أمَّا عبارة "فباعَ جميعَ ما يَملِكُ" فتشير الى واجب بيع كل ما يملكه الانسان والتضحية به لشراء الحقل وحصوله على فرح الملكوت كما قال السيد المسيح للشاب الغني "إِذا أَرَدتَ أَن تكونَ كامِلاً، فاذْهَبْ وبعْ أَموالَكَ وأَعْطِها لِلفُقَراء، فَيكونَ لكَ كَنزٌ في السَّماء، وتَعالَ فاتبَعْني" (متى 19: 21). يترك المسيحي برضى كل شيء لأجل المسيح. فمن باع كل ما يملك لم يخسر شيئاً بل كسب كل شيء، لأنه كسب المسيح وملكوته. أمَّا عبارة "اشتَرى ذلكَ الحَقْل" تشير إلى الكنوز السماوية التي لا تُشترى بالمال لأنه "بِغيرِ فِضَّةٍ ولا ثَمَن" (أشعيا 55: 1)، انما تدل ان طالب الخير السماوي يترك كل شيء يمنعه من إدراك ذلك الخير وفقا لقول بولس الرسول "أَعُدُّ كُلَّ شَيءٍ خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَةِ السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي. مِن أَجْلِه خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ" (فيلبي 3: 7). وقد تشير العبارة أيضًا الى السيد المسيح الذي اشترى نفوسنا بدمه كما ورد على لسان بولس الرسول "فقَدِ اشتُريتم وأُدِّيَ الثَّمَن" (1 قورنتس 6: 20)، وقد تشير أخيرًا إلى كل انسان يبحث عن الفرح في امتلاك المسيح وملكوته. 45 ومَثَلُ ملكوتِ السَّمَوات كمَثَلِ تاجِرٍ كانَ يطلُبُ اللُّؤلُؤَ الكريم، تشير عبارة "يطلُبُ اللُّؤلُؤَ الكريم" إلى البحث عن اللؤلؤة كما يفعل من يجمع الأشياء الثمينة، أي يذهب من مكان إلى مكان آخر يفتش عنها. ولا يكفي ان نعثر على اللؤلؤة صدفة كما هو الحال في مثل الكنز الدفين بل علينا ان نبحث عنها؛ أمَّا عبارة "تاجِر" فتشير الى رجل أعمال يتاجر في السلع التي من إنتاج آخرين، لكسب الربح. والتاجر هنا يمثل المسيح الذي قال عن نفسه" لِأَنَّ ابْنَ الإِنسانِ جاءَ لِيَبحَثَ عن الهالِكِ فيُخَلِّصَه"(لوقا 19: 10). أمَّا عبارة "اللُّؤلُؤَ" فتشير الى درة، وهي نوع من الجواهر الكريمة يُتاجر بها (أيوب 28: 18). واللؤلؤ من الجواهر المستعملة كحلي النساء حتى في الزمن القديم (1 طيموتاوس 2: 9). وقد ذُكر في عدة أماكن إشارة إلى اللآلئ الثمينة. ويكون اللؤلؤ على هيئة كرات صغيرة في باطن الأصداف في أنواع كثيرة من الحيوانات الحلزونية. وهو يتألف من كربونات الكلس يتخلل طبقاتها أغشية. ويتكون أفضل اللؤلؤ وأكبره في البحار الهندية ولا سيما الخليج الفارسي والمياه المحيطة بجزيرة سيلان. وكان اقتناؤها قديما دليلا على غنى مقتنيها وعظمته وشرفه ولهذا رغب فيها الملوك (متى 7: 6) ولذلك يعبِّرون بها عن الجواهر "لا تُلْقوا لُؤلُؤَكُم إِلى الخَنازير" (متى 5: 6)؛ ويرمزاللُّؤلُؤَ الكريم الى معرفة الرب كما جاء في سفر الامثال "إِنِ التَمَستَه كالفِضَّة وبَحَثتَ عَنه كالٍ دَّفائِن ْفحينَئِذٍ تَفطَنُ لِمَخافةِ الرَّبِّ وتَجدُ مَعرِفَةَ الله" (أمثال 2: 4 – 5)، وبالتالي الى المسيح اللؤلؤة الحقيقية. 46 فَوجَدَ لُؤلُؤةً ثَمينة، فمضى وباعَ جَميعَ ما يَملِك واشتَراها تشير عبارة "لُؤلُؤةً ثَمينة" في الأصل اليوناني ل¼•خ½خ± د€خ؟خ»ل½»د„خ¹خ¼خ؟خ½ خ¼خ±دپخ³خ±دپل½·د„خ·خ½ (معناها لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن) الى الخير الأعظم الواحد وهو إما الى ملكوت الله في نفس الانسان، وإمَّا للخلاص، وإما لمعرفة المسيح وإما للمسيح نفسه، لان بالمسيح نجد كل بركات ملكوته. امَّا عبارة "فمضى وباعَ جَميعَ ما يَملِك واشتَراها" فتشير الى بيع ما نملك، بل التخلي عن كل شيء لنحصل على الفرح الذي يقدّمه الملكوت. كما يؤكد ذلك سفر الامثال "إِشتَرِ الحَقَّ ولا تَبعْه وكَذا الحِكمَةَ والتًّأديبَ والفِطنَة" (أمثال 23: 23)، ويُعلق القديس إكليمندص الاسكندري "البيع ليس عمليّة حرفيّة مظهريّة، لكنها انسحاب القلب نحو الله لاقتناء الملكوت السماوي كسرّ حياتنا". ومَن عَلم قيمة المسيح لا يعيقه شيئا لاتباعه كما يؤكده يسوع "مَن حَفِظَ حياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها" (متى 10: 39). وكما ان ذلك التاجر سعى للحصول على اللؤلؤة لنفسه وأنفق كل شيء لأجل ذلك، كذلك يجب على كل إنسان ان يسعى لإدراك المسيح بالإيمان، ويعلق القدّيس أوغسطينوس. "كما أنّ ثمنَ اللؤلؤة هو ذهبُكَ كذلك ثمنُ حبِّكَ للمسيح، فهو أنتَ بنَفسِكَ" (العظة 34 عن المزمور 149). التاجر بحث عن اللآلئ. ونحن عمّا نبحث؟ 47 ومَثَلُ ملكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ شَبَكةٍ أُلقِيَت في البَحر فجَمعَت مِن كُلِّ جِنْس. تشير عبارة "شَبَكةٍ" إلى الشبكة الكبيرة، وهي نسيج طويل ذي عيون ضيقة، يثقل بقطع كثيرة من الرصاص من الأسفل ويُخفف بقطع كثيرة من الفلين من الأعلى ثم تطرح في البحر على دائرة كبيرة ثم تُجر من الطرفين بكل ما فيها الى الشاطئ؛ وتدل الشبكة هنا على الكنيسة، وهي رمز للملكوت على الأرض، لأنها جامعة لأعضائها من كل العالم؛ ويرى بعض الباحثين ان الشبكة تُمثل الانجيل كما يؤكد ذلك بولس الرسول بِشارةِ الَّتي سَمِعتُموها وأُعلِنَت لِكُلِّ خَليقَةٍ تَحتَ السَّماء" (قولسي 1: 23). امَّا عبارة "أُلقِيَت في البَحر" فتشير الى انتشار الانجيل في العالم تتميما لوصية المسيح "اِذهَبوا في العالَمِ كُلِّه، وأَعلِنوا البِشارَةَ إِلى الخَلْقِ أَجمَعين " (مرقس 16: 15). وبدأت تتحقق هذه النبوءة منذ يوم العنصرة الى يومنا هذا (اعمال الرسل 2: 1-11). أمّا عبارة "البحر" فتشير الى "بحر الجليل" (متى 4: 18)، والى "البحر" (يوحنا 6: 16) او بحيرة طبرية "نسبة إلى المدينة التي بُنيت عليها وسُمِّيت "طبرية" تكريمًا للإمبراطور طيباريوس قيصر (متى 4: 18، مرقس 1: 16، يوحنا 6: 1) وتسمَّى بُحَيْرَةِ جِنَّاسَرِت (لوقا 5: 1)؛ وفي العهد القديم كانت تسمَّى "بحر كنارة" (العدد 34 :11) و"كِنَّروت" (يشوع 11: 2). وتقع بحيرة طبرية بين منطقتي الجليل والجولان على الجزء الشمالي من مسار نهر الأردن وهي أكبر خزان طبيعي للمياه العذبة. ويبلغ محيطها 53 كم، وأعمق نقطة فيها تصل إلى 45 مترًا، وطولها 23 كم، بينما يصل عرضها إلى 14 كم، ومتوسط انخفاضها تحت سطح البحر هو 212 مترًا. أما مساحتها فتصل إلى 160 كم2. تُغذِّيها مياه جبل الشيخ لتشكل مجموعة من الينابيع التي تتجمع بدورها لتكوِّن نهر الأردن، الذي يسير جنوبا الى البحر الميت. ويرمز البحر هنا إلى الأمم الخاطئة الغارقة في طين الشهوات والملذات، كما جاء في نبوءة أشعيا "أَمَّا الأَشْرارُ فكالبَحرِ الهائج الَّذي لا يُمكِنُ أَن يَهدأ ومِياهُه تَقذِفُ بِوَحْلٍ وطين " (أشعيا 57: 20). أمَّا عبارة "فجَمعَت مِن كُلِّ جِنْس" فتشير الى طبيعة هذا النوع من الشباك أنّها لا تختار ولا تُميّز بين أنواع السمك، انها تجمع خليطا من السمك الجيد والرديء، كما ورد في مثل وليمة الملك "فجمَعوا كُلَّ مَن وجَدوا مِن أَشْرارٍ وأَخيار" (متى 22: 10). وتدل هذه العبارة على الناس الذين يدخلون الكنيسة من كل الاجناس والفئات حيث يتم التعايش بين الابرار والأشرار، وهو واقع يتعذّر اجتنابه ولن يأتي الفصل والمكافأة على أعمال كلّ فرد سوى في نهاية الأزمنة. ولم يرد يسوع ان ينشئ كنيسة مكوّنة من الابرار فقط، بل كنيسة تجمع من كل جنس من اخيار واشرار بانتظار الكمال في الحياة الأخرى. فالملكوت مفتوح للجميع الّذين يقبلون الدعوة إليه ويؤمنوا به. 48 فلَمَّا امتَلأَت أَخرَجَها الصَّيَّادونَ إِلى الشَّاطِئ وجَلَسُوا فجَمَعوا الطَّيِّبَ في سِلالٍ وطَرَحوا الخَبيث. تشير عبارة "فلَمَّا امتَلأَت" الى إتمام عدد مختاري الله؛ اما عبارة "الصَّيَّادونَ" فتشير الى نسبة كبيرة من اهل الجليل في عصر المسيح الذين كانوا يشتغلون في صناعة صيد الأسماك، وكان السمك لهم من اهم أنواع الغذاء، وكانوا يجفِّفون الفائض منه ويُصدرونه الى الخارج. ويرمز الصيادون الى المبشرين الذي يقدِّمون الإنجيل للنفوس لربحها للمسيح، ثم جذبها إلى الشاطئ، ثم فرز الصالح من الخبيث؛ وهم يمثلون الذين يعملون على إعلان الملكوت. أمَّا عبارة "جلسوا" فتشير الى الصبر الذي يجب أن يتحلى به المبشرين وهم يقدمون كلمة الله للنفوس. ويدل أيضا على جلوس المسيح ورسله على كرسي الدينونة كما جاء في تعليم يسوع لرسله " أَنتُم الَّذينَ تَبِعوني، متى جلَسَ ابنُ الإِنسانِ على عَرشِ مَجدِه عِندما يُجَدَّدُ كُلُّ شَيء، تَجلِسونَ أَنتم أَيضاً على اثنَي عَشَرَ عَرْشاً، لِتَدينوا أَسباطَ إِسرائيلَ الاثَنيْ عَشَر" (متى 19: 28)؛ أمَّا عبارة "فجَمَعوا الطَّيِّبَ في سِلالٍ وطَرَحوا الخَبيث" فتشير الى الصيادين الذي يضعون السمك الطيّب في سلال، ويطرحون السمك الرديء بعيداً. فهؤلاء الصيادون هم رمز للملائكة الذين جاؤوا باسم ابن الانسان ليفصلوا الاشرار عن الابرار. فالسمك الطَّيِّبَ يرمز الى المؤمنين الذين سمعوا كلمة الله فتابوا وآمنوا ونالوا الخلاص، والسمك الخَبيث رمز الى المُراءين، وهم إما مَخدوعون وإما مُخادِعون. فلا عجب من ان نجد في الكنيسة من كل نوع فكانت يهوذا الإسخريوطي بين الرسل وسمعان الساحر بين المعتمدين في السامرة (اعمال الرسل 16-18). ونحن من أي الفريق؟ امَّا عبارة "سِلالٍ" فتشير الى "الأهراء" (متى 13: 30) وهي رمز الى "مَنازِلُ كثيرة" (يوحنا 14: 2) والى "المَساكِنِ الأَبَدِيَّة" (لوقا 16: 9). امَّا عبارة "وطَرَحوا الخَبيث" في الأصل اليوناني د„ل½° خ´ل½² دƒخ±د€دپل½° ل¼”خ¾د‰ ل¼”خ²خ±خ»خ؟خ½ (معناها رموا في الخارج السمك الرديء) فتشير الى الظلمة الخارجية كما جاء في إنجيل متى "فقالَ المَلِكُ لِلخَدَم: شُدُّوا يَديَه ورِجلَيه، وأَلقوهُ في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان" (متى 22: 13). ويحذرنا يسوع من خلال هذا المثل الرغبة في فصل الصالحين عن الأشرار، والتأكيد على أنّه في الأبديّة، سوف يكونون جميعاً في السماء. 49 وكذلِك يكونُ عِنْدَ نِهايةِ العالَم: يَأتي المَلائِكَةُ فيَفصِلونَ الأَشرارَ عنِ الأَخيار تشير عبارة "عِنْدَ نِهايةِ العالَم" الى التصفية النهائية التي هي من عمل الله. وكل فصل او فرز سابق لأوانه مرفوض. يقول القديس يعقوب "لَيسَ هُناك إِلاَّ مُشتَرِعٌ واحِدٌ ودَيَّانٌ واحِد، وهو القادِرُ على أَن يُخَلِّصَ ويُهلِك. فمَن أَنتَ لِتَدينَ القَريب؟ " (يعقوب 4: 12). أمَّا عبارة "المَلائِكَةُ" فتشير في الأصل اليوناني ل¼„خ³خ³خµخ»خ؟خ¹ (معناها الرسول) إلى أَرواحٍ مُكَلَّفينَ بِالخِدْمَة، يُرسَلونَ مِن أَجْلِ الَّذينَ سَيَرِثونَ الخَلاص" (عبرانيين 1: 14) وسيحضرون الدينونة الأخيرة (متى 13: 14). فظهر الملاك لمريم (لوقا 1: 26) وللرعاة (لوقا 2: 8-15) وليوسف (متى 2: 13) وللمسيح عند تجربته (متى 4: 11) وجهاده في البستان (لوقا 22: 43) وقيامته (متى 28: 2) وكلم ملاك الرب فيلبس (اعمال الرسل 8: 26) وأتى إلى بطرس في السجن وخلصه (اعمال الرسل 12: 7-10) وللمؤمنين ملائكة لحراستهم (لوقا 15: 10). وهم حصّادو الناس للدينونة (متى 25: 31-33). يكون عادة صيَّادي السمك هم الذين يطرحون الشبكة وهم الذين يفرزون السمك الطيب عن السمك الخبيث، ولكن الامر في الروحيات ليس كذلك فان البشر يكونون صيَّاد الناس، ولكن الملائكة هم الذين يجرُّون القضاء لله ويفصلون الأشرار عن الابرار" يُرسِلُ ابنُ الإِنسانِ مَلائكتَه، فَيَجْمَعونَ مُسَبِّبي العَثَراتِ والأَثَمَةَ كافَّةً، فيُخرِجونَهم مِن مَلَكوتِه" (متى 13: 41). وهذا الفصل ليس من عمل الإنسان. بل هو من عمل الربّ. فواجبنا أن نجمع كلّ من يأتي، ولا ندين أحداً، ولا نفرز أحداً، بل نترك الدينونة للربّ وحده. فإنّ الربّ وحده هو القادر على الحكم والدينونة. 50 ويَقذِفونَ بِهم في أَتُّونِ النَّار. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان. تشير عبارة "ويَقذِفونَ بِهم" إلى التحذير من خطورة الموقف حول مصير الأشرار، وهو طرحهم في أتون النار أي الموت الابدي، وفي نفس الوقت هو نداء للأبرار كي يختاروا فرح الملكوت لا البكاء. أمَّا عبارة "أَتُّونِ" في الأصل اليوناني خ؛ل½±خ¼خ¹خ½خ؟د‚ (في العبرية ×ھض¼ض·×*ض¼×•ض¼×¨ معناها فرن ولعلها مستعارة من الكلمة الأكادية "أتونو") فتشير الى فرن لحرق الطوب أو لصهر المعادن، وقد وردت الكلمة في سفر دانيال (3: 6). وكثيرًا ما تستخدم مرادفًا لجهنم مسكن الابالسة، والهالكين من الناس ومصير العصاة غير التائبين (متى 13: 5). ومن هذا نرى أن كلمة "أتون" تستعمل في أغلب الحالات مجازيًا للدلالة على دينونة الله. امَّا عبارة "فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان" فتشير الى الحزن والالم واليأس، وهي ترمز الى الظلمة الخارجية كما جاء في إنجيل متى "فقالَ المَلِكُ لِلخَدَم: شُدُّوا يَديَه ورِجلَيه، وأَلقوهُ في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان" (متى 22: 13). وهناك بعض الباحثين يرون في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة مكان للانفصال عن الله. وكثيرا ما تستخدم هذه العبارات للدلالة على الدينونة الآتية. أمَّا عبارة "البُكاءُ" فتشير الى الحزن او الندم؛ وأمَّا عبارة "صَريفُ الأَسنان" فتشير الى صرير المرء بأسنانه علامة الخوف والغضب واليأس والندم (متى 8: 12)، وهو رد الفعل للقلق المفرط والى استياء الكفار وغضبهم أمام سعادة الأبرار (متى 16: 9) كما وصف صاحب المزامير "مع الفُجَّارِ يَسخَرون وعلَيَّ الأَسنان يَصرِفون" (مزمور 35: 16). والآية هي رموز معبّرة وقوية يريد يسوع بها ايقاظ ضمائرنا وتحذيرنا. 51 أَفَهِمتُم هذا كُلَّه؟ قالوا لَه: نَعَم. تشير عبارة "أفَهِمتُم" الى سؤال يبعث الى الانتباه الى تعليم يسوع والالتزام في طاعة جديدة. الفهم يتكوّن من الإصغاء الى تعليم يسوع ثم الالتزام بما يطلبه كما قال يسوع للجمع "اِسمَعوا وافهَموا" (متى 15: 10). ولفعل "فهم" دور هام في انجيل متى. فالمطلوب من الانسان تجاه يسوع وامام اسرار الملكوت واسئلة التي تتناول المسائل العلمية ان يُصغي ويفهم (متى 13: 13 -14 و16: 12). امَّا عبارة "نَعَم" فتشير الى حَرْفُ جَوَابٍ يعني الإِعْلاَمُ بَعْدَ الاسْتِفْهَامِ. 52 فقالَ لَهم: لِذلكَ كُلُّ كاتِبٍ تَتَلمَذَ لِمَلكوتِ السَّمَوات يُشبِهُ رَبَّ بَيتٍ يُخرِجُ مِن كَنزِه كُلَّ جَديدٍ وقَديم. تشير عبارة "كاتِبٍ تَتَلمَذَ لِمَلكوتِ السَّمَوات" الى كل سامع "فهم" تعليم يسوع؛ هذا يعني انه كان بين سامعي يسوع، فئة من المتعلمين، وليس جميعهم من الامُييِّن (اعمال الرسل 4: 13)، ولا من الرعاع (يوحنا 7: 49). او يشير الى متى الإنجيلي الذي صار مسيحيا. أمَّا عبارة "كَنزِه" فتشير إمَّا الى تعليم الكتبة اليهود التقليدي بعد ان جدّده الايمان بالمسيح، وإمّا الى تعليم العهد القديم كما تمّ في فم يسوع، وأُعلن بواسطة الرسل في الجماعات المسيحية الأولى. وقد وصفه متى الإنجيلي هنا بأنه ينبوع الأمور القديمة والجديدة التي يسعى الى عرضها على جماعته. وهناك فوائد مزدوجة لمن يفهمون ويستخدمون العهدين القديم والجديد. فأسفار العهد القديم تُعرفنا الطريق الى يسوع المسيح، وقد ايَّد يسوع سلطانها وجدارتها. أمَّا العهد الجديد فيعلن لنا المسيح نفسه المتاح الآن لكل من يقبل ملكوته الروحي. ولكن قادة الدين اليهودي كانوا يتطلعون الى ملكوت دنيوي زمني لذا كانوا عميانا بالمعنى الروحي للملكوت الذي اتى به المسيح. أمَّا عبارة "كُلَّ جَديدٍ وقَديم" فتشير الى الأشياء الجديدة والعتيقة. ان التلاميذ يجب ان يصيروا هم أنفسهم معلمين يُخرجون مواد الحق الجديد من كنز ما تعلموه من السيد المسيح، وفي نفس الوقت يُخرجون الجمال الداخلي والمعنى الصادق من كنز تعليم العهد القديم. ثانيًا: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 13: 44-52) بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 13: 44-52)، نستنتج انه يتمحور حول قيمة فرح ملكوت الله والتحذير من إمكانية خسارته، وذلك من خلال ثلاثة امثالٍ: مثل الكنز واللؤلؤة (متى 13: 44-45). ومثل الشبكة (متى 13: 47-50). 1) دعوة الى فرح الملكوت من خلال مثل الكنز مثل الكنز هو المثل الخامس من أمثال ملكوت السماوات في إنجيل متى الفصل الثالث عشر. والفكرة الرئيسية لهذا المثل هي الفرح العظيم في قلب الإنسان لدى اكتشافه كنز ملكوت الله. الكنز، الموجود قبلنا، وينتظر أن نقبله، وأنه ليس نتاج أعمالنا. وهذا الاكتشاف يستحق كل التضحيات حيث لا بد من الاستعداد الذي يؤهلنا الدخول في فرح الملكوت حيث لا تشبع فقط رغباتنا بل تفيض بالمجد، لذلك يقول الربّ: " أُدخُلْ نَعيمَ سَيِّدِكَ" (متى 25: 21). لأنّه إن رَغِب أحدٌ بالمسرّات، فهناك تكون البهجة السامية والكاملة، لأنّها تكمن في الخير الأسمى الّذي هو الله نفسه كما يثول صاحب المزور: "أَمامَ وَجهِكَ فرَحٌ تامّ وعن يَمينكَ نَعيمٌ على الدَّوام" (مزمور 16: 11). ومن هذا المنطلق، على الانسان ان يكون مستعداً لبيع كل شيء في سبيله. الانسان في فرحه يعطي كل شيء. وفي النهاية، إن ما يُعطينا الفرح سيعطينا أيضًا القوة لتغيير أولوياتنا وحياتنا بطريقة جذرية. ومن ذاق فرح ذلك الملكوت يفهم ان الكنز الحقيقي هو فيه، ويلتزم به من كل قلبه. لذلك واجب بيع كل شيء للحصول على الملكوت، وقد وجّه يسوع هذا المثل للتلاميذ وليس للجموع، أي لمن يريد أن يدخل في العمق حباً في المسيح. فإن البحث عن يسوع والالتقاء به: هو الكنز الأعظم! يُظهر مثل الكنز قيمة الملكوت. والملكوت ثمين جدا وقيمته لا تضاهى، وهو يسوع ذاته وكل ما ينجم عن لقائه من تغيير أسلوب معيشتنا. ويستحق الملكوت أن نبذل من أجله الغالي والرخيص لأن امتلاكه يغيّر كل شيء في حياتنا بطريقة جذرية. وخير مثال على ذلك هو القديس فرنسيس الأسيزي: لقد كان مسيحيًّا بالاسم فقط، ولكنه عندما قرأ الإنجيل في مرحلة مصيرية من مراحل شبابه التقى بيسوع واكتشف ملكوت الله فتلاشت عندها جميع أحلام المجد الأرضي التي كانت تراوده. لا يكفي العثور على الكنز، بل ينبغي اقتناؤه، وقيمة الكنز تُعادل كلّ ما يمتلكه المشتري. إنّه شيء يُعادل الحياة بأكملها، لأنه كنز الحياة. ولذلك فإن عثر عليه رجل، يُطلب منه ان يضحِّي بكل شيء لكي يحصل عليه. ولا يحصل عليه بالمال، بل بالتخلي عن المال، والترفع عن الامور الارضية لكي ينفتح على المسيح. وهذا الانفتاح يتطلب ان يبيع المرء كل ما يملك لكي يحصل على فرح كنز الملكوت. وهذا ما فعله الرسل: "ها قد تَركْنا نَحنُ كُلَّ شَيءٍ وتَبِعناكَ". فقالَ يسوع: الحَقَّ أَقولُ لَكم: ما مِن أَحَدٍ تَرَكَ بَيتاً أَو إِخوَةً أَو أَخَواتٍ أَو أُمَّا أَو أَباً أَو بَنينَ أَو حُقولاً مِن أَجْلي وأَجْلِ البِشارَة إِلاَّ نالَ الآنَ في هذهِ الدُّنْيا مِائةَ ضِعْفٍ مِنَ البُيوتِ والإِخوَةِ والأَخَواتِ والأُمَّهاتِ والبَنينَ والحُقولِ مع الاضطِهادات، ونالَ في الآخِرَةِ الحَياةَ الأَبَدِيَّة" (مرقس 10: 28-29). والعثور على الكنز يملأ الحياة فرحا. ولا يُقدَّر ملكوت السماوات بثمن، ومع ذلك فهو يكلّفُ تمامًا كلّ ما يملك المرء. لقد كلّفَ بطرس وأندراوس مجموعة من مراكب الصيد، وكلّفَ الأرملة فِلسَين (لوقا 21: 2)؛ وكلّفَ شخصًا آخر كأس ماء بارد (متى10: 42). فالله ينظرُ إلى القلب، والى نيّة الذي يقدّمُها وليس إلى الثروة الماديّة. هل نجد ما هو أسهل من ملكوت السماوات لنَكتسبه، وما هو أثمن منه لنَمتلكه؟ فلا تَكنِزوا لأنفُسِكم كُنوزًا في الأرض بلِ اكنِزوا لأنفُسِكم كُنوزًا في السّماء"(متى 6: 20). ولذلك يُعلق القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم "هنالك شرطان ضروريّان للحصول على هذا الكنز: التخلّي عن خيرات العالم، وشجاعة ثابتة " (عظات حول إنجيل القدّيس متّى، العظة 47). الكنز أولا هو المسيح، ويعلق القدّيس بِرنَردُس "إن الله قد أرسل على الأرض كنز رحمته، هذا الكنز الّذي يجب أن يُفتَح بواسطة الآلام، لينشر ثمن خلاصنا الّذي كان مخفيًّا فيه... "لِأَنَّه قد وُلدَ لَنا وَلَدٌ وأُعطِيَ لَنا آبنٌ" (أشعيا 9: 5)، "فِيه يَحِلُّ جَميعُ كَمالِ الأُلوهِيَّةِ حُلولا جَسَدِيًّا" (قولسي 2: 9)، (العظة الأولى عن عيد الظهور الإلهي). ويقوم دور المؤمن بالجهاد المستمر لاكتشاف المسيح "الكنز المدفون في الحقل". وهذا الاكتشاف بحاجة لمن يفتش عنه، يتعب ويبحث باذلاً كل الجهد ليجد هذا الكنز. ومن اكتشف هذا الكنز يبيع كل شيء آخر حاسباً إياه نفاية، أي يستغنى بالكامل عن كل ملذات العالم، إذ يصير العالم في عينيه بلا قيمة، ويشترى الحقل أي يعيش لله فقط، كما فعل بولس الرسول " إِلاَّ أَنَّ ما كانَ في كُلِّ ذلِكَ مِن رِبْحٍ لي عَدَدتُه خُسْرانًا مِن أَجلِ المسيح، بل أَعُدُّ كُلَّ شَيءٍ خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَةِ السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي. مِن أَجْلِه خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ " (فيلبي 7:3-8). الكنز هو أيضا الإيمان الحقيقي، من حصل على الإيمان حصل على كل شيء ضروري للخلاص، لأنه بالإيمان نقدر أن نكتشف ما علينا عمله للخلاص. وبالإيمان نبني ملكوت الله على الأرض، مع يسوع المسيح، الذي جاء وسكن بيننا. وبالإيمان نعرف أن الله معنا " إذا كانَ اللّهُ معَنا، فمَن يَكونُ علَينا؟... ومَن يَفصِلُنا عن مَحبَّةِ المسيح؟ أَشِدَّةٌ أَم ضِيقٌ أَمِ اضْطِهادٌ أَم جُوعٌ أَم عُرْيٌ أَم خَطَرٌ أَم سَيْف؟... وإِنِّي واثِقٌ بِأَنَّه لا مَوتٌ ولا حَياة، ولا مَلائِكَةٌ ولا أَصحابُ رِئاسة، ولا حاضِرٌ ولا مُستَقبَل، ولا قُوَّاتٌ، ولا عُلُوٌّ ولا عُمْق، ولا خَليقَةٌ أُخْرى، بِوُسعِها أَن تَفصِلَنا عن مَحبَّةِ اللهِ الَّتي في المَسيحِ " (رومة 8: 31 -35). فكنز الايمان يحق التضحية له بكل شيء. الكنز هو أيضا الخلاص. آخرون يرون في المثل كإشارة عن الخاطئ الذي يبذل كل شيء ليقتني الخلاص وهذا ما فعله زكَّا العشار إذ لما رأى الربَّ ٌيمر في اريحا صعِدَ إلى شجرة الجميزة، لأنه كانَ قصيرَ القامة، فلمَّا رأى يسوعَ وجدَ النور. رآه وأعطاه كلَّ ما لَهُ، وكانَ من قبلُ يأخذُ زكا ما ليسَ له. ولنا شهادة ايضا في حياة فرنسيس الا سيزي الذي قبْل موته بسنتين تألم كثيرا، فطلب من الرب النجدة. "وفجأة سمع صوتًا في روحه: "قل لي يا أخي: إذا أعطيتك مقابل آلامك ومحنك كنزًا كبيرًا وثمينًا... ألن تفرح؟" (حياة القدّيس فرنسيس الأسيزي المعروفة بـ "مجموعة بيروجا" الفقرة 43.) ها إن الله قد أرسل على الأرض كنز رحمته، هذا الكنز الّذي يجب أن يُفتَح بواسطة الآلام، ليعلن ثمن خلاصنا الّذي كان مخفيًّا فيه. الكنز أخيرا هو الكتاب المقدس. ويعلق العلامة أوريجانوس "ما هو هذا الحقل إلا الكتاب المقدّس بعهديه الذي يحوي في داخله سرّ المسيح ككنز مُخفى لا يتمتّع به غير المثابرين بالحفر المستمر في الكتاب؟ لهذا يليق بالمؤمن أن يبيع كل شيء ليقتني هذا الحقل الحاوي للكنز، حقًا إن الحقل كما يبدو لي حسب ما جاء هنا هو الكتاب المقدّس الذي فيه زُرع ما هو ظاهر من كلمات من التاريخ والناموس والأنبياء وبقيّة الأفكار؛ أمّا الكنز المدفون في الحقل فهو الأفكار المختومة والمخفية وراء الأمور المنظورة، الحكمة المَخفيّة في سِرّ، المسيح الذي “استَكَنَّت فيه جَميعُ كُنوزِ الحِكمَةِ والمَعرِفَة " (1 قولسي 2: 3). 2) دعوة الى طلب الملكوت من خلال مثل اللؤلؤة مثل اللؤلؤة هو المثل السادس من أمثال ملكوت السماوات في إنجيل متى الفصل الثالث عشر. ويقدم لنا السيد المسيح قيمة الملكوت وثمنه عن طريق مثل اللؤلؤة. فيصف هذا المثل إنسانًا خبيرًا يعرف قيمة اللآلئ فيفتش بجهد حتى يجد لؤلؤة غالية الثمن. وقد كانت اللؤلؤة عند القدماء أجمل الحجارة الكريمة وأثمنها وأكثرها إثارة للتأمّل والإعجاب. واللؤلؤة الواحدة الغالية الثمن ترمز الى شخص المسيح. ولا يستطيع أحدٌ ان يقتني السيد المسيح، اللؤلؤة الثمينة ما لم يبيع ما يملك، كي يحصل على الفرح الذي يقدِّمه الملكوت. والبيع هنا ليس عملية حرفيّة، لكنه انسحاب القلب نحو الله لاقتناء الملكوت. ويعلق العلامة أوريجانوس "هذه اللؤلؤة التي من أجلها يترك الإنسان كل ما يمتلك ويحسبه نفاية: لكي يربح المسيح كما عمل بولس الرسول "بل أَعُدُّ كُلَّ شَيءٍ خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَةِ السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي. مِن أَجْلِه خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ" (فيلبي 3: 8)، قاصدًا بكل الأشياء اللآلئ الصالحة، حتى أربح المسيح، اللؤلؤة الواحدة غالية الثمن". ويقول الكتاب الاقتداء بالمسيج "إن حصلتَ على المسيح، فأنت غنيٌّ، وهو حَسبكَ" (الكتاب الثاني 1: 1). تجدر الإشارة ان هذا العالم لهُ إغراؤه وحلاوته وجذبه ولكن إذا اكتشفنا شخص المسيح سنكتشف في الوقت نفسه تفاهة كل ملذات الدنيا. وكل اهل الأرض مثل ذلك التاجر الذي كانَ يطلُبُ اللُّؤلُؤَ الكريم، (متى 13: 45). انهم يطلبون الخير الأعظم لكنهم يخطئون إذ يطلبونه حيث لا يوجد لظنِّهم إياه في المال او المراتب العالية او زيادة العلم وفاتهم انه لا يوجد الاَّ عند الله. فمتى طلبوا الغنى السماوي برغبة التاجر في اللُّؤلُؤَ الكريم فلا بد من انهم يجدونه. يسوع هو اللؤلؤة الحقيقية الغالية الثمن ويعلق القديس غريغوريوس الكبير قائلا "فإن قورنت تلك العذوبة التي صارت له، لا يجد لشيء ما قيمة، فتتخلَّى نفسه عن كل ما اقتنته، وتبدِّد كل ما قد جمعت". أمَّا اللآلئ الحسنة فهي العالم بملذاته، يعلق القديس ايرونيموس "يرى في اللآلئ التي يبيعها الانسان إنما هي الطرق المتعددة التي يتركها ليدخل الطريق الوحيد الذي هو المسيح. "قِفوا في الطُّرُقِ وانظروا واسألوا عنِ المَسالِكِ القَويمة ما هو الطَّريقُ الصَّالِحُ وسيروا فيه فتَجِدوا راحةً لِنُفوسِكم" (ارميا 6: 16). ويعلق القدّيس أوغسطينوس "اسهَروا على هذا الكنز كي تكونوا أغنياءَ داخليًّا" (العظة 34 عن المزمور 149 "الاغتناء عند الله"). ونستنتج ما سبق ان مثل اللؤلؤة يشبه مثل الكنز في ثلاثة أمور: عظمة قيمة الموجود، ووجوب ان يكون مُلكا خاصا بالواجد، وان يترك عند وجدانه كل شيء لأجله، إذ اعتمد شيئا واحد وهو الحصول على النفيس باي نفقة كانت. ويعلق القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم "إنّ الشبه الذي يمكننا رؤيته بين مثل الكنز ومثل اللؤلؤ هو انه يجب تفضيل الإنجيل على أيّ كنزٍ آخر... غير أنّه يوجد أمرٌ آخر أكثر جدارة: يجب تفضيل الإنجيل بفرح وسرور ومن دون تردّد. يجب ألاّ ننسى أبدًا أن التّخلّي عن كل شيء في سبيل اتّباع الله هو ربحٌ أكثر ممّا هو خسارة" (عظات حول إنجيل القدّيس متّى، العظة 47). ويختلف المثلان في امرين: أولا ان واجد الكنز وجده عن طريق الصدفة، وواجد اللؤلؤة الكريم كانَ يطلُبُ اللُّؤلُؤَ الكريم، وجدها بعد بذل جهده في الطلب والتفتيش. والامر الثاني ان من وجد الكنز صدفة فرح، اما تاجر اللؤلؤ لم يُذكر انه فرح، وذلك ان من يجد النفيس بعد البحث والطلب اقل من الذي يجده صدفة بلا طلب. فمثال الأول المرأة السامرية فإنها جاءت الى البئر لمجرد الماء فوجدت المسيح هناك (يوحنا 4: 4-30، 39-42)؛ ومثلها مثل بولس فانه لم يقصد ان يجد المسيح في طريقه الى دمشق (اعمال الرسل 9: 1-9)، واما مثال المثل الثاني فهو المجوس الذين أتوا من المشرق يطبون مشاهدة الملك المولود حديثا (متى 2: 1-16). وكمثلهم الخصي الحبشي فانه وجد المسيح بقدومه الى اورشليم للسجود ودراسة كلام الانبياء عن المسيح. يدعونا يسوع من خلال هذين المثلين الى بيع كل شيء للحصول على فرح الملكوت خاصة ان المثلين يقعان في إطار تهديدين شديدين، التهديد الأول "يَقذِفونَ بِهم (الأَثَمَةَ كافَّةً) في أَتُّونِ النَّار، فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان" (متى 13: 42)، والتهديد الآخر هو "يَقذِفونَ بِهم في أَتُّونِ النَّار. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان" (متى 13: 50). هل ملكوت الله هو في نظرنا الخير الأسمى الذي يفوق كل الخيرات؟ ونستنتج مما سبق ان الكنز يمثل مملكة المسيح واللؤلؤة هي شخص المسيح، من يفهم المسيح وعمل لأجله سيترك كل الماضي أي ما كان يؤمن به سابقا ليتبع المسيح. وقد كشف لنا يسوع عن ذاته بكل مَثلٍ رواه. ونحن به نمتلك الكنز الدفين ونملك اللؤلؤة الكريمة. وبسببهما قال بولس الرسول: "مِن أَجْلِه خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ (فيلبي 3: 8). وفي هذا الصدد يقول يسوع " فحَيثُ يَكونُ كَنزُكُم يَكونَ قَلبُكم" (لوقا 12: 34). وهكذا يوصيك القدّيس كيرِلُّس الاورشليمي "تسلّم الكنز السماوي... اترك الحاضر وآمن بالمستقبل" (تعليم عمادي 1,5). 3) دعوة الى اختيار الملكوت من خلال مثل الشبكة (متى 13: 47-50) مثل الشبكة هو المثل السابع من أمثال ملكوت السماوات في إنجيل متى الفصل الثالث عشر. يُشبه مثل الشبكة مثل الزؤان، وهو مأخوذ من مشهد مألوف في حياة الصيَّادين في بحيرة طبرية. والشباك تتفاوت في الحجم والتفصيل، ولكن الفكرة العامة، هي ان الشبكة تطرح عادة على مسافة قصيرة من الشاطئ، وتكون مثقلة في أطرافها بقطع من الحديد، وتدخل الاسماك فيها من كل جنس، ثم تقفل من جوانبها كلما اقتربت من الشاطئ. ولعل يسوع اختار هذا المثل من الصيد لأنه كان على الأقل أربعة من تلاميذه صيادين فأورده كذلك لزيادة تأثيره في قلوبهم ولأنهم كانوا مستعدين لان يكونوا "صَيَّادَيْ بَشر" (متى 4: 19). ويُشدِّد مثل الشبكة (متى 13: 47-48) على وجود الأشرار والأبرار معاً الى آخر الأزمنة حيث لا فصل بينهم الاَّ في النهاية الازمنة عندما تصل الشبكة على الشاطئ. وهكذا يكون الابرار والاشرار معا في الكنيسة. لكن مثل الشبكة لا يلفت الانتباه الى صبر المؤمنين، كما هو الحال في مثل الزؤان (متى 13: 24-30)، بل الى التهديد الذي يتعرض له الأشرار في نهاية العالم من ناحية وتحذير الابرار من هذا المصير لاختيار المسيح من ناحية أخرى. فقرار اختيار المسيح يقتضي اختيار كامل لا يسمح بأي تنازلات أو مساومات. وتمثل البحيرة العالم، والمسيح أرسل تلاميذه ليكونوا صيادي الناس. والشبكة هي الكنيسة، وقد امسكت شباكهم أصناف شتى من أبناء الإنسانية من كل الأمم والألسنة من الابرار والاشرار ليكونوا في داخل الكنيسة. والكنيسة ليس هي النهاية وضمان الخلاص. ويعلق القديس غريغوريوس الكبير " تُقارن الكنيسة المقدّسة بشبكة، إذ هي أيضًا سُلِّمت إلى صيّادين، لقد ضمَّت كل أنواع السمك، إذ تقدّم مغفرة الخطيّة للحكماء والجهلاء، للأحرار والعبيد، للأغنياء والفقراء، للأقوياء والضعفاء. لهذا يقول المرتّل لله: "إليكَ يا مُستَمعَ الصَّلاة مساُر كُلِّ بَشَر (مزمور 65: 2)". وفي نهاية الزمن يُفصل السمك الجيد ويحفظ، بينما يُطرح الرديء خارجًا، إذ يسلَّم الجيِّد للراحة الأبديّة. أمَّا الأشرار، فإنهم إذ فقدوا نور الملكوت الداخلي يُطردون إلى الظلمة الخارجيّة. حاليًا هنا يختلط الابرار مع الأشرار، كالسمك في الشبكة، لكن الشاطئ سيُخبرنا عمّا كان في الشبكة، أي في الكنيسة المقدّسة. إذ يُحضَر السمك إلى الشاطئ، لا تصير له فرصة التغيّر، أمَّا الآن ونحن في الشبكة، فيمكننا إن كنّا أشرّارًا أن نتغيّر ونصير صالحين. إذن لنفكِّر حسنًا يا إخوة، إذ لا يزال الصيد قائمًا، لئلاّ يحتقرنا الشاطئ فيما بعد. يدعو يسوع الجميع الي الكنيسة كشبكة مطروحة في بحر هذه العالم. يدخل الكل للكنيسة، ولكن هناك من يجاهد لكي يكتشف شخص المسيح فيبيع العالم لأجله، وهناك من يجذبه العالم فيبيع المسيح لأجله، أي لأجل العالم، فمن باع العالم لأجل المسيح فهؤلاء هم الحنطة، ومن باع المسيح لأجل ملذات العالم فهؤلاء هم الزوان والشبكة ستُسْحَبْ للشاطئ يوم الدينونة. فالشاطئ يشير لنهاية الزمان يوم يترك كل الناس البحر أي العالم. هذا المثل يشبه مثل عُرس ابن الملك (مت 1:22-14) الذي دعا إلى عُرس ابنه كل الناس ولكن أخيرًا أخرج غير المستعدين " لأَنَّ جَماعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّون، ولكِنَّ القَليلينَ هُمُ المُخْتارون (متى 22: 14). فتعليم الربّ يسوع هذا يوقظنا من الغفوة ومن الأمان الزائف. يدعونا يسوع أيضا من خلال هذه المثل ان لا نكتفي ان نكون في الشبكة الإنجيلية كما جاء في تعليم بولس الرسول " فلَيسَ جَميعُ الَّذينَ هم مِن إِسرائيلَ بِإِسرائيل" (رومة 9: 6) بل يتوجب علينا ان نجاهد لنيل الملكوت "ضاعِفوا جُهْدَكم يا إِخوَتي في تَأييدِ دَعوَةِ اللهِ واختِيارِه لَكم" (2 بطرس 1: 10). ومَثل الشبكة كمَثل الزارع والزؤان يتطلب منا ان نخبّر الآخرين بنعمة الله ووجوده ولكن ليس لنا ان نقول مَن هم مِن الملكوت (الابرار) ومَن ليسوا منه (الاشرار). فهذا التصنيف يتم في الدينونة الأخيرة. يذكرنا مثل الشبكة مصير الاشرار كي يدعونا بان نختار فرح الملكوت لا البكاء والدموع والنار. وأخيراً يدعو يسوع تلاميذه ان يصيروا هم أنفسهم معلمين وكتبة (متى 13: 51-52)يُخرجون من كنز ما تعلموه من المسيح الذي وجدوه، وفي نفس الوقت يخرجون المعنى الصادق من كنز تعليم العهد القديم (متى 13: 51). لا شيء يمكن أن يسقط من تاريخنا وماضينا سواء من العهد القديم او من العهد الجديد. فأسفار العهد القديم تعرفنا الطريق الى يسوع. أمَّا اسفار العهد الجديد فتعلمنا عن المسيح نفسه الكنز واللؤلؤة. ويعلق القدّيس ايرينيوس "على ضوء القراءة المسيحيّة، كانت الشريعة في الماضي كنزًا مخفيًّا في حقلٍ، ولكن صليب الرّب يسوع المسيح كشف عنها وفسّرها؛ إنّها تظهر حكمة الله، وتكشف عن مخطّطه الخلاصي للإنسان، وتعطي صورة مسبقة عن ملكوت الرّب يسوع المسيح" (ضد الهرطقات، الجزء الرّابع، 26). فإن قرأ أحد الكتاب المقدّس على هذا النحو، سيكون تلميذًا مثاليًّا "يُشبِهُ رَبَّ بَيتٍ يُخرِجُ مِن كَنزِه كُلَّ جَديدٍ وقَديم" (متى 13: 52). وهكذا يحثُّ يسوع تلاميذه الى طلب الملكوت الموجود. واليوم، من يخطر على باله بطلب هذا الملكوت؟ من يفكر بالاستغناء عن كل الأفراح الدنيوية، مقابل الحصول أو الدّخول في ملكوت الله وامتلاك المسيح؟ الخلاصة ضرب يسوع سبعة أمثال: أربعة منها للجموع والثلاثة الأخيرة الى تلاميذه فقط. وهذه الامثال لها غاية واحدة: فالمثل الأول هو مثل الزراع الذي يُبيِّن اسباب نجاح كلمة الله، والمثل الثاني هو مثل الزؤان يبُين الموانع الداخلية لنشر كلمة الله، والمثل الثالث هو حبة الخردل الذي يشير الى امتداد كلمة الله ظاهرا، والمثل الرابع مثل الخميرة، والمثلان الخامس والسادس مثل الكنز واللؤلؤة يُبيِّنان قيمة ملكوت الله لكل فرد من الناس ووجوب ترك كل شيء بغية اقتنائه، والمثل الأخير، مثل الشبكة/ يشير الى الفصل الأخير بين الابرار والأشرار المجتمعين معا في الكنيسة وان الله هو الذي يُجري ذلك الانفصال في وقته وفي الطريق التي يختارها. اما مثل الكنز فهو السيد يسوع المسيح الذي فيه نجد كل ما هو نفيس ونافع. وفي هذا الصدد يقول الرسول بولس "جَميعُ كُنوزِ الحِكمَةِ والمَعرِفَة" (1 قولسي 2: 3)، كنوز البر والقداسة والنعمة والسلام، فان وجدناها كانت هذه كلها من نصيبنا لذلك علينا ان نحسب كل شيء خسارة لكي نربح المسيح حتى نوجد في المسيح. نحن لن يمكننا أن نفرط فيما بين أيدينا من ملذات العالم ونبيعها، ما لم نكتشف أولًا هذا الكنز كما ورد على لسان ابن سيراخ "الحِكمَةُ المَكْتومَة والكَنزُ الدَفين أَيُّ مَنفَعَةٍ فيهِما؟" (سيراخ 20: 30). فمن يريد الكنز، ليكن مستعداً لترك كل شيء وليبحث عنه فيجده. والكنز الحقيقي. كذلك مثل اللؤلؤة الثمينة فهي يسوع المسيح. إنها لؤلؤة لا تقدر قيمتها فمن يطلبها يجدها ويشتريها بكل ما يملك يصيح غنياً فيما للربّ ويكون لديه ما يكفيه كي يكون سعيدا هنا والى الابد. سواء كان الاكتشاف قد تمّ بشكل عارض كما هو الحال في الكنز أو بعد بحث الطويل والطلب كما هو الحال في اللؤلؤة، ففي كلتا الحالتين نجد النتيجة واحدة، وهي أن الإنسان باع كلّ ما كان له ليملك المسيح، الكنز الحقيقي واللؤلؤة الثمينة. لقد فهم الرجل والتاجر ان قيمة ما وجداه، وكانا مستعدين لخسارة كل شيء ليمتلكاه. أمَّا مثل الشبكة الملقاة في البحر وجَمعَت مِن كُلِّ جِنْس فترمز التعايش بين الأخيار والأشرار هو واقع في ملكوت الربّ على الارض. إنّ الملكوت مفتوح لجميع الناس، منهم الأبرار ومنهم الأشرار، وسوف يستمرّ هذا الواقع حتى نهاية الأزمنة. وليس لنا أن نحكم أو ندين. ولكن لا يدخل في هذا الملكوت في السماء سوى أولئك الّذين قد تقيّدوا بالإنجيل وعملوا مشيئة الربّ في حياتهم. ولن يأتي الفصل والمكافأة على أعمال كلّ فرد الاّ في نهاية الأزمنة عند الدينونة الاخيرة، وهذا الفصل ليس من عمل الإنسان. بل هو من عمل الربّ. دعاء أيها الآب السماوي، اجعلنا نجد في يسوع ابنك الحبيب الكنز الثمين الذي يُغنينا، اللؤلؤة الثمينة التي نبحث عنها، فنكون من المستحقين دخول شبكة ملكوت الربّ الأبديّة ونجذب الآخرين إليها ونشاهد جميعا وجهك البهي في السماء. آمين. |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 80866 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() إِذا كُنتُم تُحِبُّوني، حَفِظتُم وَصاياي تشير عبارة " إِذا كُنتُم تُحِبُّوني " الى فعل الشرط، وهو المحبة التي تقود الى طاعة أوامر المسيح، فطاعة الوصايا برهان على محبته، ويؤكد ذلك يوحنا الرسول. " أَنَّ مَحبَّةَ اللهِ أَن نَحفَظَ وصاياه " (1 يوحنا 5: 3). أن يحمل المرء اسم الرّب يسوع المسيح من دون حفظ وصاياه، أليس في ذلك خيانة للاسم الإلهي والتخلّي عن محبته؟ |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 80867 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() إِذا كُنتُم تُحِبُّوني، حَفِظتُم وَصاياي " حَفِظتُم " فتشير الى فعل الشرط أي إن كنا نحبّ يسوع نحفظ وصاياه ونعمل بها ونطيعها. والطاعة هي الثقة بكلمة شخص الذي نحبُّه. وهذه الثقة تقود إلى اتباعه. ومن يُحب يُطيع الوصايا، والروح القدس يعطينا الحب كي نحفظ الوصايا. لذا فإنَّ إرسال الروح من قبل الآب هو تلبية لطلب يسوع ويرتبط برسالته ارتباطا وثيقا (يوحنا 14: 13-14). ومن هذا المنطلق، إن محبتنا تُختبر بحفظ الوصايا وطاعتها. فالمحبة لا تكون بالكلام والعواطف، بل بحفظ وصايا يسوع كما يؤكد الكتاب المقدس "لا تَكُنْ مَحبَّتُنا بِالكلام ولا بِاللِّسان بل بالعَمَلِ والحَقّ" (1 يوحنا 3: 18). ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "الله يطلب الحب الذي يَظهر بالأعمال". هذا هو السبب الذي لأجله يقول يوحنا في رسالته: " مَن قالَ: إِني أَعرِفُه ولَم يَحفَظْ وَصاياه كان كاذِبًا ولَم يَكُنِ الحَقُّ فيه" (1 يوحنا 2: 4). وصايا الله هي إثبات لحبِّه لنا، وإطاعة وصاياه هي تعبيرٌ لحبِّنا له. |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 80868 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() القديس يوحنا الذهبي الفم "الله يطلب الحب الذي يَظهر بالأعمال" |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 80869 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() إِذا كُنتُم تُحِبُّوني، حَفِظتُم وَصاياي "وَصاياي" فتشير الى الوصايا العشر (خروج 34: 28). وهي ما نطق به الله في سيناء. وتدعى أيضاً كلمات العهد (تثنية الاشتراع 29: 1)، وهي موجز لكثير من تعاليم العهد القديم. فالوصايا الثلاث الأولى، تختص بواجبات الإنسان نحو الله، والسبع الأخيرة بواجبات الإنسان تجاه الإنسان. لقد أجَّلّ يسوع الوصايا، وشدَّد عليها ولخَّصها في وصية واحدة هي وصية المحبة، وفسَّرها تفسيراً حقيقياً، وعلم الناس أن غاية الوصايا، إنما هي المحبة الله والقريب (متى 22: 37). وضَّح بولس الرسول أن الإيمان العامل بالمحبة هو تكميل الناموس "في المسيحِ يسوعَ لا قِيمةَ لِلخِتانِ ولا لِلقَلَف، وإِنَّما القِيمةُ لِلإِيمانِ العامِلِ بِالمَحبَّة" (غلاطية 5: 6). وأمَّا يوحنا فقد وسع معنى الوصية وعمقه ودمغها بدمغة المحبة ولذا تكلم عن الوصية الجديدة " أُعْطيكم وَصِيَّةً جَديدَة: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً" (يوحنا 13: 34). وموجز القول إن المحبة هي أصل الناموس وتتمته. |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 80870 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() وَأَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم لِلأَبَد تشير عبارة "سأَسأَلُ الآب" الى النتيجة الثانية وهي رفع يسوع صلاته للآب الذي سيهبنا بدوره مؤيدًا آخرًا يكون معنا للأبد mيوحّدنا بالله. فالمسيح يشفع لتلاميذه أمام آبيه كما يقول بولس الرسول "المَسيحُ يسوع الَّذي مات، بل قام، وهو الَّذي عن يَمينِ اللهِ والَّذي يَشفعُ لَنا" (رومة 8: 34). فبدم المسيح وفدائه صار هناك إمكانية لإرسال الروح القدس للإنسان. وهذا يذكِّرنا برئيس الكهنة في العهد القديم الذي كان بعد ان يقِّدِّم الذبيحة يدخل بدمها الى قدس الاقداس ليشفع الى شعب العهد القديم، وكان ذلك رمزا الى ما فعله يسوع في السماء وهو رئيس الكهنة فبشفاعته تُغفر خطايانا وتستجاب صلواتنا. |
||||