منتدى الفرح المسيحى  


العودة  

الملاحظات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29 - 12 - 2021, 02:25 PM   رقم المشاركة : ( 62921 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,301,536

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


واسترجع (أبرام) كل الأملاك، واسترجع لوطًا
أخاه أيضًا وأملاكه، والنساء أيضًا والشعب

( تك 14: 16 )




لكن بالمُباينة مع لوط الذي اختار لنفسه العالم،
وأصبح له أسيرًا، يُستحضر أمامنا رجل آخر،
هو أبرام، الذي لم يحب العالم، وغلبه.
 
قديم 29 - 12 - 2021, 02:26 PM   رقم المشاركة : ( 62922 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,301,536

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


واسترجع (أبرام) كل الأملاك، واسترجع لوطًا
أخاه أيضًا وأملاكه، والنساء أيضًا والشعب

( تك 14: 16 )



لم يكن لوط مستعدًا في يوم الحرب، لكن أبرام الذي كان في حالة الانفصال، كان على أتم استعداد، فكان عنده في بيته غلمانه المتمرنون على الحرب، كما كان هو متهيأً لأن يجاهد الجهاد الحَسَن، ليس كأهل العالم الذين يحاربون لمطامع شخصية، أو للحصول على غنائم عالمية، بل ليسترجع أخاه الذي كان قد سُبيَ.
 
قديم 29 - 12 - 2021, 02:28 PM   رقم المشاركة : ( 62923 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,301,536

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


واسترجع (أبرام) كل الأملاك، واسترجع لوطًا
أخاه أيضًا وأملاكه، والنساء أيضًا والشعب

( تك 14: 16 )



إن أسلحة محاربتنا نحن المؤمنين ليست جسدية،

ومصارعتنا ليست مع دم ولحم،
لكننا نحارب لأجل الحق،

ونجاهد لإنقاذ مَن يتعرضون لخطر الانزلاق

في العالم أو الذين جرفهم العالم فعلاً.

لقد كان الرسول يعيش على ضوء المجد العتيد،
فاستطاع أن يفتخر بصليب ربنا يسوع المسيح،

الذي به قد صُلب العالم له، وهو للعالم.
لقد عاش مجاهدًا الجهاد الحَسَن،

وهاربًا من شِراك الذين يريدون أن يكونوا أغنياء في العالم الحاضر؛
الذين طعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة،

مجاهدًا لأجل أولئك الذين كانوا في خطر الانزلاق إلى الأركان الضعيفة،

فكتب لمؤمني كولوسي قائلاً لهم:

«فإني أريد أن تعلموا أي جهاد لي لأجلكم، ولأجل الذين في لاودكية» ( كو 2: 1 ).
 
قديم 29 - 12 - 2021, 02:29 PM   رقم المشاركة : ( 62924 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,301,536

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


واسترجع (أبرام) كل الأملاك، واسترجع لوطًا
أخاه أيضًا وأملاكه، والنساء أيضًا والشعب

( تك 14: 16 )



هكذا في رسالة يهوذا نجد روح أبرام في القول

«مُبغضين حتى الثوب المُدنس من الجسد».
وأيضًا «أن تجتهدوا لأجل الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين».

وبينما نحن نفعل ذلك، نُظهر الرحمة من نحو المؤمنين

الذين أسَرهم العالم، فنسعى لاختطافهم من النار

( يه 3: 22 ، 23).
 
قديم 29 - 12 - 2021, 03:57 PM   رقم المشاركة : ( 62925 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,301,536

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

مهما كان الظلام دامس
لابد أن تشرق شمس الفرح
هغير الوقت واصنع المستحيل واعمل معجزات


وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

 
قديم 29 - 12 - 2021, 03:58 PM   رقم المشاركة : ( 62926 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,301,536

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

أفرج ضيقات قلبى
من شدائدى أخرجنى
(مز 25 : 17)


وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة
 
قديم 29 - 12 - 2021, 04:04 PM   رقم المشاركة : ( 62927 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,301,536

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


هجدد مثل النسر شبابكم
هسندكم في وقت ضعفكم
هقويكم في تجاربكم وأنصركم
 
قديم 29 - 12 - 2021, 04:05 PM   رقم المشاركة : ( 62928 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,301,536

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


هجدد مثل النسر شبابكم
هسندكم في وقت ضعفكم
هقويكم في تجاربكم وأنصركم
 
قديم 29 - 12 - 2021, 04:42 PM   رقم المشاركة : ( 62929 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,301,536

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة




يسوع في الهيكل بين العلماء وتربية العائلة المقدسة




الأحد الأول بعد الميلاد:

يسوع في الهيكل بين العلماء وتربية العائلة المقدسة

(لوقا 2: 44-52)




النص الإنجيلي (لوقا 2: 44-52)

41 وكانَ أَبَواهُ يَذهَبانِ كُلَّ سَنَةٍ إلى أُورَشَليمَ في عيدِ الفِصْح. 42 فلَمَّا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَة، صَعِدوا إِلَيها جَرْياً على السُّنَّةِ في العيد. 43 فَلَمَّا انقَضَت أَيَّامُ العيدِ ورَجَعا، بَقيَ الصَّبيُّ يسوعُ في أُورَشَليم، مِن غَيِر أَن يَعلَمَ أَبَواه. 44 وكانا يَظُنَّانِ أَنَّه في القافِلة، فَسارا مَسيرَةَ يَومٍ، ثُمَّ أَخذا يَبحَثانِ عَنهُ عِندَ الأَقارِبِ والـمَعارِف. 45 فلَمَّا لَم يَجداه، رَجَعا إلى أُورَشَليمَ يَبحَثانِ عنه. 46 فَوجداهُ بَعدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ في الـهَيكَل، جالِساً بَينَ المُعَلِّمين، يَستَمِعُ إِلَيهم ويسأَلُهم. 47 وكانَ جَميعُ سَامِعيهِ مُعجَبينَ أَشَدَّ الإِعجابِ بِذَكائِه وجَواباتِه. 48 فلَمَّا أَبصَراه دَهِشا، فقالَت لَه أُمُّه: ((يا بُنَيَّ، لِمَ صَنَعتَ بِنا ذلك؟ فأَنا وأَبوكَ نَبحَثُ عَنكَ مُتَلَهِّفَيْن)) 49 فقالَ لَهُما: ((ولِمَ بَحثتُما عَنِّي؟ أَلم تَعلَما أَنَّه يَجِبُ عَليَّ أَن أَكونَ عِندَ أَبي؟)) 50 فلَم يَفهَما ما قالَ لَهما.51 ثُمَّ نَزلَ مَعَهما، وعادَ إلى النَّاصِرَة، وكانَ طائِعاً لَهُما، وكانَت أُمُّه تَحفُظُ تِلكَ الأُمورَ كُلَّها في قَلبِها. 52 وكانَ يسوعُ يَتسامى في الحِكمَةِ والقامَةِ والحُظْوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس.


مقدمة

يصف لوقا الإنجيلي يسوع في الهيكل بين العلماء متفوها أقواله الأولى: منذ بلوغ وَعيه الإنساني، عرف يسوع أنه الابن، وان رسالته تكون فيما هو للآب السماوي، حيث يصبح كل شيء سواه أمرا نسبيًا وثانويًا (لوقا 2: 44-52). ودلَّ يسوع أثناء حَجِّه إلى هيكل اورشليم على علاقته البَنويَّة مع الله. ومع ذلك تصرف يسوع، ابن مريم ويوسف، كابن: ابن الله، وابن مريم العذراء. يعلق الفيلسوف الروسيفيودور دوستويفسكي "لا شيء (ولا أحد!) أكثر جمالا، وأكثر عمقا، وأكثر رقة، وأكثر حكمة، وأكثر شجاعة، وأكثر مثالية من المسيح!". ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.



أولاً: تحليل وقائع نص إنجيل لوقا (لوقا 2: 44-52)

41 وكانَ أَبَواهُ يَذهَبانِ كُلَّ سَنَةٍ إلى أُورَشَليمَ في عيدِ الفِصْح

تشير عبارة "أَبَواهُ" إلى العذراء لأنها حملته ويوسف الذي خدمه. ويعلق القديس كيرلس الاورشليمي" كما أن مريم دُعيت أمًا ليوحنا الإنجيلي في المحبَّة وليس لأنها أنجبته، هكذا دُعي يوسف أبًا للمسيح لا لأنه أنجبه، وإنما لاهتمامه بإعالته وتربيته". أمَّا عبارة " يَذهَبانِ كُلَّ سَنَةٍ إلى أُورَشَليمَ في عيدِ الفِصْح " فتشير إلى ما تفرضه الشريعة الموسوية التي تقتضي بالحج تلاث مرات في السنة للهيكل في اورشليم في عيد الفصح وعيد الخمسين وعيد المظال كما ورد في العهد القديم "ثَلاثَ مَرَّاتٍ في السَّنَة، يَحضُرُ جَميعُ ذُكْرانِكَ أَمامَ الرَّبِّ إِلهِكَ في المَكانِ الَّذي يَخْتارُه: في عيدِ الفَطير وفي عيدِ الأَسابيعِ وفي عيدِ الأَكواخ، ولا يَحْضروا أَمامَ الرَّبِّ فارغين" (تثنية الاشتراع 16: 16). لعلَّ لوقا الإنجيلي يستوحي هنا السياق من سفر صموئيل "وكانَ ذلك الرَّجُلُ يَصعَدُ مِن مَدينَتِه مِن سَنَةٍ إلى سَنَةٍ لِيَسجُدَ ويَذبَحَ لِرَبِّ القُوَّاتِ في شيلو. وكانَ هُناكَ ابْنا عالي، حُفْني وفِنْحاس، كاهِنَينِ لِلرَّبّ " (1صموئيل 3: 3 و7). ولم يكن ذلك مشروعا على النساء ولا ممنوعا والأرجح أن النساء التقيات كثيرا ما رافقن أزواجهن إلى هنالك (1 صموئيل 1: 7/ 22، 24). وقال هليل الرباني المشهور بوجوب حضور النساء في اورشليم عيد الفصح كل سنة. والأرجح أن مريم قصدت اورشليم حبا لله ولبيته طوعا. وإن كان يسوع تربَّى تربية أولاد عصره من اليهود، فلا بدَّ من أنه عندما بلغ الثلاثة من عمره لبس ثوبا على هدب ذيله عصابة من البِرْفيرِ البَنَفْسَجِيّ حسبنا ارم الله " خاطَبَ الرَّبّ موسى قائِلاً: ((كَلِّمْ بَني إِسْرائيلَ ومُرْهم أَن يَصنَعوا لَهم أَهْدابًا على أَذْيالِ ثِيابِهِم مدى أَجْيالِهم ويَجعَلوا على هُدْبِ الذَّيْلِ سِلْكًا مِنَ البِرْفيرِالبَنَفْسَجِيّ. فيَكونَ ذلك لَكما هُدْبًا فتَرَونَه وتَذكُرونَ جَميعَ وَصايا الرَّبِّ وتَعمَلونَ بِها، " (عدد 15: 37-39). ولما بلغ سن الخمس استظهر بعض أجزاء الشريعة " كالشمعة" "لا تَزيدوا كَلِمةً على ما آمُرُكم بِه ولا تَنقصوا مِنه، حافِظينَ وَصايا الرَّبِّ إِلهِكمُ الَّتي أَنا أُوصيكُم بِها"(تثنية الاشتراع 4: 222) والهليل (مزمور 114-118)، ومزمور 126)؛ ولما بلغ سن الثانية عشرة مارس كل طقوس الشريعة الموسوية كزيارة اورشليم في الأعياد وتعلم صناعة كسائر الأولاد اليهود من أغنياء وفقراء وأصبح ابن الناموس. أمّا عبارة " عيدِ الفِصْح " فتشير إلى أحد أعياد الحج. وهو أحياء لذكرى إنقاذ بني إسرائيل من مصر (خروج 12: 1-12). وكان اليهود يقضون في اورشليم ثمانية أيام من عيد الفصح إلى عيد الفطير. وكانوا يأكلون خروف الفصح في اليوم الأول وخبز الفطير في الأيام السبعة، ولذلك سُمي عيد الفصح أحيانا بعيد الفطير (خروج 12: 15). أين نحن من الممارسة الدينية بوجه عام وخاصة في الأعياد الكبرى؟

42لَمَّا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَة، صَعِدوا إِلَيها جَرْياً على السُّنَّةِ في العيد

تشير عبارة " اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَة " إلى سن البلوغ الديني القانوني حسب الدين اليهودي حيث يصبح الولد בض·ض¼×¨ ×‍ض´×¦ض°×•ض¸×” أي ابن الوصية أي " "ابن التوراة أو ابن الشريعة". وهو العمر الذي يصبح فيه الصبي اليهودي عضوا في الجماعة اليهودية ومؤهّلاً لقراءة التوراة أمام الشعب ومُكلفا بتأدية جميع الفرائض المفروضة عليه حسب الشريعة اليهودية. ومن هذا المنطلق كان يسوع ينمو في الجسم والعقل والروح "وكانَ الطِّفْلُ يَتَرَعَرعُ ويَشتَدُّ مُمْتَلِئاً حِكمَة، وكانت نِعمةُ اللهِ علَيه " (لوقا 2: 40). كانت طبيعة يسوع الإنسانية تامة وكاملة في كل مرحلة من مراحل النمو، وكانت نعمة الله أي مجد الله ظاهرا فيه. أمَّا عبارة " صَعِدوا إِلَيها جَرْياً على السُّنَّةِ في العيد " فتشير إلى صعود يسوع مع والدة مريم ويوسف في عيد الفصح إلى اورشليم لأول مرةلزيارة بيت أبيه السماوي. ويستنتج من هذا أن يسوع لم يصعد إلى اورشليم منذ ختانه وتقديمه للفداء. رافق يسوع والديه مريم ويوسف إلى اورشليم ليشاركهما في إتمام فروض العيد. وكانت المسافة بين الناصرة وأورشليم نحو 129 كم 80 ميلا وكان يقطعها الراكب على فرس في ثلاثة أو أربعة أيام. أمَّا عبارة " جَرْياً على السُّنَّةِ " فتشير إلى الفريضة على كل ذكر بحسب الشريعة أن يذهب إلى أورشليم ثلاث مرات في العام للاحتفال بالأعياد الكبرى (تثنية الاشتراع 16: 16). إن يسوع احتفل بالأعياد اليهودية، إنه سرعان ما أخذ يُبيّن أن شخصه وعمله هما يعطيان للأعياد معناها الكامل كما هو الحال لعيد المظال (يوحنا 7: 37-39) وعيد التدشين (يوحنا 10: 22-38) وخاصة عيد الفصح حيث ختم يسوع عهد ذبيحته الجديد في إطار فصحي (يوحنا 13: 1-19). البيت مدرسة الولد الأولى. أين نحن من الممارسة الدينية عائليا؟ عماد أطفالنا؟ تلقينهم الصلوات؟ وممارسة الأسرار؟

43 فَلَمَّا انقَضَت أَيَّامُ العيدِ ورَجَعا، بَقيَ الصَّبيُّ يسوعُ في أُورَشَليم، مِن غَيِر أَن يَعلَمَ أَبَواه.

تشير عبارة " فَلَمَّا انقَضَت أَيَّامُ العيدِ " إلى مدة أيام العيد الثمانية، وكان الاحتفال بعيد الفصح يشمل عيد الفطير وكان يُقام في فصل الربيع من كل سنة. كان اليهود يأكلون خروف الفصح في اليوم الأول وخبز الفطير في الأيام السبعة، ولذلك سُمّي عيد الفصح أحيانا " عيد الفطير" (خروج 12: 15). أمَّا عبارة "بَقيَ الصَّبيُّ يسوعُ في أُورَشَليم" فتشير إلى علاقة يسوع بالآب السماوي التي توجب عليه أن يقوم بقطع كلّ شيء عن الأسرة، وبسبب ذلك لا يلتحق بالقافلة التي تعود إلى الناصرة، بل يختار البقاء وحيداً في أورشليم. ويعلق القديس أوغسطينوس" إن الله لا يبتعد عن الإنسان بل الإنسان هو الذي يبتعد عن الله حيث أن الإنسان يقيس المسافة عندما يبتعد عن الله برؤية بشرية ويظن إن الله هو الذي يبتعد عنه". أمَّا عبارة" مِن غَيِر أَن يَعلَمَ أَبَواه" فتشير إلى بقاء يسوع في الهيكل، في اورشليم عند رحيل القافلة وذلك خروجا عن بعض المفاهيم والعادات العائلية ولكن لا هربا ولا رغبة في الحرية والاستقلال عن عائلته، بل حبا للعمل بمشيئة أبيه السماوي ومستغرقا في النقاش مع علماء الشريعة، لأن أبويه يوسف ومريم هما ليسا مرجعيّته إنما الآب السماوي، إنّه بالغ وراشد، ويطيع أباه أولا السماوي.

44وكانا يَظُنَّانِ أَنَّه في القافِلة، فَسارا مَسيرَةَ يَومٍ، ثُمَّ أَخذا يَبحَثانِ عَنهُ عِندَ الأَقارِبِ والـمَعارِف.

تشير عبارة "القافِلة" " في اليونانية (معناها الرفقة) إلى فوج من الحجاج الجليليين المسافرين في قافلة حيث كانت العادة أن يسافر الحجّاج في قوافل خوفاً من اللصوص؛ وكان من المعتاد أن يكون الأطفال مع النساء في المقدّمة، أمَّا الرجال فكانوا في المؤخرة لحمايتهم. ولعل الصبي في الثانية عشرة من عمره كان له الحق في السير مع أيّ من المجموعتين. لذلك ظنّ يوسف أنه في جماعة المقدّمة، وحسبت مريم أنه في المؤخّرة. أما عبارة "فَسارا مَسيرَةَ يَومٍ" فتشير إلى مسافة ما يسيرها الإنسان في النهار (تكوين 31: 23 وخروج 3: 18). أمَّا عبارة"يَبحَثانِ عَنهُ " فتشير إلى البحث عن يسوع لدى نزول القافلة مساء واجتماع كل عائلة على جانب. وهذ البحث شبيه ببحث عروس نشيد الأناشيد" َنهَضُت وأَطوفُ في المَدينة في الشَّوارِعِ وفي السَّاحات أَلتَمِسُ مَن تُحِبّه نَفْسي إِنِّي التَمَستُه فما وَجَدتُه". هل أدركنا أن فقدان الله في حياتنا، هو فنُ التربية المعتمد لدى الله الذي يوّفر لنا أوقاتاً لكي ننمو، فنبدأ بالبحث عنه من جديد؟

45 فلَمَّا لَم يَجداه، رَجَعا إلى أُورَشَليمَ يَبحَثانِ عنه

تشير عبارة " فلَمَّا لَم يَجداه " إلى مريم ويوسف اللذين لم يجدا يسوع لمَّا توقفت القافلة أثناء الليل. ويحدد التقليد مكان فقدان يسوع في منطقة البيرة " على طريق الحجاج حيث بنى الصليبيون كنيسة هناك باسم القديسة مريم، أو كنيسة العائلة المقدسة أو كنيسة القديسة أو كنيسة الافتقاد، ولها ثلاث أجنحة ولم يبق منها إلى بقايا قليلة ظاهرة للعيان. وهي تقع وسط مدينة البيرة إلى الشمال من الجامع العمري. كل هذا يجعلنا أن ندرك إلى أي حدّ سارت مريم بالإيمان دون أن تفهمّ! عندما يغافلنا أولادنا، فإلى أين يتوجّهون؟ هل نهتم بأمور عِشرتهم؟ أمَّا عبارة " رَجَعا إلى أُورَشَليمَ يَبحَثانِ عنه " فتشير إلى رجوع مريم ويوسف في الغد يسألان عنه كل من رأياه في الطريق.

46فَوجداهُ بَعدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ في الـهَيكَل، جالِساً بَينَ المُعَلِّمين، يَستَمِعُ إِلَيهم ويسأَلُهم.

تشير عبارة "ثَلاثَةِ أَيَّامٍ" إلى يوم في الذهاب ويوم في العودة، وبقي مريم ويوسف يومًا كاملًا آخر يسألان عنه بين الرجال والنساء. وهذه الأيام الثلاثة تدل على غياب يسوع ثلاثة أيام في الموت قبل أن يجده تلاميذه. أمَّا عبارة "في الـهَيكَل" فتشير إلى فناء النساء حيث اعتاد علماء اليهود أن يعلِّموا الناس مجاناً ويفسِّروا الشريعة ويتباحثون في المسائل الدينية. أمَّا عبارة" بَينَ المُعَلِّمين " فتشير إلى علماء الشريعة من الفريسيين والكتبة الذين كانوا يُعلمون الناس مجانا في أروقة النساء في الهيكل، في حلقات من الصباح حتى وقت التقدمة المسائية للرد على التساؤلات والاستفسارات والتباحث في المسائل الدينية. وكان المعلمون يجلسون على كرسي موسى كأنهم خلفاؤه (متى 23: 2) ويجلس تلاميذهم عند أقدامهم (أعمال الرسل 22: 3). وكانت هذه عادة لهم حسب ما ذكره التلمود. وها ما سيفعله يسوع فيما بعد؛ ويعلق العلامة أوريجانوس "ابحث عن يسوع في هيكل الله. اِبحث عنه في الكنيسة. اِبحث عنه عند المعلِّمين الذين لا يبرحون الهيكل. اِبحث عنه هناك فستجده. إننا نجد يسوع عند المعلِّمين الحقيقيِّين كقول لوقا البشير...". أمَّا عبارة "يَستَمِعُ إِلَيهم ويسأَلُهم " فتشير إلى أسلوب التعليم الذي كان يتَّخذ غالبا على شكل حوار. فكان التلميذ يسأل عما يجهل، والمعلم يسأل لمعرفة ما مدى معرفة التلميذ كي ينبي كلامه على هذه المعرفة. أمَّا عبارة " يَستَمِعُ إِلَيهم فتشير إلى الموقف الأساسي لكل ابن، وهو بداية كل حكمة، وهذا علامة على النضوج. أمَّا عبارة "يسأَلُهم " فتشير إلى موقف يسوع الذي يبحث، ويريد أن يعرف. لا يدَّعي معرفة كل شيء بالفعل، ولا يعتبر كل شيء أمرا مسلما به. وهذا أيضا علامة نضوج. ومما لا شك فيه كان موضوع النقاش هو "المسيح الآتي "كانَ الشُّعبُ يَنتَظِر، وكُلٌّ يَسأَلُ نَفسَه عن يوحَنَّا هل هو الـمَسيح " (لوقا 3: 15) وطبيعة مملكته وتفسير النبوءات المتعلقة به، أو يمكن تصور أن الحوار دار حول معاني الفصح. فعلماء الشريعة يستغلون هذه المواسم لشرح معانيها للشعب. وربما أظهر الصبي يسوع المعاني المخفية في رموز الفصح حيث أنها تدور حول المسيح المخلص حمل الله الذي يرفع خطية العالم (أي هو نفسه).

47وكانَ جَميعُ سَامِعيهِ مُعجَبينَ أَشَدَّ الإِعجابِ بِذَكائِه وجَواباتِه.

تشير عبارة " جَميعُ سَامِعيهِ مُعجَبينَ أَشَدَّ الإِعجابِ " إلى أسئلة يسوع وأجوبته التي تثير الدهشة لسامعيه لا لصغر سنِّه بل لعمق فهمه وقوة عقله وصحة علمه التي لم يشاهدوا نظيرها من الأولاد الذين في مثل سِنِّه؛ وهذا ما حدث له خلال حياته العلنية الأمر الذي أدَّى إلى حيرة السامعين ودهشتهم (متى 13: 54). وإذا "كانَ يسوعُ يَتسامى في الحِكمَةِ والقامَةِ والحُظْوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس"(لوقا 2: 52) نفهم أنه كان يتعلم مثل باقي من كانوا في سنه. ولكن علاقته بالآب والروح القدس أعطته أن يتفوق بشكل عجيب عمن كانوا في سنه، وهذا ما جعل علماء الشريعة يتعجبون بِذَكائِه وجَواباتِه (لوقا 2: 42)، وجعل الشعب يتعجب أنه لم يتلقى تعليماً عند كبار المعلمين كما تعلم شاول "عِندَ قَدَمَي جِمْلائيلَ تَربِيةً مُوافِقَةً كُلَّ المُوافَقةِ لِشَريعةِ الآباء"(أعمال الرسل 22: 3) " فَتَعجَّبَ اليَهودُ وقالوا: ((كَيفَ يَعرِفُ هذا الكُتُبَ ولَم يَتَعَلِّمْ؟ " (يوحنا 7: 15).

48-فلَمَّا أَبصَراه دَهِشا، فقالَت لَه أُمُّه: ((يا بُنَيَّ، لِمَ صَنَعتَ بِنا ذلك؟ فأَنا وأَبوكَ نَبحَثُ عَنكَ مُتَلَهِّفَيْن))

تشير عبارة " دَهِشا " إلى إعجاب يوسف ومريم من تعليم يسوع الصادر إمَّا عن النعمة أو من خلال تعليمه الذي بشّر به، كما حدث مع بولس الرسول وبرنابا وهما يبشران في ايقونية "مَكَثا مُدَّةً طَويلة يَتَكَلَّمَانِ بِجُرأَةٍ في الرَّبّ، وهُو يَشهَدُ لِكَلِمَةِ نِعمَتِه فيَهَبُ لهُما أَن تَجرِيَ الآياتُ والأَعاجيبُ عَن أَيديهِما (أعمال الرسل 14: 3). والجدير بالذكر أن تعليم يسوع لا يخضع لتقليد مدرسي أو لتعليم شخصي، بل يصدر عن معرفته المباشرة والكلمة للآب كما صرّح يسوع لليهود في الهيكل:" لَيسَ تَعليمي مِن عِندي بل مِن عِندِ الَّذي أَرسَلَني" (يوحنا 7: 16). أمَّا عبارة "يا بُنَيَّ، لِمَ صَنَعتَ بِنا ذلك؟" فتشير إلى عتاب امه على صعيد الالتزام العاطفي بناء على ظنها انه يجب عليه أن يلازمهما ولا يفكر ألَّا بهما. كثيرا ما يحاول الأهل البحث عن الأخطاء التي يرتكبها ابنهم لا عن سبب ضياعه. أمَّا عبارة "فأَنا وأَبوكَ " في الأصل اليوناني ل½پ د€خ±د„ل½µدپ دƒخ؟د… خ؛ل¼€خ³ل½¼(معناها فأبوك وأنا) فتشير إلى ذكر الأب قبل ذكر الأم، وذلك احتراماً لـمكانة الأب في الأسرة . العذراء بالرغم من كل ما نالته من كرامة نجدها في تواضع تقدم يوسف عليها في حديثها. إن مريم اعتادت في مخاطبتها يسوع أن تُسمِّي يوسف أباه. يعلّق القديس أوغسطينوس " معلنًا أن مريم مع ما نالته من كرامة بتجسُّد كلمة الله في أحشائها سلكت بروح التواضع أمام يوسف فقدَّمته عنها". فالأبوة عطية سماوية كما جاء في تعليم بولس الرسول " لِهذا أَجْثو على رُكبَتَيَّ لِلآب، فمِنه تَستَمِدُّ كُلُّ أُسرَةٍ اسمَها في السَّمَاءِ والأَرْض " (أفسس 14:3-15). ونجد هنا أن مريم اعتادت في مخاطبتها يسوع أن تسمي يوسف أباه لان الناس لم يعلموا حينئذٍ أن الله أبوه. أمَّا عبارة " نَبحَثُ عَنكَ مُتَلَهِّفَيْن " في الأصل اليوناني ل½€خ´د…خ½ل½½خ¼خµخ½خ؟خ¹ (معناها معذَبين) فتشير إلى بحث مريم ويوسف عن يسوع لانهما جهلا أين هو وخافا من أن يعرض له سوءٌ وانه في حاجة أو ضيق. يبحثان عنه بصورة محمومة ومتضايقة خوفا عليه كونه عطية الله لهما. ويعلق العلامة أوريجانوس "لا تبحث عن يسوع في تراخِ وفتور وتردّد كما يفعل البعض، فإنَّ هؤلاء لا يجدوه".

49فقالَ لَهُما: ((ولِمَ بَحثتُما عَنِّي؟ أَلم تَعلَما أَنَّه يَجِبُ عَليَّ أَن أَكونَ عِندَ أَبي ؟))

تشير عبارة "ولِمَ بَحثتُما عَنِّي؟" إلى عتاب يسوع لوالديه على صعيد الالتزام اللاهوتي والرسولي، حيث أن التزامه يقتضي منه التحرر من روابطه الاجتماعية. ويرى علماء التربية وعلم النفس أن كلمات يسوع بمثابة ثورة جديدة في عالم الطفولة. أمَّا عبارة " أَلم تَعلَما " فتشير إلى إجابة يسوع التي تعبر عن دهشته. هناك شيء ما عن يسوع كان مجهولا لدى أبويه، فتعجب عن عدم معرفتهما. ومن الغريب أن أبويه لم يفهما مهنا كلامه (لوقا 2: 50). أمَّا عبارة " يَجِبُ عَليَّ أَن أَكونَ عِندَ أَبي؟" فتشير إلى الكلمات الأولى الّتي ينطق بها يسوع في بشارة إنجيل لوقا، بل والوحيدة على مدى فترة الثلاثين سنة وبها يدرك يسوع لدوره بصفته ابن الله، ورسالته أن يتمم مشيئة أبيه، الآب السماوي. فكان انشغاله دائما بما لأبيه ولم يكن يشغله شيء آخر. وهذا ما كان ينبغي لأبويه أن يعلماه. ويعلق القديس كيرلس الكبير " يشير المسيح هنا إلى أبيه الحقيقي ويكشف عن ألوهيَّته. هنا يذكر لأوّل مرّة علانية من هو أباه الحقيقيّ، ويُعلن عن لاهوته هو نفسه، وعلمّ مريم أنَّها قد صارت أداة للتدبير بولادته بالجسد، ولكنّه بالطبيعة والحقيقة هو إله وابن الآب الذي في السماء". ومن الأهمّية بمكان أن يسوع سيذكر الآب مرة أخرى في ساعات حياته الأخيرة، ليسلّم نفسه إليه كلّياً، على الصليب، بثقة وطاعة كاملتين فصاحَ يسوعُ بِأَعلى صَوتِه قال: ((يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَجعَلُ رُوحي!"(لوقا ظ¢ظ£: ظ¤ظ¦). إنّ الآب، إذاً، مشمول في كلّ بشارة لوقا. أمَّا عبارة " عِندَ أَبي " فتشير إلى أول كلمة تفوه بها يسوع في إنجيل لوقا حيث يثبت بها هويته الشخصيّة ورسالته ومعنى حياته " طَعامي أَن أَعمَلَ بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني وأَن أُتِمَّ عَمَلَه " (يوحنا 4: 34). ويذكر يسوع أبيه مرة أخرى في ساعات حياته الأخيرة، ليسلّم نفسه إليه كلّياً، على الصليب، بثقة وطاعة كاملتين " يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَجعَلُ رُوحي! " (لوقا 23: 46). هناك مكان وحيد يستقرّ يسوع فيه، وهو الآب، وقد حسب بيت الله بيت أبيه كما قل قالَ لِباعَةِ الحَمام: " اِرفَعوا هذا مِن ههُنا، ولا تَجعَلوا مِن بَيتِ أَبي بَيتَ تِجارَة"(يوحنا 2: 16). فكان أبوه السماوي محور حياته وأعماله، ومع ذلك فكان طائعا لوالديه (لوقا 2: 15)، كونه هو إله وإنسان معاً.لأن طاعة الآب السماوي لا تمرّ إلا عن طريق الطاعة للولدين كما يقول المثل الشعبي " رضى الله من رضى الولدين". علم أن يوسف انه ليس أبيه وان أباه هو الله وانه أتى من السماء. وقد كان يوسف أبًا له حسب الشريعة من أجل التبنِّي، وكانت مريم أُمَّه حسب الجسد، لكنه يعلن أنه ابن الله الآب!

50 فلَم يَفهَما ما قالَ لَهما

تشير عبارة "فلَم يَفهَما ما قالَ لَهما" إلى سوء التفاهم سر يسوع، لان بنوَّة يسوع تفوق كل إدراك بشري، حتى أشدّه انفتاحا على كلمة الله. لم يدركا انه كن يسوع كان يميّز بين الآب الأرضي والآب السماوي ولم يفهما مضمون رسالته. إنما اخذ يدركان شيئا من هذا السر. وتلاميذه لن يفهموا سرَّه بسهولة. ولكنهم دخلوا شيئا فشيئا في هذ السر. ويعلق العلامة أوريجانوس "لم يدرك يوسف ومريم مغزى كلمات يسوع: "يجِبُ عَليَّ أَن أَكونَ عِندَ أَبي"، أي أن أكون في الهيكل... بيت يسوع هو الأعالي، لذا فيوسف ومريم إذ لم يكونا بعد قد بلغا كمال الإيمان ولم يستطيعا بعد أن يحلِّقا معه في الأعالي".

51 ثُمَّ نَزلَ مَعَهما، وعادَ إلى النَّاصِرَة، وكانَ طائِعاً لَهُما، وكانَت أُمُّه تَحفُظُ تِلكَ الأُمورَ كُلَّها في قَلبِها.

تشير عبارة "نَزلَ مَعَهما"، إلى عودةيسوع مع أبويه مريم ويوسف العودة إلى السلطة الأبوية والطاعة البنوية كأساس في العائلة المقدسة. ويعلق العلامة أوريجانوس "كثيرًا ما ينزل يسوع مع تلاميذه ولا يبقى على الدوام على الجبل". الصراع في العائلة ينجم عن نزعة التسلط عند الأهل، ونزعة التحرر عند الأبناء، حيث ان منطق الأهل يختلف عن منطق أبنائهم. وانتهى العتاب باحترام كل منهما موقف الآخر بكل صبر ومحبة. امَّا عبارة "النَّاصِرَة " فتشير إلى وطن السيد المسيح إلى أن بلغ سن الثلاثين. وكانت نسبة يسوع إلى الناصرة في عنوان صليبه "كَتَبَ بيلاطُسُ رُقعَةً وجَعَلَها على الصَّليب، وكانَ مكتوباً فيها: ((يسوعُ النَّاصِريُّ مَلِكُ اليَهود" (يوحنا 19: 19). أمَّا عبارة “كانَ طائِعاً لَهُما" باليونانية ل½‘د€خ؟د„خ±دƒدƒل½¹خ¼خµخ½خ؟د‚ (معناها خاضعا) فتشير إلى مسلك يسوع في الناصرة تحت سلطان مريم ويوسف لمدة ثمانية عشر عاما اللاحقة علما أن " يسوعُ كانَ عِندَ بَدءِ رِسالتِه، في نَحوِ الثَّلاثينَ مِن عُمرِه " (لوقا 3: 23)، لأن طاعة الآب السماوي لا تمرّ إلا عن طريق الوالدين والأشخاص الّذين ائتمنوا عليه. ويعلق القديس أمبروسيوس "إنَّ يسوع لم يخضع عن ضعف وإنما عن حب". وفي هذا الصدد يقول بولس الرسول " تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ، وهو الاِبن" (العبرانيين 5: 19). هذه الطاعة لازمته منذ مولده حتى الجلجلة " قالَ المسيحُ عِندَ دُخولِه العالَم: ...هاءَنَذا آتٍ، أَللَّهُمَّ لأَعمَلَ بمَشيئَتِكَ " (العبرانيين 10: 5 -7)؛ " تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب"(فيلبي 2: 7-8) واعتبر يسوع نسبته في الجسد من تكملة بر "كما أَنَّه بِمَعصِيَةِ إِنسانٍ واحِدٍ جُعِلَت جَماعةُ النَّاسِ خاطِئَة، فكَذلِكَ بِطاعةِ واحِدٍ تُجعَلُ جَماعةُ النَّاسِ بارَّة " (رومة 5: 19) . ويعلق القديس برناردس " من هو المطيع؟ من هو المُطاع" إله يخضع للبشر، وفي كل شيء! يا للأمر المذهل! للأمر العجيب! أن يطيع الله أمراً، هذا ما لا مثيل له. أيها الإنسان، تعلم الطاعة!". لكن في حياته العلنية لن يقبل يسوع أوامر إلاّ من الآب السماوي وحده. أين نحن من الطاعة للأهل والمسؤولين والقوانين والواجب والضمير والكنيسة وخاصة للآب السماوي؟ ويقول العلامة أوريجانوس "لنتعلَّم يا أبنائي الخضوع لوالدينا.... خضع يسوع وصار قدوة لكل الأبناء في الخضوع لوالديهم أو لأولياء أمورهم". وهنا آخر ذكر ليوسف في بشارة لوقا ونعرف من بشارتي متى مرقس انه كان نجارا وان يوع عل معه (متى 13: 55). وبعد ذلك لم يُكر من عائلته سوى امه وأخوته (يوحنا 2: 12) ويُظن انه يوسف مات قبل إن يبدا يسوع يبشِّر. أمَّا عبارة "كانَت أُمُّه تَحفُظُ تِلكَ الأُمورَ كُلَّها في قَلبِها" فتشيرإلى تعبير تكرر في إنجيل لوقا سابقا (لوقا 2: 19)، ويدل على المؤتمن على وديعة الوحي الذي يحفظها للمستقبل كما حدث مع يعقوب والد يوسف " وأَمَّا أَبوه فكانَ يَحفَظُ هذا، الأَمْر" (التكوين 37: 11)، وكما حدث مع دانيال النبي في رؤيا قديم الأيام وابن الإنسان "حَفِظتُ الكَلاَمَ في قَلْبي (دانيال 7: 28)؛ وهنا يشير لوقا البشير إلى تفكير مريم في الأحداث التي لن ينكشف معناها إلاَّ في ضوء الفصح.2: 12)، والسبب انه لم يكن على قيد الحياة عندما بدأ يسوع خدمته العلنية.

52وكانَ يسوعُ يَتسامى في الحِكمَةِ والقامَةِ والحُظْوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس.

تشير عبارة "يَتسامى في الحِكمَةِ والقامَةِ والحُظْوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس" إلى خاتمة تكرِّر ما ورد سابقا " كانَ الطِّفْلُ يَتَرَعَرعُ ويَشتَدُّ مُمْتَلِئاً حِكمَة، وكانت نِعمةُ اللهِ علَيه " (لوقا 2: 40). يبدو أنها مستوحاة مما ورد في العهد القديم " أَمَّا صًموئيل الصَّبِيُّ، فكانَ يَتَسامى في القامَةِ والحُظوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس" (1 صموئيل 2: 26) يبقى صموئيل أمام الله كما فعل يسوع "لَمَّا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَة، صَعِدوا إِلَيها جَرْياً على السُّنَّةِ في العيد (لوقا 2: 42). لم يذكر الإنجيل أي حدث من حياة يسوع في الثماني عشرة سنة التي قضاها يسوع في بيته في الناصرة إلاّ أنه كان يتعلم ويكبر وينضج. كان ينمو بصورة متناسقة في جميع المجلات الجسدية والفكرية والاجتماعية والروحية. وكان يساعد يوسف في عمله في النجارة "أَلَيسَ هذا النَّجَّارَ ابنَ مَريَم" (مرقس 6: 3). أّما عبارة "في الحِكمَةِ والقامَةِ " فتشير إلى يسوع المسي، ابن الله كان باعتباره إنسانا يتقدم في جسدا وعقلا كسائر الناس.

هذه الآية تدل على ان ليسوع نفسا بشرياً كما أن له جسدا بشريا، وهذا خلاف ما ذهب إليه أبوليانوس من انه لم يكن للمسيح نفس بشرية بل ان روحه الكلمة الازلي اخذ محل النفس في جسده. أمَّا عبارة "الحُظْوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس" فتشير إلى نمو يسوع نمواروحيا واجتماعياً. كان يُظهر يسوع المسيح من الأخلاق الحميدة والأعمال الصالحة ما جعل الله يسرُّ به مما جعله محبوبا إلى الناس. كان يسوع في تلك المدة يعمل مشيئة الله لأجلنا بطاعته شريعة الله (غلاطية 4: 4) "إنَّه لم يَرتكِبْ خَطيئَةً ولَم يُوجَدْ في فَمِه غِشّ " (1 بطرس 2: 22). اهتم لوقا الإنجيلي بكل مراحل المسيح، فرآه جنين في بطن أمه، ورآه طفلاً ورآه صبياً ثم رآه مكتمل الرجولة، فالمسيح إذاً قدَّس كل مراحل الحياة البشرية.



ثانياً: تطبيقات نص الإنجيلي (لوقا 2: 44-52)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (لوقا 2: 44-52) نستنتج ان النص يتمحور حول يسوع في الهيكل بين العلماء مع التركيز على سلطة العائلة المقدسة وتربيتها. العائلة المقدسة مثال العائلات في سلطتها وتربيتها

1) سلطة العائلة:

العائلة في الـمفهوم الـمسيحي هي كنيسة صغيـرة كما جاء في تعليم بولس الرسول لتلميذه فيلمون" الكَنيسةِ الَّتي تَجتَمِعُ في بَيتِكَ" (فليمون 2:1). وأمَّا في الـمفهوم الاجتماعي فهي الخلية الأولى التي تكوّن الـمجتمع. ولا يوجد عائلة دون أب، والأب هو رمز السلطة. ويقّر بولس الرسول أن كل سلطة مستمدَّ من عند الله بقوله "لِيَخضَعْ كُلُّ امرِئٍ لِلسُّلُطاتِ الَّتي بأَيدِيها الأَمْر، فلا سُلْطَةَ إِلاَّ مِن عِندِ اللّه، والسُّلُطاتُ القائِمة هو الَّذي أَقامَها " (رومة 13: 1). تنبع كل سلطة منه تعالى: سلطة الإنسان على الطبيعة (تكوين 1: 28) الزوج على زوجته (تكوين 3: 16) / والوالدين على الأولاد (الأحبار 19: 3).

أمَّا ممارسة السلطة فهي ليست مطلقة بل هي محدودة بالتزامات أخلاقية. فتأتي الشرعية لتنظيم ممارستها موضِّحة حقوق كل شخص. أمَّا سلطة الوالدين على أبنائهم فهدفها تربيتهم الصالحة (أمثال 23: 13 -14) في الصلاة الجماعية والطاعة والنمو والعيش المشترك والاحترام المتبادل:

ا) الصلاة الجماعية: أساس العائلة المحبة. وأساس المحبة الله، فأن لم تتأسس العائلة على الله، عبثا ان تكون العائلة خلية خيّرة صالحة. لذلك لم يتردد يسوع ومريم ويوسف بالذهاب إلى الهيكل في الأعياد الكبرى والذهاب إلى المجمع لتلاوة المزامير والاستماع إلى التوراة، وتلاوة التهاليل الصباحية والمسائية.

الصلاة المشتركة تجمع وتوحِّد كما يقول المثل المأثور "العائلة التي تصلي معا، تعيش متحدة معا". والبابا بيوس الثاني عشر يقول "عائلة تُصلّي هي عائلة تحيا". وهكذا يكون شعار الزوج الـمسيحي والزوجة الـمسيحية هو ما هتف به يشوع بن نون أمام الشعب "أَنا وبَيتي فنَعبُدُ الرَّبّ" (يشوع 24: 15)، والمثال هو خير دافع للصلاة. وفي هذا الصدد يقول الآب دوفال المشهور عن خبرة عائلته في الصلاة " كم ينبغي ان يكون الله شخصا رفيع الشأن حتى أرى أبي راكعا أمامه يصلي! ركوع والدي وشفتا والدتي، علمتي عن الله أكثر بكثير مما علمني إياه كتاب التعليم المسيحي".

ب) الطاعة: واجه يسوع سلطة أبويه يوسف ومريم وحقوقهما عليه بسلطة أبيه السماوي وحقوقه عليهما. الله أولا، والإنسان ثانيا كما أعلن يوما " مَن كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي" (متى 10: 37). امتاز يسوع في طاعة أبيه السماوي أولا، فإذا استقل عن أبويه يوسف ومريم لدى صعودهما إلى الهيكل في اورشليم لم يكن ذلك تحرر سابقا لأوانه بل طاعة فائقة لآبيه السماوي.

وتقتضي رسالته منه أن يقدِّم شؤون أبيه السماوي على شؤون أبويه مريم ويوسف. ويؤكد يسوع هنا استقلاليته ضمن إطار الرسالة الموكلة إليه "فقالَ لَهُما: ولِمَ بَحثتُما عَنِّي؟ أَلم تَعلَما أَنَّه يَجِبُ عَليَّ أَن أَكونَ عِندَ أَبي؟)) (لوقا 2: 45). ومن هذا المبدأ، جاء يسوع يُعلن أن الطفل من حقُّه ممارسة الحياة حسب ما يناسب شخصه ومواهبه وإمكانيَّات وأنه من حق الطفل أو الصبي أن يسلك في رسالته ولا يكون آلة بلا تفكير في يديّ الوالدين. يليق بالوالدين، بمعنى آخر، أن لا يتعاملا مع ابنهما كامتداد لحياتهما يشكلانه حسب هواهما وأمنيَّاتهما، وإنما يوجِّهانه لتنمية مواهبه وقدراته ويعاملانه كشخص له مقوِّمات الشخصيّة المستقلَّة وليس تابعًا لهما. وهكذا يتوجب على المدعو من الله ألاَّ يضع أولية الاعتبارات العائلية، بل يتفرغ للحياة الرسولية كما قال يسوع " دَعِ المَوتى يَدفِنونَ مَوتاهم. وأَمَّا أَنتَ فَامضِ وبَشِّرْ بمَلَكوتِ الله " (لوقا 9: 60) وكذلك يتوجب على ذوي المدعو أن لا يعترضوا دعوة ابنهم للكهنوت أو الحياة الرهبانية. "إِنَّ أُمِّي وإخوَتي هُمُ الَّذينَ يَسمَعونَ كَلِمَةَ اللهِ ويَعملونَ بِها " (لوقا 8: 21).

وفي مجال الطاعة العائلية يحث بولس الرسول بولس الرجال "يَجِبُ على الرِّجالِ أَن يُحِبُّوا نِساءَهم حُبَّهم لأَجسادِهِم. مَن أَحَبَّ امرَأَتَه أَحَبَّ نَفْسَه فما أَبغَضَ أَحَدٌ جَسَدَه قَطّ، بل يُغَذِّيه ويُعْنى بِه شَأنَ المسيحِ بِالكَنيسة" (أفسس 28:5)، ويطالب الرسول بولس النساء قائلاً: "َأيَّتُها النِّساء، اِخضَعْنَ لأَزْواجِكُنَّ كما يَجِبُ في الرَّبّ" (قولسي 18:3)، ويطلب من الأبناء "أَيُّها البَنون، أَطيعوا والِدِيكم في كُلِّ شيَء، فذاك ما يُرضِي الرَّبّ "(قولسي 20:3)، وهذا التعليم بمثابة صدى لما ورد في العهد القديم " أكرَمَ أَباه فإِنَّه يُكَفر خَطاياه ومَن عَظمَ أُمَّهَ فهو كَمُدَّخِرِ الكُنوز (يشوع بن سيراخ 1:3-4).فإن كان ابن الله قد أطاع أبويه ، فكم بالحري ينبغي علينا أن نكرم والدينا وأفراد عائلاتنا.

د) النمو: وكانَ يسوعُ يَتسامى في الحِكمَةِ والقامَةِ والحُظْوَةِ عِندَ اللهِ والنَّاس" (لوقا 2: 52). فكان يسوع ينمو في الحكمة أي المعرفة، والقامة أي النمو الجسدي، والنعمة أي محبة الله ومحبة البشر. ومن هذا المنطلق، يُمكن القول أن يسوع يعيش لاهوته في ناسوته، ويعيش ناسوته في لاهوته.

ه) العيش المشترك: عاشت العائلة المقدسة في العيش المشترك حيث امتاز يوسف بسلطة حازمة ووديعة، ومريم بمحبة وتضحية وسهر، ويسوع بروح طاعة بنوية واعية ومحترمة. ويلخص بولس الرسول صفات العيش المشترك " المَحبَّةُ تَصبِر، المَحبَّةُ تَخدُم، ولا تَحسُدُ ولا تَتَباهى ولا تَنتَفِخُ مِنَ الكِبْرِياء ولا تَفعَلُ ما لَيسَ بِشَريف ولا تَسْعى إلى مَنفَعَتِها، ولا تَحنَقُ ولا تُبالي بِالسُّوء، ولا تَفرَحُ بِالظُّلْم، بل تَفرَحُ بِالحَقّ. وهي تَعذِرُ كُلَّ شيَء وتُصَدِّقُ كُلَّ شَيء وتَرْجو كُلَّ شيَء وتَتَحمَّلُ كُلَّ شيَء" (1 قورنتس 13: 14-17). وقد احتملت العائلة الـمقدسة وصبرت على كل شيء على الألـم والاغتراب والفقر ولم تتذمر أبدا. وكان يوسف ويسوع يُقدس العمل اليومي بإتقان وقناعة وضمير حي. وقد ساد بين أفراد العائلة المقدسة " الحَنانِ واللُّطْفِ والتَّواضُع والوَداعةِ والصَّبْر وثَوبَ المَحبَّة والسلام " (قولسي 3: 12-15). الجميع في خدمة الجميع، والمسؤولية خدمة.

ومن هذا المنطلق، لا بد لنا من حياة مشتركة والاَّ تصبح بيوتنا على مثال "محطات البنزين" حيث لا يتوقف صاحب السيارة إلاَّ الوقت اللازم لتعبئة الخزان ومسح الزجاج ونفخ الدواليب، فيصبح البيت محطة للأكل الفردي السريع وتبديل الثياب والنوم، لا أكثر.

و) الاحترام: يعمل أفراد العائلة على احترام بعضهم البعض وهذا ما نجده في حادثة فقدان الطفل يسوع في الهيكل. فمريم ذكرت يوسف أولا عندما وجدت يسوع بقولها " يا بُنَيَّ، لِمَ صَنَعتَ بِنا ذلك؟ فأبوك وأَنا نَبحَثُ عَنكَ مُتَلَهِّفَيْن " (لوقا 49:2)، انه احترام لـمكانة الأب في الأسرة. فالأبوة عطية سماوية كما جاء في صلاة بولس الرسول " أَجْثو على رُكبَتَيَّ لِلآب، فمِنه تَستَمِدُّ كُلُّ أُسرَةٍ اسمَها في السَّمَاءِ والأَرْض" (أفسس3: 14-15). وأمَّا عن يسوع فيقول الكتاب انه " كانَ طائِعاً لَهُما" (لوقا 2: 51)، انه احترام لـمكانة الأب والأم في الأسرة. احترام متبادل مبني على أساس المحبة والثـقة في فعل الروح القدس داخل سر الزواج.


2) تربية العائلة

التربية في العبرية ×‍וض¼×،ض¸×¨ وتعني في آن واحد التعليم (هبة الحكمة) والتهذيب (توبيخ وعقاب). فالغاية هي الحكمة، والوسيلة المفضلة هي التهذيب. المعلم عليه أن يعلم تلميذه الحكمة، والفطنة، و"التأديب" (أمثال 23: 23). أمَّا السبعينية، تترجم كلمة ×‍וض¼×،ض¸×¨ بلفظ د€خ±خ¹خ´خµخ¯خ± اليونانية وdisciplina اللاتينية؛ وهناك فرق بين المفهومين في العبرية؛ في المفهوم اليوناني واللاتيني إن المربّي هو رجل يحاول إيقاظ شخصية فردٍ ما في ظل أفق أرضي محدود. وأما في المفهوم العبري، فالله هو المربي المثالي الأول، الذي يحاول أن يحصل على طاعة شعبه للشريعة أو في الإيمان، طاعة مرنة، وذلك لا بالتعليم فحسب، بل عن طريق التجارب أيضاً.وهدف التربية هو كما جاء في تعليم بولس الرسول "نَصيرَ الإِنسان الرَّاشِد ونَبلُغَ القامةَ الَّتي تُوافِقُ كَمالَ المسيح" (أفسس 4: 13). وهذه التربية تعكس في الواقع مظهري التربية العائلية: التعليم والتأديب.


ا) تعليم

التعليم في الكتاب المقدس هو تلقين الحكمة عن طريق الشريعة.لان غاية الشريعة هي التربية "مِنَ السَّماءِ أَسمَعَكَ صَوتَه لِيُؤَدِّبَكَ" (تثنية الاشتراع 4: 36)، ليس ذلك تعبيراً عن الإرادة الإلهية فقط، في صورة وصايا موضوعة، بل لكي تكون على يقين بأن الله قد أحبك ، ويريد أن يمنحك السعادة وطول الأيام في الأرض التي يعطيك الرب إلهك مدى الدهر "احفَظْ فَرائِضه ووَصاياه الَّتي أَنا آمُرُكَ بِها اليَومَ، لِكَي تُصيبَ خَيرًا أَنتَ وبَنوكَ مِن بَعدِكَ ولكَي تُطيلَ أَيَّامَكَ في الأَرضِ الَّتي يُعْطيكَ الرَّبَّ إِلهُكَ إِيَّاها جَميعَ الأَيَّام " (تثنية الاشتراع 4: 40). ويُعَدُّ الرب كمربٍّ صالح، في وعده بالمكافأة عن حفظ الشريعة.

الشريعة مثلها مثل المحبة يجب أن تعني حضور كلمة المؤدّب ذاتها: إِنَّ هَذه الوَصِيَّةَ الَّتي أَنا آمُرُكَ بِها اليَومَ لَيسَت فَوقَ طاقَتِكَ ولا بَعيدةً مِنك. لا هيَ في السَّماءِ ...ولا هيَ عَبرَ البَحرِ ... بلِ الكَلِمَةُ قَريبَةٌ مِنكَ جِدًّا، في فَمِكَ وفي قَلبِكَ لتعمَلَ بِها" (تثنية الاشتراع 30: 11-14).

ويسوع هو خير مثال على التربية بتعليمه ومثاله. إنه مربِّي إيمان الرسل، إذ قادهم تدريجياً إلى الاعتراف بأنه المسيح. إن بطرس "ابتداء من اليوم" الذي فيه اعترف بأنه المسيح، أخذ في تعديل تصرفه (متى 16: 21). وأثار يسوع حول شخصه سؤالاً من خلال تعليمه (متى 7: 28-29، مرقس 1: 27)، ومعجزاته (متى 8: 27، لوقا 4: 36).

القى يسوع تعليمه طبقاً لتقبل سامعيه، كما في أمثاله، التي قصد بها، لا التعليم فحسب، بل وإثارة أسئلة لشرحها (متى 13: 10-13 و36)، حتى يتوصلوا إلى "فهمها" كما جاء في سؤاله للتلاميذ بعد تعليمه "أَفَهِمتُم هذا كُلَّه؟ "(متى13: 51). وجعل التلاميذ" يتحققون من عجزهم ومن قدرته على إعطاء الخبز في الصحراء (متى 14: 15-21)، ويستخلص من الخبز درساً كان ينبغي أن "يفهموه" (متى16: 8-12)، ويدعوهم لتقديم حساب عن العمل الذي تولُّوا تنفيذه "اجتَمَعَ الرُّسُلُ عِندَ يسوع، وأَخبَروه بِجَميعِ ما عَمِلوا وعلَّموا" (مرقس 6: 30). وبعد ذلك يستطيع، وقد اعترفوا به أنه المسيح، أن يكشف لهم سراً يصعب عليهم قبوله ألا وهو سر الصليب. وتصبح تربيته أكثر تشدداً في مطالبها، فيؤدّب بطرس الذي يجرؤ ويعاتبه "التَفتَ يسوع وقالَ لِبُطرس: ((إِنسَحِبْ! وَرائي! يا شَيطان، فأَنتَ لي حَجَرُ عَثْرَة، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر " (متى 16: 23)، ويرثي لعدم إيمان التلاميذ" أَيُّها الجِيلُ الكافِرُ الفاسِد، حَتَّامَ أَبقى مَعَكم؟ وَإِلامَ أَحتَمِلُكم؟ عَليَّ بِه إلى هُنا "! (متى 17: 17).

لم يكتف يسوع أن يقول ما بجب عمله، قد أعطى المثال. وهكذا أعطانا مثالاً عن الفقر، فلم يكن له حجر يسند إليه رأسه كما صرّح لتلاميذه "إِنَّ لِلثَّعالِبِ، أَوجِرة، ولِطُيورِ السَّماءِ أَوكاراً، وأَمَّا ابنُ الإِنسان فَلَيسَ لَه ما يَضَعُ علَيهِ رَأسَه" (متى 8: 20). وأعطانا يسوع مثالا عن الأمانة نحو الرسالة، فأدّى به إلى الوقوف في مواجهة اليهود ورؤسائهم، ويطرد مثلاً الباعة من الهيكل، وجلبت هذه الغيرة عليه الموت "الغَيْرَةُ على بَيتِكَ ستَأكُلُني " (يوحنا 2: 17)، كما أعطى يسوع المثال عن المحبة الأخوية، فغسل هو نفسه أرجل تلاميذه، وهو المعلم "فإِذا كُنتُ أَنا الرَّبَّ والمُعَلِّمَ قد غَسَلتُ أَقدامَكم، فيَجِبُ علَيكُم أَنتُم أَيضاً أَن يَغسِلَ بَعضُكم أَقدامَ بَعْض. فقَد جَعَلتُ لَكُم مِن نَفْسي قُدوَةً لِتَصنَعوا أَنتُم أَيضاً ما صَنَعتُ إِلَيكم " (يوحنا 13: 14-15). وبما أن هذا المثال يذهب به إلى أبعد من ذلك، حيث جعل يسوع نفسه واحداً مع من ينبغي أن يربيهم، عندما يتحمل بنفسه "التأديب" والعقاب الواقع عليهم كما وصفه أشعيا النبي "طُعِنَ بِسَبَبِ مَعاصينا وسُحِقَ بِسَبَبِ آثامِنا نَزَلَ بِه العِقابُ مِن أَجلِ سَلامِنا وبجُرحِه شُفينا " (أشعيا 53: 5)، وحمل أسقامهم "هوَ الَّذي أَخذَ أَسقامَنا وحَمَلَ أَمراضَنا " (متى 8: 17) ورفع خطيئة العالم كما شهد له يوحنا المعمدان " رأَى يسوعَ آتِياً نَحوَه فقال: ((هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم"(يوحنا 1: 29).

نستنتج مما سبق أن أساس التربية هي المحبة، لان المحبة هي حوار بين شخصين، فالمربي "يعلِّم ويوحي ويكشف ويعظ، ويعد ويعاقب ويكافئ، ويعطي المثل. ومن أجل ذلك يجب أن يكون أميناً على مخططه، وصبوراً من أجل النتائج المنشودة. وانطلاقا من هذا المبدأ فقد شاء يسوع أن يختبر ضعفنا، هو الذي "امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة"(عبرانيين 4: 15)، وهو الذي "تعلّم الطاعة، وهو الابن بما لقي من الألم... وجعل كاملاً" (العب رانيين5: 8-9). وبذبيحته، أكمل يسوع تربية شعبه، ولقد فشل في الظاهر، وهو الذي كان قد سبق وأعلن كل ما سيحدث له "قُلتُ لَكم هذه الأَشياءَ لِئَلاَّ تَعثُروا "(يوحنا 16: 1). ولكنه لم يستطع بنفسه أن يجعل تلاميذه يفهمونه تماماً كما صرّح "ا يَزالُ عِنْدي أَشْياءُ كثيرةٌ أَقولُها لَكم ولكِنَّكُم لا تُطيقونَ الآنَ حَملَها. " (يوحنا 16: 12)، إنه لخير لهم أن ينطلق وأن يترك المكان للروح القدس (يوحنا 17: 7-8).

ب) التأديب

لا تقوم التربية على التعليم بل على التأديب. ويعترف صاحب المزامير بقيمة التأديب الإلهي: "في الليالي وعظتني كليتاي" (المزمور 16: 7)، ويعلن الحكيم: "طوبى للرجل الذي يؤاخذه الله فلا تنبذنّ تأديب القدير" (أيوب 5: 17). يذهب التأديب من التهديد إلى العقاب، ماراً بالتوبيخ. ويُبين هوشع الطابع التربوي في العقاب المرسل من قبل الرب كما يقول هوشع النبي " إِنِّي مُصَمِّمٌ على تَأديبِهم. وسيَجتَمعُ الشُّعوبُ علَيهم لِتَمَسُّكِهم بِذَنْبَهم. (هوشع 10: 10). من هذا المنطلق، للوالدين والمعلمين تجاه الأطفال سلطان تقره الشريعة "َكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ، لِكَي تَطولَ أَيَّامُكَ في الأَرضِ التَّي يُعطيكَ الرَّبُّ إِلهُك إيَاها"(خروج 20: 12)، ولذلك ينبغي السماع للأب والأم كما ينصح الحكيم "إِسمع لأًبيكَ الَّذي وَلَدَكَ ولا تستَهِنْ بِأُمِّكَ إِذا شاخَت" (أمثال 23: 22)، تفادياً للتعرض للعقاب الصارم لان "العَينُ المُستَهزِئَةُ بِالأَب والمستَخِفَّةُ بِطاعَةِ الأمِّ إِذا شاخَت تَفقأها غِربانُ الوادي وتَأكُلُها فِراخُ" (الأمثال 30: 17).

فالأبناء المتمردون لا يقبلون الدرس، ويرفضون الخضوع للتعليم كما جاء في نبوءة ارميا النبي "هذه هي الأُمَّةُ الَّتي لم تَسمَعْ لِصَوتِ الرَّبِّ إِلهِها ولَم تقبَلِ التَّأديب. قد ذَهَبَت عَنهُمُ الأَمانَةُ وآنقَطعَت عن أَفْواهِهم" (ارميا 7: 28). "صَلَّبوا وُجوهَهم أَكثَرَ مِن الصَّخر" (إرميا 5: 3). عندئذ يتحول التأديب إلى عقاب، يضرب مباشرة وإِن "لم تَسمَعوا لي بَعدَ هذا زِدتُكم تأديباً على خَطاياكم سَبعَةَ أَضْعاف" (الأحبار 26: 18)، ولكن بقدر معتدل، وليس تحت طائلة الغضب الذي يقتل كما جاء في نبوءة إرميا “أدِّبْني يا رَبُّ ولكِن بِالحَقّ لا بِغَضَبِكَ لِئَلاَّ تُقَلِّلَ عَدَدي" (إرميا 10: 24)، فيمكن أن يتبع ذلك الاهتداء. وتنتهي ندامته بالتضرع: "أعدني فأعود، فإنك أنت الرب إلهي" (إرميا 31: 18).

يذكر صاحب الرسالة إلى العبرانيين المسيحيين أهمية التأديب "فمِن أَجْلِ التَّأديبِ تتَألَّمون، وإِنَّ اللهَ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ البَنين، وأَيُّ ابنٍ لا يُؤَدِّبُه أَبوه؟: "(عبرانِيين 12: 7-8). وعلى ذلك ينبغي أن نتوقع التأديب، إذا كنا فاترين (رؤيا 3: 9). والتأديب يعفينا من الإدانة بالهلاك كما جاء في تعليم بولس الرسول "إِنَّ الرَّبَّ يَدينُنا لِيُؤدِّبَنا فلا يُحكَمَ علَينا مع العالَم"(1 قورنتس 11: 32)، وبعد أن نتألم، تهبنا في النهاية الفرح "إنَّ كُلَّ تَأديبٍ لا يَبْدو في وَقتِه باعِثًا على الفَرَح، بل على الغَمّ. غَيرَ أَنَّه يَعودُ بَعدَ ذلِكَ على الَّذينَ رَوَّضَهم بِثَمَرِ البِرِّ وما فيه مِن سَلام"(عبرانيين 12: 11).

وأخيراً، فإن يتوجب على المؤمنين أن يمارسوا عمل التأديب الأخوي، طبقاً لوصية الرب يسوع "إذا خَطِئَ أَخوكَ، فَاذهَبْ إِليهِ وَانفَرِدْ بِه ووَبِّخْهُ. فإِذا سَمِعَ لَكَ، فقَد رَبِحتَ أَخاك"(متى 18: 15)، ذلك ما كان يفعله بولس الرسول بقوة، موبخا ومُحذراً أولاده بلا انقطاع "أُريدُ أَن أَنصَحَكم نَصيحَتي لأَبنائِيَ الأَحِبَّاء" (1 قورنتس 4: 14). وما الوالدون بصدد تربية أبنائهم، إلاّ وكلاء عن الله المربي الواحد، ولا ينبغي أن يغيظوا أولادهم، بل يؤنبوهم ويؤدبوهم على غرار طريقة الله نفسه "وأَنتُم أَيُّها الآباء، لا تُغيظوا أَبناءَكم، بل رَبُّوهم بِتَأديبِ الرَّبِّ ونُصْحِه" (أفسس 6: 4). وهكذا إن التربية لن تكمل: إلاّ يوم تحفظ الشريعة في أعماق القلب: ولا يُعَلِّمُ بَعدُ كُلُّ واحِدٍ قَريبَه وكُلُّ واحِدٍ أَخاه قائِلاً: ((اِعرِفِ الرَّبّ))، لِأَنَّ جَميعَهم سيَعرِفوَنني مِن صَغيرِهم إلى كبيرِهم" (إرميا 31: 34).


الخلاصة:

لم تروِ لنا الأناجيل المقدَّسة شيئًا عن شخص السيِّد المسيح منذ عودته من مصر وهو طفل، ربَّما في الثالثة من عمره وحتى بدء الخدمة في سن الثلاثين سوى قصَّة دخوله الهيكل في سن الثانية عشر من عمره. وهذه الرواية الفريدة تكشف لنا عن صبُوَّة السيِّد المسيح وتقدِّم لنا الكلمات الأولى التي نطق بها السيِّد المسيح في الأناجيل: "ألَم تعلِّما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي"، وهي تكشف لنا من ناحية عن يسوع نفسه ابن الله، وتصف رسالته: وهي تتميم مشيئة أبيه السماوي ومن ناحية أخرى تكشف عن طاعته وخضوعه لأُمّه القدِّيسة مريم.


دعاء

أيها الآب السماوي، يا من تجسّد ابنك يسوع المسيح حاملاً تعليم الأزلي وتحرّر من الروابط العائلية حتى يُصبح بكليته خادماً لرسالتك السماوي، فأدهشت بتعليمه العلماء والسامعين، نسألك باسمه أن يضرم نار إيماننا لكي نبحث عنه كما بحثت مريم أمه عنه. وأعطنا أن نحيا بالأمانة لرسالتك فنعمل على ترسيخ نشر كلمتك. فنشكرك لأنك أشركتنا في رسالتك السماوية لكي نكون شهوداً على قيم الحق والخير والعدالة في مجتمعنا. فنجعل من عالمنا مكاناً نشهد لحضورك بيننا أمين.



 
قديم 29 - 12 - 2021, 04:48 PM   رقم المشاركة : ( 62930 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,301,536

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة



وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة






العصفور والمذبح: يتغنى بنو قورح في مزمور 84 بمساكن الرب، ويُظهرون أشواقهم بديار الرب، ويطوبون الساكنين في بيت الرب «أبداً يسبحونك». غير أنهم يُعطون انتباهاً أحرى «بمذابح الرب»، إذ نسمعهم يقولون: «العصفور أيضاً وجد بيتاً، والسنونة عشاً لنفسها حيث تضع أفراخها، مذابحك يا رب الجنود، ملكي وإلهي» (مز84: 3).
ما الذي يتمناه العصفور بعد يوماً طويلاً يقضيه في الانتقال هنا وهناك بحثاً عن طعام أو شراب، سوى بيتاً يهجع إليه في نهاية يومه، يجد فيه راحته وهدوءه. إن ما يجده العصفور في بيته، يجده بنو قورح في مذابح الرب! ولكن لماذا يتكلمون عن المذابح بصيغة الجمع؟ في الواقع أن بيت الرب يحوي مذبحين وليس واحداً، مذبح المحرقة في الدار الخارجية ومذبح البخور في القدس .. المذبح النحاسي والمذبح الذهبي.
ففي المذبح الأول نجد أساس القبول أمام الله .. العلاج الإلهي المقدم لكل إنسان أثيم يرزح تحت ثقل خطاياه. إنه يكلمنا عن صليب المسيح .. يكشف لنا قلب الله «هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يو3: 16) يكشف لنا عن علاج الله لمرض الخطية المزمن «دم يسوع ابنه يطهرنا من كل خطية» (1يو1: 7). يكشف لنا أن الطريق لله صار ممهداً بعد أن كان مغلقاً «فإذ لنا أيها الأخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع، طريقاً كرسه لنا حديثاً حياً بالحجاب، أي جسده» (عب19:10،20)، وأيضاً «المسيح أيضاً تألم مرة واحدة البار من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة، لكي يقربنا إلى الله» (1بط3: 18).
أما المذبح الثاني فنجد فيه الإنسان ساجداً يُصعِد بَخوراً عطراً في أنف الله. إن ما شعر به من إحسان الله في المذبح الأول يجعله يقدم شكراً وسجوداً في المذبح الثاني، وهنا نستمع إلى تحريض الرسول بولس «فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح، أي ثمر شفاه معترفة باسمه» (عب13: 15).
وهذا ما فعله الأبرص السامري، فبعد أن نال التطهير من الرب هو والتسعة الذين كانوا معه عاد وحده إلى الرب ليشكره على إحسانه وما تمتع به من تطهير كامل، وكم كان هذا العمل له تقديراً عند الرب. إن مشهد هذا السامري وهو راجعاً يمجِّد الله بصوت عظيم، وهو يخر على وجهه عند رجليه شاكراً إياه، كان له أعظم التأثير عند الرب حتى أنه قال: «أليس العشرة قد طهروا؟ فأين التسعة؟ ألم يوجد من يرجع ليعطي مجداً لله غير هذا الغريب الجنس؟» (لو17: 11-18).
4- العصفور وإشراقة الصباح:
نفهم من سفر الجامعة 12: 4 أن من عادات العصفور الواضحة هو أنه يستيقظ مع أول ضوء، مع بداية بزوغ الشمس. وأنه يستقبل هذه الإشراقة بألحان عذبه تخرج من فمه الصغير، وكأنها أنشودة حمد صاعدة من قلبه الصغير إلى الله الخالق العظيم.
وما أحلى هذه العادة الجميلة، والتي نحتاج كثيراً أن نتعلمها في هذه الأيام التي امتلأت بالمشاغل والمتاعب والارتباكات. ما أحوجنا أن نقوم من نومنا مع صوت العصفور، ولنا في ذلك التشجيع من الرب الذي قال: «أنا أحب الذين يحبونني، والذين يبكرون إليّ يجدونني. عندي الغنى والكرامة. قنية فاخرة وحظ،. ثمري خير من الذهب ومن الإبريز، وغلتي خير من الفضة المختارة» (أم8: 17-19).
لقد كان داود مُطارَداً هارباً في البراري، بعيداً عن مسكن الله، فبماذا كان يتفكر، وإلى أي شئ كان يطلب؟ هل الخلاص من أعدائه؟ أم أن يحقق الرب وعده له ويُنصّبه ملكاً على إسرائيل؟ لا لم تكن هذه الأمور هي موضوع مشغوليته، إذ نسمعه يقول: «يا الله إلهي أنت. إليك أبكر. عطشت إليك نفسي، يشتاق إليك جسدي، في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء»، وإذ يبكر إلى الله .. وينكشف أمامه جود وصلاح الله، يمتلئ قلبه بالفرح فيقول: «كما من شحم ودسم تشبع نفسي، وبشفتي الابتهاج يُسبحك فمي» (مز63: 1-5).
وإن كنا هنا نرى تبكيراً حميداً لمناجاة ومناشدة الرب، حيث راحة النفس أمام باريها وفاديها. غير أن هناك تبكيرا من نوع آخر علينا أن نتحذّر منه ولا ننزلق فيه «باطل هو لكم أن تبكروا إلى القيام، مؤخرين الجلوس، آكلين خبز الأتعاب» (مز127: 2).
إن من يفعل هذا ينسى بل يتناسى أن «بركة الرب هي تُغني، ولا يزيد معها تعباً» (أم10: 22). وأن الذي يجلب الخير ويضمن دوامه هو الله. وما أوضح تحذير الرب لنا «زرعتم كثيراً ودخّلتم قليلاً. تأكلون وليس إلى الشبع. تشربون ولا تروون. تكتسون ولا تدفأون. والآخذ أجرة يأخذ أجرة لكيس منقوب» (حج 1: 6).
ليتنا لا نحرم أنفسنا من بركة الاختلاء بالرب باكراً لنشبع به قبل أن يبدأ اليوم بمشاغله ومتاعبه. كان مَنْ يريد من شعب الله قديماً أن يحصل على المن .. خبز الله .. طعام الملائكة .. عليه أن يقوم باكراً قبل شروق الشمس، ومن يتوانى ويتأخر لن يجد شيئاً، إذ أن أشعة الشمس تذيب المن! (خر16: 21). ويا ليتنا نأخذ من هذا درساً لنا.
5- العصفور المنفرد:
إن كان هناك طائراً يشتهر بالمودة والألفة فهو العصفور، فعادة لا نجد عصفوراً إلا وأليفه معه. وما أقسى ما يعانيه العصفور عندما ـ لسبب أو لآخر ـ يُحرَم من أليفه.
وإن كان هذا نادراً ما يحدث في مملكة العصافير، غير أنه حدث مع أعجب إنسان وُجد على الأرض، إذ عاش فريداً غريباً في عالم لم يعرفه ولم يفهمه أو يُقدره، فنراه يُشَبّه نفسه بالعصفور المنفرد «سهدت وصرت كعصفور مُنفرد على السطح» (مز102: 7)، لقد كان في كل حياته «كالحمامة البكماء بين الغرباء» (عنوان مز56).
إن أقرب الأقربين له .. تلاميذه، الذي قال عنهم مرة «أنتم الذين ثبتوا معي في تجاربي» (لو22: 28). نجدهم في بستان جثسيماني وهو يبدأ رحلة آلامه الرهيبة يبادرون جميعاً بالهرب وتخلى الجميع عنه! (مت26: 56).
بل إنه وهو فوق الصليب .. في ثلاث ساعات الظلمة الرهيبة لم يُترَك فقط وحيداً من أحبائه وتلاميذه، بل أنه تُرِك من الله وحجب الله وجهه عنه، حتى أنه تبارك اسمه صرخ قائلاً: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟!». فلم يعانِ عصفوراً ما عاناه هو له المجد، بل لم يعانِ كائناً من كان ما عاناه هو في وحدته وانفراده.
وإن تساءلنا من هو الذي عانى كل هذا؟ هو رجل شركة الله الذي قال عن نفسه «كنت كل يوم لذته، فرحة دائماً قدامه» (أم8: 30)، والذي قال عنه يوحنا: «الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب» (يو 18:1)).
لقد صار في حالٍ لم يألفه من قبل، وإن تساءلنا أيضاً .. لِمَ عانى كل هذا؟ يجيبنا يوحنا قائلاً: «إذ كان قد أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى» (يو13: 1). لقد عانى الوحدة والانفراد كي ما يضمنا إليه، ولكي يكون هو بكراً بين أخوة كثيرين، كان هو حبة الحنطة(الوحيدة الفريدة)، التي وقعت في الأرض وماتت، ومن ثم أتت بالثمر الكثير(يو12: 24).
ونتيجة انفراده هذا، سنسمعه قريباً، وهو آخذاً من فداهم إلى بيت الآب، قائلاً: « ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله» (عب2: 13).
 
موضوع مغلق


الانتقال السريع


الساعة الآن 09:20 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025