![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
رقم المشاركة : ( 62691 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() في العهد الجديد مَثَل الدينويّة الذي قرأناه الأحد الماضي في الكنيسة، والذي يصل فيه المسيح إلى أن يقول إنّي أنا الفقير وأنا الجائع وأنا العطشان وأنا المريض وأنا المسجون وأنا العريان. يُماهي نفسَه مع المحتاجين مماهاة كاملة. ولذلك اعتبَرَ أنّ كلّ عطيّة أو مساعدة تُقدَّم إلى محتاج تُقدَّم إلى شخصه هو. من هنا المفهوم المسيحيّ أنّ الإنسان، عندما يُلاقي محتاجًا، يعتبر أنّه لاقى المسيح، لأنّ “المسيح” يقول: “كلّ ما فعلتُم بأحد هؤلاء الصغار فبي فعلتموه”. وبالمقابل يجب أن ننتبه إلى موضوع مهمّ جدًّا هو: “كلّ ما لم تفعلوه بأحد هؤلاء الصغار فبي لم تفعلوه”. يعني أننا سوف نُدان، ليس فقط على عمل المحبّة الذي عملناه فنأخذ المكافأة، بل أيضًا سوف نُدان ونأخذ العقاب على المحبّة التي كنّا نستطيع أن نُقدّمها ولم نقدّمها. إذًا، مع مثل الدينويّة، وصل موضوع الفقر والفقير في المسيحيّة إلى ذروته، إلى أبعد حدّ، إلى حدّ أنّه صار خدمةً شخصيّة للمسيح. حديث للمطران سابا (إسبر)، مطران بُصرى حوران وجبل العرب والجولان |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 62692 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() عندنا كلمة جميلة جدًّا لأحد الآباء الكبار: الذهبي الفم، الذي تكلّم كثيرًا عن الفقر والفقراء، يقول على لسان المسيح “لقد بلغكَ عنّي أنّي مُتسربل بالنور كالرداء، لكنّك متى كسوتَ عريانًا أَشعر أنا بالدفء وأنّني تستّرتُ، وتعتقد بأنّي جالس عن يمين أبي في السماوات، ولكنّك متى ذهبت إلى السجن تفتقد المسجونين تراني جالسًا هناك”. يقول أيضًا الذهبي الفم عن العطاء ليحُثّ الناس عليه: “لأنّه فقير أَطعِمْه لتكون قد أَطعمتَ المسيح”. هناك توحيد كامل بين الفقير والمسيح. “إن رأيتَ إنسانًا بائسًا فاذكُر أنّه، وإن كان الظاهر أنّه ليس هو المسيح، إلا أنه هو الذي يسألك ويأخذ منك في زِيِّ ذاك”. وهكذا صارت للفقير مرتبة كبيرة جدًّا عند المسيحيّين لأنّه هو الواسطة التي بها نستطيع أن ندخل إلى ملكوت السماوات. وسنذكر بعض الصفات أو الألقاب التي يطلقها آباء الكنيسة على الفقراء. يقول الذهبي الفم: “يا لِعظَم مرتبة الفقراء لكونهم نظيرَ خِدْرِ الله –الخِدْر هو المخدَع، غرفة الله– والباري تعالى يختفي فيه. فالفقير يمدّ يده متسوّلاً، ولكنّ الله هو الذي يَقبل صدَقتك”. وهكذا صارت المسيحيّة تنظر إلى الفقير على أنّه صاحب كرامة ويجب أن يُحترم، مثله مثل أيّ إنسان آخر غنيّ. ولذلك يقول أيضًا الذهبيّ الفم في هذا المجال أنه إذا كان سيّدُنا أهّل الفقراء أن يشتركوا في مائدته (أي في مائدة الربّ، في الكأس المقدّسة، أي الإفخارستيّا)، فبأيّ حقّ أنت تمنع الفقير من أن يجلس إلى مائدتك إنْ كنت غنيًّا. حديث للمطران سابا (إسبر)، مطران بُصرى حوران وجبل العرب والجولان |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 62693 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() القدّيس يوحنّا الرحيم (بطريرك الاسكندريّة في القرن السابع) عندما صار بطريركًا، أرادوا أن يقيموا له احتفالاً، فقال لهم: ادعُوا إلى الاحتفال “أسيادي“. فقالوا له: يا سيّدنا، أنت بطريرك الاسكندريّة، ليس لك أسياد، أنت السيّد على الجميع. فقال لهم: لا. عندي أسياد كُثر. ادعُوا لي أسيادي على عشاء التكريم الذي تريدون أن تقيموه لي. لم يفهموا عليه. ظنّوا أنّه يريد أن يدعو مسؤولي البلد والوجهاء وأصحاب النفوذ. أتى الشماس، وقال له أنّهم يفكّرون أن يَدْعُوا فلانًا وفلانًا… قال له: يا ابني، قلتُ لكم ادعُوا لي أسيادي. أسيادي هم الفقراء. هؤلاء مَن يُدخلونني إلى الملكوت، وهؤلاء من ساوى المسيح نفسه بهم. نحن ليس عندنا سوى سيّد واحد. فكلّ شخص يكون السيّدُ فيه، يصير سيّدًا علينا. ودائمًا كان يقول هذه الكلمة حتّى ارتبطت به. حديث للمطران سابا (إسبر)، مطران بُصرى حوران وجبل العرب والجولان |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 62694 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() إكرام الغريب، إكرام المحتاج، إكرام الزائر، إكرام الفقير يُعتبر فضيلة أساسيّة عند المسيحيّين، وفي الرهبنة يُعتبَر تكريمًا مباشرًا للمسيح. من هنا أن الرهبان في الأديرة يهتمّون كثيرًا بفضيلة الضيافة. يستقبلون بوجه باشّ، ويستقبلون كل الناس. ففي الأديرة الأرثوذكسيّة خصوصًا، يزور الناسُ الديرَ، وينامون فيه، وإذا كانوا جائعين يأكلون، ويأخذون حرّيّتهم. لا يشعرون أنّهم في مؤسّسة رسميّة، لأنّ ما في الدير هو تقدمة من الله لكلّ شعب الله. وهكذا جاء هذا التقليد. فيعتنون كثيرًا بقضية الضيافة، وفي كلّ دير هناك صالون كبير مع ملحقاته اسمه “دار الضيافة” (باليونانية “أرخونداريكي”) حيث يحلّ كل نزلاء الدير وينامون فيه. حديث للمطران سابا (إسبر)، مطران بُصرى حوران وجبل العرب والجولان |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 62695 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() كان الأنبا بيشوي (وهو القدّيس سيسويي) مرّة صاعدًا إلى الكنيسة. رأى عجوزًا محتاجا مَن يحمله، والإخوة الرهبان يمرّون ولا أحد يهتمّ له، مستعجلين للذهاب إلى الصلاة كي لا يتأخّروا. توقّف هو وحمله على كتفيه. شعر أنّه عجوز خفيف. لكنّه أثناء مشيه، صار يشعر أنّ وزنه أصبح ثقيلاً أكثر فأكثر، حتى أتى وقت لم يعد فيه قادرًا على حمله. عندها فطن وقال له: يا ربّ أنت اتّخذتَ هذا الشكل حتّى أَحملكَ أنا غير المستحقّ؟! فباركه الرب وقال له: أنت استحقّيتَ البركة لأنّك حملتَني، واختفى عنه. هناك رواية أخرى لآباء البرّيّة تُبيّن مدى أهمّية الاهتمام بالمحتاج والذي يطلب حاجة. يُروى عن قدّيس اسمه بولس كان يصلّي في غرفته. أثناء صلاته ظهر له السيّد له المجد في نوره الإلهيّ ليُعزّيه. فرح قدّيسنا جدًّا بهذه الرؤية وسُرّ جدًّا بها. وفيما هو متهلّل جدًّا، طُرِقَ باب قلاّيته. عرف أنّ محتاجًا يطرق بابه، لأنّه في البرّيّة لا يقصده إلا المحتاجون والجياع. قَطَع صلاته، وقطع رؤية الربّ، وترك الرب في قلاّيته، وقام وفتح الباب وقضى لهذا الطارق حاجته. التهى معه وقتًا لا بأس به. وعندما رجع إلى غرفته، رأى المسيح لا يزال منتظرًا، فسجد أمامه وقال له: عفوك يا ربّ، سامحني لأنّ هذا الإنسان كان في حاجة. فقال له الربّ: طوبى لك يا بولس، لأنّك لو لم تقُم وتفتح له لكنتُ قد تركتُك. حديث للمطران سابا (إسبر)، مطران بُصرى حوران وجبل العرب والجولان |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 62696 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() المسيحيّة، إذًا، تعطي كرامةً كبيرة جدًّا للفقير. ولذلك، كلّ الفكر الدنيويّ الذي نتأثّر به، للأسف، من حين إلى آخر، يتكلّم عن العطاء من فوق، والذي يقول إنّنا أعطينا فلانًا ما نقدر عليه، الله يسمحلو، وكأنّنا مُحسِنون له. نعطيه بصدَقة. لا يوجد شيء اسمه صدَقة أو إحسان في المسيحيّة ولا في الإنجيل، لأنّ هذا يعني أنّك تعطي بدون إحساس، أي إنّك عندما تتصدّق أو تُحسن فلأنك نشعر بواجب لكن من دون محبّة مترهّفة تنبع من داخلك. العطاء في المسيحيّة هو عطاء بمحبّة، وإلاّ فليس له قيمة، لأنّك تعطي المسيح نفسه. لا يسعُك أن تُعطي المسيح وأنت جافّ. لا يعني لك شيئًا أن تعطي من دون أن تنظر إلى الشخص ومن دون أيّ اهتمام. للأسف لدينا أحيانًا في المسيحيّة خبرات ليست ناجحة مسيحيًّا. فهناك مجموعات أنشأت جمعيّة أو مؤسّسة خيريّة تعطي بكثير من الإخلاص وبكثير من الصدق، لكنّ الفقراء الذين ينتفعون من خدمتهم لا يحبّونهم بل يكرهونهم، لأنّهم يعطونهم من فوق. ولذلك ترون أحيانًا مَن يضعون هذا المثَل أو القول المأثور “اتّقِ شرّ مَن أحسنتَ إليه” على آرمات صغيرة في الدكاكين. لماذا؟ لأننا نُعطيهم مِن فوق. يعني: صحيح أنهم يأخذون العطيّة المادية التي هم في حاجة إليها ليشتروا دواءًا، أو ليأكلوا، أو ليُعلّموا أولادهم، ولكن العطيّة ليس فيها إحساس محبةٍ، وهي تُذِلُّهم، فيشعرون بالاحتقار وبأنهم مرذولون، فيحصل لديهم ردّ فعلٍ ضدّ الذي يُعطيهم، شعور بالكره. هذا ليس عطاءًا مسيحيًّا. فالمسيحي لا يقدر أن يقول “إتّقِ شرَّ مَن أَحسَنتَ إليه”، لأنّ مَن يُحسن إليه يُحبّه، وبالتالي سيُبادله ذاك الآخر المحبّة أيضًا. حديث للمطران سابا (إسبر)، مطران بُصرى حوران وجبل العرب والجولان |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 62697 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() ما هي صور الفقير؟ دعونا نستعرضها في العهد الجديد وعند آباء الكنيسة. أوّل صورة الأولى، أعطانا إياها المسيح، هي صورة السامريّ الصالح: العدوّ الذي صار، بسبب عمل الرحمة، هو القريب. السامريّ كان عدوًّا لليهودي، ولكن، لأنّه أحبّ اليهوديّ المجروح المشرف على الموت وأنقذه، صار هو القريب إليه أكثر من الكاهن اليهوديّ وأكثر من اللاوي خادم الهيكل، أي صار هو قريبه أكثر من رجُل الدين الذي ينتمي إليه، وأكثر من بني شعبه وبني دينه. إذًا، هو العدوّ الذي يصير أقرب الأقرباء لنا. هذه أول صورة. حديث للمطران سابا (إسبر)، مطران بُصرى حوران وجبل العرب والجولان |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 62698 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() الصورة الثانية جميلة جدًّا للفقير، يقدّمها القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفمّ الذي يقول إن الفقراء هُم العتّالون (الحمّالون) الذين يَخُصُّوننا. يقول إننا كلّنا، عندما ننتقل إلى بيتٍ آخَر، نريد أن ننقُل أثاثنا ومالنا وأغراضنا وأُمورنا الثمينة، فنحتاج إلى حمّالين ينقُلون لنا هذه الأغراض. وعندما ننتقل إلى بيتنا السماويّ، لدينا مَن ينقل لنا كل الأمور الثمينة التي تخُصُّنا، والتي تَلزَمُنا في البيت السماويّ فوق، بدون أن ندفع له أُجرة، وبدون مشقّة، وبدون أن نُوضّب، وبدون أن نتعب، وهؤلاء هُم الفقراء. يقول حرفيًّا: “كيف لا نستيقظ من نومنا وننتبه إلى أنّنا مقيمون في بلاد غريبة (أي الأرض)، وأنّنا عمّا قليل نعود إلى أوطاننا (السماء). ونحن إلى الآن غافلون عن حَمل أموالنا ونَقْل أمتعتنا إليها. فإنّ الذين يعزمون على الانتقال من بلاد الغربة إلى بلادهم يتكلّفون أُجور السفر والانتقال، ويُكابدون أتعابًا كثيرة حتّى يُرسلوا أموالهم سالمةً. فما بالُنا نُصادف هنا الذين ينقلون أموالنا بلا تعب ولا مشقّة ولا أُجرة ولا زاد ويُرسلونها إلى منازلنا سالمةً من خطر الطريق، ومع ذلك نردّهم خائبين؟ إنهم الفقراء”. حديث للمطران سابا (إسبر)، مطران بُصرى حوران وجبل العرب والجولان |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 62699 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() حديث للمطران سابا (إسبر)، مطران بُصرى حوران وجبل العرب والجولان |
||||
![]() |
رقم المشاركة : ( 62700 ) | ||||
† Admin Woman †
![]() |
![]() ![]() الفقراء هم أيضًا مثال حيّ لنا، وفي هذا المجال هم وُعّاظنا. نحن نتكلّم كثيرًا عبر الوعظ عن فناء هذه الدنيا، وعن أنّها لن تدوم لأحد، وفي أيّ وقت نحن معرّضون لأن نمرض أو نتأذّى أو نقع في مشكلة أو يحصل لنا حادث. لماذا نَعظُ هكذا؟ نعظ هكذا لأنّنا نريد أن نحرّر المؤمنين من الواقع المادّيّ الذي يعيشون فيه، والذي يشدّهم إلى الأمور الدنيويّة والمعيشيّة فحسب. فالكنيسة من واجبها أن توقظ الناس وتفتح لهم عيونهم على الناحية الثانية من الحياة. الحياة ليست أمورًا دنيويّة فقط، بل لدينا ملكوت سماويّ نريد أن نَعيشه، وهو حياتنا الأبديّة. يجب أن نعي فنائيّة هذه الدنيا حتّى لا نتعلّق بها كثيرًا. بعض آباء الكنيسة أيضًا يقولون: صحيح أنّ الوعّاظ يتكلّمون هذا الكلام، لكنّ الفقير يُريك إيّاه حقيقةً، يريك إيّاه في الواقع. وبالتالي هم وُعّاظ حقيقيّون أمامكم، وأمثلة حيّة تُريكم ما يقول لكم الكتاب المقدّس ألاّ تتعلّقوا به، و”لنطرح عنّا كلّ اهتمام دنيويّ حتّى نستقبل ملِكَ الكلّ”. حديث للمطران سابا (إسبر)، مطران بُصرى حوران وجبل العرب والجولان |
||||