منتدى الفرح المسيحى  


العودة  

الملاحظات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 24 - 06 - 2021, 04:30 PM   رقم المشاركة : ( 43591 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,453,974

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

أيوب




وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة





نظرة الشيطان :

الشيطان يتهم الله أنه يرشى أتباعه، أصدقاء أيوب يتهموه أنه غير مخلص لإلهه.
الشيطان يتهم الله أنه يعطي لذا أيوب مخلص، أصدقاء أيوب يتهموه أنه مخطئ لذا يعاقب.
الشيطان يتهم الله أنه إن لم يعط أيوب يفقد أمانته، أصدقاء أيوب، إن كان أيوب غير مخطئ فلا يعاقب.

 
قديم 24 - 06 - 2021, 04:31 PM   رقم المشاركة : ( 43592 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,453,974

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

أيوب




وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة





أصدقاء أيوب:

* لكل صديق منهم سمته الخاصة أليفاز كان رقيقا وبلدد محبا للحوار وصوفر مدققًا وأليهو شابًا حكيمًا.
* حين تركه الكثيرون عندما افتقر وأصيب بالكوارث جاءوا إليه وجاءوا معًا، هم أصدقاء لا في وقت الفرح فقط بل وفي وقت الضيق، مع ذلك قال لهم أيوب معزون متعبون كلكم (أي 16: 2).
* لقد جاءوا لا للمجاملة بل برغبة صادقة في إراحته، فبقوا معه سبعة أيام، مع معرفتهم لله قدموا تبريرات للألم مختلفة.
* الصديق أليفاز، نظرته أن الله لا يخطئ، نصيحته اخبرنا ماذا فعلت؟
* الصديق بلدد، نظرته أن الله بار، نصيحته اعترف بخطاياك.
* الصديق صوفر، نظرته أن الله كلي الحكمة، نصيحته هو يعرف أعمالك.
* الصديق أليهو، نظرته أن الله صالح، نصيحته ارفع عينيك وثق فيه.

 
قديم 24 - 06 - 2021, 04:32 PM   رقم المشاركة : ( 43593 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,453,974

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة



وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة






محور السفر:

* الألم، هجمات الشيطان، صلاح الله، الكبرياء ، الاتكال.
* الألم مدرسة الحكمة.
* التطلع لمجيء المسيح.

* آلام إنسان متألم وصبره على ما أصابه.
* سر الألم.
 
قديم 24 - 06 - 2021, 04:34 PM   رقم المشاركة : ( 43594 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,453,974

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة



وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة






كاتبه:

* قيل أن كاتبه أيوب ثم أضاف له موسى أول السفر ونهايته لكي يعزي الشعب المستعبد في مصر، ويرى آخرون أن الكاتب هو أليهو (أي 32 : 16) لأنه يكتب عن أيوب كشخص لا يزال حيًا.
 
قديم 24 - 06 - 2021, 04:35 PM   رقم المشاركة : ( 43595 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,453,974

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

أيوب




وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة





يبدأ المشهد في منطقة أدوم، لرجلٍ بار يعبد الله الحقيقي، مثل الآباء البطاركة يمارس العمل الكهنوتي لحساب أسرته.
يليه مشهد آخر في السماء، لم يعرفه أيوب نفسه، لكن الله أعلنه لكاتب السفر. فيه يعلن الله عن اهتمامه ببني البشر، خاصة المؤمنين به.
يبرز الكتاب المقدس، خاصة في هذا السفر أن الشيطان كائن لا يعرف الخمول، لكن يبذل كل الجهد لمقاومة الله في البشرية المتعبدة له. إنه لا يكف عن الشكوى ضد المؤمنين، بينما يأخذ الله موقف الدفاع عنهم. إنهم موضع عنايته الإلهية ورعايته الفائقة، لكن قد يسمح لهم بالتجارب لكي تتلألأ بالأكثر أكاليلهم.
 
قديم 24 - 06 - 2021, 04:37 PM   رقم المشاركة : ( 43596 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,453,974

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

أيوب




وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة






تقوى أيوب وغناه


"كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عُوصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ.
وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا،
يَتَّقِي الله، وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" [1].
يرى كثير من الآباء أن السفر يُفتح بمديح عظيم له بقوله: "كان رجل". وكما يقول العلامة أوريجينوسإن كثيرين يُدعون بشرًا، لكنهم يسلكون كحيواناتٍ مفترسةٍ أو حيواناتٍ غبية أو زواحفٍ أو طيورٍ وليس كبشرٍ حسبما خلقهم الله محب البشر.
هذا الاسم "رجل" لا نعًّرفه حسبما يعرفه الذين هم في الخارج، بل حسبما يعًّرفه الكتاب المقدس. فالإنسان ليس هو كل من له يدا إنسان وقدماه، ولا من كان عاقلًا فحسب، بل من يمارس التقوى والفضيلة بشجاعة(36).
القديس يوحنا الذهبي الفم
*كثيرون يدعون أنفسهم "رجالًا" (أناسًا)، لكنهم هم ليسوا بالحق هكذا. فالبعض يعيشون بسلوك بهيمي، بينما آخرون بسلوك الزواحف، يبثون حنقهم كوحوشٍ مفترسةٍ. لهذا يقول داود نفسه: "والإنسان في كرامةٍ لا يبيت، يشبه البهائم" (مز 49: 12)...
لكن بالتأكيد تُستخدم كلمة "إنسان" على من يحمل صورة الله (تك 1: 27)، هذا الذي يحمي كرامته بطريقة لائقة، ويضع الخيار بين الخير والشر، ويهب مجده لخليقته التي تبتهج به، وتجد مسرتها فيه (مز 104: 31).
هكذا "كان رجل في أرض عوص". فقد كانت المنطقة قفرًا موحشًا، لكن به غرس... كان أيوب كنزًا لا ينقصه شيء. كان مملوءً من عنب الحصاد المغروس. كان كاملًا (حقيقيًاtrue ) كخليقة الإله الحق، إذ استخدم فضائله لحساب الحق بغير رياءٍ، متممًا وصايا الله... فقد عبد الله حسبما يريد الله(37).
الأب هيسيخيوس الأورشليمي
كان بنو أدوم يسكنون في "عوص" في أيام إرميا النبي (مرا 4: 21). يُعتقد أنها كانت بين دمشق وأدوم، في الصحراء السورية. وهناك من يعتقد أنها هي حوران. تقع ما بين فلسطين والعربية، شمال شرقي نهر الفرات، في طريق القوافل ما بين مصر وبابل. يرى التقليد أن حاران هي وطن أيوب، شرق بحر الجليل. وهي منطقة كانت خصبة للغاية، وكانت تضم حوالي 300 مدينة صغيرة.
ولعل عوص كانت لا تبعد كثيرًا عن أور الكلدانيين التي دُعي منها إبراهيم. فإن كان الله قد دعا إبراهيم ليقيم من نسله شعبًا مختارًا، لكن له بقية تشهد له وسط الأمم. وتحقق خطة الله نحو البشرية حين نشترك مع القديس يوحنا في تمتعنا بهذا المنظر: "وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش" (رؤ 7: 9).
لقد أخرج الله إبراهيم من تلك الأرض الفاسدة حيث يدعو الله مختاريه اعتزال الشر. وسمح ببقاء أيوب لكي يكون شاهدًا بنوره الإلهي وسط الظلام الدامس، كالكواكب وسط ظلمة الليل.
* لكي يكشف عن استحقاق فضيلته أُخبرنا أين قطن الرجل القديس، لأنه من لا يعرف أن عوص هي بلد أممي؟ كان العالم الأممي تحت سلطان الشرير؛ وبالتالي كانت عيناه مغلقتين عن معرفة خالقه. إذن لنُخبر أين قطن، فإن في هذا مديح له. كان رجلًا صالحًا يقطن بين أناسٍ أشرارٍ. إنه لمديح ليس بعظيمٍ أن تكون صالحًا في صحبة الصالحين، وإنما أن تكون صالحًا ساكنًا وسط أشرارٍ، فهذه شهادة لا يُمكن قياسها...
فقد قيل: "وأنقذ لوطًا البار مغلوبًا من سيرة الأردياء في الدعارة، إذ كان البار بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم يُعذب يومًا فيومًا نفسه البارة بالأفعال الأثيمة" (2 بط 2: 7-8)...
وهكذا يقول بولس لتلاميذه: "في وسط جيلٍ معوجٍ وملتوٍ تضيئون بينهم كأنوارٍ في العالم" (في 2: 15).
وقيل لملاك كنيسة برغامس: "أنا عارف أعمالك، وأين تسكن، حيث كرسي الشيطان، وأنت متمسك باسمي ولم تنكر إيماني" (رؤ 2: 13).
هكذا مُدحت الكنيسة بصوت العريس، قائلًا في نشيد الحب: "كالسوسنة بين الشوك، كذلك حبيبتي بين البنات" (نش 2: 2)...
بحقٍ قيل عنه إنه كان "يحيد عن الشر" فقد كُتب: "حد عن الشر، وأفعل الخير" (مز 37: 27). فإنه بالحق الأعمال الصالحة تكون غير مقبولة لدى الله إن كانت في عينيه ملطخة بمزجها بأعمال شريرة، وذلك كما قيل بسليمان: "من يخطئ في أمرٍ واحدٍ يُفسد خيرًا جزيلًا" (راجع جا 9: 18). يشهد يعقوب لذلك، قائلًا: "لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرمًا في الكل" (يع 2: 10). بولس يقول: "خميرة صغيرة تخمر العجين كله" (1 كو 5: 6).
إذن كان لائقًا أن يُشار كيف كان يحيد عن الأعمال الشريرة لإظهار كيف كان الطوباوي أيوب بلا غضن ثابتًا في أعماله الصالحة.
البابا غريغوريوس (الكبير)

تشهد كلمة الله بكمال أيوب، "وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي الله، وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ".
1. كاملًا: وهو كمال نسبي، فلا يعني أنه بلا خطية، وإنما يطلب الكمال، ويجد في بلوغه حسب استطاعته.
* يتحدث الرسول عن نفسه أنه كامل وغير كامل. فيحسب نفسه غير كاملٍ، متطلعًا كم من برّ لا يزال ينقصه، لكنه كامل حيث لا يستحي من أن يعترف بعدم كماله، وأنه يتقدم لكي يبلغ الكمال(38).
القديس أغسطينوس
*يوجد شكلان للكمال، شكل عادي، وآخر علوي. واحد يُقتني هنا، والآخر فيما بعد. واحد حسب القدرات البشرية، والآخر خاص بكمال العالم العتيد، أما الله فعادل خلال الكل، حكيم فوق الكل، كامل في الكل(39).
القديس أمبروسيوس
1. مستقيمًا: في معاملته مع الله والناس، أي يحمل روح البساطة التي بلا التواء ولا انحراف داخلي. ما يمارسه يكشف عما في قلبه بغير خبثٍ. مستقيم في سلوكه، يدقق في أفكاره وكلماته وتصرفاته، أمين في وقته ومواعيده والوزنات الموهوبة له.
2. تقيًا: يعبد الله بروح تقوي، لا في شكليات جافة بلا روح. يسعى أن يتمم مشيئة الله، بمعنى آخر يتناغم سلوكه مع عبادته لله، يخشى الله لئلا يسيء إلى جلاله وحبه.
3. يحيد عن الشر: مخافة الرب سور تحوط به، فلا يسمح للشرٍ أن يتسلل إلى فكره أو قلبه أو سلوكه.
* قيل إنه كان مستقيمًا "بلا عيب"، ولم يقل "بلا خطية"... لماذا كان بلا عيب؟ لأنه كان مستقيمًا.
كان "حقًا true" لأن الناس كاذبون (مز 62: 9).
كان "حقًا"، لا في الكلمات فقط، وإنما في الأعمال أيضًا. بهذا فهو "رجل حق". لأن "فلنسمع ختام الأمر كله، أتقِِ الله وأحفظ وصاياه، لأن هذا هو الإنسان كله" (جا 12: 13). كان أيوب غيورًا نحو التصرفات الخالصة، لهذا يقول النص إنه كان "تقيًا وحقًا" وقد أبرز علة كل فضائله أنه يتَّقي الله... معرفة الله تُعلَنْ في حياة الشخص، وتصير حافظة للحياة...
لم يقل: "لم يرتكب شرًا"، بل "يحيد عن الشر"... في عبارة أخرى: "لئلا أشبع وأكفر وأقول من هو الرب؟" (أم 30: 9). ها أنتم ترون أنه ما لم يكن الإنسان حذرًا، فإن التخمة هي أساس الخداع. لكن لم يكن حال أيوب هكذا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ" [2].
مع كثرة نسله لم ينشغل أيوب البار بممتلكاته ليقدم ميراثًا عظيمًا لكل ابن أو ابنة له، لكن ما كان يشغله هو تقديم ميراث ضخم من الصلوات والتسابيح والذبائح الروحيَّة والمحرقات كسندٍ لهم.

يرى العلامة أوريجينوس في البنين والبنات رمزًا لعمل الروح القدس في حياة المؤمن، حيث ينجب أو يثمر، خلال نفسه كما خلال جسده، ثمارًا روحيَّة مقدَّسة للرب، فالإنسان التقي كأيُّوب يعمل فيه روح الله، فتتناغم النفس مع الجسد، حيث يكون بكليَّته تحت قيادة الروح القدس. ويقدم لنا البابا غريغوريوس (الكبير)في تفصيلٍ وبتوسع تفاسير رمزيَّة للسبعة بنين والثلاث بنات، نقتطف القليل جدًا منها.
* ماذا يقدم لنا رقم 7 سوى ذروة الكمال...؟ فالسبعة بنين يمثلون تدبير الكارزين، والثلاث بنات يمكن أن يشرن إلى الثلاث فئات من المؤمنين في حياة الكنيسة... الرعاة والبتوليِّين والمتزوِّجين.
يولد لنا سبعة بنين، حين نحبل بالنية الصالحة، فتولد فينا سبعة فضائل الروح القدس. فقد اهتم النبي بهذا النسل الروحي على وجه الخصوص حين يجعل الروح القدس الذهن مثمرًا بهذه الكلمات: "ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوَّة، روح المعرفة ومخافة الرب، ويملأه روح مخافة الرب" (راجع إش 11: 2). فعندما تتولد في كل منا عند حلول الروح القدس الحكمة والفهم والمشورة والقوة والمعرفة والتقوى ومخافة الرب، يكون قد وُلد نسل في الذهن، يحفظ سلالة شرفنا العلوي في الحياة، حيث تتحالف بالأكثر مع المحبَّة الأبديَّة.
بالتأكيد السبعة بنين فينا لهم ثلاث أخوات، حيث كل منهم (البنين) يعمل بنضوج (رجولية) بميول فاضلة، فيتحد مع الإيمان والرجاء والمحبة. فإن رقم 7 لن يبلغ كمال رقم 10 ما لم يفعلوا كل شيء بإيمان ورجاء ومحبة.
البابا غريغوريوس (الكبير)
بعدما تحدث عن غناه الداخلي الخاص بالنفس حيث كان له سبعة بنين، أيّ عطايا الروح القدس مع ثلاث بنات، أيّ الإيمان والرجاء والمحبة، تحدث عن غناه الجسدي. فالأبناء يشيرون إلى غِنَى الروح، والحيوانات تشير إلى غنى الجسد المقدس في الرب. فلا يعاني من عوزٍ روحي، ولا من عوزٍ جسدي، مادام خالق النفس والجسد يُشبع كل كيانه.
"وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَم،
وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَلٍ،
وَخَمْسَ مِئَةِ زَوْجِ بَقَرٍ،
وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ،
وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا.

فَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ" [3].
مع ثروته الضخمة اتسم بالبرٌ، وقد قدم الغنم أولًا لأنها كانت لازمة للعائلات: "الحملان للباسك... لبن المعز لطعامك لقوت بيتك ومعيشة فتياتك" (أم 27:26-27). وكان خدمه كثيرين، الكل يخدمه هو وبيته.
من بين العادات التي لا تزال قائمة بين الرعاة ومجتمعات البدو تقدير ثروات الشخص وغناه ليس حسب أرضه ولا بيوته، وإنما حسب المواشي التي يملكها. فكان إبراهيم غنيًا جدًا من جهة قطيعه (تك 13: 2). وكان للوط أيضًا قطعانه (تك 13: 5). هكذا يُقدر غنى أيوب بعدد حيواناته التي يمتلكها. وقد ذكر أناث الحمير (الأتن)، لأنها كانت قيمتها أكثر من الذكور بكثير بسبب اللبن الذي كان يُستخدم للشرب(40).
يرى البعض أن غنم أيوب وجِماله تشير إلى اتحاد عصر الناموس بعصر النعمة، فالسبعة الآلف من الغنم تشير إلى مرعَى الناموس الذي يصير كاملًا باللمسات الروحية (رقم ألف) عوض الحرف؛ ينضم إلى هذا المرعى الثلاثة آلاف من الجِمال حيث تأتي شعوب الأمم لتنضم إلى مرعَى الناموس الروحي، ويكون الكل رعية واحدة لراعٍ واحدٍ.
* كان أيوب غنيًا، لكنه لم يقضِ حياته في ترف بلا حنو (على الآخرين). كان بيته مفتوحًا لكل محتاجٍ بإرادته المملوءة حبًا. لم يعامل أحدًا بظلمٍ، بل ساعد الذين كانوا يعانون من الظلم؛ كان يقدم الاحتياجات اللازمة للأرامل والأيتام. فإن هذه هي أعمال البرّ للغني البار(41).
 
قديم 24 - 06 - 2021, 04:39 PM   رقم المشاركة : ( 43597 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,453,974

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة




كمال أيوب


"وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي الله، وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ".
1. كاملًا: وهو كمال نسبي، فلا يعني أنه بلا خطية، وإنما يطلب الكمال، ويجد في بلوغه حسب استطاعته.
* يتحدث الرسول عن نفسه أنه كامل وغير كامل. فيحسب نفسه غير كاملٍ، متطلعًا كم من برّ لا يزال ينقصه، لكنه كامل حيث لا يستحي من أن يعترف بعدم كماله، وأنه يتقدم لكي يبلغ الكمال(38).
القديس أغسطينوس
*يوجد شكلان للكمال، شكل عادي، وآخر علوي. واحد يُقتني هنا، والآخر فيما بعد. واحد حسب القدرات البشرية، والآخر خاص بكمال العالم العتيد، أما الله فعادل خلال الكل، حكيم فوق الكل، كامل في الكل(39).

القديس أمبروسيوس
1. مستقيمًا: في معاملته مع الله والناس، أي يحمل روح البساطة التي بلا التواء ولا انحراف داخلي. ما يمارسه يكشف عما في قلبه بغير خبثٍ. مستقيم في سلوكه، يدقق في أفكاره وكلماته وتصرفاته، أمين في وقته ومواعيده والوزنات الموهوبة له.

2. تقيًا: يعبد الله بروح تقوي، لا في شكليات جافة بلا روح. يسعى أن يتمم مشيئة الله، بمعنى آخر يتناغم سلوكه مع عبادته لله، يخشى الله لئلا يسيء إلى جلاله وحبه.
3. يحيد عن الشر: مخافة الرب سور تحوط به، فلا يسمح للشرٍ أن يتسلل إلى فكره أو قلبه أو سلوكه.
* قيل إنه كان مستقيمًا "بلا عيب"، ولم يقل "بلا خطية"... لماذا كان بلا عيب؟ لأنه كان مستقيمًا.
كان "حقًا true" لأن الناس كاذبون (مز 62: 9).
كان "حقًا"، لا في الكلمات فقط، وإنما في الأعمال أيضًا. بهذا فهو "رجل حق". لأن "فلنسمع ختام الأمر كله، أتقِِ الله وأحفظ وصاياه، لأن هذا هو الإنسان كله" (جا 12: 13). كان أيوب غيورًا نحو التصرفات الخالصة، لهذا يقول النص إنه كان "تقيًا وحقًا" وقد أبرز علة كل فضائله أنه يتَّقي الله... معرفة الله تُعلَنْ في حياة الشخص، وتصير حافظة للحياة...
لم يقل: "لم يرتكب شرًا"، بل "يحيد عن الشر"... في عبارة أخرى: "لئلا أشبع وأكفر وأقول من هو الرب؟" (أم 30: 9). ها أنتم ترون أنه ما لم يكن الإنسان حذرًا، فإن التخمة هي أساس الخداع. لكن لم يكن حال أيوب هكذا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
 
قديم 24 - 06 - 2021, 04:41 PM   رقم المشاركة : ( 43598 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,453,974

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

أيوب




وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة






ولائم أسرية

"وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ،
وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلاَث،َ
لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ" [4].

صورة رائعة لرجل غني جدًا لم يشغله ولا شغل أبناءه الغنى والثروة، بل يجتمع الكل بروح الحب والوحدة مع التدبير الحسن، فيقيمون وليمة في بيت كل ابنٍ بالتتابع مع شركة مع الأخوات! كان بنوه يقومون بعمل ولائم دورية، بروح المحبة والوحدة. فكان كل ابنٍ يقيم الوليمة في دوره، حيث يجمع إخوته وأخواته. يقول المرتل: "هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معًا" (مز 133: 1).
ويلاحظ في هذه الولائم الأتي:
1. كانت تقام في البيوت، لا في أماكن عامة، ربما لكي تحتفظ الأسرة بطابعها المقدس حتى في الولائم ووسط المسرات.
2. دعوة الأخوات مؤشر على أن الولائم كانت عائلية، وغالبًا ما كانت قاصرة على أسرة أيوب.
3. لم يذهب أيوب إلى الولائم، ليس عن تزمتٍ، فهو يطلب مسرة أولاده وبهجتهم مادامت في الرب، فوجوده وهو شيخ ربما يكون فيه نوع من عدم إعطاء الحرية للشبان أن يمرحوا بعد، حتى وإن كان في الرب.
* الغنى العظيم يكون عادة علة للخلافات بين الإخوة. يا له من مديح لا يُقدر لتربية أب كهذا! لقد أعُلن عن غنى الأب وسلام الإخوة معًا، فبينما تُوزع الثروة بينهم لم ينقسم الحب، بل يملأ قلوب الكل!
البابا غريغوريوس (الكبير)
"وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ،
أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ،
وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ،
وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ،
لأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيّ،َ وَجَدَّفُوا عَلَى الله فِي قُلُوبِهِمْ.
هَكَذَا كَانَ أَيُّوبُ يَفْعَلُ كُلَّ الأْيَّامِ" [5].
مع عدم اشتراك أيوب في الولائم جسديًا اشترك بروح الأبوة الحانية والحب روحيًا. كان غيورًا على خلاص نفوسهم، يخشى لئلا يتنجسوا ولو بالفكر، بهذا يُحسبون كمجدفين على القدوس.

خشي لئلا يفكر أحدهم في أعماقه قائلًا: "قوتي وقدرة يدي اصطنعت لي هذه الثروة" (تث 8: 17). أو كما يقول الحكيم: "لئلا أشبع وأكفر، وأقول: من هو الرب؟" (أم 30: 9).
كان أيوب كاهن الأسرة، يؤمن أنه يعجز عن تقديس أولاده، وإنما هذا من عمل الله، لذا كان يقدم محرقات على عددهم. كان يفعل هذا لا في بدأ الوليمة فحسب، ولا في نهايتها فقط، بل كل أيام الوليمة، وكل أيام السنة. "هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام". ولعله كان يقدم ذبيحة محرقة عن كل العائلة كل يوم، أما في أيام الولائم، فكان يقدم محرقة عن كل واحدٍ، لأن الخطايا -خاصة بالفكر- تجد في الولائم جوًا مناسبًا للتسلل إلى الداخل.
* إن كان الحكم على الخطايا التي تُرتكب بجهلٍ أنها هكذا عنيفة وتحتاج إلى ذبيحة للتكفير عنها، هذه الحقيقة التي شهد لها أيوب بتقديمه ذبيحة عن أولاده، فماذا يُقال عن الذين يرتكبون الخطية بمعرفة، أو الذين في صمتهم يذعنون إلى السلوك المخطئ الذي للآخرين؟(42)
القديس باسيليوس الكبير
* قدم ذبائحه من أجل خطاياهم الخفية، وأخطائهم التي لم يعترفوا بها. إن كان أيوب يأخذ حذره هكذا من جهة الخطايا الخفية التي بغير معرفة، فكم تظن بالنسبة للأخطاء الظاهرة. لاحظوا كيف يترجم كلمات الرسول إلى عمل: "وأنتم أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم، بل ربوهم بتأديب الرب وإنذاره" (أف 6: 4)، أي يهتم الشخص بأولاده. إنها ممارسة للحماية الوالدية. لاحظوا إلى أيّ مستوى من الكمال أراد أن يقودهم...
فبالنسبة للأخطاء الظاهرة كان يمكنه أن يصلحها، ولكنه ماذا يمكنه أن يفعل بالنسبة للخطايا السرية؟ مع هذا قيل لموسى: "السرائر للرب إلهنا، والمعلنات لنا ولبنينا إلى الأبد" (تث 29: 29). على أيّ الأحوال لم يتجاهل أيوب حتى الأخطاء السرية في علاقته بالله، بل ألزم نفسه أن يصحح الموقف شخصيًا بوسيلة علاجية. فإن هذه الوسيلة تسمح له أن يضرب بالأخطاء فينتزعها، وأن يعلم أولاده أيضًا...
ها أنتم ترون أنه لم يصحح من تقصيراتهم في الأعمال فحسب، ولكن أيضًا ما يخص الأفكار، متممين عمليًا كلمات المسيح: "لأن من القلب تخرج أفكار شريرة... هذه هي التي تنجس الإنسان" (مت 15: 19-20)... ها أنتم ترون هنا تطهيرًا ليس موسويًا، ولا بالناموس، بل بطريقة رسولية حيث يطلب تطهير أفكارهم يوميًا، ليس فقط بنصحهم وتقديم المشورة لهم، وإنما أيضًا بحمايتهم والصلاة لله عنهم. هذا ليس عمل الأب فقط بل وعمل الكاهن، وإن كنا نعلم أنه لم يكن يوجد كاهن بعد...
يرى البعض أنه كان يوجد كهنة في تلك الأيام أيضًا مثل ملكي صادق لم يخترهم الشعب.
القديس يوحنا الذهبي الفم
* تشير نفس كلمات الكتاب إلى أن الجهل خطية. هذا هو السبب الذي لأجله يقدم أيوب محرقات عن أبنائه لئلا يكونوا قد أخطأوا سهوًا في الفكر(43).
القديس جيروم
* تنسب هذه العبارة لأيوب تقوى عظيمة للغاية. فإن أناسًا كثيرين اعتادوا أن يبكروا لممارسة أعمال أرضية وكل ما يفكرون فيه خلال الليل هو الوسيلة لتكديس ثروة أو مجدٍ أو كرامات، فيسرعون في القيام لتحقيق أفكارهم عمليًا. يعبر النبي في أنشودة مرثاة ما يلزم أن يُقال عن هؤلاء: "ويل للمفتكرين بالبُطل، والصانعين الشر على مضاجعهم، في نور الصباح يفعلونه" (مي 2: 1). أمّا عن أيوب فلم ينشغل بهذا، وإنما كان في الفجر يقدم لله خدمة، هذا الذي يجعل النور مشرقًا... فإن الذبيحة الحقيقية هي حفظ الناموس وممارسة الفضائل (ابن سيراخ 35: 1-3). تخدمنا في هذا كلمات رسالة بولس إلى العبرانيين كمثال: "فلنقدم به في كل حين لله ذبيحة التسبيح... ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع، لأنه بذبائح مثل هذه يُسر الله" (عب 13: 15-16).

"لأن أيوب قال ربما أخطأ بني، وجدفوا على الله في قلوبهم" [5]. استقامة أيوب واضحة! يكمل برَّه نحو الصلاح. إنه أب حكيم وسيد مختبر، برج (من الكواكب) يتسم بالتعقل، مرشد صالح كمن يمسك بلجام خارجي ليلجم الشهوات الداخلية... لم يقتنع داود بالترنم بتلك الكلمات: "السهوات من يشعر بها؟ من الخطايا المستترة أبرئني" (مز 19: 12)، وإنما وضع أيضًا وصية الإنجيل في العملٍ.
نقول بأن أيوب سلك حسب الناموس والنعمة، وحسب وصية الإنجيل:"...الذين يسمعون الكلمة فيحفظونها في قلبٍ جيدٍ صالحٍ" (لو 8: 15). إنه لم يكن مستهينًا بذلك. لقد كتب يوحنا اللاهوتي في هذا: "نُسكِّن قلوبنا قدامه، لأنه إن لامتنا قلوبنا، فالله أعظم من قلوبنا، ويعلم كل شيء. أيها الأحباء، إن لم تلمنا قلوبنا فلنا ثقة من نحو الله" (1 يو 3: 19-21) والرب نفسه يقول: "لأن من القلب تخرج أفكار شريرة: قتل زني فسق سرقة شهادة زور تجديف، هذه التي تنجس الإنسان، وأما الأكل بأيدٍ غير مغسولة فلا يُنجس الإنسان" (مت 15: 19-20). إذن لنتطهر من هذه الأفعال. لنطلب كل يوم الثمر من نفوسنا، فقد كان أيوب "حقًا وبلا لوم"، متطلعين أيضًا إلى ما كُتب: "هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام" [5].
الأب هيسيخيوس الأورشليمي
* هكذا طهٌر أيوب أولاده، لأن من يقدم ذبائح عن الخطايا السرية، كم بالأكثر يهتم بخصوص الخطايا الظاهرة؟(44)
* استخدم أيوب علاجًا حتى عن أفكار بنيه(45).
القديس يوحنا الذهبي الفم
* "وبكر في الغد، وأصعد محرقات على عددهم كلهم" [5]. عرف القديس أنه يندر إقامة وليمة دون وجود معصية. عرف أنه يجب تطهير مرح الولائم بالذبائح. وما قد ارتكبه الأبناء من وصمات في أشخاصهم أثناء ولائمهم قام الأب بغسلها بتقديم ذبيحة... إذ غالبًا ما تصحب الحفلات الشهوات، فإذ يكون الجسم في تراخٍ بالملذات يخضع القلب للفرح الباطل. فقد كتُب: "جلس الشعب للأكل والشرب، ثم قاموا للّعب" (خر 32: 6).
البابا غريغوريوس (الكبير)
كان أيوب مستريحًا لتصرفات بنيه وبناته من جهة محبتهم لبعضهم البعض ووحدانية الروح والانسجام معًا، كما كان مطمئنًا لتصرفاتهم وكلماتهم، لكنه لا يعلم ما يدور في أفكارهم وقلوبهم. إنه لم يقف موقف الديان، فيحكم على ما في داخلهم، كما لم يقف في تهاونٍ، معتبرًا نفسه غير مسئول عما في قلوبهم، إنما في حبٍ مملوء حكمة التجأ لله بتقديم ذبائح روحية ومحرقات عن كل واحدٍ منهم. فهو وحده عارف بالأسرار الخفية، وقادر على تقديس الأعماق.
* "هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام" [5]. لم يتوقف أيوب عن تقديم ذبيحة دائمة، وذلك كما يقدم مخلصنا محرقة عنا بلا انقطاع. هذا الذي يُظهر تجسده أمام الآب لأجلنا دون توقف. فإن تجسده ذاته هو تقدمة لأجل تطهيرنا؛ وبينما يُظهر نفسه كإنسانٍ يكون شفيعًا يغسل أدناس الإنسان، مقدمًا بسرّ بشريته ذبيحة دائمة...
باطل هو الصلاح الذي نمارسه إن توقف قبل نهاية الحياة، وذلك أنه باطل لمن يركض سريعًا أن يتوقف قبل بلوغه الهدف. عن هذا قبل التوبيخ: "ويل لكم أيها الذين فقدوا الصبر" (ابن سيراخ 2: 14). وهكذا يقول الحق لمختاريه: "أنتم الذين ثبتوا معي في تجاربي" (لو 22: 28)... هكذا فرض موسى أن يُقدم ذيل الذبيحة على المذبح، بمعني أن كل عمل صالح نبدأه نكمله بمثابرة حتى النهاية.
البابا غريغوريوس (الكبير)
* على وجه العموم، وصايا كل القديسين تحثنا على ذلك بالقدوة، وذلك كما استعمل سليمان الأمثال قائلًا: "اسمعوا أيها البنون تأديب الرب، أصغوا لأجل معرفة بفهم، لأني أعطيتكم تعليمًا صالحًا فلا تتركوا شريعتي. فإني كنت ابنًا لأبي غضًا ووحيدًا عند أمي" (أم 1:4). لأن الأب البار يربي أولاده تربية حسنة، إذ يجتهد في تعليم الآخرين بسيرته المستقيمة الفاضلة. حتى إذا ما حدثت مقاومة، لا يخجل من سماعه هذا القول: "فأنت الذي تُعَّلم غيرك، ألست تعلم نفسك" (رو 21:2)، إنما يكون بالحري مثل خادم أمين يقدر أن يخلص نفسه ويربح الآخرين. وإذ تتضاعف النعمة المعهودة إليه يستطيع أن يسمع ذلك القول: "نعمًا أيها العبد الصالح والأمين. كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك" (مت 21:25)(46).
القديس أثناسيوس الرسولي
 
قديم 24 - 06 - 2021, 04:44 PM   رقم المشاركة : ( 43599 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,453,974

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة






وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة



شكوى إبليس

"وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو الله لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ،
وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسَطِهِمْ" [6].
جاء في الترجوم الأورشليمي Targum Yerushalmi أن المجلسين اللذين تَمَّا في السماء أحدهما في روش هاشاناه Rosh ha- Shanah، والثاني في يوم كيبور Yom Kippur.

كان الملائكة -بنو الله- يجتمعون معًا أمام الله يقدمون له التسبيح اللائق من أجل محبته للسمائيين والأرضيين، ويقدمون أيضًا صلوات المؤمنين، ويترقبون أية إرسالية يتممونها، إذ هم خدام للعتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 1: 14).
تسلل بينهم الشيطان المتكبر والمضل لكي يشتكي على البشرية، خاصة المؤمنين، ففي حسده لا يطيق أن يرى إنسانًا ترابيًا ينمو في الروح، وينطلق كما بجناحي حمامة إلى السماء.
كل الأمور مكشوفة أمام الله، فهو ليس في حاجة إلى ملائكة تحمل إليه صلوات مؤمنيه، ولا إلى الشيطان ليكشف عن فساد مؤمنٍ ما. لكن الله في محبته للسمائيين يهبهم عمل المحبة سواء بتقديم الصلوات أو إتمام إرساليته. كما في عدله يترك للشيطان الحرية ليشتكي على من يريد. إنه يقدس حرية الإرادة في المخلوقات العاقلة، سواء على مستوى الطغمات السمائية أو القوات الروحية في الشر، أو البشر.
لا نعجب من هذا، ففي رؤيا زكريا النبي إذ شاهد كلمة الله نفسه كرئيس كهنة يحمل خطايانا كثوبٍ قذرٍ، كان الشيطان قائمًا ليقاومه (زك 3: 1-2).
يسألنا القديس يوحنا الذهبي الفم ألا ندهش من أن يقف المتمرد وسط الملائكة، فإن ما يقدمه السفر هو بصورة بشرية لكي نتفهم الموقف بفكرنا البشري.
* جاءت الملائكة -حسب النص- وجاء معهم الشيطان، إذ كان يطوف الأرض، ويسير فيما هو تحت السماء. ماذا نفهم من هذا؟ إن الأرض مملوءة بالشياطين والملائكة، والكل تحت سلطة قوة الله، وأن الملائكة يقفون أمام الله حيث يتقبلون منه الأوامر. ولا يقدر الشيطان أن يفعل شيئًا يسره ما لم ينل سماحًا من فوق... بالقول: "جاء الشيطان أيضًا في وسطهم" [6] لا يعني سوى أنه هو أيضًا لا يقدر أن يفعل شيئًا بدون سماح الله.
* ماذا يعني هذا التعبير؟ إنه معهم في العالم، فكما أن البشر المخادعين والصالحين ممتزجون معًا هكذا الملائكة والشياطين.
القديس يوحنا الذهبي الفم
لعلَّ أقصى ما يشتهيه الإنسان أن يتمتَّع بالمجد السماوي بالوقوف وسط الطغمات السماويَّة وينعم برؤية الله، فكيف يقف الشيطان هكذا ليرى الله ويدخل معه في حوار؟ بلاشك أن الوقوف هنا لا يحمل المعنى الحرفي، إنَّما سُمح له الله بالحوار من أجل العدالة الإلهيَّة وتأكيد حريَّة الخليقة العاقلة حتى بالنسبة للشيطان وجنوده الأشرار. وقف الشيطان كما وسط الملائكة يُسمح له بالحديث مع الله، لكنَّه لم يتمتَّع برؤية مجد الله، ولا أُشرق عليه بهاء المجد الإلهي، ولا اختبر عذوبة صوت الله كمصدر لذَّة وفرح وسلام حقيقي!
هكذا في يوم الرب العظيم يرى المؤمنون الحقيقيُّون في عينيّ المسيح يسوع حمامة وديعة، وفي أحضانه أمجادًا لا يُعبَّر عنها، أمَّا الأشرار فيرون عينيه لهيب نارٍ، فلا يحتملون رؤيته.
وكما قيل هنا عن الشيطان أنه وقف ممتثلًا أمام الله دون أن يتمتع ببهاء مجده، قيل في موضع آخر عن الملائكة أنهم أرواح خادمة مُرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب 14:1)، لكن إرسالهم للخدمة لا يحرمهم من التمتع بالحضرة الإلهية وإشراق البهاء الإلهي عليهم.
* ربما يتساءل البعض: كيف يمكن للشيطان وقد سقط عن رتبته بسبب كبريائه أن يقف أمام الرب بين الملائكة؟
هل يُمكن له معاينة الرب وهو غير طاهرٍ؟
لقد سقط إبليس وجنوده ولم يعد من حقه رؤية الله، لكن بحسب طبيعته كروح يمكن المثول أمام الله دون معاينته. هكذا كان ماثلًا يشتكي علينا دون رؤية الله، لأنه غير طاهرٍ.
لاحظ أنه قيل أنه جاء أمام الرب، ولم يُقل أنه رأى الرب. فقد جاء لكي يُرى لا لكي يرى. كان أمام عيني الرب، ولم يكن الرب أمام عينيه، وذلك كما يقف أعمى أمام الشمس، فهو نفسه غارق في أشعة النور، لكنه لا يرى شيئًا من النور البهي... فإن قوة الله، بنظره يخترق كل الأشياء، فيرى الروح الدنس الذي لا يراه. فإنه حتى الأشياء نفسها التي تهرب من وجه الله لا يمكنها أن تكون مختفية، فالكل عريان أمام نظر العلي. فالشيطان الغائب جاء إلى ذاك الذي هو حاضر.

* من هم الذين يُدعون بني الله إلا الملائكة المختارون؟ وكما نعرف عنهم أنهم يتطلعون إلى عيني عظمته. يليق بنا أن نتساءل: من أين جاءوا ليمثلوا أمام الله؟ فقد قيل عنهم بصوت الحق: "إن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السماوات" (مت 10:18). ويقول عنهم النبي: "ألوف ألوف تخدمه، وربوات ربوات وقوف قدامه" (دا 10:7). فإن كانوا دائمًا ينظرون ويقفون بجواره، يلزمنا بحرص وتدقيق أن نراعي من أين جاءوا، فإنهم لا يفارقونه قط، لكن إذ يقول عنهم بولس: "أليس جميعهم أرواحًا خادمة مُرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص؟" (عب 14:1)، من هذا نتعلم أنهم مُرسلون ونكتشف من أين جاءوا...
إنهم لا يذهبون بطريقة يُحرمون فيها من رؤية الله، فتُنزع عنهم أفراح التأمل الداخلي، فلو أن بإرسالهم يفقدون رؤية خالقهم لا يقدرون أن يُقيموا الساقطين، ولا أن يعلنوا للذين في الجهالة عن الحق، وما كانوا يستطيعون قط أن يقدموا للعميان ما حُرموا به بتركهم مصدر النور.
تختلف طبيعة الملائكة عن حال طبيعتنا الحاضرة، حيث نحن مقيدون بالمكان ومحدودون بعمى الجهالة، أما أرواح الملائكة فمع كونها محدودة بمكانٍ، لكن معرفتهم ترتفع عنا جدًا، دون وجه للمقارنة، لهم معرفة ممتدة خارجيًا وداخليًا، إذ يتأملون ذات مصدر المعرفة نفسه...
وكما أن أرواحهم ذاتها إن قورنت بأجسادنا فهم أرواح، هكذا إن قورنوا بالروح السامي غير المدرك يُحسبون جسدًا. لذلك فهم مُرسلون منه، وواقفون أمامه أيضًا، إذ في هذا هم مقيدون أن يُرسلوا، وفي نفس الوقت حاضرون بالكامل لن يفارقوه.
هكذا في نفس الوقت يرون وجه الآب دائمًا، ومع هذا يأتون إلينا، حيث يُرسلون خلال سمة التأمل الداخلي. يمكن إذن أن يُقال: "جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب"، إذ يرجعون إلى هناك بعودة الروح، إلى حيث لم يفارقوه قط بعدم انسحاب العقل عنه.
البابا غريغوريوس (الكبير)
"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟
فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ،

وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا " [7].
بقوله: "من الجولان في الأرض" يشير أنه لم يتعدَ حدوده، لأن "التنين العظيم طُرح إلى الأرض" (رؤ 12: 6). يرى كثير من آباء الكنيسة الأولين أن الأرض في الكتاب المقدس تشير إلى الإنسان الترابي الجسداني الذي لا ينشغل إلا بالأرضيات، هكذا يجول عدو الخير كما في مِلْكِهِ. بينما تشير السماء إلى الإنسان الروحي الذي ينشغل بالأبديات. فالشيطان لا يقدر أن يتسلل إلى قلب الإنسان الروحي، لكنه يجول بلا ضابط في قلب الإنسان الجسداني.
عدو الخير لا يعرف الخمول، فإنه لا يهدأ ليلًا ونهارًا عن الجولان في الأرض ليغوي أولاد الله على ترك مملكة النور والانشغال بالخطايا.
* "من الجولان في الأرض ومن التمشي فيها" [7]. ها أنتم ترون أن السماء متعذرة بالنسبة للشيطان الشرير. فإن قلتم: "حسنًا! السماء غير متاحة له، لكن العالم يرحب به. نعم فإن هذا لصالحكم، فإنه إن كنتم حتى وأنتم مع عدو يقظ هكذا لا تهتمون بإصلاح أنفسكم، فيا لكم من أناس خاملين...؟
أنصت إلى بولس وهو يقول: "اللذان أسلمتهما للشيطان، لكي يؤدبا حتى لا يجدفا" (1 تي 20:1).
أتريدون أن تسمعوا نصًا آخر؟ ألا ترون المُعذِبينَ الذين يرافقون المسئولين؟ هكذا يستخدم بولس الشياطين. أما النتائج الصالحة فهي ليست من عمل الشيطان، بل من حب الله للإنسان حيث يستخدم الشيطان لهذا الغرض.
* ماذا إذن أن يُقال للشيطان: "من أين جئت؟" إلا لكي يدين طرقه كما لو كانت غير معروفة. فنور الحق لا يعرف شيئًا عن الظلمة، هذه التي يوبخها، وعن طرق الشيطان التي يدينها كديانٍ. يليق أن يُسال عنها كما لو كانت مجهولة. ولهذا قيل لآدم وهو في خطيته بصوت خالقه: "آدم، أين أنت؟" (تك 9:3)، فإن القوة الإلهية لم تجهل الموضع الخفي الذي هرب إليه عبده عند عصيانه، لكنه رأى أن الساقط في خطيته مختفيًا عن عيني الحق تحت الخطية...
إنه يدين الشيطان، لذا فُحص طريقه، أما الملائكة المختارون فلا يحتاجون أن يُسألوا من أين جاءوا، إذ طرقهم معروفة لله. إنهم كمن يمثلون حركته، إذ هم خاضعون لإرادته وحدها، ولا يمكن أن يكونوا غير معروفين له.
* يجول إبليس في الأرض، إذ استخف بالسكنى في سلامٍ في أعالي السماء. وإذ هو كمن يُبلغ بأنه لم يَطِرْ بل مشى، يُظهر ثقل الخطية التي تجعله دائمًا في الأسفل...
يتحدث الله مع الملائكة حينما تُعلن لهم إرادته الداخلية كموضوع إدراكهم، وأما الملائكة فيتحدثون مع الرب متى كانوا بهذا يتأملون فيما هو فوقهم، ويقفون أمامه في دهشة. وهكذا يتحدث الله مع نفوس قديسيه بطريقة ما، وهم يتحدثون معه بطريقة أخرى... نراهم في الرؤيا: "صرخوا بصوتٍ عظيمٍ قائلين: حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض...؟وقيل لهم أن يستريحوا زمانًا يسيرًا" (رؤ 9:6-10).
يتحدث الله مع الشيطان بأربع طرق:فهو يشجب طرقه الظالمة، ويوبخه ببرّ قديسيه، ويسمح له أن يجرب براءتهم، وأحيانًا يوقفه عن أن يجربهم...
إنه يوبخه ببرّ مختاريه، إذ يقول: "هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟ لأنه ليس مثله في الأرض (كلها)". لقد سمح له أن يضع برّه موضع اختباره عندما قال له: "هوذا كل ما له في يدك" [12]. مرة أخرى منعه من أن يجربه عندما قال: "وإنما إليه لا تمد يدك" [12].
البابا غريغوريوس (الكبير)

"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:
هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟
لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ.
رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيم،ٌ
يَتَّقِي الله وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" [8].
في حديث الله مع الشيطان يُظهر مدى اعتزازه بأيوب عبده، "لأنه ليس مثله في الأرض" في الاستقامة والتقوى. خلال علاقة الحب المتبادلة بين الله والمؤمن الحقيقي، يقول الأخير: "من مثلك بين الآلهة يا رب؟ من مثلك معتزًا في القداسة، مخوفًا بالتسابيح، صانعًا عجائب؟" (خر 15: 11)"من هو إله مثلك غافر الإثم، وصافح عن الذنب لبقية ميراثه؟" (مي 7: 18). وفي الوقت نفسه يعتز الله بمؤمنيه في إيمانهم، كما مع أيوب (أي 1: 8) وقائد المئة والمرأة الكنعانية، والعجيب أن جميعهم أمميون.
* كان الصبر بالفعل في أيوب، الأمر الذي كان يعلمه الله، وقد شهد له، لكنه صار معروفًا للبشر خلال اختبار التجربة. فما كان مخفيًا في الداخل وغير ظاهرٍ كثمرةٍ، ظهر بواسطة ما حدث وصار في الخارج(47).
القديس أغسطينوس
* اعتزم الشيطان على الدخول في صراعٍ، ليس مع أيوب بل مع الله، أما الطوباوي أيوب فكان بينهما موضوع النزاع...
لولا أن الله يعلم أن أيوب يستمر في استقامته بالتأكيد لما سلمه للشيطان. إنه لم يسلمه له لكي يهلكه بالتجربة... وقد التهبت نيران الحسد في ذهن المجرب من أجل مديح الله له.
إذ يفشل العدو القديم في اكتشاف أي شر يمكن أن يتهمنا به، يتجه نحو النقاط الصالحة ليحولها للشر، وإذ ينهزم بالأعمال يتطلع إلى كلماتنا ليجد مجالًا للاتهام.
إنه يصارع لكي يُظلم نية القلب حتى لا تصدر أعمالنا الصالحة عن ذهنٍ صالحٍ، وبهذا لا تُعتبر صالحة في عيني الديان. فإنه حتى إن رأى ثمرًا على شجرة خضراء في الحر يبحث عن دودة تفسد الجذور.
* لاحظوا غباوة الشيطان ومكره. يشهد الله أن أيوب بلا لوم، فهل تود (أيها الشيطان) أن تنتزع شهادة الله...؟
إذ يقول الله: "عبدي أيوب"، ففي هذا الكفاية في تحديد فضيلته...
لقد هاج (الشيطان) في الحال إذ سمع الله يدعو أيوب عبده، فبالنسبة له حُسب هذا توبيخًا له فأثاره للهجوم.
لقد كنت (أيها الشيطان) قبلًا عبدًا... هذا ما عناه بولس: "ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة فبالأولى أمور هذه الحياة´(1 كو 3:6).
لقد بلغ أيوب إلى هذه الدرجة حتى أضاف الله: "رجل كامل، ومستقيم، وحق، يتقي الله". "رجل مستقيم"، أما أنت على العكس، وإن كنت لست إنسانًا، لكنك لم تثابر على الفضيلة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
* "هل تفكرت مليًا في عبدي أيوب؟" [8]. في نفس الوقت يعني بدقة أن الخائن (إبليس) يحمل نية خبيثة نحو أولئك الذين يحسبهم خطاة من أجل رذائلهم وأبرارًا خلال خداعه.
الأب هيسيخيوس الأورشليمي
"فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ:
هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ الله؟" [9].
لم يحتمل عدو الخير أن يسمع كلمة مديح تُقال في شخص آخر غيره، حتى وإن صدرت من الله فاحص القلوب والعَاِلمْ بالأفكار وكل الأسرار. هكذا لم يحتمل شاول الملك النساء يمدحن الصبي داود الذي أنقذه هو وكل جيشه وشعبه من جليات الجبار وجيشه (1 صم 18: 6-9). ولم يحتمل رؤساء الكهنة والكتبة الأطفال يسبحون السيد المسيح في الهيكل (مت 21: 15 إلخ).
* يُدعى الشيطان أو المفتري بسبب افتراءاته، فإنه يفتري على الإنسان أمام الله، قائلًا: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟"... ويفتري على الله أمام الإنسان، قائلًا: "نار الله سقطت من السماء، فأحرقت الغنم" (أي 16:1). فكان متلهفًا على إثارته بأن الكارثة حلت من السماء من فوق، فيجعل العبد في نزاعٍ مع السيد، والسيد مع عبده. في الواقع لم يجعلهما في نزاع، لكنه حاول ذلك وكان عاجزًا(48).
القديس يوحنا الذهبي الفم
* "يقضي لمساكين الشعب، يخلص بني البائسين، ويسحق المفتري" (مز 72: 4). بحق يُدعى الشيطان "المفتري"، فقد افترى على كل من الله حيث ادعى أن الله منع الأخذ من شجرة (معرفة الخير والشر) بسبب الحسد، وافترى على أيوب بأكاذيب، قائلًا "هل حقًا مجانًا يتقى أيوب الله...؟ أبسط يدك الآن، ومس كل ما له، فإنه في وجهك يجدف" (أي 1: 9، 11). في المزمور الثامن أعطاه اسمي "عدو ومنتقم"، بينما هنا (مز 72: 4) فيدعوه مفتريًا(49).
ثيؤدورت أسقف قورش
* بالتأكيد الشيطان هو مُوجه الاتهام ضد القديسين. إنه لا يقدر في حضرة ديان كهذا أن ينسب اتهامًا خاطئًا، فهو يعرف مع من يتكلم. لهذا فإنه إذ يعلم عجزه عن تقديم اتهامٍ باطل ضدنا يلجأ إلى القول بشيءٍ صادق. لهذا فإن خصمنا الذي يحسدنا على وجودنا في ملكوت السماوات، ولا يريدنا أن نكون هناك حيث طُرد هو منه، يقول: "هل مجانًا يعبد أيوب الله؟" (أي 1: 9)...
يليق بنا أن نحرص على حبنا لله ليس من أجل مكافأة. فإنه أيّ نوع من المكافأة هذه التي يعطيك الله إياها؟
مهما أعطاك فهي أقل من ذاته. لا تعبد الله لكي ما تقبل منه شيئًا. اعبده دون ترجي في مقابل، وعندئذ تتقبله هو، فإن الله يحفظ نفسه لك لتتمتع به.
إن كنت تحب ما خلقه، فكم يكون خالق العالم؟ انزع من قلبك محبة المخلوقات، لكي ما تلتصق بالخالق، وعندئذ تقول ما جاء في المزمور: "خير لي أن ألتصق بإلهي" (مز 72: 28)(50).
الأب قيصريوس أسقف آرل
* يقول الشيطان: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟" لماذا تُعجب من أيوب؟ لماذا تدلي بتصريحات غير عادية بخصوص رجل مستقيم؟ فإنك أنت نفسك تصمم على برَّه وهذا إنما بسبب عطاياك التي نالها بسخاءٍ عظيمٍ مقابل فضيلته. صار له فيض في كل شيء، إنه مُتخم في كل شيء، ليس لديه قلق، ليس ما يجعله يخطئ. بيته مبني حسنًا، مملوء بالخيرات. كل ممتلكاته مسيَّجة بسياج البركات. أبناؤه يحيطون به مثل إكليل يتوجه. لماذا لا يكون أيوب مستقيمًا؟ لماذا لا يكون تقيًا؟ أي الوصايا يلتزم بأن يهملها؟ فمن لم يذق الفقر، لماذا يسرق؟
الأب هيسيخيوس الأورشليمي
* في وقاحة دخل مع الله في جدال (أي 1: 9). هذا ليس اتجاه الشيطان وحده، بل اتجاه الناس الأشرار. ألم يفعل ذلك من ورد عنه في الإنجيل: "عرفت أنك إنسان قاسٍ، تحصد حيث لم تزرع، وتجمع من حيث لم تبذر" (مت 24:25)...
كان يسعى في تشويه دافع أيوب... يود الله دومًا أن يصدر حُكمَه من كلمات أعدائه، حتى لا يترك لهم مجالًا لأي عذرٍ، وذلك كما قيل في العبارة: "من فمك أدينك أيها العبد الشرير" (لو 22:19)... بهذا يُمسك الخداع دومًا في شباكه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ،
وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟
بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْه،
فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الأَرْضِ!" [10].
استنتج الربيَّ يوسى حانينا Yose b. Hanina من أي 1: 10 أن ماعز أيوب كان قادرًا على قتل الذئاب. واستنتج الربيَّ يوحنان R. Yohanan من أي 1: 14 أن الله وهب أيوب أن يتذوق الحياة الفردوسية، فحسده الشيطان، وبدأ يحاربه مفتريًا عليه بخصوص برِّه.
يلقي الشيطان باللوم على الله: "أليس أنك سيجت حوله وحول بيته، وحول كل ما له من كل ناحية؟" حقًا لقد سيَّج الله حوله لحمايته وحماية بيته، ووهبه النجاح والغنى، وبارك أعماله، لكنه لم يفعل ذلك في محاباة، إذ لم يتسم أيوب بالبلادة والرخاوة.
يكشف حديث الشيطان عن بذله كل الجهد ليجد ثغرة يدخل منها إلى قلب أيوب أو فكره ليجتذبه إلى مملكته، فلم يجد.
* "لأنك قلت: أنت يا رب ملجأي، جعلت العلي مسكنك" (مز 91: 9). لكي تتمتع بهذه العناية الإلهية يقول: لتختبر الرجاء في الرب، ولتجعله ملجأ لك... "لا يلاقيك شر، ولا تدنو ضربة من خيمتك" (مز 91: 10). إنك ستثبت أمام رماح الشيطان، فلن تؤذيك في شيءٍ. بهذا حوطت النعمة الإلهية حول بيت أيوب، هذه التي شهد لها العدو صارخًا بصوت عالٍ: "أليس أنك سيَّجت حوله وحول بيته؟" وعندما سمح له (أن يجربه) أظهر من الجانب الآخر شره، وكلل الديان العادل المصارع المنتصر(51).
ثيؤدورت أسقف قورش
* "أليس أنك سيَّجت حوله؟" ألا تلاحظون أنه حتى الشيطان يدرك تمامًا أن كل أمان أيوب يأتي من قبل الله. يقول: "باركت أعمال يديه، انتشرت مواشيه في الأرض". ألا ترون أن ثروته هي هبة من الله؟ ألا ترون أنها ليست ثمرة ظلم (أو اغتصاب)...؟
"ولكن أبسط يدك الآن، ومس كل ما له، فإنه في وجهك يباركك (أي يجدف عليك)" [11]. لقد أراد واشتهى أن ينال هذا السلطان منه، لكنه لم يجسر أن ينطق بهذا.
* ما هو عمل الله الخاص إن لم يكن هكذا، أن يعمل صلاحًا لكل البشرية، بالتأديبات كما بالمسرات تمامًا؟ ليتنا إذن نشكر ليس فقط حين نكون في رخاءٍ، فإن هذا ليس بالأمر العظيم. هذا ما يعرفه الشيطان أيضًا حسنًا، لذلك قال: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟ أليس أنك سيجت حوله وحول كل ما له من كل ناحية؟" (أي 1: 10)(52)
القديس يوحنا الذهبي الفم
* يعرف داود الطوباوي بأن هذا الترك المؤقت من جانب الله تجاهنا أحيانًا يكون لصالحنا، وفي صلاته طلب أن لا يكون ذلك على الدوام (لأنه يعلم أن ترك الله للإنسان فيه ضرر حيث تعجز الطبيعة البشرية عن السلوك نحو الكمال)، لذلك توسّل بأن يكون ذلك في حدود معينة قائلًا: "لا تتركني إلى الغاية" (مز 8:119). بمعنى آخر يقول: إنني أعلم أنك تترك قديسيك لأجل فائدتهم وذلك لامتحانهم... لذلك لست أسألك ألا تتركني، لأنه ليس من المفيد لي ألا أشعر بضعفي (لذلك قال "خيرٌ لي أني تذللت" مز 71:119)، ولا من النافع لي ألا تتاح لي فرصة للحرب. وهذه الفرصة لن تتاح لي بالتأكيد مادمت أمتلئ بحماية الله الدائمة. فالشيطان لا يتجاسر ويحاربني مادمت مستندًا على حمايتك، فيتقدم معترضًا ومشتكيًا ضدي وضدك: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟ أَليس أنك سيَّجت حوله وحول بيته وحول كل ما لهُ من كل ناحية؟" (أي 1: 9-10). ألتمس منك أن تتركني، لكن "ليس إلى الغاية" (اللفظ اليوناني "ليس كثيرًا") وذلك لأنه مفيد لي أن تتركني قليلًا، حتى يُمتحن ثبات حبّي(53).
الأب دانيال
* كلماتك تضربني بشدة في صدري، وتسيج حولي من كل جانب(54).
القديس أغسطينوس
"وَلَكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الآنَ،
وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ،
فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ" [11].
في حديث لثيؤدورت أسقف قورشعن العناية الإلهية أثار اعتراض البعض: لماذا يحيا غالبية الأغنياء في حياة تتسم بالظلم؟ لماذا لا يطلبون العدل؟ ولعله استقى مثل هذا الاعتراض من فيلون السكندري ومن بعض الرواقيين. يجيب ثيؤدورت [مرة أخري إنكم تنسون أن للإنسان إرادة حرة. إنكم بهذا تحرمونه من المجد الذي أُعطي له من صانعه. هذا بجانب أن صانعي الشر يجدون أساسًا قويًا للدفاع عن أنفسهم لو أن الديان وزع الثروة على الأبرار وحدهم في الحياة الحاضرة. فيقولون ما قاله سيدهم عن أيوب: "سيَّجت حولهم وحول بيوتهم. ضاعفت محاصيلهم وكرومهم. لكن أبسط يدك ومسْ كل ما لهم، فإنهم يباركون (يجدفون عليك) في وجهك" هذا ما يقوله الخطاة القساة لو أن ممارسي الفضيلة نالوا وحدهم عطية الغنى(55).]

يرى القديس أغسطينوس أن المؤمن الحقيقي مثل أيوب هو بوق ممتد، وأن التجارب أشبه بالطرق بمطرقة، متى ضربت البوق أصدر أصوات تسبيح مفرحة. هكذا المطرقة التي تحطم غير المؤمن تكشف عن سلام وتهليل المؤمن فتزكيه أمام الله(56).
* لو كان في استطاعة (الشيطان) أما كان ينتقم لنفسه؟ لكن لا يُسمح له بذلك. فعندما أراد أن يجرب أيوب سأل أن ينال سلطانًا ليفعل ذلك، ولم يكن قادرًا أن يفعل شيئًا لم ينل به سلطانًا. فلماذا لا تعبدون الله بدون خوف، ذاك الذي بدونه لن يؤذيكم أحد، وبسماح منه تؤدبون لكن لا تُهزمون؟(57)
* استطاع (الشيطان) أن يحسد الرجل القديس (أيوب)، لكن هل استطاع أن يؤذيه؟
أمكنه أن يتهمه، لكن هل استطاع أن يدينه؟
هل استطاع أن ينتزع منه شيئًا أو يؤذيه، ولو بقدر ظفر إصبع أو شعرة من رأسه، دون أن يقول لله: "ابسط يدك"؟
أعطني سلطانًا. لقد أُعطي له.
واحد جرَّب، والآخر جُرب. لكن الذي جُرب غلب، والذي قام بالتجربة انهزم.
فالله الذي سمح للشيطان أن يسحب كل ما له لم يتخلَ عنه داخليًا بكونه خادمه. جعل من نفس خادمه سيفًا به انهزم الشيطان.
وما هي المُحَصِّلَة؟ أظن أنها لنفع البشرية عامة. الإنسان التي انهزم في الفردوس صار غَالِبًا وهو على المزبلة. في موضع هزمه إبليس خلال امرأة، وفي موضع آخر غلب إبليس والمرأة معًا(58).
القديس أغسطينوس
* يهيئ الشيطان التجربة، فإن رأى شخصًا ضعيفًا يقوم بالهجوم عليه، أما إذ رآه قويًا يتوقف(59).
القديس يوحنا الذهبي الفم
*هذا أيضًا ما نقرأ عنه، أن البرّ الإلهي قد أعان أيوب الأمين بحق في مصارعته، عندما ناهضه الشيطان في معركة فريدة. لكن لو تقدم أيوب ضد عدوه، ليس بقوته، إنما بحماية نعمة الله مسنودًا بالعون الإلهي من غير ممارسة أي احتمال من جانبه، فإنه في خضوعه لهذه التجارب المتعددة... يكون للشيطان أن ينطق بعدلٍ، مفتريًا بما سبق أن قاله قبلًا: "هل مجانًا يتقي أيوب الله؟! أَليس أنك سيَّجت حولهُ.. حول كل ما لهُ من كل ناحية؟! ولكن ابسط يدك الآن"، أي اسمح لي أن أحاربه "فإنهُ في وجهك يجدّف" (أي 9:1-11).
لكن لم يستطع العدو المفتري أن يحتج بهذا بعد المعركة، لأنه انهزم بقوة أيوب وليس بقوة الله(60)، لا بمعنى أن نعمة الله فارقت أيوب، لأنها هي التي أعطت للمجرب سلطانًا أن يجرب في الحدود التي كانت ترى فيها أن أيوب يقدر أن يقاومها، وفي نفس الوقت لم تحمه النعمة من هجمات العدو بطريقة تنزع فيها فضيلته وجهاده، إنما تعينه. بمعنى أنها لا تسمح لذلك العدو الذي هو في غاية القسوة أن ينزع عنه عقله أو يغرقه أثناء ضعفه ببث أفكار فوق طاقته أو النزول معه في نزاع غير متساوٍ معه(61).
الأب شيريمون
* غالبا ما تسمح العناية الإلهية أن يواجه المؤمن مضيقات لكن ما يظهر للآخرين الفضيلة المخفية فيه, هكذا كان الحال بالنسبة لأيوب(62).
الأب يوحنا الدمشقي
"فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ:
هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ،
وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ.
ثمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمَامِ وَجْهِ الرَّبِّ " [12].
لقد سمح الله للشيطان أن يجرب أيوب، كما سمح أن يغربل بطرس الرسول، لكن حرص ألا يفنى إيمانه (لو 22: 32)، فإن التجارب تؤول للمدح والكرامة والمجد (1 بط 1: 7).
التصريح الذي سمح به الرب للشيطان يعطي المؤمن طمأنينة وسلامًا، فعدو الخير لا يقدر أن يمس مؤمنًا دون إذن إلهه، حتى أملاكه لا يقدر أن يقترب إليها بدون سماح إلهه. أما الله فهو الأب القدير المحب الحكيم، يعطي السماح بالقدر الذي نحتمله، وبما يؤول إلى مجدنا إن كنا أمناء.
قيل عن عدو الخير: "خرج الشيطان من أمام وجه الرب" كما قيل عن قايين (تك 4: 16)، إذ لا يحتمل الشر الوجود في الحضرة الإلهية. أما بنو الله الماثلون أمام الله فلم يُقل عنهم أنهم خرجوا من وجه الرب. هكذا يبقى المؤمنون في حضرة الرب حتى في لحظات نومهم!
لقد سمح الله للشيطان بأن ينال سلطانًا لتجربة أيوب البار حسب الحدود التي وضعها له. هنا يميز البابا غريغوريوس (الكبير) بين إرادة الشيطان وسلطانه. فمن جهة إرادته فهي دومًا شريرة، أما سلطانه الذي يُسمح له به من قبل الله فلن يكون فيه ظلم، لأنه بسماحٍ إلهيٍ لأجل تزكيتنا وبنياننا. لهذا لا نعجب مما ورد في (1 صم 10:18) "الروح الرديء من قبل الله اقتحم شاول، وجن في وسط البيت". فهو روح شرير، أما القول: "من قبل الله"، فلأنه ما كان يمكنه أن يقتحم شاول بدون نوال سلطانٍ من الله العادل. يقول القديس بولس: "لم تصبكم تجربة إلا بشرية، ولكن الله أمين، الذي لا يدعكم تُجربون فوق ما تستطيعون" (1 كو 13:10). لذا يقول داود المرتل: "جربني يا رب، وامتحني" (مز 2:26).
يرى القديس أغسطينوس أن الله يسمح للشيطان أن يُسقط عليهم الضيقات، إما لأجل تأديبهم كما سلم شعبه للسبي بواسطة الغرباء؛ وإما للامتحان كي يتزكوا كما سمح لأيوب أن يُجرب، وإما ليبعث بهم إلى نوال الإكليل كما سمح لشهداء أن يُضطهدوا(63).
*بالحقيقة عندما سأل الشيطان أن يُعطى له سلطان ضد أيوب، كان هجومه عليه سببًا في نوال أيوب مجدًا مضاعفًا بعد نصرته. نواله ضعف ما فقده في الحاضر أظهر بالحقيقة أنه سينال بلا شك بنفس الطريقة في المواضع السماوية. يقول الرسول إنه: "إن كان أحد يجاهد لا يُكلل إن لم يجاهد قانونيًا" (2 تي 2: 5).
بالحقيقة كيف يوجد جهاد إن لم يوجد من يقاوم؟
يا لعظمة جمال النور وبهائه الذي لا يمكن تبينه إن لم تعترضه ظلمة الليل.
لماذا يُمدح البعض لأجل الطهارة، إلا لأن آخرين يدانون على وقاحتهم؟
لماذا يتمجد الأقوياء إلا لأنه يوجد جبناء؟
عندما تستخدم ما هو مُر، عندئذ يصير لك الحُلو مستحقًا للمديح بالأكثر(64).
العلامة أوريجينوس
* نقرأ في سفر أيوب كيف أن الشيطان نفسه الذي يظهر كمن له كل السلطة إلى حين لا يقدر أن يفعل شيئًا بدون سماحٍ. لقد نال سلطانًا على الأشياء الدنيا، وفقد سلطانه على كل ما هو أعظم وأسمى. سلطانه هذا ليس كمن يصدر عقوبة، بل العقوبة حالة به هو نفسه(65).
* لقد سمح الله للمجرب، لا لكي يعرف ما هو بالفعل يعرفه (عن أيوب)، وإنما لكي نعرف نحن ونقتدي به. لقد سلم للمجرب، فسلب كل شيء. وبقي الرجل مسلوبًا من ممتلكاته ومن أسرته ومن أولاده، لكنه كان ممتلئًا من الله(66).
* سُمح للمجرب أن يجرب إنسانًا قديسًا، أيوب. في لحظة واحدة نزع كل الأشياء، أزال كل ما كان يملكه، نزع الميراث، وقتل الوارثين. لم يحدث هذا شيئًا فشيئًا، بل جملة معًا، بضربة واحدة... فأعلن عن الكلٍ بإعلان مفاجئ. حين أُزيل كل شيء بقي أيوب وحده، لكن بقيت فيه نذور التسبيح التي يرددها لله(67).
* استجاب الله (لشعبه) طلبتهم، أعطاهم ملكًا حسب قلبهم - كما هو مكتوب - وليس حسب قلبه هو. لقد وهب أيضًا ما سأله إياه الشيطان أن يجرب خادمه لكي يتزكى(68).
القديس أغسطينوس
* ألا ترون الحدود التي وضعت في الاختبار؟ أما تلاحظون أن الشيطان ما كان يمكنه أن يلمس حتى القطيع لو لم ينل سلطانًا؟
القديس يوحنا الذهبي الفم
* يُسمح للشيطان المجرب أن يثير حربًا على القديسين بكل طرق التجربة، حتى يتزكى حبهم لله، ولكي يكون ذلك شاهدًا. وذلك عندما يُنزع عنهم أو يحرمون أو يصيرون في عوز ومعدمين من الأمور الحسية، بينما يبقون محبين لله، ثابتين في محبته، يحبون بالحق. وبينما يحاول (الشيطان) إغراءهم يبقون غير منهزمين، ولا يغيرون محبتهم لله...
فالعدو يرغب بقوة أن يجرب كل إنسانٍ، إن كان ذلك ممكنًا له، ويسأل الله من أجل الكل لكي يجربهم كما سأل من أجل الرجل البار أيوب... وإذ نال في وقت قصير سماحًا اقترب الشيطان فورًا حسب قوة من سيجربه. هكذا يصارع الشرير معهم حسب شهوته. بهذه الوسائل، أولئك الذين هم مستقيمون وثابتون في حب الله يتزكون عندما يستخفون بكل شيء ويحسبونه كلا شيء بجوار حبهم لله(69).
مار إسحق السرياني
* يُعطى السلطان ضدنا في شكلين، إما للعقاب عندما نخطئ، أو للمجد عندما نتزكى، كما نرى في حالة أيوب(70).
الشهيد كبريانوس
* "هوذا كل ما له في يدك، وإنما إليه لا تمد يدك" [12]، يمكن أن يكون لها معنى آخر. لقد عرف الرب حقًا أن جنديه كان شجاعًا، وأن النصرة أكيدة تحت كل الظروف لهذا المصارع الصامد. وأن العدو سيعود إلى الرب مهزومًا من صراع واحدٍ. عندئذ يسمح له بمعركة أخرى لكي يُهزم للمرة الأخرى، ويصير هذا الذي يتبعه بأمانة منتصرًا بالأكثر بطريقة لا تُقارن على العدو المنهزم الذي استعاد قواه للحروب الجديدة.
البابا غريغوريوس (الكبير)
*ما كُتب عن أيوب ليس بدون معنى، إذ يتضح من الكتاب أن الشيطان طلبه وسعي إليه. فإن الشيطان لا يستطيع أن يعمل شيئًا من ذاته بدون إذن من الله.
ماذا يقول الشيطان للرب؟ "سلمه ليدي، فإنه في وجهك سيجدف عليك" (أي 1: 12) ولا يزال أيوب كما هو إلى الآن، وهكذا الله أيضًا، وكذلك الشيطان. لذلك فبقدر ذلك يطلبه الشيطان ويقول للرب: "إنما هو يخدمك، لأنك تساعده وتحميه وتعينه، ولكن ابسط يدك الآن وسلمه لي، فإنه في وجهك يجدف عليك".
باختصار إذ يكون الشخص حاصلًا على العزاء بالنعمة، تنسحب النعمة قليلًا حتى يمكن أن يُسلم للتجارب. ويأتي الشيطان ويحضر معه آلاف من الشرور كتجاربٍ للإنسان، مثل اليأس والارتداد والأفكار الرديئة، ليعذب بها النفس، لكي يضعفها ويفصلها من الرجاء في الرب(71).
القديس مقاريوس الكبير

*[لا تدخلنا في تجربة] الصلاة هنا ليست لكي لا نُجرب، بل لكي لا ندخل (ننقاد) في تجربة. فإذ يلزم لكل إنسان أن يُمتحن بالنار، عليه ألا يصلي لكي لا تمسه النار، بل لكي لا يهلك. لأن آنية الخزف تُختبر بالأتون، والإنسان يُمتحن بالضيقات trail of tribulation (حكمة يشوع 6:27).
يوسف أُمتحن بغواية الزنا، لكنه لم يدخل في تجربة (تك 7:39-12).
وسوسنة جُربت أيضًا دون أن تدخل في تجربة (دا 22:19).
وكثيرون من كلا الجنسين جُربوا دون أن يدخلوا في تجربة.
أما أيوب فأعظمهم، لأنه ثبت ثباتًا عجيبًا في الرب إلهه(72).
القديس أغسطينوس
* ليس لدى (الشياطين) سلطان ولا قوة يمارونها ضد أحد ما لم ينالوا سماحًا من الله حسب تدبيره, مثال ذلك ما حدث ضد أيوب (أي1: 2), وضد الخنازير المذكورة في الأناجيل (مر 5: 13)(73).
الأب يوحنا الدمشقي
* ليس للأرواح الشريرة السلطان أن تضر أحدًا، يظهر ذلك بوضوح في حالة الطوباوي أيوب، حيث لم يتجاسر العدو أن يجربه إلا حسبما سمح الله به... وقد اعترفت الأرواح نفسها بذلك كما جاء في الإنجيل، إذ قالت: "إن كنت تُخرِجنا فَأْذَنْ لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير" (مت 31:8). فإن كان ليس لديهم السلطان أن يدخلوا الحيوانات النجسة العُجم إلا بسماح من الله، فكم بالحري يعجزون عن الدخول في الإنسان المخلوق علي صورة الله؟!(74)
الأب سيرينوس
 
قديم 24 - 06 - 2021, 04:46 PM   رقم المشاركة : ( 43600 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,453,974

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة




"وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو الله لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ،
وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسَطِهِمْ" [6].
جاء في الترجوم الأورشليمي Targum Yerushalmi أن المجلسين اللذين تَمَّا في السماء أحدهما في روش هاشاناه Rosh ha- Shanah، والثاني في يوم كيبور Yom Kippur.

كان الملائكة -بنو الله- يجتمعون معًا أمام الله يقدمون له التسبيح اللائق من أجل محبته للسمائيين والأرضيين، ويقدمون أيضًا صلوات المؤمنين، ويترقبون أية إرسالية يتممونها، إذ هم خدام للعتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 1: 14).
تسلل بينهم الشيطان المتكبر والمضل لكي يشتكي على البشرية، خاصة المؤمنين، ففي حسده لا يطيق أن يرى إنسانًا ترابيًا ينمو في الروح، وينطلق كما بجناحي حمامة إلى السماء.
كل الأمور مكشوفة أمام الله، فهو ليس في حاجة إلى ملائكة تحمل إليه صلوات مؤمنيه، ولا إلى الشيطان ليكشف عن فساد مؤمنٍ ما. لكن الله في محبته للسمائيين يهبهم عمل المحبة سواء بتقديم الصلوات أو إتمام إرساليته. كما في عدله يترك للشيطان الحرية ليشتكي على من يريد. إنه يقدس حرية الإرادة في المخلوقات العاقلة، سواء على مستوى الطغمات السمائية أو القوات الروحية في الشر، أو البشر.
لا نعجب من هذا، ففي رؤيا زكريا النبي إذ شاهد كلمة الله نفسه كرئيس كهنة يحمل خطايانا كثوبٍ قذرٍ، كان الشيطان قائمًا ليقاومه (زك 3: 1-2).
يسألنا القديس يوحنا الذهبي الفم ألا ندهش من أن يقف المتمرد وسط الملائكة، فإن ما يقدمه السفر هو بصورة بشرية لكي نتفهم الموقف بفكرنا البشري.
* جاءت الملائكة -حسب النص- وجاء معهم الشيطان، إذ كان يطوف الأرض، ويسير فيما هو تحت السماء. ماذا نفهم من هذا؟ إن الأرض مملوءة بالشياطين والملائكة، والكل تحت سلطة قوة الله، وأن الملائكة يقفون أمام الله حيث يتقبلون منه الأوامر. ولا يقدر الشيطان أن يفعل شيئًا يسره ما لم ينل سماحًا من فوق... بالقول: "جاء الشيطان أيضًا في وسطهم" [6] لا يعني سوى أنه هو أيضًا لا يقدر أن يفعل شيئًا بدون سماح الله.
* ماذا يعني هذا التعبير؟ إنه معهم في العالم، فكما أن البشر المخادعين والصالحين ممتزجون معًا هكذا الملائكة والشياطين.
القديس يوحنا الذهبي الفم

لعلَّ أقصى ما يشتهيه الإنسان أن يتمتَّع بالمجد السماوي بالوقوف وسط الطغمات السماويَّة وينعم برؤية الله، فكيف يقف الشيطان هكذا ليرى الله ويدخل معه في حوار؟ بلاشك أن الوقوف هنا لا يحمل المعنى الحرفي، إنَّما سُمح له الله بالحوار من أجل العدالة الإلهيَّة وتأكيد حريَّة الخليقة العاقلة حتى بالنسبة للشيطان وجنوده الأشرار. وقف الشيطان كما وسط الملائكة يُسمح له بالحديث مع الله، لكنَّه لم يتمتَّع برؤية مجد الله، ولا أُشرق عليه بهاء المجد الإلهي، ولا اختبر عذوبة صوت الله كمصدر لذَّة وفرح وسلام حقيقي!

هكذا في يوم الرب العظيم يرى المؤمنون الحقيقيُّون في عينيّ المسيح يسوع حمامة وديعة، وفي أحضانه أمجادًا لا يُعبَّر عنها، أمَّا الأشرار فيرون عينيه لهيب نارٍ، فلا يحتملون رؤيته.

وكما قيل هنا عن الشيطان أنه وقف ممتثلًا أمام الله دون أن يتمتع ببهاء مجده، قيل في موضع آخر عن الملائكة أنهم أرواح خادمة مُرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب 14:1)، لكن إرسالهم للخدمة لا يحرمهم من التمتع بالحضرة الإلهية وإشراق البهاء الإلهي عليهم.

* ربما يتساءل البعض: كيف يمكن للشيطان وقد سقط عن رتبته بسبب كبريائه أن يقف أمام الرب بين الملائكة؟

هل يُمكن له معاينة الرب وهو غير طاهرٍ؟

لقد سقط إبليس وجنوده ولم يعد من حقه رؤية الله، لكن بحسب طبيعته كروح يمكن المثول أمام الله دون معاينته. هكذا كان ماثلًا يشتكي علينا دون رؤية الله، لأنه غير طاهرٍ.

لاحظ أنه قيل أنه جاء أمام الرب، ولم يُقل أنه رأى الرب. فقد جاء لكي يُرى لا لكي يرى. كان أمام عيني الرب، ولم يكن الرب أمام عينيه، وذلك كما يقف أعمى أمام الشمس، فهو نفسه غارق في أشعة النور، لكنه لا يرى شيئًا من النور البهي... فإن قوة الله، بنظره يخترق كل الأشياء، فيرى الروح الدنس الذي لا يراه. فإنه حتى الأشياء نفسها التي تهرب من وجه الله لا يمكنها أن تكون مختفية، فالكل عريان أمام نظر العلي. فالشيطان الغائب جاء إلى ذاك الذي هو حاضر.
 
موضوع مغلق


الانتقال السريع



الساعة الآن 10:36 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026