منتدى الفرح المسيحى  


العودة  

الملاحظات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم اليوم, 11:46 AM   رقم المشاركة : ( 251311 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,461,925

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

سفر الخروج

اَلأَصْحَاحُ ظ±لرَّابِعُ
«وَقَالَ ظ±لرَّبُّ لِمُوسَى: عِنْدَمَا تَذْهَبُ لِتَرْجِعَ إِلَى مِصْرَ ظ±نْظُرْ جَمِيعَ ظ±لْعَجَائِبِ ظ±لَّتِي جَعَلْتُهَا فِي يَدِكَ وَظ±صْنَعْهَا قُدَّامَ فِرْعَوْنَ. وَلظ°كِنِّي أُشَدِّدُ قَلْبَهُ حَتَّى لاَ يُطْلِقَ ظ±لشَّعْبَ».

جَمِيعَ ظ±لْعَجَائِبِ ليس المقصود بذلك الآيات الثلاث المذكورة في ما مرّ (ص ظ£: ظ£ - ظ©) بل القوات أو العجائب التي كان على عزم أن يصنعها أمام فرعون وأُشير إليها في (ص ظ£: ظ¢ظ*).

أُشَدِّدُ قَلْبَهُ أي أقسيه وأُصلّبه. تقسية الرب لقلب فرعون كانت موضوع مناظرات كثيرة. ونُسبت هذه التقسية إلى الله هنا وفي (ص ظ§: ظ£ وظ©: ظ،ظ¢ وظ،ظ*: ظ، وظ¢ظ* وظ¢ظ§ وظ،ظ¤: ظ¤ وظ¨). وإلى فرعون في (ص ظ¨: ظ،ظ¥ وظ£ظ¢ وظ©: ظ£ظ¤). وإلى قلب فرعون نفسه في (ص ظ§: ظ،ظ£ وظ¢ظ¢ وظ©: ظ§ وظ£ظ¥). ويمكن أن المقصود بالعبارات الثلاث واحد فأدى المعنى الواحد بثلاث طرق مختلفة. والمعنى ان الله لما جعل كل الوسائل لجذب فرعون إلى اللين وهو قسى قلبه أي لم يعدل عن قساوة قلبه جزاءه على ذلك بأن تركه في عماه الروحي. (وقال بعضهم إن ما فعله الله كان من وسائط تليين القلب لكن طبيعة فرعون كانت مما يقسو قلب صاحبها بتلك الوسائل فذلك كالشمس تلين الشمع وتقسي الطين. ورجّح فريق الأول بدليل ما جاء في (رومية ظ،: ظ¢ظ¢ - ظ¢ظ¤). واعتمد بعضهم في ذلك قول بولس الرسول في رومية ظ©: ظ،ظ¥ - ظ،ظ¨ ولا شيء في ذلك مما ينافي باقي تعاليم الكتاب ولا كمال الله فتأمل).

 
قديم اليوم, 11:47 AM   رقم المشاركة : ( 251312 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,461,925

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

سفر الخروج

اَلأَصْحَاحُ ظ±لرَّابِعُ
«فَتَقُولُ لِفِرْعَوْنَ: هظ°كَذَا يَقُولُ ظ±لرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ظ±بْنِي ظ±لْبِكْرُ».


إِسْرَائِيلُ ظ±بْنِي ظ±لْبِكْرُ قابل هذا بما في هوشع ظ،ظ،: ظ، وهذه النسبة المحبية التي أول ما أُعلنت هنا ليست مجرد استعارة كأن معناها ان إسرائيل عزيز عندي كابني بل فيها ان إسرائيل الله يتمتع بالنبوة لله باعتبار أنه متحد بابنه الحق حتى كأنهما ابن واحد (رومية ظ¨: ظ،ظ¤ - ظ،ظ§). وقوله البكر يدل على أن الله اختار إسرائيل ابناً بالمسيح قبل سائر أمم الأرض.

ظ¢ظ£ «فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ظ±بْنِي لِيَعْبُدَنِي، فَأَبَيْتَ أَنْ تُطْلِقَهُ. هَا أَنَا أَقْتُلُ ظ±بْنَكَ ظ±لْبِكْرَ».


أَقْتُلُ ظ±بْنَكَ ظ±لْبِكْرَ لم يأت الله بهذه الضربة حالاً بل جعلها الضربة العاشرة (ص ظ،ظ،: ظ¥). ولم يبين موسى ان هذا الكلام هنا إشارة إلى تلك الضربة قصد الاختصار والاعتماد على فهم السامع.

ظ¢ظ¤ «وَحَدَثَ فِي ظ±لطَّرِيقِ فِي ظ±لْمَنْزِلِ أَنَّ ظ±لرَّبَّ ظ±لْتَقَاهُ وَطَلَبَ أَنْ يَقْتُلَهُ».


ظ±لْمَنْزِلِ مكان النزول للراحة لا الخان أو الفندق إذ ليس هنالك شيء منهما.

أَنَّ ظ±لرَّبَّ ظ±لْتَقَاهُ وفي السبعينية «إن ملاك الرب التقاه» وكذا في ترجوم انكيلوس وبعض الترجمات العربية لكن ما في المتن في الترجمة الإنجيلية البيروتية هو على وفق ما في العبرانية. والمعنى ان الرب دنا من موسى دنو من يريد أن يقتله ورأى هو وامرأته ان الرب يريد عقابه لأنه أهمل ختان ابنه البكر.

 
قديم اليوم, 11:48 AM   رقم المشاركة : ( 251313 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,461,925

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

سفر الخروج

اَلأَصْحَاحُ ظ±لرَّابِعُ
«فَأَخَذَتْ صَفُّورَةُ صَوَّانَةً وَقَطَعَتْ غُرْلَةَ ظ±بْنِهَا وَمَسَّتْ رِجْلَيْهِ. فَقَالَتْ: إِنَّكَ عَرِيسُ دَمٍ لِي».


صَوَّانَةً أي قطعة من حجر الصوان محددة كالسكين. وكان المصريون يستعملون السكاكين الصوانية على ما أفاد هيرودوتس المؤرخ. وكانت تعد أطهر من السكاكين المعدنية. وكان الختن بها عاماً عند قدماء الإسرائيليين.

وَمَسَّتْ رِجْلَيْهِ أي رجلي موسى وكان ذلك علامة الغيظ والتوبيخ فإن صفورة حسبت الختان في دين زوجها سفك دم ناشئاً عن القسوة والخشونة وإنه يشابه الأعمال الوثنية فطرحت الغلفة عند قدميه كأنه مولوك أو مُولك يطلب التقدمات الدموية.

عَرِيسُ دَمٍ أي زوج هو علة لسفك دم أولاده عبثاً على خلاف ما يقتضيه العقل.
أَنَّ ظ±لرَّبَّ ظ±لْتَقَاهُ وفي السبعينية «إن ملاك الرب التقاه» وكذا في ترجوم انكيلوس وبعض الترجمات العربية لكن ما في المتن في الترجمة الإنجيلية البيروتية هو على وفق ما في العبرانية. والمعنى ان الرب دنا من موسى دنو من يريد أن يقتله ورأى هو وامرأته ان الرب يريد عقابه لأنه أهمل ختان ابنه البكر.

 
قديم اليوم, 11:50 AM   رقم المشاركة : ( 251314 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,461,925

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

سفر الخروج

اَلأَصْحَاحُ ظ±لرَّابِعُ
«فَظ±نْفَكَّ عَنْهُ. حِينَئِذٍ قَالَتْ: عَرِيسُ دَمٍ مِنْ أَجْلِ ظ±لْخِتَانِ».

فَظ±نْفَكَّ عَنْهُ أي فرجع الرب عن البطش به فاعتبر عمل صفورة فداء لزوجها فعفا عنه.

حِينَئِذٍ قَالَتْ أي لما نجا موسى وعاد إلى انتباهه لصفورة أبانت له لماذا دعته «عريس دم» أي إنها قالت ذلك في شأن الختان أي ختان جرشوم في مديان قبلاً وختان أليعازر هنا. وفي (ص ظ،ظ¨: ظ£ظ¢) ان موسى أرسل صفورة وابنيها إلى يثرون ولعله أرسلهما في هذا الوقت لأن موسى كان مسرعاً ولم يستطع الولدان احتمال ذلك السفر زمناً كثيراً.

 
قديم اليوم, 11:51 AM   رقم المشاركة : ( 251315 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,461,925

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

سفر الخروج

اَلأَصْحَاحُ ظ±لرَّابِعُ
«وَقَالَ ظ±لرَّبُّ لِهَارُونَ: ظ±ذْهَبْ إِلَى ظ±لْبَرِّيَّةِ لظ±سْتِقْبَالِ مُوسَى. فَذَهَبَ وَظ±لْتَقَاهُ فِي جَبَلِ ظ±للّظ°هِ وَقَبَّلَهُ».

ظ±ذْهَبْ إِلَى ظ±لْبَرِّيَّةِ أما إن الرب حدد له البرية التي أمره بالذهاب إليها وأما إنه هداه إليها بالإلهام ولولا ذلك ربما ذهب إلى مديان لا إلى سيناء.

جَبَلِ ظ±للّظ°هِ أي سيناء.

قَبَّلَهُ لا يزال الرجال في الشرق يقبّل بعضهم بعضاً كما كان في أيام موسى وأيام هيرودوتس (تكوين ظ£ظ£: ظ¤ وظ¤ظ¥: ظ،ظ¤ وظ،ظ¥).

ظ¢ظ¨ «فَأَخْبَرَ مُوسَى هَارُونَ بِجَمِيعِ كَلاَمِ ظ±لرَّبِّ ظ±لَّذِي أَرْسَلَهُ، وَبِكُلِّ ظ±لآيَاتِ ظ±لَّتِي أَوْصَاهُ بِهَا».


ظ±لآيَاتِ أي المعجزات الثلاث (ع ظ£ - ظ©).

ظ¢ظ© «ثُمَّ مَضَى مُوسَى وَهَارُونُ وَجَمَعَا جَمِيعَ شُيُوخِ بَنِي إِسْرَائِيلَ».

ص ظ£: ظ،ظ¦

شُيُوخِ (انظر تفسير ص ظ£: ظ،ظ¦).

ظ£ظ*، ظ£ظ، «ظ£ظ* فَتَكَلَّمَ هَارُونُ بِجَمِيعِ ظ±لْكَلاَمِ ظ±لَّذِي كَلَّمَ ظ±لرَّبُّ مُوسَى بِهِ، وَصَنَعَ ظ±لآيَاتِ أَمَامَ عُيُونِ ظ±لشَّعْبِ. ظ£ظ، فَآمَنَ ظ±لشَّعْبُ. وَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّ ظ±لرَّبَّ ظ±فْتَقَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنَّهُ نَظَرَ مَذَلَّتَهُمْ، خَرُّوا وَسَجَدُوا».


أي آمن الإسرائيليون موسى بشهادة المعجزات وعبدوا الرب اعترافاً بالجميل.

 
قديم اليوم, 12:03 PM   رقم المشاركة : ( 251316 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,461,925

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

مثل الكنز المخفي واللؤلؤة الثمينة والشبكة


النَّص الإنْجيلي (متى 13: 44-52)



44 ((مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ كَنْزٍ دُفِنَ في حَقْلٍ وَجدَه رَجُلٌ فأَعادَ دَفنَه، ثُمَّ مَضى لِشِدَّةِ فَرَحِه فباعَ جميعَ ما يَملِكُ واشتَرى ذلكَ الحَقْل. 45 ((ومَثَلُ ملكوتِ السَّمَوات كمَثَلِ تاجِرٍ كانَ يطلُبُ اللُّؤلُؤَ الكريم، 46فَوجَدَ لُؤلُؤةً ثَمينة، فمضى وباعَ جَميعَ ما يَملِك واشتَراها.47 ((ومَثَلُ ملكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ شَبَكةٍ أُلقِيَت في البَحر فجَمعَت مِن كُلِّ جِنْس. 48فلَمَّا امتَلأَت أَخرَجَها الصَّيَّادونَ إِلى الشَّاطِئ وجَلَسُوا فجَمَعوا الطَّيِّبَ في سِلالٍ وطَرَحوا الخَبيث. 49وكذلِك يكونُ عِنْدَ نِهايةِ العالَم:ي َأتي المَلائِكَةُ فيَفصِلونَ الأَشرارَ عنِ الأَخيار، 50ويَقذِفونَ بِهم في أَتُّونِ النَّار. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان.51 ((أَفَهِمتُم هذا كُلَّه؟)) قالوا لَه: ((نَعَم)). 52فقالَ لَهم: ((لِذلكَ كُلُّ كاتِبٍ تَتَلمَذَ لِمَلكوتِ السَّمَوات يُشبِهُ رَبَّ بَيتٍ يُخرِجُ مِن كَنزِه كُلَّ جَديدٍ وقَديم)).





الْمُقَدِّمَةُ




يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ هظ°ذَا الْأَحَدِ (مَتَّى 13: 44-52) الْأَضْوَاءَ عَلَى الْمَرْحَلَةِ الْخِتَامِيَّةِ مِنْ خِطَابِ الْأَمْثَالِ، حَيْثُ يَخْتَلِي يَسُوعُ بِتَلَامِيذِهِ فِي الْبَيْتِ، وَيُعَمِّقُ لَهُمْ سِرَّ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ مِنْ خِلَالِ ثَلَاثَةِ أَمْثَالٍ مُتَكَامِلَةٍ: مَثَلِ الْكَنْزِ الْمَخْفِيِّ، وَمَثَلِ اللُّؤْلُؤَةِ الثَّمِينَةِ، وَمَثَلِ الشَّبَكَةِ. فَيَدْعُو الْمَثَلُ الْأَوَّلُ إِلَى فَرَحِ اكْتِشَافِ الْمَلَكُوتِ (مَتَّى 13: 44)، وَيَحُثُّ الْمَثَلُ الثَّانِي عَلَى الْبَحْثِ الْجَادِّ عَنْهُ (مَتَّى 13: 45-46)، أَمَّا الْمَثَلُ الثَّالِثُ فَيُبَيِّنُ ضَرُورَةَ اخْتِيَارِ الْمَلَكُوتِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلدَّيْنُونَةِ الْأَخِيرَةِ (مَتَّى 13: 47-50).



وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ الْكَنْزَ وَاللُّؤْلُؤَةَ يَدُلَّانِ عَلَى قِيمَةِ الْإِنْجِيلِ الَّتِي تَفُوقُ كُلَّ مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ، فَمَنْ يَعْرِفُ قِيمَةَ الْمَلَكُوتِ لَا يَتَرَدَّدُ فِي التَّخَلِّي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لِيَقْتَنِيَهُ (PG 58: 477-478). وَيَرَى الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الْكَنْزَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ وَحِكْمَتُهُ، وَأَنَّ الْقَلْبَ الَّذِي يَجِدُهُ يَمْتَلِئُ فَرَحًا وَيُفَضِّلُهُ عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ (PL 38: 542).



وَتُظْهِرُ هظ°ذِهِ الْأَمْثَالُ أَنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ هُوَ أَعْظَمُ كَنْزٍ يَقْتَنِيهِ الْإِنْسَانُ، وَأَثْمَنُ لُؤْلُؤَةٍ يَسْعَى إِلَيْهَا، لِأَنَّ الْمَلَكُوتَ يَتَجَسَّدُ فِي شَخْصِ الْمَسِيحِ، الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ الْبَحْثِ فِي وَقَائِعِ هظ°ذَا النَّصِّ الْإِنْجِيلِيِّ، وَتَحْلِيلِ مَعَانِيهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، وَاسْتِخْلَاصِ تَطْبِيقَاتِهِ الْعَمَلِيَّةِ لِحَيَاةِ الْمُؤْمِنِ الْمُعَاصِرِ.





أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الْإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 13: 44)



44. "مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَمَثَلِ كَنْزٍ مَدْفُونٍ فِي حَقْلٍ،
وَجَدَهُ رَجُلٌ فَأَعَادَ دَفْنَهُ، ثُمَّ مَضَى لِشِدَّةِ فَرَحِهِ
فَبَاعَ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُ وَاشْتَرَى ذظ°لِكَ الْحَقْلَ"



تُشِيرُ عِبَارَةُ "مَثَلُ" (د€خ±دپخ±خ²خ؟خ»خ®) إِلَى تَعْلِيمٍ رَمْزِيٍّ يَسْتَعِينُ بِالصُّوَرِ وَالتَّشَابِيهِ لِإِعْلَانِ حَقَائِقِ مَلَكُوتِ اللهِ، وَلَيْسَ إِلَى أَفْكَارٍ نَظَرِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ.

أَمَّا عِبَارَةُ "مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ" فَتُشِيرُ إِلَى حُضُورِ اللهِ الْخَلَاصِيِّ فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي "فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ" (قُولُسِّي 2: 3).

أَمَّا عِبَارَةُ "كَنْزٍ مَدْفُونٍ" فَتُشِيرُ إِلَى عَادَةٍ مَعْرُوفَةٍ فِي الشَّرْقِ الْقَدِيمِ، حَيْثُ كَانَ النَّاسُ يَدْفِنُونَ أَمْوَالَهُمْ وَمُدَّخَرَاتِهِمْ فِي الْأَرْضِ خَوْفًا مِنَ اللُّصُوصِ أَوْ أَثْنَاءَ الْحُرُوبِ، إِذْ لَمْ تَكُنِ الْمَصَارِفُ أَوِ الْخَزَائِنُ الْمَحْفُوظَةُ مَعْرُوفَةً آنَذَاكَ (قَارِنْ أَيُّوب 3: 21). وَقَدْ يَمُوتُ صَاحِبُ الْكَنْزِ دُونَ أَنْ يُخْبِرَ أَحَدًا بِمَكَانِهِ، فَيَبْقَى مَخْفِيًّا إِلَى أَنْ يَعْثُرَ عَلَيْهِ آخَرُ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ قَائِلًا: "إِنَّ بِشَارَةَ الْإِنْجِيلِ مُخَبَّأَةٌ فِي هظ°ذَا الْعَالَمِ كَكَنْزٍ، وَلَا يُدْرِكُ قِيمَتَهَا إِلَّا مَنْ يَبْحَثُ عَنْهَا"(PG 58: 477). وَبِهظ°ذَا الْمَعْنَى يَبْقَى الْمَسِيحُ خَفِيًّا عَنْ عُيُونِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "أَعْمَى بَصَائِرَهُمْ إِلظ°هُ هظ°ذِهِ الدُّنْيَا، لِئَلَّا يُبْصِرُوا نُورَ بِشَارَةِ مَجْدِ الْمَسِيحِ" (2 قُورِنْثُس 4: 4).

تَرِدُ كَلِمَةُ "كَنْزٍ" فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ بِاللَّفْظِ خ¸خ·دƒخ±د…دپدŒد‚ وَتَعْنِي مَكَانَ حِفْظِ الْأَشْيَاءِ الثَّمِينَةِ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ تُطْلَقُ عَلَى الْكَنْزِ نَفْسِهِ. وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْغِنَى الْمَادِّيِّ، وَكَذظ°لِكَ عَلَى الْغِنَى الرُّوحِيِّ الَّذِي لَا يَفْنَى. وَفِي هظ°ذَا الْمَثَلِ، لَا يُشِيرُ الْكَنْزُ إِلَى شَيْءٍ مَادِّيٍّ، بَلْ إِلَى الْمَسِيحِ وَمَلَكُوتِهِ، الَّذِي فِيهِ "جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ" (قُولُسِّي 2: 3). وَيُعَلِّقُ أوريجانوس قَائِلًا: "الْكَنْزُ الْمَخْفِيُّ هُوَ الْمَسِيحُ الْمُخْتَبِئُ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمَنْ يَكْتَشِفُهُ يَجِدُ غِنًى لَا يُسْتَقْصَى (PG 13: 877).

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "وَجَدَهُ رَجُلٌ" إِلَى الْعُثُورِ عَلَى الْمَلَكُوتِ، سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ بَحْثٍ طَوِيلٍ أَوْ بِمُبَادَرَةٍ مِنَ اللهِ. وَيُذَكِّرُنَا هظ°ذَا الْفِعْلُ بِمَثَلِ الْخَرُوفِ الضَّالِّ، حَيْثُ يَفْرَحُ الرَّاعِي عِنْدَمَا يَجِدُ خَرُوفَهُ (لُوقَا 15: 4-6).

عِبَارَةُ "وَجَدَهُ" يَرِدُ الْفِعْلُ خµل½‘دپخ¯دƒخ؛د‰ بِصِيغَةِ الْمَاضِي (خµل½—دپخµخ½) وَيَعْنِي: وَجَدَ، اكْتَشَفَ، بَلَغَ مَا كَانَ يَبْحَثُ عَنْهُ. وَيُوحِي الْفِعْلُ بِأَنَّ الْعُثُورَ عَلَى الْمَلَكُوتِ هُوَ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ، سَوَاءٌ جَاءَ بَعْدَ بَحْثٍ طَوِيلٍ أَوْ بِمُبَادَرَةٍ إِلَهِيَّةٍ. وَيُشِيرُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ إِلَى أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَسْبِقُ فَيُعْطِي الْإِنْسَانَ نِعْمَةَ الْبَحْثِ وَالْعُثُورِ، فَيَقُولُ: "لَوْلَا أَنَّ اللهَ سَبَقَ وَطَلَبَنَا، لَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَجِدَهُ" (PL 38: 923).

وَقَدْ يَدُلُّ "الرَّجُلُ" عَلَى الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَجِدُ الْمَسِيحَ وَيَقْتَنِي الْخَلَاصَ، كَمَا يَدُلُّ رَمْزِيًّا عَلَى الْمَسِيحِ نَفْسِهِ الَّذِي افْتَدَى شَعْبَهُ وَاقْتَنَاهُ بِدَمِهِ الثَّمِينِ.

أَمَّا قَوْلُهُ "فَأَعَادَ دَفْنَهُ" فَلَا يَعْنِي إِخْفَاءَ الْمَلَكُوتِ عَنِ الْآخَرِينَ، بَلْ يُظْهِرُ حِرْصَ الْوَاجِدِ عَلَى الْكَنْزِ وَخَشْيَتَهُ مِنْ فَقْدَانِهِ. وَمَعَ ذظ°لِكَ، فَإِنَّ مَنْ يَجِدُ الْمَسِيحَ لَا يَحْتَفِظُ بِهِ لِنَفْسِهِ، بَلْ يُبَشِّرُ بِهِ، كَمَا فَعَلَ أَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ، إِذْ قَالَ فِيلُبُّسُ لِنَثَنَائِيلَ: "وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي الشَّرِيعَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ" (يُوحَنَّا 1: 45).

وَتُبْرِزُ عِبَارَةُ "لِشِدَّةِ فَرَحِهِ" ل¼€د€ل½¸ د„ل؟†د‚ د‡خ±دپل¾¶د‚ خ±ل½گد„خ؟ل؟¦. فَالْكَلِمَةُ الْيُونَانِيَّةُ د‡خ±دپخ¬ تَعْنِي الْفَرَحَ الْعَمِيقَ وَالدَّائِمَ، وَلَيْسَ الْمُتْعَةَ الْعَابِرَةَ. وَاللَّافِتُ أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَبِعْ مُكْرَهًا، بَلْ بِدَافِعِ الْفَرَحِ. وَهُنَا يُرِيدُ يَسُوعُ أَنْ يُؤَكِّدَ أَنَّ التَّضْحِيَةَ الْمَسِيحِيَّةَ لَيْسَتْ خَسَارَةً، بَلْ ثَمَرَةُ فَرَحِ اللِّقَاءِ بِالْمَسِيحِ. هذه العبارة هي الْمَحْوَرَ الرَّئِيسِيَّ فِي الْمَثَلِ، فَالْفَرَحُ هُوَ الثَّمَرَةُ الْأُولَى لِلِقَاءِ الْمَسِيحِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ قَائِلًا: "مَنْ يَعْرِفُ حَلَاوَةَ الْخَيْرِ السَّمَاوِيِّ تَصْغُرُ فِي عَيْنَيْهِ كُلُّ مَلَذَّاتِ الْأَرْضِ" (PL 76: 1119).

أَمَّا قَوْلُهُ "فَبَاعَ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُ" (د€د‰خ»خµل؟– د€خ¬خ½د„خ± ل½…دƒخ± ل¼”د‡خµخ¹) يَدُلُّ الْفِعْلُ د€د‰خ»خµل؟– عَلَى بَيْعٍ حَقِيقِيٍّ وَكَامِلٍ، أَيْ عَلَى التَّخَلِّي الْكَامِلِ عَمَّا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ. وَلَا يَقْصِدُ يَسُوعُ بِذظ°لِكَ فَقْطُ التَّخَلِّي عَنِ الْمُمْتَلَكَاتِ الْمَادِّيَّةِ، بَلْ أَيْضًا عَنِ الْكِبْرِيَاءِ، وَالْأَنَانِيَّةِ، وَالْخَطِيئَةِ، وَكُلِّ مَا يَحُولُ دُونَ دُخُولِ الْمَلَكُوتِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ هِلَارِيُوسُ الْبُوطِيِّيهِيُّ قَائِلًا: "مَنْ وَجَدَ الْمَسِيحَ لَمْ يَعُدْ يَرَى شَيْئًا فِي الْعَالَمِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَارَنَ بِهِ" (PL 9: 1005). فقَوْلُهُ "فَبَاعَ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُ تُعَبِّرُ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلتَّضْحِيَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الْمَلَكُوتِ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ لِلشَّابِّ الْغَنِيِّ: "بِعْ أَمْوَالَكَ... فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ" (مَتَّى 19: 21). وَيُعَبِّرُ بُولُسُ الرَّسُولُ عَنِ الْمَعْنَى نَفْسِهِ قَائِلًا: " أَعُدُّ كُلَّ شَيْءٍ خُسْرَانًا... لِأَرْبَحَ الْمَسِيحَ" (فِيلِبِّي 3: 8).

وَأَخِيرًا، تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَاشْتَرَى ذظ°لِكَ الْحَقْلَ" (ل¼*خ³دŒدپخ±دƒخµخ½ د„ل½¸خ½ ل¼€خ³دپدŒخ½) يَرِدُ الْفِعْلُ ل¼€خ³خ؟دپخ¬خ¶د‰ بِمَعْنَى اشْتَرَى وَاقْتَنَى. وَمَعَ أَنَّ الْمَلَكُوتَ هِبَةٌ مَجَّانِيَّةٌ مِنَ اللهِ (أَشَعْيَاء 55: 1)، فَإِنَّ دُخُولَهُ يَقْتَضِي تَرْكَ كُلِّ مَا يُعِيقُ الْإِنْسَانَ عَنْ اتِّبَاعِ الْمَسِيحِ. وَيَرَى الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَنَّ الْحَقْلَ هُوَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ، وَالْكَنْزَ هُوَ الْمَسِيحُ الْمُخْتَبِئُ فِي أَسْرَارِهِ، وَأَنَّ مَنْ يُقْبِلُ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ بِإِيمَانٍ يَقْتَنِي الْكَنْزَ الَّذِي لَا يَفْنَى (PL 15: 1765). وَيَحْمِلُ الْمَثَلُ أَيْضًا مَعْنًى مَسِيحَانِيًّا، فَالْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي "اشْتَرَانَا بِثَمَنٍ" (1 قُورِنْثُس 6: 20)، وَافْتَدَانَا بِدَمِهِ الثَّمِينِ، لِنَصِيرَ نَحْنُ كَنْزَهُ الْخَاصَّ.

يُعَلِّمُنَا مَثَلُ الْكَنْزِ الْمَخْفِيِّ أَنَّ الْمَلَكُوتَ لَيْسَ جَائِزَةً تُنَالُ بِأَقَلِّ جُهْدٍ، وَلَا سِلْعَةً تُشْتَرَى بِالْمَالِ، بَلْ هُوَ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ، أَعْظَمُ كَنْزٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ نُضَحِّيَ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ اقْتِنَائِهِ. وَمَنْ يَكْتَشِفُ قِيمَتَهُ، يَتْرُكُ كُلَّ شَيْءٍ لَا مُكْرَهًا، بَلْ بِفَرَحٍ، لِأَنَّهُ وَجَدَ الْغِنَى الَّذِي لَا يَزُولُ، وَالْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ الَّتِي لَا تَنْقَضِي.



45. "وَمَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَمَثَلِ تَاجِرٍ كَانَ يَطْلُبُ اللُّؤْلُؤَ الْكَرِيمَ» (مَتَّى 13: 45)



تُشِيرُ عِبَارَةُ "تَاجِرٍ" ل¼”خ¼د€خ؟دپخ؟د‚، إِلَى رَجُلِ أَعْمَالٍ يُسَافِرُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ لِيَشْتَرِيَ السِّلَعَ النَّفِيسَةَ وَيَبِيعَهَا، وَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ بَائِعٍ، بَلْ بَاحِثٌ عَمَّا هُوَ أَثْمَنُ وَأَفْضَلُ. وَيُمَثِّلُ هظ°ذَا التَّاجِرُ كُلَّ إِنْسَانٍ يَتُوقُ بِإِخْلَاصٍ إِلَى الْحَقِّ وَالْخَلَاصِ، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْمُزَ إِلَى الْمَسِيحِ الَّذِي جَاءَ "لِيَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لُوقَا 19: 10). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ هِلَارِيُوسُ الْبُوطِيِّيهِيُّ بِأَنَّ التَّاجِرَ يُجَسِّدُ النَّفْسَ الَّتِي لَا تَكْتَفِي بِمَا هُوَ عَادِيٌّ، بَلْ تُوَاصِلُ الْبَحْثَ حَتَّى تَبْلُغَ الْخَيْرَ الْأَعْظَمَ (PL 9: 1006).

أَمَّا عِبَارَةُ "كَانَ يَطْلُبُ" (خ¶خ·د„خ؟ل؟¦خ½د„خ¹) فَتُفِيدُ الِاسْتِمْرَارَ وَالْمُوَاظَبَةَ فِي الْبَحْثِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ عُثُورًا مُفَاجِئًا كَمَا فِي مَثَلِ الْكَنْزِ الْمَخْفِيِّ، بَلْ مَسِيرَةُ سَعْيٍ وَتَمْيِيزٍ وَاشْتِيَاقٍ. وَيُبْرِزُ الْإِنْجِيلُ بِذظ°لِكَ أَنَّ بَعْضَ النُّفُوسِ تَصِلُ إِلَى الْمَسِيحِ بَعْدَ بَحْثٍ طَوِيلٍ عَنِ الْحَقِّ، كَمَا وَعَدَ الرَّبُّ: "اُطْلُبُوا تَجِدُوا" (مَتَّى 7: 7). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ بِقَلْبٍ صَادِقٍ، يَجِدُهُ، لِأَنَّ اللهَ يَسْبِقُ فَيُعِينُ الْإِنْسَانَ عَلَى الْبَحْثِ عَنْهُ (PL 38: 663).

أَمَّا عِبَارَةُ "«اللُّؤْلُؤَ الْكَرِيمَ" خ¼خ±دپخ³خ±دپخ¯د„خ±د‚ خ؛خ±خ»خ؟دچد‚، فَتُشِيرُ إِلَى اللُّؤْلُؤِ النَّفِيسِ الَّذِي كَانَ مِنْ أَغْلَى الْجَوَاهِرِ فِي الْعَالَمِ الْقَدِيمِ. وَكَانَ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْأَصْدَافِ الْبَحْرِيَّةِ، خَاصَّةً مِنْ مِيَاهِ الْخَلِيجِ الْعَرَبِيِّ وَالْمُحِيطِ الْهِنْدِيِّ، وَكَانَ اقْتِنَاؤُهُ عَلامَةً عَلَى الْغِنَى وَالْمَكَانَةِ الرَّفِيعَةِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ مِرَارًا رَمْزًا لِلشَّيْءِ الثَّمِينِ، فَقَالَ يَسُوعُ: "لَا تُلْقُوا دُرَرَكُمْ أَمَامَ الْخَنَازِيرِ" (مَتَّى 7: 6)، وَأَوْصَى الرَّسُولُ بُولُسُ النِّسَاءَ بِأَلَّا يَتَزَيَّنَّ "بِاللُّؤْلُؤِ" (1 تِيمُوثَاوُس 2: 9). وَيَرْمُزُ "اللُّؤْلُؤُ الْكَرِيمُ" إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ، وَإِلَى الْمَسِيحِ نَفْسِهِ، أَثْمَنِ مَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتَنِيَهُ. وَيَتَوَافَقُ هظ°ذَا الْمَعْنَى مَعَ مَا جَاءَ فِي سِفْرِ الْأَمْثَالِ: "إِنْ طَلَبْتَهَا كَالْفِضَّةِ، وَبَحَثْتَ عَنْهَا كَالْكُنُوزِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُ مَخَافَةَ الرَّبِّ، وَتَجِدُ مَعْرِفَةَ اللهِ" (أَمْثَال 2: 4-5). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ ايرونيموس قَائِلًا: "اللُّؤْلُؤَةُ الْوَاحِدَةُ الثَّمِينَةُ هِيَ الْمَسِيحُ، الَّذِي يَجِبُ أَنْ نُفَضِّلَهُ عَلَى جَمِيعِ كُنُوزِ الْعَالَمِ" (PL 26: 96). وَيُبَيِّنُ هظ°ذَا الْمَثَلُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ عُثُورٍ عَرَضِيٍّ عَلَى الْحَقِّ، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ قَلْبٍ يَتُوقُ إِلَى اللهِ، وَيَثَابِرُ فِي الْبَحْثِ عَنْهُ حَتَّى يَجِدَ فِي الْمَسِيحِ اللُّؤْلُؤَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ يُضَحِّيَ مِنْ أَجْلِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ.



46. "فَوَجَدَ لُؤْلُؤَةً ثَمِينَةً، فَمَضَى وَبَاعَ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُ وَاشْتَرَاهَا"



تَرِدُ عِبَارَةُ "فَوَجَدَ لُؤْلُؤَةً ثَمِينَةً" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: خµل½‘دپل½¼خ½ خ´ل½² ل¼•خ½خ± د€خ؟خ»دچد„خ¹خ¼خ؟خ½ خ¼خ±دپخ³خ±دپخ¯د„خ·خ½وَمَعْنَاهَا: "فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ". وَتُبْرِزُ كَلِمَةُ "وَاحِدَةً" (ل¼•خ½خ±) وَحْدَةَ الْخَيْرِ الْأَعْظَمِ وَتَفَرُّدَهُ، فَبَعْدَ أَنْ كَانَ التَّاجِرُ يَبْحَثُ عَنْ لَآلِئَ كَرِيمَةٍ كَثِيرَةٍ، وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً تَفُوقُهَا جَمِيعًا فِي الْقِيمَةِ، فَلَمْ يَعُدْ يَحْتَاجُ إِلَى سِوَاهَا.

وَتَصِفُ "ثَمِينَةً" الصِّفَةُ الْيُونَانِيَّةُ د€خ؟خ»دچد„خ¹خ¼خ؟خ½ شَيْئًا عَظِيمَ الْقِيمَةِ، كَثِيرَ الثَّمَنِ، وَنَفِيسًا جِدًّا. وَتَرْمُزُ هظ°ذِهِ اللُّؤْلُؤَةُ الْوَاحِدَةُ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ، أَوْ إِلَى الْخَلَاصِ وَالْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، أَوْ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ؛ بَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَرْمُزَ إِلَى الْمَسِيحِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِدُ فِيهِ جَمِيعَ بَرَكَاتِ الْمَلَكُوتِ، إِذْ "فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ"(قُولُسِّي 2: 3). وَيَرَى الْقِدِّيسُ إِكْلِيمَنْضُسُ الْإِسْكَنْدَرِيُّ فِي اللُّؤْلُؤَةِ رَمْزًا إِلَى كَلِمَةِ اللهِ الْمُتَجَسِّدِ، أَيْ إِلَى يَسُوعَ الْمَسِيحِ، "اللُّؤْلُؤَةِ النَّقِيَّةِ الشَّفَّافَةِ"، الَّذِي بِهِ تَصِيرُ الطَّبِيعَةُ الْبَشَرِيَّةُ ثَمِينَةً وَمُتَجَدِّدَةً (PG 8: 633-636). فَالْمَسِيحُ لَيْسَ خَيْرًا وَاحِدًا بَيْنَ خَيْرَاتٍ كَثِيرَةٍ، بَلْ هُوَ الْخَيْرُ الْأَسْمَى الَّذِي تَجِدُ فِيهِ سَائِرُ الْخَيْرَاتِ كَمَالَهَا وَمَعْنَاهَا.

أَمَّا عِبَارَةُ "فَمَضَى" ل¼€د€خµخ»خ¸دژخ½، فَتَدُلُّ عَلَى الِانْطِلَاقِ الْحَاسِمِ وَالِاسْتِجَابَةِ الْفَوْرِيَّةِ. فَعِنْدَمَا عَرَفَ التَّاجِرُ قِيمَةَ اللُّؤْلُؤَةِ، لَمْ يَتَرَدَّدْ، وَلَمْ يُؤَجِّلْ قَرَارَهُ، بَلْ مَضَى فِي الْحَالِ لِيُعِدَّ الثَّمَنَ. وَهظ°كَذَا، فَإِنَّ اكْتِشَافَ الْمَسِيحِ يَطْلُبُ مِنَ الْإِنْسَانِ قَرَارًا حَاسِمًا، لِأَنَّ نِدَاءَ الْمَلَكُوتِ لَا يَقْبَلُ الْمُسَاوَمَةَ أَوِ التَّأْجِيلَ.

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "وَبَاعَ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُ" إِلَى التَّخَلِّي الْكَامِلِ عَنْ كُلِّ مَا يُعِيقُ الْإِنْسَانَ عَنْ اقْتِنَاءِ الْمَلَكُوتِ. وَلَا يَقْتَصِرُ هظ°ذَا التَّخَلِّي عَلَى الْمُمْتَلَكَاتِ الْمَادِّيَّةِ، بَلْ يَشْمَلُ أَيْضًا الْأَنَانِيَّةَ، وَالْكِبْرِيَاءَ، وَالتَّعَلُّقَ بِالْخَطِيئَةِ، وَكُلَّ مَا يَسْتَعْبِدُ الْقَلْبَ وَيَمْنَعُهُ مِنِ اتِّبَاعِ الْمَسِيحِ. فَمَنْ أَدْرَكَ قِيمَةَ الْمَسِيحِ، لَا يَعُدْ شَيْءٌ فِي الْعَالَمِ قَادِرًا عَلَى مَنْعِهِ مِنِ اتِّبَاعِهِ.

وَلَا يَعْنِي "الْبَيْعُ" أَنَّ الْمَلَكُوتَ يُشْتَرَى بِأَعْمَالِ الْإِنْسَانِ أَوْ بِأَمْوَالِهِ؛ فَالْخَلَاصُ نِعْمَةٌ مَجَّانِيَّةٌ مِنَ اللهِ. إِنَّمَا يَدُلُّ الْبَيْعُ عَلَى تَحْرِيرِ الْقَلْبِ مِنْ كُلِّ تَعَلُّقٍ يُنَافِسُ اللهَ، وَعَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِجَعْلِ الْمَسِيحِ الْأَوَّلَ فِي الْحَيَاةِ. وَيَنْسَجِمُ ذظ°لِكَ مَعَ دَعْوَةِ سِفْرِ الْأَمْثَالِ: "اِشْتَرِ الْحَقَّ وَلَا تَبِعْهُ، وَكَذظ°لِكَ الْحِكْمَةَ وَالتَّأْدِيبَ وَالْفِطْنَةَ" (أَمْثَال 23: 23). وَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ اقْتِنَاءَ الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِبَذْلِ حَيَاتِهِ، فَيَقُولُ: "مَنْ حَفِظَ حَيَاتَهُ يَفْقِدُهَا، وَمَنْ فَقَدَ حَيَاتَهُ فِي سَبِيلِي يَحْفَظُهَا" (مَتَّى 10: 39). فَمَنْ يَتْرُكُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ لَا يَخْسَرُ، بَلْ يَجِدُ فِيهِ حَيَاتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ.

أَمَّا عِبَارَةُ "وَاشْتَرَاهَا" ل¼*خ³دŒدپخ±دƒخµخ½ خ±ل½گد„دŒخ½فَتُشِيرُ إِلَى اقْتِنَاءِ اللُّؤْلُؤَةِ وَجَعْلِهَا الْخَيْرَ الْوَحِيدَ الَّذِي تَنْتَظِمُ حَوْلَهُ الْحَيَاةُ كُلُّهَا. وَقَدِ اسْتَعْمَلَ النَّصُّ الْيُونَانِيُّ الضَّمِيرَ الْمُذَكَّرَ خ±ل½گد„دŒخ½، لِأَنَّ اسْمَ "اللُّؤْلُؤَةِ" خ¼خ±دپخ³خ±دپخ¯د„خ·د‚ مُذَكَّرٌ فِي اللُّغَةِ الْيُونَانِيَّةِ، أَمَّا فِي الْعَرَبِيَّةِ فَيُتَرْجَمُ الضَّمِيرُ بِالْمُؤَنَّثِ: "اشْتَرَاهَا". وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَلَى ثَمَنِ هظ°ذِهِ اللُّؤْلُؤَةِ بِأَنَّ الْمَسِيحَ لَا يَطْلُبُ مِنَ الْإِنْسَانِ ذَهَبَهُ فَقَطْ، بَلْ يَطْلُبُهُ هُوَ نَفْسَهُ؛ فَثَمَنُ الْمَحَبَّةِ هُوَ أَنْ يُقَدِّمَ الْإِنْسَانُ قَلْبَهُ وَحَيَاتَهُ لِلَّهِ. فَالْإِنْسَانُ لَا يَقْتَنِي الْمَسِيحَ بِشَيْءٍ خَارِجٍ عَنْهُ، بَلْ بِأَنْ يَهَبَ نَفْسَهُ لَهُ كُلِّيًّا، وَيَقْبَلَ فِي الْمُقَابِلِ أَنْ يَصِيرَ الْمَسِيحُ كَنْزَهُ وَحَيَاتَهُ.

وَكَمَا أَنَّ التَّاجِرَ بَحَثَ عَنِ اللَّآلِئِ، ثُمَّ أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ لِاقْتِنَاءِ اللُّؤْلُؤَةِ الْوَاحِدَةِ، كَذظ°لِكَ يُدْعَى كُلُّ إِنْسَانٍ إِلَى أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْمَسِيحِ، وَأَنْ يَسْعَى إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْإِيمَانِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ غَايَةَ حَيَاتِهِ. وَهُنَا يَطْرَحُ الْمَثَلُ عَلَيْنَا سُؤَالًا شَخْصِيًّا وَحَاسِمًا: عَمَّ نَبْحَثُ نَحْنُ؟ وَمَا اللُّؤْلُؤَةُ الَّتِي نُكَرِّسُ لِاقْتِنَائِهَا وَقْتَنَا وَقَلْبَنَا وَحَيَاتَنَا؟



47. "وَمَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَمَثَلِ شَبَكَةٍ أُلْقِيَتْ فِي الْبَحْرِ،
فَجَمَعَتْ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ"



تُشِيرُ عِبَارَةُ "شَبَكَةٍ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ إِلَى دƒخ±خ³خ®خ½خ· وَهِيَ الشَّبَكَةُ الْجَرَّارَةُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي الصَّيْدِ الْجَمَاعِيِّ. وَكَانَتْ تُصْنَعُ مِنْ نَسِيجٍ طَوِيلٍ ذِي عُيُونٍ ضَيِّقَةٍ، تُثَقَّلُ مِنْ أَسْفَلَ بِقِطَعِ الرَّصَاصِ، وَتُثَبَّتُ مِنْ أَعْلَى بِعَوَّامَاتٍ مِنَ الْفِلِّينِ، ثُمَّ تُلْقَى فِي الْمِيَاهِ عَلَى مَسَاحَةٍ وَاسِعَةٍ، وَتُجَرُّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ حَتَّى تَصِلَ إِلَى الشَّاطِئِ، حَامِلَةً كُلَّ مَا وَقَعَ فِيهَا. وَتَرْمُزُ هظ°ذِهِ الشَّبَكَةُ، فِي الْمَعْنَى الرَّئِيسِيِّ لِلْمَثَلِ، إِلَى الْكَنِيسَةِ، أَيْ مَلَكُوتِ اللهِ الْحَاضِرِ عَلَى الْأَرْضِ، الَّذِي يَجْمَعُ الْبَشَرَ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ وَالْأُمَمِ دُونَ تَمْيِيزٍ. وَيَرَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الشَّبَكَةَ تَرْمُزُ أَيْضًا إِلَى الْإِنْجِيلِ الَّذِي يَنْتَشِرُ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ، وَيَجْذِبُ النَّاسَ إِلَى الْخَلَاصِ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ عَنِ الْبِشَارَةِ: "الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا، وَأُعْلِنَتْ لِكُلِّ خَلِيقَةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ" (قُولُسِّي 1: 23). وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ ايرونيموس قَائِلًا: "الشَّبَكَةُ هِيَ كَرَازَةُ الرُّسُلِ، الَّتِي أُلْقِيَتْ فِي بَحْرِ هظ°ذَا الْعَالَمِ، فَجَمَعَتْ أُنَاسًا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ وَلُغَةٍ وَشَعْبٍ" (PL 26: 97).

أَمَّا عِبَارَةُ "أُلْقِيَتْ فِي الْبَحْرِ" فَتُشِيرُ إِلَى انْطِلَاقِ الرِّسَالَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ إِلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ، تَمَامًا لِوَصِيَّةِ الْمَسِيحِ: "اِذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ، وَأَعْلِنُوا الْبِشَارَةَ إِلَى الْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مَرْقُس 16: 15). وَقَدْ بَدَأَ تَحَقُّقُ هظ°ذِهِ الرِّسَالَةِ يَوْمَ الْعَنْصَرَةِ، عِنْدَمَا انْطَلَقَ الرُّسُلُ يُبَشِّرُونَ جَمِيعَ الشُّعُوبِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 1-11)، وَلَا تَزَالُ الْكَنِيسَةُ تُوَاصِلُ هظ°ذِهِ الْمُهِمَّةَ إِلَى الْيَوْمِ.

وَلَا يَقْصِدُ يَسُوعُ بِـ "الْبَحْرِ" تَحْدِيدًا بُحَيْرَةَ الْجَلِيلِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ صُورَةَ الْمَثَلِ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ وَاقِعِ الصَّيْدِ فِيهَا، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى أَيْضًا بَحْرَ طَبَرِيَّةَ (يُوحَنَّا 6: 1)، أَوْ بُحَيْرَةَ جِنِّيسَارَتَ (لُوقَا 5: 1)، أَوْ بَحْرَ كِنَّارَةَ (الْعَدَد 34: 11). بَلْ يَسْتَعْمِلُ الْبَحْرَ رَمْزًا لِلْعَالَمِ بِأَسْرِهِ، وَخَاصَّةً لِلْأُمَمِ الَّتِي تَنْتَظِرُ الْخَلَاصَ. وَفِي الْفِكْرِ الْكِتَابِيِّ، يُمْكِنُ أَنْ يَرْمُزَ الْبَحْرُ أَيْضًا إِلَى عَالَمِ الِاضْطِرَابِ وَالْخَطِيئَةِ، كَمَا يَقُولُ أَشَعْيَاءُ: "أَمَّا الْأَشْرَارُ فَكَالْبَحْرِ الْهَائِجِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدَأَ، وَتَقْذِفُ مِيَاهُهُ بِالْوَحْلِ وَالطِّينِ"(أَشَعْيَاء 57: 20).

أَمَّا عِبَارَةُ "فَجَمَعَتْ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ"، فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ الشَّبَكَةَ لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ أَنْوَاعِ السَّمَكِ، بَلْ تَجْمَعُ الصَّالِحَ وَالرَّدِيءَ مَعًا. وَهظ°كَذَا أَيْضًا الْكَنِيسَةُ، فَهِيَ تَدْعُو جَمِيعَ النَّاسِ إِلَى الْخَلَاصِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ، وَتَضُمُّ فِي مَسِيرَتِهَا الْأَبْرَارَ وَالْخُطَاةَ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَ وَقْتُ الدَّيْنُونَةِ الْأَخِيرَةِ. وَيَتَنَاغَمُ هظ°ذَا الْمَعْنَى مَعَ مَثَلِ وَلِيمَةِ الْمَلِكِ، حَيْثُ "جَمَعُوا كُلَّ مَنْ وَجَدُوا مِنْ أَشْرَارٍ وَأَخْيَارٍ" (مَتَّى 22: 10). وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الْكَنِيسَةَ عَلَى الْأَرْضِ تَبْقَى مَخْلُوطَةً مِنْ صَالِحِينَ وَأَشْرَارٍ، فَلَا يَحِقُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمْ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّدَهُ اللهُ، لِأَنَّ الرَّبَّ وَحْدَهُ هُوَ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ الَّذِي يَعْرِفُ الْقُلُوبَ (PL 38: 1161).

وَيُعَلِّمُنَا هظ°ذَا الْمَثَلُ أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ ذُو طَابَعٍ جَامِعٍ وَشَامِلٍ، فَهُوَ مَفْتُوحٌ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ وَالْأُمَمِ وَالطَّبَقَاتِ دُونَ تَمْيِيزٍ، وَأَنَّ الْكَنِيسَةَ لَيْسَتْ جَمَاعَةً لِلْكَامِلِينَ، بَلْ جَمَاعَةُ خَلَاصٍ تَدْعُو كُلَّ إِنْسَانٍ إِلَى التَّوْبَةِ وَالنُّمُوِّ فِي الْقَدَاسَةِ، عَلَى أَمَلِ أَنْ يَبْلُغَ الْكَمَالَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الدَّهْرِ.



48. "فَلَمَّا امْتَلَأَتْ أَخْرَجَهَا الصَّيَّادُونَ إِلَى الشَّاطِئِ،

وَجَلَسُوا فَجَمَعُوا الطَّيِّبَ فِي سِلَالٍ، وَطَرَحُوا الْخَبِيثَ"



تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَلَمَّا امْتَلَأَتْ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ ل½…د„خµ ل¼گد€خ»خ·دپدژخ¸خ· إِلَى اكْتِمَالِ امْتِلَاءِ الشَّبَكَةِ وَبُلُوغِ عَمَلِيَّةِ الصَّيْدِ نِهَايَتَهَا. وَفِي الْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ، تُشِيرُ إِلَى اكْتِمَالِ زَمَنِ الرِّسَالَةِ وَحُلُولِ نِهَايَةِ الدَّهْرِ، عِنْدَمَا يَبْلُغُ تَدْبِيرُ اللهِ الْخَلَاصِيُّ غَايَتَهُ. وَلَا يَنْبَغِي فَهْمُهَا عَلَى أَنَّهَا مُجَرَّدُ اكْتِمَالِ عَدَدٍ حِسَابِيٍّ لِلْمُخْتَارِينَ، بَلْ عَلَى أَنَّهَا إِتْمَامُ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّدَهُ اللهُ لِلدَّعْوَةِ وَالتَّوْبَةِ قَبْلَ الدَّيْنُونَةِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "أَخْرَجَهَا الصَّيَّادُونَ إِلَى الشَّاطِئِ" فَتَسْتَمِدُّ صُورَتَهَا مِنْ حَيَاةِ الصَّيَّادِينَ فِي الْجَلِيلِ، حَيْثُ كَانَ صَيْدُ السَّمَكِ مِنْ أَهَمِّ الْمِهَنِ، وَكَانَ السَّمَكُ يُسْتَهْلَكُ طَازَجًا، أَوْ يُمَلَّحُ وَيُجَفَّفُ لِحِفْظِهِ وَبَيْعِهِ. وَكَانَ الصَّيَّادُونَ، بَعْدَ جَرِّ الشَّبَكَةِ إِلَى الْبَرِّ، يَفْرُزُونَ مَا فِيهَا مِنْ أَسْمَاكٍ، فَيَحْفَظُونَ الصَّالِحَ وَيَطْرَحُونَ مَا لَا يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْمُزَ "الصَّيَّادُونَ"، فِي الْمَرْحَلَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَثَلِ، إِلَى الرُّسُلِ وَالْمُبَشِّرِينَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ الْمَسِيحُ لِاجْتِذَابِ النُّفُوسِ إِلَى الْإِيمَانِ، إِذْ قَالَ لِبُطْرُسَ وَأَنْدَرَاوُسَ: "هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلَكُمَا صَيَّادَيْ بَشَرٍ" (مَتَّى 4: 19). غَيْرَ أَنَّ عَمَلِيَّةَ الْفَصْلِ النِّهَائِيِّ لَا تُسْنَدُ إِلَى الْمُبَشِّرِينَ، بَلْ إِلَى الْمَلَائِكَةِ، كَمَا يُوَضِّحُ يَسُوعُ فِي الْآيَتَيْنِ التَّالِيَتَيْنِ (مَتَّى 13: 49-50). فَمَهَمَّةُ الْكَنِيسَةِ هِيَ الْإِعْلَانُ وَالدَّعْوَةُ، أَمَّا الدَّيْنُونَةُ وَالْفَصْلُ فَهُمَا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ.

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "إِلَى الشَّاطِئِ" إِلَى نِهَايَةِ مَسِيرَةِ التَّارِيخِ، حَيْثُ يَنْتَقِلُ الْإِنْسَانُ مِنْ بَحْرِ الْعَالَمِ الْمُضْطَرِبِ إِلَى مَوْقِفِ الْحُكْمِ وَالْفَصْلِ. فَالشَّاطِئُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ مَكَانٍ جُغْرَافِيٍّ، بَلْ صُورَةٌ لِانْقِضَاءِ الزَّمَنِ وَوُقُوفِ الْبَشَرِيَّةِ أَمَامَ دَيَّانِهَا.

أَمَّا عِبَارَةُ "وَجَلَسُوا" خ؛خ±خ¸خ¯دƒخ±خ½د„خµد‚، فَتَصِفُ جُلُوسَ الصَّيَّادِينَ لِلْقِيَامِ بِعَمَلِيَّةِ الْفَرْزِ بِتَأَنٍّ وَدِقَّةٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَحْمِلَ الْجُلُوسُ بُعْدًا قَضَائِيًّا، لِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى الْعَرْشِ أَوِ الْكُرْسِيِّ يَرْمُزُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ إِلَى الْحُكْمِ وَالسُّلْطَانِ. وَقَدْ قَالَ يَسُوعُ لِرُسُلِهِ: "مَتَى جَلَسَ ابْنُ الْإِنْسَانِ عَلَى عَرْشِ مَجْدِهِ، عِنْدَمَا يُجَدَّدُ كُلُّ شَيْءٍ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ عَرْشًا، لِتَدِينُوا أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الِاثْنَيْ عَشَرَ" (مَتَّى 19: 28). وَلَا يَدُلُّ جُلُوسُ الصَّيَّادِينَ، فِي الْمَعْنَى الْمُبَاشِرِ، عَلَى صَبْرِ الْمُبَشِّرِينَ فَقَطْ، بَلْ عَلَى جِدِّيَّةِ الْفَرْزِ النِّهَائِيِّ وَدِقَّتِهِ. فَدَيْنُونَةُ اللهِ لَيْسَتْ عَشْوَائِيَّةً أَوْ مُتَسَرِّعَةً، بَلْ عَادِلَةٌ، لِأَنَّهُ وَحْدَهُ يَعْرِفُ الْقُلُوبَ وَالْأَعْمَالَ وَالنِّيَّاتِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "فَجَمَعُوا الطَّيِّبَ فِي سِلَالٍ"، فَتَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: د„ل½° خ؛خ±خ»ل½° خµل¼°د‚ ل¼„خ³خ³خ· دƒد…خ½خ*خ»خµخ¾خ±خ½ ، أَيْ: "جَمَعُوا الْجَيِّدَ فِي أَوْعِيَةٍ". وَتُشِيرُ صِفَةُ خ؛خ±خ»خ¬ إِلَى مَا هُوَ جَيِّدٌ وَصَالِحٌ وَمُنَاسِبٌ لِلْغَايَةِ الْمَقْصُودَةِ. وَيَرْمُزُ السَّمَكُ الطَّيِّبُ إِلَى الَّذِينَ سَمِعُوا كَلِمَةَ اللهِ، وَقَبِلُوهَا بِإِيمَانٍ، وَتَابُوا، وَأَثْمَرُوا ثِمَارًا صَالِحَةً فِي حَيَاتِهِمْ.

وَيُمْكِنُ أَنْ تُفْهَمَ "السِّلَالُ" أَوِ الْأَوْعِيَةُ رَمْزًا إِلَى قَبُولِ الْأَبْرَارِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ، كَمَا جُمِعَ الْقَمْحُ فِي الْأَهْرَاءِ فِي مَثَلِ الزُّؤَانِ: "أَمَّا الْقَمْحُ فَاجْمَعُوهُ إِلَى أَهْرَائِي" (مَتَّى 13: 30). وَيَتَنَاغَمُ هظ°ذَا الْمَعْنَى مَعَ وَعْدِ الْمَسِيحِ: "فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ" (يُوحَنَّا 14: 2)، وَمَعَ الدَّعْوَةِ إِلَى اقْتِنَاءِ "مَسَاكِنَ أَبَدِيَّةٍ" (لُوقَا 16: 9). غَيْرَ أَنَّ هظ°ذِهِ الصُّوَرَ لَا تُطَابِقُ السِّلَالَ تَفْسِيرًا حَرْفِيًّا، بَلْ تَشْتَرِكُ مَعَهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى حِفْظِ الْأَبْرَارِ وَقَبُولِهِمْ فِي الشَّرِكَةِ الْأَبَدِيَّةِ مَعَ اللهِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "وَطَرَحُوا الْخَبِيثَ"، فَتَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: د„ل½° خ´ل½² دƒخ±د€دپل½° ل¼”خ¾د‰ ل¼”خ²خ±خ»خ؟خ½، وَمَعْنَاهَا: "وَأَمَّا الْفَاسِدُ فَطَرَحُوهُ خَارِجًا". وَتَدُلُّ الصِّفَةُ دƒخ±د€دپخ¬ عَلَى مَا هُوَ فَاسِدٌ أَوْ رَدِيءٌ أَوْ غَيْرُ صَالِحٍ لِلِاسْتِعْمَالِ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَ يَسُوعُ الْجِذْرَ نَفْسَهُ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الشَّجَرَةِ الرَّدِيئَةِ الَّتِي تُثْمِرُ ثَمَرًا رَدِيئًا (مَتَّى 7: 17-18).

وَيَرْمُزُ السَّمَكُ الْخَبِيثُ إِلَى الَّذِينَ انْضَمُّوا ظَاهِرِيًّا إِلَى جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلظ°كِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَحُوا لِكَلِمَةِ اللهِ أَنْ تُغَيِّرَ قُلُوبَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ. فَالِانْتِمَاءُ الْخَارِجِيُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ لَا يَكْفِي وَحْدَهُ لِلْخَلَاصِ، إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْإِيمَانِ الْحَيِّ وَالتَّوْبَةِ وَثِمَارِ الْمَحَبَّةِ. وَلَا يَنْبَغِي حَصْرُ السَّمَكِ الْخَبِيثِ فِي الْمُرَائِينَ وَحْدَهُمْ، بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ يَرْفُضُ نِعْمَةَ اللهِ وَيُصِرُّ عَلَى الشَّرِّ. وَلَا عَجَبَ أَنْ تَضُمَّ الْجَمَاعَةُ الْمَنْظُورَةُ أَشْخَاصًا مُخْتَلِفِينَ فِي اسْتِجَابَتِهِمْ لِلْإِنْجِيلِ؛ فَقَدْ كَانَ يَهُوذَا الْإِسْخَرْيُوطِيُّ بَيْنَ الرُّسُلِ، وَكَانَ سِمْعَانُ السَّاحِرُ بَيْنَ الَّذِينَ قَبِلُوا الْمَعْمُودِيَّةَ فِي السَّامِرَةِ، لظ°كِنَّ قَلْبَهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِيمًا أَمَامَ اللهِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 8: 9-24).

وَتُشِيرُ كَلِمَةُ "خَارِجًا" ل¼”خ¾د‰، إِلَى الِاسْتِبْعَادِ مِنْ شَرِكَةِ الْمَلَكُوتِ، وَتُذَكِّرُ بِصُورَةِ "الظُّلْمَةِ الْبَرَّانِيَّةِ" فِي مَثَلِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ: "شُدُّوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَأَلْقُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْبَرَّانِيَّةِ، فَهُنَاكَ الْبُكَاءُ وَصَرِيفُ الْأَسْنَانِ" (مَتَّى 22: 13). فَالطَّرْحُ خَارِجًا هُوَ صُورَةٌ لِنَتِيجَةِ رَفْضِ الْإِنْسَانِ لِلشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَى الِانْفِصَالِ عَنْهُ. وَيُحَذِّرُنَا يَسُوعُ مِنَ التَّسَرُّعِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْآخَرِينَ، وَمِنْ مُحَاوَلَةِ إِقَامَةِ كَنِيسَةٍ نَقِيَّةٍ بِالْقُوَّةِ، تُقْصِي مَنْ نَعُدُّهُمْ خُطَاةً. فَالْكَنِيسَةُ فِي زَمَنِهَا الْحَاضِرِ تَضُمُّ الْأَبْرَارَ وَالْخُطَاةَ، وَتَبْقَى مَكَانًا لِلدَّعْوَةِ وَالتَّوْبَةِ وَالنُّمُوِّ. غَيْرَ أَنَّ هظ°ذَا الصَّبْرَ لَا يَعْنِي إِلْغَاءَ الْفَصْلِ النِّهَائِيِّ، بَلْ تَأْجِيلَهُ إِلَى وَقْتِ الدَّيْنُونَةِ الَّذِي حَدَّدَهُ اللهُ.

وَبِذظ°لِكَ لَا يُعَلِّمُ الْمَثَلُ أَنَّ الْجَمِيعَ سَيَكُونُونَ فِي السَّمَاءِ فِي النِّهَايَةِ، بَلْ يُؤَكِّدُ أَنَّ الدَّعْوَةَ مَفْتُوحَةٌ لِلْجَمِيعِ فِي زَمَنِ الرَّحْمَةِ، وَأَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الصَّالِحِ وَالْخَبِيثِ سَيَتِمُّ عِنْدَ نِهَايَةِ الدَّهْرِ. وَمِنْ هُنَا يَطْرَحُ الْمَثَلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا سُؤَالًا شَخْصِيًّا: هَلْ نَكْتَفِي بِأَنْ نَكُونَ دَاخِلَ الشَّبَكَةِ ظَاهِرِيًّا، أَمْ نَسْمَحُ لِنِعْمَةِ اللهِ أَنْ تُجَدِّدَنَا، فَنَصِيرَ مِنَ الثِّمَارِ الطَّيِّبَةِ الْمُعَدَّةِ لِمَلَكُوتِهِ؟



49. "وَكَذظ°لِكَ يَكُونُ عِنْدَ نِهَايَةِ الْعَالَمِ:
يَأْتِي الْمَلَائِكَةُ فَيَفْصِلُونَ الْأَشْرَارَ عَنِ الْأَخْيَارِ"



تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَكَذظ°لِكَ يَكُونُ" إِلَى أَنَّ يَسُوعَ يَنْتَقِلُ مِنَ الصُّورَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ عَمَلِ الصَّيَّادِينَ إِلَى مَعْنَاهَا الرُّوحِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ. فَكَمَا تُجْمَعُ الْأَسْمَاكُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي الشَّبَكَةِ، ثُمَّ تُفْرَزُ عِنْدَ وُصُولِهَا إِلَى الشَّاطِئِ، كَذظ°لِكَ يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِي زَمَنِ الدَّعْوَةِ وَالرَّحْمَةِ، أَمَّا الْفَصْلُ النِّهَائِيُّ فَيَتِمُّ عِنْدَ انْقِضَاءِ الدَّهْرِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "عِنْدَ نِهَايَةِ الْعَالَمِ"، فَتَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: ل¼گخ½ د„ل؟‡ دƒد…خ½د„خµخ»خµخ¯ل¾³ د„خ؟ل؟¦ خ±ل¼°ل؟¶خ½خ؟د‚، وَمَعْنَاهَا الْأَدَقُّ: "عِنْدَ اكْتِمَالِ الدَّهْرِ" أَوْ "عِنْدَ انْقِضَاءِ هظ°ذَا الزَّمَانِ". وَلَا تُشِيرُ الْعِبَارَةُ إِلَى فَنَاءِ الْخَلْقِ فَنَاءً مُطْلَقًا، بَلْ إِلَى بُلُوغِ التَّارِيخِ غَايَتَهُ، وَإِتْمَامِ تَدْبِيرِ اللهِ الْخَلَاصِيِّ، وَظُهُورِ الْمَلَكُوتِ فِي كَمَالِهِ. وَعِنْدَئِذٍ تَتِمُّ التَّصْفِيَةُ النِّهَائِيَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ عَمَلِ اللهِ وَحْدَهُ. أَمَّا كُلُّ مُحَاوَلَةٍ بَشَرِيَّةٍ لِلْفَصْلِ النِّهَائِيِّ بَيْنَ الْأَبْرَارِ وَالْأَشْرَارِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَهِيَ مَرْفُوضَةٌ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْرِفُ أَعْمَاقَ الْقُلُوبِ وَلَا نِهَايَةَ مَسِيرَةِ كُلِّ شَخْصٍ. وَلِذظ°لِكَ يَقُولُ الْقِدِّيسُ يَعْقُوبُ: "لَيْسَ هُنَاكَ إِلَّا مُشْتَرِعٌ وَاحِدٌ وَدَيَّانٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يُخَلِّصَ وَيُهْلِكَ. فَمَنْ أَنْتَ لِتَدِينَ الْقَرِيبَ؟" (يَعْقُوب 4: 12). وَلَا يَعْنِي ذظ°لِكَ أَنَّ الْكَنِيسَةَ لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، أَوْ أَنَّهَا لَا تُقَوِّمُ الْخَطَأَ، بَلْ يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَحْكُمُ حُكْمًا نِهَائِيًّا عَلَى مَصِيرِ الْأَشْخَاصِ. فَوَاجِبُهَا أَنْ تُعَلِّمَ الْحَقَّ، وَتَدْعُو إِلَى التَّوْبَةِ، وَتُصْلِحَ بِالْمَحَبَّةِ، أَمَّا الدَّيْنُونَةُ الْأَخِيرَةُ فَهِيَ لِلرَّبِّ وَحْدَهُ.

أَمَّا عِبَارَةُ "يَأْتِي الْمَلَائِكَةُ"، فَتَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: ل¼گخ¾خµخ»خµدچدƒخ؟خ½د„خ±خ¹ خ؟ل¼± ل¼„خ³خ³خµخ»خ؟خ¹، أَيْ: "يَخْرُجُ الْمَلَائِكَةُ" أَوْ "يَنْطَلِقُ الْمَلَائِكَةُ" لِإِتْمَامِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي يُوْكِلُهَا اللهُ إِلَيْهِمْ. وَكَلِمَةُ ل¼„خ³خ³خµخ»خ؟د‚ تَعْنِي فِي أَصْلِهَا: "رَسُولًا" أَوْ "مُرْسَلًا"، وَتُطْلَقُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ عَلَى الْأَرْوَاحِ الَّتِي تَقُومُ بِخِدْمَةِ اللهِ، إِذْ إِنَّهُمْ "أَرْوَاحٌ مُكَلَّفُونَ بِالْخِدْمَةِ، يُرْسَلُونَ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ سَيَرِثُونَ الْخَلَاصَ" (عِبْرَانِيِّينَ 1: 14). وَقَدْ ظَهَرَ الْمَلَائِكَةُ فِي مَرَاحِلَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ تَدْبِيرِ الْخَلَاصِ: فَأُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ (لُوقَا 1: 26-38)، وَبَشَّرَ الْمَلَاكُ الرُّعَاةَ بِمِيلَادِ الْمُخَلِّصِ (لُوقَا 2: 8-15)، وَظَهَرَ مَلَاكُ الرَّبِّ لِيُوسُفَ فِي الْحُلْمِ (مَتَّى 2: 13)، وَخَدَمَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسُوعَ بَعْدَ تَجْرِبَتِهِ (مَتَّى 4: 11)، وَقَوَّاهُ مَلَاكٌ فِي جِهَادِهِ فِي بُسْتَانِ الزَّيْتُونِ (لُوقَا 22: 43)، وَأَعْلَنَ الْمَلَاكُ قِيَامَتَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَمْوَاتِ (مَتَّى 28: 2-7). وَفِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ الْأُولَى، كَلَّمَ مَلَاكُ الرَّبِّ فِيلِبُّسَ وَوَجَّهَهُ إِلَى الطَّرِيقِ الَّذِي الْتَقَى فِيهِ الْخَصِيَّ الْحَبَشِيَّ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 8: 26)، وَأَخْرَجَ مَلَاكُ الرَّبِّ بُطْرُسَ مِنَ السِّجْنِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 12: 7-10). وَهظ°كَذَا يَظْهَرُ الْمَلَائِكَةُ خُدَّامًا لِتَدْبِيرِ اللهِ فِي التَّارِيخِ، كَمَا سَيَكُونُونَ خُدَّامًا لِقَضَائِهِ عِنْدَ الدَّيْنُونَةِ الْأَخِيرَةِ.

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "فَيَفْصِلُونَ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ إِلَى الْفِعْلِ ل¼€د†خ؟دپخ¹خ؟ل؟¦دƒخ¹خ½، وَمَعْنَاهُ: يَفْصِلُونَ، يَعْزِلُونَ، أَوْ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ. وَيُبَيِّنُ الْفِعْلُ أَنَّ الِاخْتِلَاطَ الْقَائِمَ فِي زَمَنِ الْكَنِيسَةِ وَالتَّارِيخِ لَنْ يَبْقَى إِلَى الْأَبَدِ، بَلْ سَيَأْتِي وَقْتٌ تَظْهَرُ فِيهِ حَقِيقَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ أَمَامَ اللهِ. وَتُشْبِهُ هظ°ذِهِ الصُّورَةُ مَا وَرَدَ فِي مَثَلِ الزُّؤَانِ، إِذْ قَالَ يَسُوعُ: "يُرْسِلُ ابْنُ الْإِنْسَانِ مَلَائِكَتَهُ، فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ مُسَبِّبِي الْعَثَرَاتِ وَفَاعِلِي الْإِثْمِ" (مَتَّى 13: 41). كَمَا تَتَوَافَقُ مَعَ مَشْهَدِ الدَّيْنُونَةِ الْأَخِيرَةِ، حَيْثُ يَجْلِسُ ابْنُ الْإِنْسَانِ عَلَى عَرْشِ مَجْدِهِ، وَيَفْصِلُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ، كَمَا يَفْصِلُ الرَّاعِي الْخِرَافَ عَنِ الْجِدَاءِ (مَتَّى 25: 31-33). وَفِي الْمَثَلِ، يَكُونُ الصَّيَّادُونَ فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ هُمُ الَّذِينَ يُلْقُونَ الشَّبَكَةَ وَيَجُرُّونَهَا وَيَفْرُزُونَ مَا فِيهَا. أَمَّا فِي الْمَعْنَى الرُّوحِيِّ، فَإِنَّ الْبَشَرَ، وَخَاصَّةً الرُّسُلَ وَالْمُبَشِّرِينَ، يَقُومُونَ بِإِلْقَاءِ شَبَكَةِ الْإِنْجِيلِ وَدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى الْمَلَكُوتِ، بَيْنَمَا يُوْكَلُ الْفَصْلُ النِّهَائِيُّ إِلَى الْمَلَائِكَةِ، بِأَمْرِ ابْنِ الْإِنْسَانِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "الْأَشْرَارَ عَنِ الْأَخْيَارِ"، فَتُشِيرُ إِلَى الْفَرْزِ النِّهَائِيِّ عَلَى أَسَاسِ اسْتِجَابَةِ الْإِنْسَانِ لِنِعْمَةِ اللهِ. وَالْأَخْيَارُ لَيْسُوا أُنَاسًا بِلَا خَطِيئَةٍ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ قَبِلُوا نِعْمَةَ اللهِ، وَتَابُوا، وَثَابَرُوا فِي الْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ. أَمَّا الْأَشْرَارُ فَهُمُ الَّذِينَ رَفَضُوا النِّعْمَةَ وَأَصَرُّوا عَلَى الشَّرِّ دُونَ تَوْبَةٍ. وَيُعَلِّمُنَا هظ°ذَا الْمَثَلُ أَنَّ وَاجِبَ الْكَنِيسَةِ لَيْسَ إِدَانَةَ النَّاسِ أَوِ الْحُكْمَ عَلَى مَصِيرِهِمُ الْأَبَدِيِّ، بَلْ جَمْعُ كُلِّ مَنْ يَقْبَلُ الدَّعْوَةَ، وَإِعْلَانُ الْإِنْجِيلِ لِلْجَمِيعِ، وَفَتْحُ أَبْوَابِ التَّوْبَةِ أَمَامَ كُلِّ إِنْسَانٍ. أَمَّا الْحُكْمُ النِّهَائِيُّ فَيَبْقَى لِلرَّبِّ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ وَحْدَهُ يَعْرِفُ الْقُلُوبَ، وَيَحْكُمُ بِعَدْلٍ وَرَحْمَةٍ وَحَقٍّ. وَبِذظ°لِكَ يَدْعُونَا الْمَثَلُ إِلَى الِامْتِنَاعِ عَنِ التَّسَرُّعِ فِي إِدَانَةِ الْآخَرِينَ، وَإِلَى فَحْصِ ذَوَاتِنَا وَالِاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ الرَّبِّ؛ فَالسُّؤَالُ لَيْسَ: مَنْ سَيُفْصَلُ عَنْ مَنْ؟ بَلْ: كَيْفَ نَسْتَجِيبُ الْيَوْمَ لِنِعْمَةِ اللهِ، وَأَيَّ ثَمَرٍ نُقَدِّمُهُ عِنْدَ اكْتِمَالِ الدَّهْرِ؟



50. "وَيَقْذِفُونَ بِهِمْ فِي أَتُّونِ النَّارِ. فَهُنَاكَ الْبُكَاءُ وَصَرِيفُ الْأَسْنَانِ"



تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَيَقْذِفُونَ بِهِمْ" إِلَى خُطُورَةِ الْمَصِيرِ الَّذِي يؤول إِلَيْهِ الْأَشْرَارُ عِنْدَ الدَّيْنُونَةِ الْأَخِيرَةِ. فَالْفِعْلُ الْيُونَانِيُّ خ²خ±خ»خ؟ل؟¦دƒخ¹خ½ يَعْنِي: يَطْرَحُونَ أَوْ يَقْذِفُونَ، وَيُبْرِزُ حَسْمَ الْحُكْمِ وَنِهَائِيَّتَهُ. وَالْمَقْصُودُ لَيْسَ وَصْفًا مَادِّيًّا تَفْصِيلِيًّا لِمَكَانٍ، بَلْ تَحْذِيرٌ نَبَوِيٌّ مِنْ عَاقِبَةِ رَفْضِ اللهِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الشَّرِّ. وَيَحْمِلُ هظ°ذَا التَّحْذِيرُ وَجْهَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ: فَهُوَ يُنَبِّهُ الْإِنْسَانَ إِلَى خُطُورَةِ الْخَطِيئَةِ وَمَصِيرِ الِانْفِصَالِ عَنِ اللهِ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَدْعُوهُ إِلَى اخْتِيَارِ فَرَحِ الْمَلَكُوتِ وَالتَّوْبَةِ وَالْحَيَاةِ، عِوَضَ الْبُكَاءِ وَالنَّدَمِ عِنْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "أَتُّونِ النَّارِ"، فَتَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيّ ِ د„ل½´خ½ خ؛خ¬خ¼خ¹خ½خ؟خ½ د„خ؟ل؟¦ د€د…دپدŒد‚، أَيْ "فُرْنَ النَّارِ". وَتَدُلُّ كَلِمَةُ خ؛خ¬خ¼خ¹خ½خ؟د‚ عَلَى فُرْنٍ شَدِيدِ الْحَرَارَةِ يُسْتَعْمَلُ لِحَرْقِ الطُّوبِ أَوْ لِصَهْرِ الْمَعَادِنِ. وَيَرِدُ هظ°ذَا التَّعْبِيرُ بِوُضُوحٍ فِي سِفْرِ دَانِيَالَ، فِي حَدِيثِهِ عَنِ الْفِتْيَةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أُلْقُوا فِي أَتُّونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ (دَانِيَال 3: 6). وَيُقَابِلُ هظ°ذَا الْمُصْطَلَحُ الْيُونَانِيُّ فِي الْعِبْرِيَّةِ كَلِمَةَ ×ھض·ض¼×*ض¼×•ض¼×¨، وَمَعْنَاهَا: فُرْنٌ أَوْ تَنُّورٌ. وَيُرَجَّحُ أَنَّ الْمُصْطَلَحَ قَدِ انْتَقَلَ بَيْنَ لُغَاتِ الشَّرْقِ الْقَدِيمِ، وَتَرْتَبِطُ بِهِ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ فِي اللُّغَاتِ السَّامِيَّةِ، مِنْهَا الْأَكَّادِيَّةُ وَالْعَرَبِيَّةُ. وَلَا يُقْصَدُ بِـ "أَتُّونِ النَّارِ" فُرْنٌ مَادِّيٌّ بِمَعْنَاهُ الْحَرْفِيِّ، بَلْ هُوَ صُورَةٌ كِتَابِيَّةٌ قَوِيَّةٌ تُعَبِّرُ عَنْ دَيْنُونَةِ اللهِ وَعَنِ الْمَصِيرِ النِّهَائِيِّ لِمَنْ يَرْفُضُ التَّوْبَةَ وَيُصِرُّ عَلَى الشَّرِّ. وَقَدْ وَرَدَ التَّعْبِيرُ نَفْسُهُ فِي تَفْسِيرِ مَثَلِ الزُّؤَانِ: "فَيَلْقُونَهُمْ فِي أَتُّونِ النَّارِ، فَهُنَاكَ الْبُكَاءُ وَصَرِيفُ الْأَسْنَانِ" (مَتَّى 13: 42).

وَتَرْمُزُ "النَّارُ "فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ إِلَى مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَهِيَ قَدْ تَدُلُّ عَلَى حُضُورِ اللهِ وَقَدَاسَتِهِ، كَمَا فِي الْعُلَّيْقَةِ الْمُشْتَعِلَةِ (خُرُوج 3: 2)، وَقَدْ تَدُلُّ عَلَى التَّطْهِيرِ، كَمَا تُنَقَّى الْمَعَادِنُ فِي النَّارِ، وَقَدْ تَرْمُزُ إِلَى الدَّيْنُونَةِ. أَمَّا فِي هظ°ذَا السِّيَاقِ، فَهِيَ تُعَبِّرُ عَنْ نِهَائِيَّةِ رَفْضِ الْإِنْسَانِ لِلشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ، وَعَنِ النَّتِيجَةِ الْمُؤْلِمَةِ لِهظ°ذَا الرَّفْضِ.

وَلَا يَقُولُ النَّصُّ إِنَّ اللهَ يَسُرُّ بِهَلَاكِ الْخَاطِئِ، بَلْ إِنَّ الدَّيْنُونَةَ هِيَ ثَمَرَةُ رَفْضِ الْإِنْسَانِ لِلنِّعْمَةِ وَإِصْرَارِهِ عَلَى الِابْتِعَادِ عَنْ مَصْدَرِ الْحَيَاةِ. فَاللهُ "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَيَبْلُغُونَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ" (1 تِيمُوثَاوُس 2: 4)، لظ°كِنَّهُ لَا يُلْغِي حُرِّيَّةَ الْإِنْسَانِ وَلَا يَفْرِضُ عَلَيْهِ مَحَبَّتَهُ بِالْقُوَّةِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "فَهُنَاكَ الْبُكَاءُ وَصَرِيفُ الْأَسْنَانِ"، فَهِيَ مِنَ التَّعَابِيرِ الْمُتَكَرِّرَةِ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى لِلدَّلَالَةِ عَلَى نَتِيجَةِ الْإِقْصَاءِ عَنْ شَرِكَةِ الْمَلَكُوتِ (مَتَّى 8: 12؛ 13: 42؛ 22: 13؛ 24: 51؛ 25: 30). وَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ: ل¼گخ؛خµل؟– ل¼”دƒد„خ±خ¹ ل½پ خ؛خ»خ±د…خ¸خ¼ل½¸د‚ خ؛خ±ل½¶ ل½پ خ²دپد…خ³خ¼ل½¸د‚ د„ل؟¶خ½ ل½€خ´دŒخ½د„د‰خ½ ، أَيْ: "هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الْأَسْنَانِ".

وَتُشِيرُ كَلِمَةُ "الْبُكَاءُ" خ؛خ»خ±د…خ¸خ¼دŒد‚، إِلَى الْحُزْنِ الْعَمِيقِ وَالنَّدَمِ وَالْأَلَمِ النَّاجِمِ عَنْ إِدْرَاكِ مَا فَقَدَهُ الْإِنْسَانُ. فَهُوَ لَيْسَ بُكَاءً عَابِرًا، بَلْ صُورَةٌ لِلْأَسَى عَلَى فَقْدَانِ الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ وَفَرَحِ الْمَلَكُوتِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "صَرِيفُ الْأَسْنَانِ" خ²دپد…خ³خ¼ل½¸د‚ د„ل؟¶خ½ ل½€خ´دŒخ½د„د‰خ½، فَتُشِيرُ إِلَى حَرَكَةِ الِاحْتِكَاكِ الشَّدِيدِ بَيْنَ الْأَسْنَانِ، وَهِيَ تَعْبِيرٌ عَنِ الْغَضَبِ أَوِ الْخَوْفِ أَوِ الْأَلَمِ أَوِ الْيَأْسِ. وَقَدِ اسْتُعْمِلَ هظ°ذَا التَّعْبِيرُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ أَيْضًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى حِقْدِ الْأَشْرَارِ عَلَى الْبَارِّ، كَمَا يَقُولُ الْمَزْمُورُ: "كَالْفُجَّارِ الْمُسْتَهْزِئِينَ، صَرَفُوا عَلَيَّ بِأَسْنَانِهِمْ"(مَزْمُور 35: 16). وَفِي سِيَاقِ الدَّيْنُونَةِ، يَجْمَعُ هظ°ذَا التَّعْبِيرُ بَيْنَ الْحُزْنِ وَالْغَضَبِ وَالنَّدَمِ. فَـ الْبُكَاءُ يَدُلُّ عَلَى الْأَلَمِ لِفَقْدَانِ الْخَيْرِ، أَمَّا صَرِيفُ الْأَسْنَانِ فَيَدُلُّ عَلَى الِاضْطِرَابِ الدَّاخِلِيِّ وَالْغَضَبِ وَالْعَجْزِ أَمَامَ نِهَائِيَّةِ الْحُكْمِ.

وَيَرْتَبِطُ هظ°ذَا الْمَشْهَدُ بِصُورَةِ "الظُّلْمَةِ الْبَرَّانِيَّةِ"، إِذْ يَقُولُ الْمَلِكُ لِخُدَّامِهِ فِي مَثَلِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ: "شُدُّوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَأَلْقُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْبَرَّانِيَّةِ، فَهُنَاكَ الْبُكَاءُ وَصَرِيفُ الْأَسْنَانِ" (مَتَّى 22: 13). وَلَا يَوْجَدُ تَنَاقُضٌ بَيْنَ صُورَتَيِ النَّارِ وَالظُّلْمَةِ، لِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا وَصْفَيْنِ جُغْرَافِيَّيْنِ، بَلْ رَمْزَانِ يُعَبِّرَانِ عَنْ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، هِيَ الِانْفِصَالُ عَنْ اللهِ، نُورِ الْحَيَاةِ وَمَصْدَرِ الْفَرَحِ. وَفِي هظ°ذَا الْمَعْنَى، يُمْكِنُ فَهْمُ الظُّلْمَةِ الْبَرَّانِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا صُورَةٌ لِمَنْ يَبْقَى خَارِجَ شَرِكَةِ الْوَلِيمَةِ وَنُورِ الْمَلَكُوتِ. فَالْعَذَابُ الْأَعْمَقُ لَا يَكْمُنُ فِي صُوَرِ النَّارِ أَوِ الظُّلْمَةِ فِي ذَاتِهَا، بَلْ فِي فَقْدَانِ الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ الَّذِي خُلِقَ الْإِنْسَانُ لِيَجِدَ فِيهِ كَمَالَهُ وَفَرَحَهُ. وَلَا يَقْصِدُ يَسُوعُ بِهظ°ذِهِ الصُّوَرِ إِثَارَ الْفَزَعِ الْمَرَضِيِّ، بَلْ إِيقَاظَ الضَّمِيرِ وَإِعْلَانَ جِدِّيَّةِ حُرِّيَّةِ الْإِنْسَانِ وَمَسْؤُولِيَّتِهِ. فَمَحَبَّةُ اللهِ لَا تُلْغِي عَدَالَتَهُ، وَرَحْمَتُهُ لَا تَجْعَلُ اخْتِيَارَ الْإِنْسَانِ بِلَا نَتَائِجَ. وَزَمَنُ الرَّحْمَةِ الَّذِي نَحْيَاهُ الْآنَ هُوَ زَمَنُ التَّوْبَةِ وَتَغْيِيرِ الْحَيَاةِ وَقَبُولِ الْمَلَكُوتِ.

وَبِذظ°لِكَ، لَا يَدْعُونَا هظ°ذَا الْمَثَلُ إِلَى الِانْشِغَالِ بِمَصِيرِ الْآخَرِينَ أَوِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ، بَلْ إِلَى فَحْصِ ضَمِيرِنَا وَتَجْدِيدِ اخْتِيَارِنَا. فَأَمَامَ كُلِّ إِنْسَانٍ طَرِيقَانِ: أَنْ يَسْتَجِيبَ لِنِعْمَةِ اللهِ وَيَدْخُلَ فَرَحَ مَلَكُوتِهِ، أَوْ أَنْ يُصِرَّ عَلَى رَفْضِ الْحَقِّ وَالْمَحَبَّةِ. وَمِنْ هُنَا يَطْرَحُ النَّصُّ عَلَيْنَا سُؤَالًا حَاسِمًا: هَلْ نَسْمَعُ تَحْذِيرَ الْمَسِيحِ الْيَوْمَ، وَنَخْتَارُ فَرَحَ الْمَلَكُوتِ، قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ زَمَنُ التَّوْبَةِ زَمَنَ الْحُكْمِ؟



51. "أَفَهِمْتُمْ هظ°ذَا كُلَّهُ؟» قَالُوا لَهُ: "نَعَمْ"



تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَفَهِمْتُمْ هظ°ذَا كُلَّهُ؟" إِلَى السُّؤَالِ الْخِتَامِيِّ الَّذِي وَجَّهَهُ يَسُوعُ إِلَى تَلَامِيذِهِ بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ تَعْلِيمَهُ بِأَمْثَالِ الْمَلَكُوتِ. وَيَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: خ£د…خ½خ®خ؛خ±د„خµ د„خ±ل؟¦د„خ± د€خ¬خ½د„خ± وَالْفِعْلُ دƒد…خ½خ¯خ·خ¼خ¹ لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ الْإِدْرَاكِ الْعَقْلِيِّ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِيعَابِ الدَّاخِلِيِّ، وَالرَّبْطِ بَيْنَ الْحَقَائِقِ، وَإِدْرَاكِ مَعْنَاهَا الرُّوحِيِّ بِمَا يَقُودُ إِلَى تَغْيِيرِ الْحَيَاةِ. فَالْمَقْصُودُ لَيْسَ مَعْرِفَةَ الْأَمْثَالِ، بَلْ الدُّخُولَ فِي سِرِّ مَلَكُوتِ اللهِ الَّذِي تُعْلِنُهُ. وَلِذظ°لِكَ فَإِنَّ سُؤَالَ يَسُوعَ لَيْسَ امْتِحَانًا لِلذَّاكِرَةِ، بَلْ دَعْوَةٌ إِلَى فَحْصِ الذَّاتِ. فَالْفَهْمُ الْحَقِيقِيُّ يَبْدَأُ بِالْإِصْغَاءِ إِلَى كَلِمَةِ اللهِ، وَيَكْتَمِلُ بِقَبُولِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ مَعْنَى دَعْوَتِهِ السَّابِقَةِ: "اِسْمَعُوا وَافْهَمُوا" (مَتَّى 15: 10)، فَالْإِصْغَاءُ هُوَ بَدَايَةُ الْفَهْمِ، أَمَّا الطَّاعَةُ فَهِيَ ثَمَرَتُهُ.

وَيَحْتَلُّ فِعْلُ "الْفَهْمِ" مَكَانَةً أَسَاسِيَّةً فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، لِأَنَّهُ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَنْ يَقْبَلُونَ أَسْرَارَ الْمَلَكُوتِ وَمَنْ يَرْفُضُونَهَا. فَالْجُمُوعُ "يَنْظُرُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ، وَيَسْمَعُونَ وَلَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَفْهَمُونَ" (مَتَّى 13: 13)، تَحْقِيقًا لِنُبُوَّةِ أَشَعْيَاءَ (مَتَّى 13: 14-15)، بَيْنَمَا أُعْطِيَ التَّلَامِيذُ أَنْ يَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ (مَتَّى 13: 11). وَكَذظ°لِكَ لَمْ يَفْهَمُوا فِي الْبِدَايَةِ تَعْلِيمَ يَسُوعَ عَنِ "خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ"، ثُمَّ "فَهِمُوا" أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْخُبْزِ، بَلْ عَنْ تَعْلِيمِهِمُ الْمُضِلِّلِ (مَتَّى 16: 12). فَالْفَهْمُ، فِي لَاهُوتِ مَتَّى، هُوَ عَطِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ يَقْبَلُهَا الْقَلْبُ الْمُنْفَتِحُ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ عَلَى هظ°ذَا السُّؤَالِ قَائِلًا إِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَسْأَلْهُمْ لِيَعْرِفَ هُوَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، فَهُوَ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَحُثَّهُمْ عَلَى التَّأَمُّلِ فِي مَا سَمِعُوهُ، وَأَنْ يَتَحَمَّلُوا مَسْؤُولِيَّةَ مَا أُعْطِيَ لَهُمْ مِنْ مَعْرِفَةٍ (PG 58: 484).

أَمَّا عِبَارَةُ "قَالُوا لَهُ: نَعَمْ"، فَتُعَبِّرُ عَنْ إِقْرَارِ التَّلَامِيذِ بِأَنَّهُمْ فَهِمُوا تَعْلِيمَ الْمُعَلِّمِ. وَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: خ½خ±خ¯ وَهِيَ حَرْفُ جَوَابٍ يُفِيدُ الْإِقْرَارَ وَالْمُوَافَقَةَ بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ. غَيْرَ أَنَّ الْإِنْجِيلَ يُظْهِرُ أَنَّ هظ°ذَا الْفَهْمَ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ كَامِلًا، بَلْ كَانَ فَهْمًا يَنْمُو تَدْرِيجِيًّا مَعَ مُرَافَقَةِ الْمَسِيحِ، ثُمَّ يَبْلُغُ نُضْجَهُ بَعْدَ الْقِيَامَةِ وَحُلُولِ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَقَدْ وَعَدَهُمْ يَسُوعُ: "وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ... فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يُوحَنَّا 14: 26).

وَيَدْعُونَا هظ°ذَا السُّؤَالُ، الَّذِي وَجَّهَهُ يَسُوعُ إِلَى تَلَامِيذِهِ، أَنْ نَطْرَحَهُ عَلَى أَنْفُسِنَا أَيْضًا: هَلْ فَهِمْنَا حَقًّا أَسْرَارَ الْمَلَكُوتِ؟ وَالْجَوَابُ الصَّادِقُ لَا يَظْهَرُ فِي الْكَلِمَاتِ، بَلْ فِي حَيَاةٍ تُتَرْجِمُ الْإِنْجِيلَ إِلَى إِيمَانٍ حَيٍّ، وَمَحَبَّةٍ عَامِلَةٍ، وَطَاعَةٍ لِمَشِيئَةِ اللهِ.



52 "فَقَالَ لَهُمْ: لِذظ°لِكَ كُلُّ كَاتِبٍ تَتَلْمَذَ لِمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ
يُشْبِهُ رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جَدِيدًا وَقَدِيمًا"



تُشِيرُ عِبَارَةُ "لذلك" إِلَى النَّتِيجَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى جَوَابِ التَّلَامِيذِ: "نَعَمْ" (مَتَّى 13: 51). فَبِمَا أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَمْثَالَ الْمَلَكُوتِ، فَقَدْ أَصْبَحُوا مَدْعُوِّينَ إِلَى أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْ مُسْتَمِعِينَ إِلَى مُعَلِّمِينَ، وَمِنْ مُتَلَقِّينَ لِلْكَلِمَةِ إِلَى خُدَّامٍ يَنْقُلُونَهَا إِلَى الْآخَرِينَ. فَالْفَهْمُ الْإِنْجِيلِيُّ لَا يَنْغَلِقُ عَلَى ذَاتِهِ، بَلْ يَقُودُ إِلَى الرِّسَالَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالشَّهَادَةِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "كُلُّ كَاتِبٍ تَتَلْمَذَ لِمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ"، فَتَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: د€ل¾¶د‚ خ³دپخ±خ¼خ¼خ±د„خµل½؛د‚ خ¼خ±خ¸خ·د„خµد…خ¸خµل½¶د‚ د„ل؟‡ خ²خ±دƒخ¹خ»خµخ¯ل¾³ د„ل؟¶خ½ خ؟ل½گدپخ±خ½ل؟¶خ½ وَتَعْنِي حَرْفِيًّا: "كُلُّ كَاتِبٍ صَارَ تِلْمِيذًا لِمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ".

وَتَدُلُّ كَلِمَةُ " كَاتِبٍ "خ³دپخ±خ¼خ¼خ±د„خµدچد‚ عَلَى الْكَاتِبِ أَوْ عَالِمِ الشَّرِيعَةِ، أَيْ ذظ°لِكَ الَّذِي تَدَرَّبَ عَلَى دِرَاسَةِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ وَتَفْسِيرِهَا وَتَعْلِيمِهَا. وَلَمْ يَكُنِ الْكَاتِبُ مُجَرَّدَ نَاسِخٍ لِلنُّصُوصِ، بَلْ كَانَ مُعَلِّمًا وَمُفَسِّرًا وَمَرْجِعًا فِي شَرِيعَةِ مُوسَى وَتَقَالِيدِ الْآبَاءِ. وَلَا يَقْصِدُ يَسُوعُ هُنَا الْكَاتِبَ الَّذِي يَظَلُّ مُنْغَلِقًا عَلَى تَقَالِيدِهِ، بَلِ الْكَاتِبَ الَّذِي "تَتَلْمَذَ" لِلْمَلَكُوتِ. فَالْفِعْلُ "تَتَلْمَذَ" خ¼خ±خ¸خ·د„خµد…خ¸خµخ¯د‚ هُوَ صِيغَةُ الْمَجْهُولِ مِنَ الْفِعْلِ خ¼خ±خ¸خ·د„خµدچد‰، وَيَعْنِي: صَارَ تِلْمِيذًا، أَوْ تَلَقَّى التَّعْلِيمَ وَتَكَوَّنَ عَلَيْهِ. وَتُظْهِرُ هظ°ذِهِ الصِّيغَةُ أَنَّ الْمُعَلِّمَ الْحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ أَوَّلًا بِأَنْ يَكُونَ تِلْمِيذًا؛ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَلِّمَ أَسْرَارَ الْمَلَكُوتِ مَنْ لَمْ يَجْلِسْ أَوَّلًا عِنْدَ قَدَمَيْ الْمَسِيحِ، وَيَسْمَعْ كَلِمَتَهُ، وَيَسْمَحْ لَهَا أَنْ تُجَدِّدَ فِكْرَهُ وَحَيَاتَهُ.

وَيَجْمَعُ التَّعْبِيرُ بَيْنَ صُورَتَيْنِ كَانَتَا تَبْدُوَانِ مُتَبَاعِدَتَيْنِ: الْكَاتِبِ وَالتِّلْمِيذِ. فَالْكَاتِبُ هُوَ صَاحِبُ الْمَعْرِفَةِ وَالْخِبْرَةِ فِي الْكُتُبِ، أَمَّا التِّلْمِيذُ فَهُوَ الْمُصْغِي الْمُتَوَاضِعُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ. وَهظ°كَذَا يَرْسُمُ يَسُوعُ صُورَةَ الْمُعَلِّمِ الْمَسِيحِيِّ الْمِثَالِيِّ: عَالِمٌ بِالْكِتَابِ، وَلظ°كِنَّهُ يَبْقَى تِلْمِيذًا لِلْمَسِيحِ؛ يَمْلِكُ الْمَعْرِفَةَ، وَلظ°كِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَنِ التَّعَلُّمِ؛ يُعَلِّمُ الْآخَرِينَ، وَلظ°كِنَّهُ يَخْضَعُ دَائِمًا لِكَلِمَةِ اللهِ.

وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ بِـ "الْكَاتِبِ الْمُتَتَلْمِذِ" كُلَّ شَخْصٍ عَرَفَ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، ثُمَّ قَبِلَ فِي يَسُوعَ إِعْلَانَ الْمَلَكُوتِ وَتَتَلْمَذَ لَهُ. فَلَمْ يَكُنْ جَمِيعُ تَلَامِيذِ يَسُوعَ مِنَ الْأُمِّيِّينَ أَوْ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُونَ الشَّرِيعَةَ؛ وَإِنْ كَانَ الْمَجْلِسُ قَدْ تَعَجَّبَ مِنْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا لِأَنَّهُمَا "رَجُلَانِ أُمِّيَّانِ مِنَ الْعَامَّةِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 4: 13)، فَقَدْ وُجِدَ فِي الْجَمَاعَةِ الْمَسِيحِيَّةِ أَيْضًا أُنَاسٌ مُتَعَلِّمُونَ وَعَارِفُونَ بِالْكُتُبِ. وَيَرَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هظ°ذِهِ الْعِبَارَةِ إِشَارَةً ضِمْنِيَّةً إِلَى مَتَّى الْإِنْجِيلِيِّ نَفْسِهِ، الَّذِي جَمَعَ فِي إِنْجِيلِهِ بَيْنَ إِرْثِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَإِعْلَانِ الْمَسِيحِ الْجَدِيدِ. فَقَدْ أَكْثَرَ مَتَّى مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِالْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَظْهَرَ أَنَّ حَيَاةَ يَسُوعَ وَتَعْلِيمَهُ يُتَمِّمَانِ الْوَعْدَ وَالنُّبُوَّةَ. وَمَعَ ذظ°لِكَ، لَا يَنْحَصِرُ النَّصُّ فِي شَخْصِ مَتَّى، بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ مُعَلِّمٍ مَسِيحِيٍّ يَقْرَأُ الْكُتُبَ عَلَى ضَوْءِ سِرِّ الْمَسِيحِ.

أَمَّا عِبَارَةُ "يُشْبِهُ رَبَّ بَيْتٍ"، فَتَرِدُ فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: ل½…خ¼خ؟خ¹دŒد‚ ل¼گدƒد„خ¹خ½ ل¼€خ½خ¸دپدژد€ل؟³ خ؟ل¼°خ؛خ؟خ´خµدƒد€دŒد„ل؟ƒ أَيْ: "يُشْبِهُ إِنْسَانًا رَبَّ بَيْتٍ". وَتَدُلُّ كَلِمَةُ خ؟ل¼°خ؛خ؟خ´خµدƒد€دŒد„خ·د‚ عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ وَالْمَسْؤُولِ عَنْهُ، الَّذِي يَعْرِفُ مَا يَحْتَوِيهِ بَيْتُهُ، وَيُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي خَزَائِنِهِ لِتَلْبِيَةِ حَاجَاتِ أَهْلِهِ. وَيُصَوِّرُ يَسُوعُ الْمُعَلِّمَ الْمُتَتَلْمِذَ لِلْمَلَكُوتِ كَرَبِّ بَيْتٍ لَا يَحْتَفِظُ بِكَنْزِهِ لِنَفْسِهِ، بَلْ يُخْرِجُ مِنْهُ مَا يَنْفَعُ الْآخَرِينَ. فَالْمَعْرِفَةُ الْكِتَابِيَّةُ لَيْسَتْ مِلْكًا خَاصًّا لِمَنْ يَحْمِلُهَا، بَلْ وَدِيعَةٌ أُعْطِيَتْ لَهُ لِيُقَدِّمَهَا فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لِبُنْيَانِ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ.

أَمَّا عِبَارَةُ "مِنْ كَنْزِهِ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ: ل¼گخ؛ د„خ؟ل؟¦ خ¸خ·دƒخ±د…دپخ؟ل؟¦ خ±ل½گد„خ؟ل؟¦ وَكَلِمَةُ خ¸خ·دƒخ±د…دپدŒد‚ الَّتِي وَرَدَتْ أَيْضًا فِي مَثَلِ الْكَنْزِ الْمَخْفِيِّ (مَتَّى 13: 44)، تَعْنِي الْمَخْزَنَ الَّذِي تُحْفَظُ فِيهِ الْأَشْيَاءُ الثَّمِينَةُ، وَتَدُلُّ أَيْضًا عَلَى الْكَنْزِ نَفْسِهِ. وَيَرْمُزُ الْكَنْزُ هُنَا إِلَى الْمَعْرِفَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالْكِتَابِيَّةِ الَّتِي امْتَلَأَ بِهَا قَلْبُ التِّلْمِيذِ مِنْ خِلَالِ إِصْغَائِهِ إِلَى الْمَسِيحِ وَتَأَمُّلِهِ فِي كَلِمَةِ اللهِ. فَالْإِنْسَانُ يُخْرِجُ فِي تَعْلِيمِهِ وَكَلَامِهِ مِمَّا اخْتَزَنَهُ فِي قَلْبِهِ، كَمَا قَالَ يَسُوعُ: "الْإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّالِحَ" (مَتَّى 12: 35). وَيُمْكِنُ أَنْ يَشْمَلَ هظ°ذَا الْكَنْزُ تَعْلِيمَ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ الَّذِي تَلَقَّاهُ الْكَاتِبُ، بَعْدَ أَنْ جَدَّدَهُ إِيمَانُهُ بِالْمَسِيحِ وَكَشَفَ لَهُ مَعْنَاهُ الْأَعْمَقَ. فَالْمَسِيحُ لَمْ يَأْتِ لِيَنْقُضَ الشَّرِيعَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ، بَلْ لِيُكَمِّلَهُمَا (مَتَّى 5: 17)، أَيْ لِيُظْهِرَ غَايَتَهُمَا الْخَلَاصِيَّةَ، وَيُحَقِّقَ مَا أَعْلَنَاهُ مِنْ وُعُودٍ وَرُمُوزٍ وَنُبُوءَاتٍ.

أَمَّا عِبَارَةُ "يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ بِالْفِعْلِ ل¼گخ؛خ²خ¬خ»خ»خµخ¹، وَمَعْنَاهُ الْأَسَاسِيُّ: يُخْرِجُ أَوْ يُبْرِزُ. وَيَدُلُّ الْفِعْلُ فِي هظ°ذَا السِّيَاقِ عَلَى نَشَاطٍ مُتَوَاصِلٍ؛ فَرَبُّ الْبَيْتِ لَا يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، بَلْ يَعُودُ إِلَيْهِ كُلَّمَا احْتَاجَ إِلَى تَقْدِيمِ مَا يَنْفَعُ أَهْلَ بَيْتِهِ. وَهظ°كَذَا يَنْبَغِي لِمُعَلِّمِ الْإِنْجِيلِ أَنْ يَمْتَلِكَ كَنْزًا غَنِيًّا مِنَ الْكَلِمَةِ، وَأَنْ يُحْسِنَ الِاخْتِيَارَ مِنْهُ بِحَسَبِ حَاجَةِ السَّامِعِينَ. فَهُوَ لَا يُكَرِّرُ نُصُوصًا مَحْفُوظَةً بِصُورَةٍ آلِيَّةٍ، بَلْ يُقَدِّمُ كَلِمَةَ اللهِ فِي ضَوْءِ أَوْضَاعِ النَّاسِ وَأَسْئِلَتِهِمْ، دُونَ أَنْ يُفْقِدَهَا أَصَالَتَهَا أَوْ يُحَرِّفَ مَعْنَاهَا.

أَمَّا عِبَارَةُ "جَدِيدًا وَقَدِيمًا"، فَتَرِدُ فِي الْيُونَانِيَّةِ: خ؛خ±خ¹خ½ل½° خ؛خ±ل½¶ د€خ±خ»خ±خ¹خ¬ أَيْ: "أَشْيَاءَ جَدِيدَةً وَأَشْيَاءَ قَدِيمَةً". وَالْجَدِيدُ لَا يَعْنِي هُنَا مَا هُوَ حَدِيثٌ زَمَنِيًّا فَقَطْ، بَلْ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ مِنْ إِعْلَانٍ جَدِيدٍ لِلْمَلَكُوتِ، وَمِنْ فَهْمٍ جَدِيدٍ لِمَشِيئَةِ اللهِ. أَمَّا الْقَدِيمُ فَيُشِيرُ إِلَى الْوَحْيِ السَّابِقِ، وَخَاصَّةً الشَّرِيعَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَكُتُبَ الْحِكْمَةِ. وَلَيْسَ بَيْنَ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ تَعَارُضٌ أَوْ قَطِيعَةٌ، بَلْ وَحْدَةٌ وَتَكَمُّلٌ فِي تَدْبِيرِ اللهِ. فَالْعَهْدُ الْقَدِيمُ يُهَيِّئُ لِلْمَسِيحِ وَيَشْهَدُ لَهُ، وَالْعَهْدُ الْجَدِيدُ يَكْشِفُ تَحَقُّقَ الْوَعْدِ فِيهِ. وَبِدُونِ الْقَدِيمِ يَفْقِدُ الْجَدِيدُ جُذُورَهُ التَّارِيخِيَّةَ وَاللَّاهُوتِيَّةَ، وَبِدُونِ الْجَدِيدِ يَبْقَى الْقَدِيمُ مُنْتَظِرًا اكْتِمَالَ مَعْنَاهُ. وَقَدْ أَوْضَحَ الْمَسِيحُ لِتِلْمِيذَي عِمَّاوُسَ هظ°ذِهِ الْوَحْدَةَ، إِذْ "بَدَأَ مِنْ مُوسَى وَجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ مَا يَخُصُّهُ" (لُوقَا 24: 27). فَالْمَسِيحُ هُوَ الْمِفْتَاحُ الَّذِي يَكْشِفُ الْمَعْنَى الْعَمِيقَ لِلْكُتُبِ، وَفِيهِ تَجِدُ الرُّمُوزُ وَالنُّبُوءَاتُ وَالْوُعُودُ تَحْقِيقَهَا.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُشِيرَ "الْجَدِيدُ" أَيْضًا إِلَى أَمْثَالِ الْمَلَكُوتِ وَتَعْلِيمِ يَسُوعَ، فِي حِينِ يُشِيرُ "الْقَدِيمُ" إِلَى كَنْزِ الْكُتُبِ الَّذِي عَرَفَهُ التَّلَامِيذُ مِنْ تَقْلِيدِ إِسْرَائِيلَ. فَمَهَمَّةُ التَّلَامِيذِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى تَكْرَارِ الْقَدِيمِ، وَلَا عَلَى تَقْدِيمِ الْجَدِيدِ مَقْطُوعًا عَنْ جُذُورِهِ، بَلْ عَلَى إِظْهَارِ الِانْسِجَامِ بَيْنَهُمَا فِي نُورِ الْمَسِيحِ. وَيُقَدِّمُ إِنْجِيلُ مَتَّى نَفْسُهُ نَمُوذَجًا لِهظ°ذَا الْعَمَلِ؛ فَهُوَ يُعْلِنُ جِدَّةَ الْمَسِيحِ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَرْبِطُهَا بِوُعُودِ اللهِ السَّابِقَةِ. وَتَتَكَرَّرُ فِيهِ عِبَارَةُ "لِيَتِمَّ مَا قَالَهُ الرَّبُّ بِلِسَانِ النَّبِيِّ"، لِيُظْهِرَ أَنَّ الْمَسِيحَ لَيْسَ بَدَايَةً مُنْفَصِلَةً عَنْ تَارِيخِ الْخَلَاصِ، بَلْ هُوَ غَايَتُهُ وَكَمَالُهُ. وَفِي الْمُقَابِلِ، رَفَضَ بَعْضُ قَادَةِ الدِّينِ الْيَهُودِيِّينَ جِدَّةَ الْمَلَكُوتِ، لِأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِفَهْمٍ جَامِدٍ لِلتَّقْلِيدِ، وَانْتَظَرُوا مَلَكُوتًا سِيَاسِيًّا أَوْ زَمَنِيًّا. فَلَمْ يَكُنِ الْخَلَلُ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ نَفْسِهِ، بَلْ فِي قِرَاءَتِهِمُ الْمُنْغَلِقَةِ الَّتِي لَمْ تَعْرِفْ فِي يَسُوعَ تَحْقِيقَ رَجَاءِ إِسْرَائِيلَ.

وَيُعَلِّمُنَا هظ°ذَا الْمَثَلُ أَنَّ التَّقْلِيدَ الْحَيَّ لَيْسَ حِفْظًا جَامِدًا لِلْمَاضِي، وَلَا ابْتِكَارًا مُنْفَصِلًا عَنِ الْإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ، بَلْ هُوَ قُدْرَةٌ عَلَى اسْتِخْرَاجِ غِنَى الْوَحْيِ الْقَدِيمِ فِي ضَوْءِ الْجِدَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْمَسِيحُ. فَالْمُعَلِّمُ الْأَمِينُ يَحْفَظُ الْوَدِيعَةَ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يُقَدِّمُهَا بِلُغَةٍ تُخَاطِبُ كُلَّ جِيلٍ. وَبِذظ°لِكَ تَخْتِمُ هظ°ذِهِ الْآيَةُ خِطَابَ أَمْثَالِ الْمَلَكُوتِ بِدَعْوَةٍ رِسَالِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ: فَمَنْ فَهِمَ كَلِمَةَ الْمَسِيحِ لَا يَحْتَفِظُ بِهَا لِنَفْسِهِ، بَلْ يَصِيرُ رَبَّ بَيْتٍ حَكِيمًا، يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِ الْكُتُبِ وَمِنْ خِبْرَتِهِ مَعَ الْمَسِيحِ مَا هُوَ قَدِيمٌ فِي أَصَالَتِهِ، وَجَدِيدٌ فِي نُورِهِ وَقُوَّتِهِ. وَهظ°كَذَا يَبْقَى الْإِنْجِيلُ كَنْزًا لَا يَنْفَدُ، يُقَدَّمُ لِكُلِّ جِيلٍ بِأَمَانَةٍ وَحِكْمَةٍ وَإِبْدَاعٍ.





ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 13: 44-52)



بَعْدَ دِرَاسَةٍ مُوجَزَةٍ عَنْ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 13: 44-52)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ قِيمَةِ فَرَحِ مَلَكُوتِ اللهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ إِمْكَانِيَّةِ خَسَارَتِهِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ ثَلَاثَةِ أَمْثَالٍ: مَثَلِ الْكَنْزِ وَاللُّؤْلُؤَةِ (مَتَّى 13: 44-45)، وَمَثَلِ الشَّبَكَةِ (مَتَّى 13: 47-50).



1) دَعْوَةٌ إِلَى فَرَحِ الْمَلَكُوتِ مِنْ خِلَالِ مَثَلِ الْكَنْزِ



مَثَلُ الْكَنْزِ هُوَ الْمَثَلُ الْخَامِسُ مِنْ أَمْثَالِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى (الْفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَرَ). وَالْفِكْرَةُ الرَّئِيسِيَّةُ لِهَذَا الْمَثَلِ هِيَ الْفَرَحُ الْعَظِيمُ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ لَدَى اكْتِشَافِهِ كَنْزَ مَلَكُوتِ اللهِ. فَالْكَنْزُ مَوْجُودٌ قَبْلَنَا وَيَنْتَظِرُ أَنْ نَقْبَلَهُ، وَلَيْسَ هُوَ نِتَاجَ أَعْمَالِنَا؛ وَكَمَا يُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ذَهَبِيُّ الْفَمِ، فَإِنَّ: "الْبِشَارَةَ وَالإِنْجِيلَ هُمَا كَنْزٌ مَخْفِيٌّ فِي الْعَالَمِ، وَمَنْ يَجِدُهُ يَبِيعُ كُلَّ شَيْءٍ بِفَرَحٍ لِكَيْ يَحْصُلَ عَلَيْهِ" (شَرْحُ إِنْجِيلِ مَتَّى، الْعِظَةُ 47).



وَهَذَا الاِكْتِشَافُ يَسْتَحِقُّ كُلَّ التَّضْحِيَاتِ؛ حَيْثُ لَا بُدَّ مِنَ الاِسْتِعْدَادِ الَّذِي يُؤَهِّلُنَا لِلدُّخُولِ فِي فَرَحِ الْمَلَكُوتِ الَّذِي لَا يُشْبِعُ فَقَطْ رَغَبَاتِنَا بَلْ يَفِيضُ بِالْمَجْدِ؛ لِذَلِكَ يَقُولُ الرَّبُّ: "أُدْخُلْ نَعِيمَ سَيِّدِكَ" (مَتَّى 25: 21). فَإِنْ رَغِبَ أَحَدٌ بِالْمَسَرَّاتِ، فَهُنَاكَ تَكُونُ الْبَهْجَةُ السَّامِيَةُ وَالْكَامِلَةُ، لِأَنَّهَا تَكْمُنُ فِي الْخَيْرِ الأَسْمَى الَّذِي هُوَ اللهُ نَفْسُهُ، كَمَا يَقُولُ صَاحِبُ الْمَزْمُورِ: "أَمَامَ وَجْهِكَ فَرَحٌ تَامٌّ وَعَنْ يَمِينِكَ نَعِيمٌ عَلَى الدَّوَامِ" (مَزْمُورٌ 16: 11).



وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا لِبَيْعِ كُلِّ شَيْءٍ فِي سَبِيلِهِ؛ فَالإِنْسَانُ فِي فَرَحِهِ يُعْطِي كُلَّ شَيْءٍ. وَفِي النِّهَايَةِ، إِنَّ مَا يُعْطِينَا الْفَرَحَ سَيُعْطِينَا أَيْضًا الْقُوَّةَ لِتَغْيِيرِ أَوْلَوِيَّاتِنَا وَحَيَاتِنَا بِطَرِيقَةٍ جِذْرِيَّةٍ. وَمَنْ ذَاقَ فَرَحَ ذَلِكَ الْمَلَكُوتِ يَفْهَمُ أَنَّ الْكَنْزَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ فِيهِ، وَيَلْتَزِمُ بِهِ مِنْ كُلِّ قَلْبِهِ. وَفِي هَذَا الصَّدَدِ، يُوَضِّحُ الْقِدِّيسُ غَرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ أَنَّ: "الْكَنْزَ الْمَخْفِيَّ فِي الْحَقْلِ هُوَ الشَّوْقُ السَّمَاوِيُّ، وَالْحَقْلَ الَّذِي أُخْفِيَ فِيهِ الْكَنْزُ هُوَ التَّدْرِيبُ عَلَى السَّعْيِ السَّمَاوِيِّ؛ فَمَنْ يَجِدُهُ يُخْفِيهِ لِيَحْفَظَهُ، لِأَنَّ الرَّغْبَةَ السَّمَاوِيَّةَ تُصَانُ فِي عُمْقِ الْقَلْبِ" (عِظَاتٌ عَلَى الأَنَاجِيلِ، الْعِظَةُ 11).



لِذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا بَيْعُ كُلِّ شَيْءٍ لِلْحُصُولِ عَلَى الْمَلَكُوتِ. وَقَدْ وَجَّهَ يَسُوعُ هَذَا الْمَثَلَ لِلتَّلَامِيذِ وَلَيْسَ لِلْجُمُوعِ، أَيْ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْعُمْقِ حُبًّا فِي الْمَسِيحِ؛ فَإِنَّ الْبَحْثَ عَنْ يَسُوعَ وَالاِلْتِقَاءَ بِهِ هُوَ الْكَنْزُ الأَعْظَمُ! كَمَا يُشِيرُ الْقِدِّيسُ ايرونيموس إِلَى أَنَّ: "الْكَنْزَ الْمَخْفِيَّ هُوَ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ، أَوْ مَعْرِفَةُ اللهِ الْمُخَبَّأَةُ فِي كَلِمَتِهِ" (شَرْحُ إِنْجِيلِ مَتَّى، الْكِتَابُ الثَّانِي).



يُظْهِرُ مَثَلُ الْكَنْزِ قِيمَةَ الْمَلَكُوتِ؛ فَالْمَلَكُوتُ ثَمِينٌ جِدًّا وَقِيمَتُهُ لَا تُضَاهَى، وَهُوَ يَسُوعُ ذَاتُهُ وَكُلُّ مَا يَنْجُمُ عَنْ لِقَائِهِ مِنْ تَغْيِيرِ أُسْلُوبِ مَعِيشَتِنَا. وَيَسْتَحِقُّ الْمَلَكُوتُ أَنْ نَبْذُلَ مِنْ أَجْلِهِ الْغَالِيَ وَالرَّخِيصَ لِأَنَّ امْتِلَاكَهُ يُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِنَا بِطَرِيقَةٍ جِذْرِيَّةٍ. وَخَيْرُ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الْقِدِّيسُ فَرَنْسِيسُ الأَسِيزِيُّ: لَقَدْ كَانَ مَسِيحِيًّا بِالاِسْمِ فَقَطْ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَمَا قَرَأَ الإِنْجِيلَ فِي مَرْحَلَةٍ مَصِيرِيَّةٍ مِنْ مَرَاحِلِ شَبَابِهِ، الْتَقَى بِيَسُوعَ وَاكْتَشَفَ مَلَكُوتَ اللهِ، فَتَلَاشَتْ عِنْدَهَا جَمِيعُ أَحْلَامِ الْمَجْدِ الأَرْضِيِّ الَّتِي كَانَتْ تُرَاوِدُهُ.



لَا يَكْفِي الْعُثُورُ عَلَى الْكَنْزِ، بَلْ يَنْبَغِي اقْتِنَاؤُهُ؛ وَقِيمَةُ الْكَنْزِ تُعَادِلُ كُلَّ مَا يَمْتَلِكُهُ الْمُشْتَرِي. إِنَّهُ شَيْءٌ يُعَادِلُ الْحَيَاةَ بِأَكْمَلِهَا، لِأَنَّهُ كَنْزُ الْحَيَاةِ. وَلِذَلِكَ فَإِنْ عَثَرَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِكُلِّ شَيْءٍ لِكَيْ يَحْصُلَ عَلَيْهِ. وَلَا يَحْصُلُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ، بَلْ بِالتَّخَلِّي عَنِ الْمَالِ وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الأُمُورِ الأَرْضِيَّةِ لِكَيْ يَنْفَتِحَ عَلَى الْمَسِيحِ. وَهَذَا الاِنْفِتَاحُ يَتَطَلَّبُ أَنْ يَبِيعَ الْمَرْءُ كُلَّ مَا يَمْلِكُ لِكَيْ يَحْصُلَ عَلَى فَرَحِ كَنْزِ الْمَلَكُوتِ؛ وَكَمَا يُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ، فَإِنَّ: "بَيْعَ كُلِّ الْمُمْتَلَكَاتِ يَعْنِي الاِزْدِرَاءَ بِالأُمُورِ الزَّائِلَةِ زُهْدًا فِي سَبِيلِ اقْتِنَاءِ الْحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ وَالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (فِي الْمَوْعِظَةِ عَلَى الْجَبَلِ، 1: 19).



وَهَذَا مَا فَعَلَهُ الرُّسُلُ: "هَا قَدْ تَرَكْنَا نَحْنُ كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ". فَقَالَ يَسُوعُ: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَا مِنْ أَحَدٍ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أُمًّا أَوْ أَبًا أَوْ بَنِينَ أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِي وَأَجْلِ الْبِشَارَةِ إِلاَّ نَالَ الآنَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِائَةَ ضِعْفٍ مِنَ الْبُيُوتِ وَالإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ وَالأُمَّهَاتِ وَالْبَنِينَ وَالْحُقُولِ مَعَ الاِضْطِهَادَاتِ، وَنَالَ فِي الآخِرَةِ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ" (مَرْقُس 10: 28-29). وَالْعُثُورُ عَلَى الْكَنْزِ يَمْلأُ الْحَيَاةَ فَرَحًا.



وَلاَ يُقَدَّرُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ بِثَمَنٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ يُكَلِّفُ تَمَامًا كُلَّ مَا يَمْلِكُ المَرْءُ. لَقَدْ كَلَّفَ بُطْرُسَ وَأَنْدَرَاوُسَ مَجْمُوعَةً مِنْ مَرَاكِبِ الصَّيْدِ، وَكَلَّفَ الأَرْمَلَةَ فِلْسَيْنِ (لُوقَا 21: 2)؛ وَكَلَّفَ شَخْصًا آخَرَ كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ (مَتَّى 10: 42). فَاللهُ يَنْظُرُ إِلَى القَلْبِ، وَإِلَى نِيَّةِ الَّذِي يُقَدِّمُهَا وَلَيْسَ إِلَى الثَّرْوَةِ المَادِّيَّةِ. فَهَلْ نَجِدُ مَا هُوَ أَسْهَلُ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ لِنَكْتَسِبَهُ، وَمَا هُوَ أَثْمَنُ مِنْهُ لِنَمْتَلِكَهُ؟ وَلِذَلِكَ يُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا ذَهَبِيُّ الفَمِ: "هُنَالِكَ شَرْطَانِ ضَرُورِيَّانِ لِلْحُصُولِ عَلَى هَذَا الكَنْزِ: التَّخَلِّي عَنْ خَيْرَاتِ العَالَمِ، وَشَجَاعَةٌ ثَابِتَةٌ" (عِظَاتٌ حَوْلَ إِنْجِيلِ القِدِّيسِ مَتَّى، العِظَةُ 47).



أَوَّلًا: الكَنْزُ هُوَ المَسِيحُ



الكَنْزُ أَوَّلًا هُوَ المَسِيحُ؛ وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ بِرْنَرْدُسُ: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ عَلَى الأَرْضِ كَنْزَ رَحْمَتِهِ، هَذَا الكَنْزَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُفْتَحَ بِوَاسِطَةِ الآلاَمِ، لِيَنْشُرَ ثَمَنَ خَلاَصِنَا الَّذِي كَانَ مُخْفَيًّا فِيهِ... "فِيهِ يَحِلُّ جَمِيعُ كَمَالِ الأُلُوهِيَّةِ حُلُولًا جَسَدِيًّا" (كُولُوسِي 2: 9)" (العِظَةُ الأُولَى عَنْ عِيدِ الظُّهُورِ الإِلَهِيِّ).



وَيَقُومُ دَوْرُ المِؤْمِنِ بِالجِهَادِ المُسْتَمِرِّ لِاكْتِشَافِ المَسِيحِ "الكَنْزِ المَدْفُونِ فِي الحَقْلِ". وَهَذَا الاِكْتِشَافُ بِحَاجَةٍ لِمَنْ يُفَتِّشُ عَنْهُ، يَتْعَبُ وَيَبْحَثُ بَاذِلًا كُلَّ الجُهْدِ لِيَجِدَ هَذَا الكَنْزَ. وَمَنْ اكْتَشَفَ هَذَا الكَنْزَ يَبِيعُ كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ حَاسِبًا إِيَّاهُ نُفَايَةً، أَيْ يَسْتَغْنِي بِالكَامِلِ عَنْ كُلِّ مَلَذَّاتِ العَالَمِ، إِذْ يَصِيرُ العَالَمُ فِي عَيْنَيْهِ بِلاَ قِيمَةٍ، وَيَشْتَرِي الحَقْلَ أَيْ يَعِيشُ لِلَّهِ فَقَطْ، كَمَا فَعَلَ بُولُسُ الرَّسُولُ: "إِلاَّ أَنَّ مَا كَانَ فِي كُلِّ ذلِكَ مِنْ رِبْحٍ لِي عَدَدْتُهُ خُسْرَانًا مِنْ أَجْلِ المَسِيحِ، بَلْ أَعُدُّ كُلَّ شَيْءٍ خُسْرَانًا مِنْ أَجْلِ المَعْرِفَةِ السَّامِيَةِ، مَعْرِفَةِ يَسُوعَ المَسِيحِ رَبِّي. مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ شَيْءٍ وَعَدَدْتُ كُلَّ شَيْءٍ نُفَايَةً لأَرَبَحَ المَسِيحَ" (فِيلِبِّي 3: 7-8).



ثَانِيًا: الكَنْزُ هُوَ الإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ



الكَنْزُ هُوَ أَيْضًا الإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ؛ فَمَنْ حَصَلَ عَلَى الإِيمَانِ حَصَلَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ضَرُورِيٍّ لِلْخَلاَصِ، لِأَنَّهُ بِالإِيمَانِ نَقْدِرُ أَنْ نَكْتَشِفَ مَا عَلَيْنَا عَمَلُهُ لِلْخَلاَصِ. وَبِالإِيمَانِ نَبْنِي مَلَكُوتَ اللهِ عَلَى الأَرْضِ، مَعَ يَسُوعَ المَسِيحِ، الَّذِي جَاءَ وَسَكَنَ بَيْنَنَا. وَبِالإِيمَانِ نَعْرِفُ أَنَّ اللهَ مَعَنَا: "إِذَا كَانَ اللهُ مَعَنَا، فَمَنْ يَكُونُ عَلَيْنَا؟ ... وَمَنْ يَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ المَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ ... وَإِنِّي وَاثِقٌ بِأَنَّهُ لاَ مَوْتٌ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ أَصْحَابَ رِئَاسَةٍ، وَلاَ حَاضِرٌ وَلاَ مُسْتَقْبَلٌ، وَلاَ قُوَّاتٌ، وَلاَ عُلُوٌّ وَلاَ عُمْقٌ، وَلاَ خَلِيقَةٌ أُخْرَى، بِوُسْعِهَا أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي المَسِيحِ"(رُومَة 8: 31-39). وَفِي هَذَا الصَّدَدِ يُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ أُورَشَلِيمَ: "الإِيمَانُ كَنْزٌ عَظِيمٌ يَسْتَنِيرُ بِهِ عَقْلُ الإِنْسَانِ، وَيَمْلأُ الرُّوحَ بِالنُّورِ الإِلَهِيِّ لِتَكْتَشِفَ طَرِيقَ الخَلاَصِ" (التَّعَالِيمُ المَقْتُورِيَّةُ، المَقَالَةُ 5). فَكَنْزُ الإِيمَانِ يَحِقُّ التَّضْحِيَةُ لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ.



ثَالِثًا: الكَنْزُ هُوَ الخَلاَصُ



الكَنْزُ هُوَ أَيْضًا الخَلاَصُ. آخَرُونَ يَرَوْنَ فِي المَثَلِ إِشَارَةً عَنِ الخَاطِئِ الَّذِي يَبْذُلُ كُلَّ شَيْءٍ لِيَقْتَنِيَ الخَلاَصَ، وَهَذَا مَا فَعَلَهُ زَكَّا العَشَّارُ؛ إِذْ لَمَّا رَأَى الرَّبَّ يَمُرُّ فِي أَرِيحَا صَعِدَ إِلَى شَجَرَةِ الجُمَّيْزَةِ لِأَنَّهُ كَانَ قَصِيرَ القَامَةِ (لُوقَا 19: 1-10)، فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ وَجَدَ النُّورَ؛ رَآهُ وَأَعْطَاهُ كُلَّ مَا لَهُ، وَكَانَ مِنْ قَبْلُ يَأْخُذُ زَكَّا مَا لَيْسَ لَهُ.



وَلَنَا شَهَادَةٌ أَيْضًا فِي حَيَاةِ القِدِّيسِ فَرَنْسِيسَ الأَسِيزِيِّ الَّذِي قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَتَيْنِ تَأَلَّمَ كَثِيرًا، فَطَلَبَ مِنَ الرَّبِّ النَّجْدَةَ: "وَفَجْأَةً سَمِعَ صَوْتًا فِي رُوحِهِ: "قُلْ لِي يَا أَخِي: إِذَا أَعْطَيْتُكَ مُقَابِلَ آلاَمِكَ وَمِحَنِكَ كَنْزًا كَبِيرًا وَثَمِينًا... أَلَنْ تَفْرَحَ؟" (حَيَاةُ القِدِّيسِ فَرَنْسِيسَ الأَسِيزِيِّ المَعْرُوفَةُ بِـ "مَجْمُوعَةِ بِيرُوجَا"، الفَقْرَةُ 43). هَا إِنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ عَلَى الأَرْضِ كَنْزَ رَحْمَتِهِ، هَذَا الكَنْزَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُفْتَحَ بِوَاسِطَةِ الآلاَمِ، لِيُعْلِنَ ثَمَنَ خَلاَصِنَا الَّذِي كَانَ مُخْفَيًّا فِيهِ.



رَابِعًا: الكَنْزُ هُوَ الكِتَابُ المَقْدَّسُ



الكَنْزُ أَخِيرًا هُوَ الكِتَابُ المَقْدَّسُ. وَيُعَلِّقُ العَلاَّمَةُ أُورِيجَانُوسُ: "مَا هُوَ هَذَا الحَقْلُ إِلاَّ الكِتَابُ المَقْدَّسُ بِعَهْدَيْهِ الَّذِي يَحْوِي فِي دَاخِلِهِ سِرَّ المَسِيحِ كَكَنْزٍ مُخْفَى لاَ يَتَمَتَّعُ بِهِ غَيْرُ المِثَابِرِينَ بِالحَفْرِ المُسْتَمِرِّ فِي الكِتَابِ؟ لِهَذَا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِ أَنْ يَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ لِيَقْتَنِيَ هَذَا الحَقْلَ الحَاوِيَ لِلْكَنْزِ. حَقًّا إِنَّ الحَقْلَ كَمَا يَبْدُو لِي حَسَبَ مَا جَاءَ هُنَا هُوَ الكِتَابُ المَقْدَّسُ الَّذِي فِيهِ زُرِعَ مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلِمَاتٍ مِنَ التَّارِيخِ وَالنَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ وَبَقِيَّةِ الأَفْكَارِ؛ أَمَّا الكَنْزُ المَدْفُونُ فِي الحَقْلِ فَهُوَ الأَفْكَارُ المَخْتُومَةُ وَالمُخْفِيَّةُ وَرَاءَ الأُمُورِ المَنْظُورَةِ، الحِكْمَةُ المَخْفِيَّةُ فِي سِرٍّ، المَسِيحُ الَّذِي "اسْتَكَنَّتْ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الحِكْمَةِ وَالمَعْرِفَةِ" (كُولُوسِي 2: 3)" (شَرْحُ إِنْجِيلِ مَتَّى، المَجَلَّدُ 10، الفَصْلُ 5).





2) دَعْوَةٌ إِلَى طَلَبِ الْمَلَكُوتِ مِنْ خِلَالِ مَثَلِ اللُّؤْلُؤَةِ



مَثَلُ اللُّؤْلُؤَةِ هُوَ الْمَثَلُ السَّادِسُ مِنْ أَمْثَالِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى (الْفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَرَ). وَيُقَدِّمُ لَنَا السَّيِّدُ الْمَسِيحُ قِيمَةَ الْمَلَكُوتِ وَثَمَنَهُ عَنْ طَرِيقِ مَثَلِ اللُّؤْلُؤَةِ؛ فَيَصِفُ هَذَا الْمَثَلُ إِنْسَانًا خَبِيرًا يَعْرِفُ قِيمَةَ اللَّآلِئِ، فَيُفَتِّشُ بِجُهْدٍ حَتَّى يَجِدَ لُؤْلُؤَةً غَالِيَةَ الثَّمَنِ. وَقَدْ كَانَتِ اللُّؤْلُؤَةُ عِنْدَ الْقُدَمَاءِ أَجْمَلَ الْحِجَارَةِ الْكَرِيمَةِ وَأَثْمَنَهَا وَأَكْثَرَهَا إِثَارَةً لِلتَّأَمُّلِ وَالإِعْجَابِ.



وَاللُّؤْلُؤَةُ الْوَاحِدَةُ الْغَالِيَةُ الثَّمَنِ تَرْمُزُ إِلَى شَخْصِ الْمَسِيحِ. وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَقْتَنِيَ السَّيِّدَ الْمَسِيحَ، اللُّؤْلُؤَةَ الثَّمِينَةَ، مَا لَمْ يَبِعْ مَا يَمْلِكُ كَيْ يَحْصُلَ عَلَى الْفَرَحِ الَّذِي يُقَدِّمُهُ الْمَلَكُوتُ. وَالْبَيْعُ هُنَا لَيْسَ عَمَلِيَّةً حَرْفِيَّةً، بَلْ هُوَ انْسِحَابُ الْقَلْبِ نَحْوَ اللهِ لِاقْتِنَاءِ الْمَلَكُوتِ. وَيُعَلِّقُ الْعَلَّامَةُ أُورِيجَانُوسُ: "هَذِهِ اللُّؤْلُؤَةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يَتْرُكُ الإِنْسَانُ كُلَّ مَا يَمْتَلِكُ وَيَحْسَبُهُ نُفَايَةً؛ لِكَيْ يَرْبَحَ الْمَسِيحَ كَمَا عَمِلَ بُولُسُ الرَّسُولُ: "بَلْ أَعُدُّ كُلَّ شَيْءٍ خُسْرَانًا مِنْ أَجْلِ الْمَعْرِفَةِ السَّامِيَةِ، مَعْرِفَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّي. مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ شَيْءٍ وَعَدَدْتُ كُلَّ شَيْءٍ نُفَايَةً لأَرْبَحَ الْمَسِيحَ" (فِيلِبِّي 3: 8)، قَاصِدًا بِكُلِّ الأَشْيَاءِ اللَّآلِئَ الصَّالِحَةَ، حَتَّى أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، اللُّؤْلُؤَةَ الْوَاحِدَةَ الْغَالِيَةَ الثَّمَنِ" (شَرْحُ إِنْجِيلِ مَتَّى، الْمَجَلَّدُ 10، الْفَصْلُ 9-10). وَيَقُولُ كِتَابُ "الاِقْتِدَاءِ بِالْمَسِيحِ": "إِنْ حَصَلْتَ عَلَى الْمَسِيحِ، فَأَنْتَ غَنِيٌّ، وَهُوَ حَسْبُكَ" (الْكِتَابُ الثَّانِي، الْفَصْلُ 1: 1).



تَجْدُرُ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ لَهُ إِغْرَاؤُهُ وَحَلَاوَتُهُ وَجَذْبُهُ، وَلَكِنْ إِذَا اكْتَشَفْنَا شَخْصَ الْمَسِيحِ سَنَكْتَشِفُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَفَاهَةَ كُلِّ مَلَذَّاتِ الدُّنْيَا. وَكُلُّ أَهْلِ الأَرْضِ مِثْلُ ذَلِكَ "التَّاجِرِ الَّذِي كَانَ يَطْلُبُ اللُّؤْلُؤَ الْكَرِيمَ" (مَتَّى 13: 45). إِنَّهُمْ يَطْلُبُونَ الْخَيْرَ الأَعْظَمَ لَكِنَّهُمْ يُخْطِئُونَ إِذْ يَطْلُبُونَهُ حَيْثُ لَا يُوجَدُ، لِظَنِّهِمْ إِيَّاهُ فِي الْمَالِ أَوْ الْمَرَاتِبِ الْعَالِيَةِ أَوْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ، وَفَاتَهُمْ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا عِنْدَ اللهِ. فَمَتَى طَلَبُوا الْغِنَى السَّمَاوِيَّ بِرَغْبَةِ التَّاجِرِ فِي اللُّؤْلُؤِ الْكَرِيمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَجِدُوهُ.



يَسُوعُ هُوَ اللُّؤْلُؤَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الْغَالِيَةُ الثَّمَنِ؛ وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ غَرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ قَائِلًا: "فَإِنْ قُورِنَتْ تِلْكَ الْعُذُوبَةُ الَّتِي صَارَتْ لَهُ، لَا يَجِدُ لِشَيْءٍ مَا قِيمَةً، فَتَتَخَلَّى نَفْسُهُ عَنْ كُلِّ مَا اقْتَنَتْهُ، وَتُبَدِّدُ كُلَّ مَا قَدْ جَمَعَتْ" (عِظَاتٌ عَلَى الأَنَاجِيلِ، الْعِظَةُ 11). أَمَّا اللَّآلِئُ الْحَسَنَةُ فَهِيَ الْعَالَمُ بِمَلَذَّاتِهِ. وَيُرَى عِنْدَ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ: "فِي اللَّآلِئِ الَّتِي يَبِيعُهَا الإِنْسَانُ إِنَّمَا هِيَ الطُرُقُ الْمُتَعَدِّدَةُ الَّتِي يَتْرُكُهَا لِيَدْخُلَ الطَّرِيقَ الْوَحِيدَ الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ" (شَرْحُ إِنْجِيلِ مَتَّى، الْكِتَابُ الثَّانِي)؛ كَمَا جَاءَ فِي النَّبُوَّاتِ: "قِفُوا فِي الطُرُقِ وَانْظُرُوا وَاسْأَلُوا عَنِ الْمَسَالِكِ الْقَوِيمَةِ مَا هُوَ الطَّرِيقُ الصَّالِحُ وَسِيرُوا فِيهِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ" (إِرْمِيَا 6: 16).وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ:"اسْهَرُوا عَلَى هَذَا الْكَنْزِ كَيْ تَكُونُوا أَغْنِيَاءَ دَاخِلِيًّا" (العِظَةُ 34 عَنْ الْمَزْمُورِ 149: "الاِغْتِنَاءُ عِنْدَ اللهِ").



وَإِنَّنَا نَسْتَنْتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ مَثَلَ اللُّؤْلُؤَةِ يُشْبِهُ مَثَلَ الْكَنْزِ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ:

عَظَمَةُ قِيمَةِ الْمَوْجُودِ.

وُجُوبُ أَنْ يَكُونَ مُلْكًا خَاصًّا بِالْوَاجِدِ.

أَنْ يَتْرُكَ عِنْدَ وُجْدَانِهِ كُلَّ شَيْءٍ لأَجْلِهِ؛ إِذِ اعْتَمَدَ شَيْئًا وَاحِدًا وَهُوَ الْحُصُولُ عَلَى النَّفِيسِ بِأَيِّ نَفَقَةٍ كَانَتْ.



وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا ذَهَبِيُّ الْفَمِ: "إِنَّ الشَّبَهَ الَّذِي يُمْكِنُنَا رُؤْيَتُهُ بَيْنَ مَثَلِ الْكَنْزِ وَمَثَلِ اللُّؤْلُؤَةِ هُوَ أَنَّهُ يَجِبُ تَفْضِيلُ الإِنْجِيلِ عَلَى أَيِّ كَنْزٍ آخَرَ... غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ أَمْرٌ آخَرُ أَكْثَرُ جَدَارَةً: يَجِبُ تَفْضِيلُ الإِنْجِيلِ بِفَرَحٍ وَسُرُورٍ وَمِنْ دُونِ تَرَدُّدٍ. يَجِبُ أَلَّا نَنْسَى أَبَدًا أَنَّ التَّخَلِّيَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اتِّبَاعِ اللهِ هُوَ رِبْحٌ أَكْثَرُ مِمَّا هُوَ خَسَارَةٌ"(عِظَاتٌ حَوْلَ إِنْجِيلِ الْقِدِّيسِ مَتَّى، الْعِظَةُ 47).



وَيَخْتَلِفُ الْمَثَلَانِ فِي أَمْرَيْنِ: أَوَّلًا: أَنَّ وَاجِدَ الْكَنْزِ وَجَدَهُ عَنْ طَرِيقِ الصُّدْفَةِ، أَمَّا وَاجِدُ اللُّؤْلُؤَةِ فـ"كَانَ يَطْلُبُ اللُّؤْلُؤَ الْكَرِيمَ" وَوَجَدَهَا بَعْدَ بَذْلِ جُهْدِهِ فِي الطَّلَبِ وَالتَّفْتِيشِ. ثَانِيًا: أَنَّ مَنْ وَجَدَ الْكَنْزَ صُدْفَةً فَرِحَ، أَمَّا تَاجِرُ اللُّؤْلُؤِ فَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ فَرِحَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ يَجِدُ النَّفِيسَ بَعْدَ الْبَحْثِ وَالطَّلَبِ يَكُونُ تَأَثُرُهُ أَقَلَّ فُجَاءَةً مِمَّنْ يَجِدُهُ صُدْفَةً بِلاَ طَلَبٍ.



فَمِثَالُ الأَوَّلِ الْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ، فَإِنَّهَا جَاءَتْ إِلَى الْبِئْرِ لِمَجَرَّدِ اسْتِقَاءِ الْمَاءِ فَوَجَدَتِ الْمَسِيحَ هُنَاكَ (يُوحَنَّا 4: 4-30، 39-42)؛ وَمِثْلُهَا مِثْلُ بُولُسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَجِدَ الْمَسِيحَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى دِمَشْقَ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 9: 1-9). وَأَمَّا مِثَالُ الْمَثَلِ الثَّانِي فَهُوَ الْمَجُوسُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنَ الْمَشْرِقِ يَطْلُبُونَ مُشَاهَدَةَ الْمَلِكِ الْمَوْلُودِ حَدِيثًا (مَتَّى 2: 1-16)؛ وَكَمِثْلِهِمِ الْخَصِيُّ الْحَبَشِيُّ، فَإِنَّهُ وَجَدَ الْمَسِيحَ بِقُدُومِهِ إِلَى أُورَشَلِيمَ لِلسُّجُودِ وَدِرَاسَةِ كَلَامِ الأَنْبِيَاءِ عَنِ الْمَسِيحِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 8: 26-39). يَدْعُونَا يَسُوعُ مِنْ خِلَالِ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ إِلَى بَيْعِ كُلِّ شَيْءٍ لِلْحُصُولِ عَلَى فَرَحِ الْمَلَكُوتِ، خَاصَّةً أَنَّ الْمَثَلَيْنِ يَقَعَانِ فِي إِطَارِ تَهْدِيدَيْنِ شَدِيدَيْنِ: التَّهْدِيدُ الأَوَّلُ: "يَقْذِفُونَ بِهِمْ [الأَثَمَةَ كَافَّةً] فِي أَتُّونِ النَّارِ، فَهُنَاكَ الْبُكَاءُ وَصَرِيفُ الأَسْنَانِ" (مَتَّى 13: 42). التَّهْدِيدُ الآخَرُ: "يَقْذِفُونَ بِهِمْ فِي أَتُّونِ النَّارِ، فَهُنَاكَ الْبُكَاءُ وَصَرِيفُ الأَسْنَانِ" (مَتَّى 13: 50).



فَهَلْ مَلَكُوتُ اللهِ هُوَ فِي نَظَرِنَا الْخَيْرُ الأَسْمَى الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ الْخَيْرَاتِ؟



وَنَسْتَنْتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْكَنْزَ يُمَثِّلُ مَمْلَكَةَ الْمَسِيحِ وَاللُّؤْلُؤَةَ هِيَ شَخْصُ الْمَسِيحِ؛ فَمَنْ فَهِمَ الْمَسِيحَ وَعَمِلَ لأَجْلِهِ سَيَتْرُكُ كُلَّ الْمَاضِي (أَيْ مَا كَانَ يُؤْمِنُ بِهِ سَابِقًا) لِيَتْبَعَ الْمَسِيحَ. وَقَدْ كَشَفَ لَنَا يَسُوعُ عَنْ ذَاتِهِ بِكُلِّ مَثَلٍ رَوَاهُ، وَنَحْنُ بِهِ نَمْتَلِكُ الْكَنْزَ الدَّفِينَ وَنَمْلِكُ اللُّؤْلُؤَةَ الْكَرِيمَةَ. وَبِسَبَبِهِمَا قَالَ بُولُسُ الرَّسُولُ: "مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ شَيْءٍ وَعَدَدْتُ كُلَّ شَيْءٍ نُفَايَةً لأَرْبَحَ الْمَسِيحَ"(فِيلِبِّي 3: 8). وَفِي هَذَا الصَّدَدِ يَقُولُ يَسُوعُ: "فَحَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكُمْ يَكُونُ قَلْبُكُمْ" (لُوقَا 12: 34). وَهَكَذَا يُوصِيكَ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الأُورَشَلِيمِيُّ: "تَسَلَّمِ الْكَنْزَ السَّمَاوِيَّ... اتْرُكِ الْحَاضِرَ وَآمِنْ بِالْمُسْتَقْبَلِ" (التَّعَالِيمُ الْمَقْتُورِيَّةُ / عِظَاتٌ لِلْمُقْبِلِينَ عَلَى الْعِمَادِ، 1: 5).





3) دَعْوَةٌ إِلَى اخْتِيَارِ الْمَلَكُوتِ مِنْ خِلَالِ مَثَلِ الشَّبَكَةِ (مَتَّى 13: 47-50)



مَثَلُ الشَّبَكَةِ هُوَ الْمَثَلُ السَّابِعُ مِنْ أَمْثَالِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى (الْفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَر). يُشْبِهُ مَثَلُ الشَّبَكَةِ مَثَلَ الزَّؤَانِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ مَشْهَدٍ مَأْلُوفٍ فِي حَيَاةِ الصَّيَّادِينَ فِي بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. وَالشِّبَاكُ تَتَفَاوَتُ فِي الْحَجْمِ وَالتَّفْصِيلِ، وَلَكِنَّ الْفِكْرَةَ الْعَامَّةَ هِيَ أَنَّ الشَّبَكَةَ تُطْرَحُ عَادَةً عَلَى مَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ مِنَ الشَّاطِئِ، وَتَكُونُ مُثْقَلَةً فِي أَطْرَافِهَا بِقِطَعٍ مِنَ الْحَدِيدِ، فَتَدْخُلُ الأَسْمَاكُ فِيهَا مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، ثُمَّ تُقْفَلُ مِنْ جَوَانِبِهَا كُلَّمَا اقْتَرَبَتْ مِنَ الشَّاطِئِ. وَلَعَلَّ يَسُوعَ اخْتَارَ هَذَا الْمَثَلَ مِنَ الصَّيْدِ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الأَقَلِّ أَرْبَعَةٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ صَيَّادِينَ، فَأَوْرَدَهُ كَذَلِكَ لِزِيَادَةِ تَأْثِيرِهِ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ لِأَنْ يَكُونُوا "صَيَّادِي بَشَرٍ" (مَتَّى 4: 19).



وَيُشَدِّدُ مَثَلُ الشَّبَكَةِ (مَتَّى 13: 47-48) عَلَى وُجُودِ الأَشْرَارِ وَالأَبْرَارِ مَعًا إِلَى آخِرِ الأَزْمِنَةِ، حَيْثُ لاَ فَصْلَ بَيْنَهُمْ إِلاَّ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ عِنْدَمَا تَصِلُ الشَّبَكَةُ إِلَى الشَّاطِئِ. وَهَكَذَا يَكُونُ الأَبْرَارُ وَالأَشْرَارُ مَعًا فِي الْكَنِيسَةِ. لَكِنَّ مَثَلَ الشَّبَكَةِ لاَ يَلْفِتُ الاِنْتِبَاهَ إِلَى صَبْرِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي مَثَلِ الزَّؤَانِ (مَتَّى 13: 24-30)، بَلْ إِلَى التَّهْدِيدِ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَهُ الأَشْرَارُ فِي نِهَايَةِ الْعَالَمِ مِنْ نَاحِيَةٍ، وَتَحْذِيرِ الأَبْرَارِ مِنْ هَذَا الْمَصِيرِ لاِخْتِيَارِ الْمَسِيحِ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى؛ فَقَرَارُ اخْتِيَارِ الْمَسِيحِ يَقْتَضِي اخْتِيَارًا كَامِلًا لاَ يَسْمَحُ بِأَيِّ تَنَازُلاَتٍ أَوْ مُسَاوَمَاتٍ.



وَتُمَثِّلُ الْبُحَيْرَةُ الْعَالَمَ، وَالْمَسِيحُ أَرْسَلَ تَلاَمِيذَهُ لِيَكُونُوا صَيَّادِي النَّاسِ. وَالشَّبَكَةُ هِيَ الْكَنِيسَةُ، وَقَدْ أَمْسَكَتْ شِبَاكُهُمْ أَصْنَافًا شَتَّى مِنْ أَبْنَاءِ الإِنْسَانِيَّةِ مِنْ كُلِّ الأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ، مِنَ الأَبْرَارِ وَالأَشْرَارِ، لِيَكُونُوا فِي دَاخِلِ الْكَنِيسَةِ. وَالْكَنِيسَةُ لَيْسَتْ هِيَ النِّهَايَةَ وَضَمَانَ الْخَلاَصِ؛ إِذْ يُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ غَرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ: "تُقَارَنُ الْكَنِيسَةُ الْمُقَدَّسَةُ بِشَبَكَةٍ، إِذْ هِيَ أَيْضًا سُلِّمَتْ إِلَى صَيَّادِينَ؛ لَقَدْ ضَمَّتْ كُلَّ أَنْوَاعِ السَّمَكِ، إِذْ تُقَدِّمُ مَغْفِرَةَ الْخَطِيئَةِ لِلْحُكَمَاءِ وَالْجُهَلاَءِ، لِلأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ، لِلأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، لِلأَقْوِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِ. لِهَذَا يَقُولُ الْمُرَتِّلُ لِلَّهِ: ï´؟إِلَيْكَ يَا مُسْتَمِعَ الصَّلاَةِ يَأْتِي كُلُّ بَشَرٍ"(مَزْمُورٌ 65: 2)" (عِظَاتٌ عَلَى الأَنَاجِيلِ، الْعِظَةُ 11).



وَفِي نِهَايَةِ الزَّمَنِ يُفْصَلُ السَّمَكُ الْجَيِّدُ وَيُحْفَظُ، بَيْنَمَا يُطْرَحُ الرَّدِيءُ خَارِجًا؛ إِذْ يُسَلَّمُ الْجَيِّدُ لِلرَّاحَةِ الأَبَدِيَّةِ. أَمَّا الأَشْرَارُ، فَإِنَّهُمْ إِذْ فَقَدُوا نُورَ الْمَلَكُوتِ الدَّاخِلِيَّ يُطْرَدُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. حَالِيًّا هُنَا يَخْتَلِطُ الأَبْرَارُ مَعَ الأَشْرَارِ كَالْسَّمَكِ فِي الشَّبَكَةِ، لَكِنَّ الشَّاطِئَ سَيُخْبِرُنَا عَمَّا كَانَ فِي الشَّبَكَةِ، أَيْ فِي الْكَنِيسَةِ الْمُقَدَّسَةِ. إِذْ يُحْضَرُ السَّمَكُ إِلَى الشَّاطِئِ لاَ تَصِيرُ لَهُ فُرْصَةُ التَّغَيُّرِ، أَمَّا الآنَ وَنَحْنُ فِي الشَّبَكَةِ، فَيُمْكِنُنَا إِنْ كُنَّا أَشْرَارًا أَنْ نَتَغَيَّرَ وَنَصِيرَ صَالِحِينَ. إِذَنْ لِنُفَكِّرْ حَسَنًا يَا إِخْوَةُ إِذْ لاَ يَزَالُ الصَّيْدُ قَائِمًا، لِئَلاَّ يَحْتَقِرَنَا الشَّاطِئُ فِيمَا بَعْدُ.



يَدْعُو يَسُوعُ الْجَمِيعَ إِلَى الْكَنِيسَةِ كَشَبَكَةٍ مَطْرُوحَةٍ فِي بَحْرِ هَذَا الْعَالَمِ. يَدْخُلُ الْكُلُّ لِلْكَنِيسَةِ، وَلَكِنْ هُنَاكَ مَنْ يُجَاهِدُ لِكَيْ يَكْتَشِفَ شَخْصَ الْمَسِيحِ فَيَبِيعَ الْعَالَمَ لأَجْلِهِ، وَهُنَاكَ مَنْ يَجْذِبُهُ الْعَالَمُ فَيَبِيعَ الْمَسِيحَ لأَجْلِهِ (أَيْ لأَجْلِ الْعَالَمِ). فَمَنْ بَاعَ الْعَالَمَ لأَجْلِ الْمَسِيحِ فَهَؤُلاَءِ هُمُ الْحِنْطَةُ، وَمَنْ بَاعَ الْمَسِيحَ لأَجْلِ مَلَذَّاتِ الْعَالَمِ فَهَؤُلاَءِ هُمُ الزَّؤَانُ، وَالشَّبَكَةُ سَتُسْحَبُ لِلشَّاطِئِ يَوْمَ الدَّيْنُونَةِ. فَالشَّاطِئُ يُشِيرُ لِنِهَايَةِ الزَّمَانِ يَوْمَ يَتْرُكُ كُلُّ النَّاسِ الْبَحْرَ أَيِ الْعَالَمَ.



هَذَا الْمَثَلُ يُشْبِهُ مَثَلَ عُرْسِ ابْنِ الْمَلِكِ (مَتَّى 22: 1-14) الَّذِي دَعَا إِلَى عُرْسِ ابْنِهِ كُلَّ النَّاسِ، وَلَكِنْ أَخِيرًا أَخْرَجَ غَيْرَ الْمُسْتَعِدِّينَ:"لِأَنَّ جَمَاعَةَ النَّاسِ مَدْعُوُّونَ، وَلَكِنَّ الْقَلِيلِينَ هُمُ الْمُخْتَارُونَ" (مَتَّى 22: 14). فَتَعْلِيمُ الرَّبِّ يَسُوعَ هَذَا يُوقِظُنَا مِنَ الْغَفْوَةِ وَمِنَ الأَمَانِ الزَّائِفِ. يَدْعُونَا يَسُوعُ أَيْضًا مِنْ خِلاَلِ هَذَا الْمَثَلِ إِلَى أَنْ لاَ نَكْتَفِيَ بِأَنْ نَكُونَ فِي الشَّبَكَةِ الإِنْجِيلِيَّةِ؛ كَمَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ: "فَلَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ هُمْ مِنْ إِسْرَائِيلَ إِسْرَائِيلِيِّينَ" (رُومَة 9: 6)، بَلْ يَتَوَجَّبُ عَلَيْنَا أَنْ نُجَاهِدَ لِنَيْلِ الْمَلَكُوتِ:"ضَاعِفُوا جُهْدَكُمْ يَا إِخْوَتِي فِي تَأْيِيدِ دَعْوَةِ اللهِ وَاخْتِيَارِهِ لَكُم" (2 بُطْرُسَ 1: 10).



وَمَثَلُ الشَّبَكَةِ كَمَثَلِ الزَّارِعِ وَالزَّؤَانِ يَتَطَلَّبُ مِنَّا أَنْ نُخْبِرَ الآخَرِينَ بِنِعْمَةِ اللهِ وَوُجُودِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَقُولَ مَنْ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَلَكُوتِ (الأَبْرَارِ) وَمَنْ لَيْسُوا مِنْهُ (الأَشْرَارِ)؛ فَهَذَا التَّصْنِيفُ يَتِمُّ فِي الدَّيْنُونَةِ الأَخِيرَةِ. يُذَكِّرُنَا مَثَلُ الشَّبَكَةِ بِمَصِيرِ الأَشْرَارِ كَيْ يَدْعُوَنَا إِلَى أَنْ نَخْتَارَ فَرَحَ الْمَلَكُوتِ لاَ الْبُكَاءَ وَالدَّمُوعَ وَالنَّارَ.



وَأَخِيرًا، يَدْعُو يَسُوعُ تَلاَمِيذَهُ إِلَى أَنْ يَصِيرُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ مُعَلِّمِينَ وَكَتَبَةً (مَتَّى 13: 51-52) يُخْرِجُونَ مِنْ كَنْزِ مَا تَعَلَّمُوهُ مِنَ الْمَسِيحِ الَّذِي وَجَدُوهُ، وَفِي النَّفْسِ الْوَقْتِ يُخْرِجُونَ الْمَعْنَى الصَّادِقَ مِنْ كَنْزِ تَعْلِيمِ العَهْدِ القَدِيمِ. لاَ شَيْءَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ تَارِيخِنَا وَمَاضِينَا، سَوَاءٌ مِنَ العَهْدِ القَدِيمِ أَوْ مِنَ العَهْدِ الجَدِيدِ؛ فَأَسْفَارُ العَهْدِ القَدِيمِ تُعَرِّفُنَا الطَّرِيقَ إِلَى يَسُوعَ، أَمَّا أَسْفَارُ العَهْدِ الجَدِيدِ فَتُعَلِّمُنَا عَنِ المَسِيحِ نَفْسِهِ، الكَنْزِ وَاللُّؤْلُؤَةِ.



وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ إِيرِينَاؤُسُ: "عَلَى ضَوْءِ القِرَاءَةِ المَسِيحِيَّةِ، كَانَتِ الشَّرِيعَةُ فِي المَاضِي كَنْزًا مُخْفَيًّا فِي حَقْلٍ، وَلَكِنَّ صَلِيبَ الرَّبِّ يَسُوعَ المَسِيحِ كَشَفَ عَنْهَا وَفَسَّرَهَا؛ إِنَّهَا تُظْهِرُ حِكْمَةَ اللهِ، وَتَكْشِفُ عَنْ مُخَطَّطِهِ الخَلاَصِيِّ لِلإِنْسَانِ، وَتُعْطِي صُورَةً مُسْبَقَةً عَنْ مَلَكُوتِ الرَّبِّ يَسُوعَ المَسِيحِ" (ضِدَّ الهَرَاطِقَةِ، الكِتَابُ الرَّابِعُ، 26: 1). فَإِنْ قَرَأَ أَحَدٌ الكِتَابَ المَقْدَّسَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، سَيَكُونُ تِلْمِيذًا مِثَالِيًّا: "يُشْبِهُ رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ كُلَّ جَدِيدٍ وَقَدِيمٍ" (مَتَّى 13: 52). وَهَكَذَا يَحُثُّ يَسُوعُ تَلاَمِيذَهُ إِلَى طَلَبِ المَلَكُوتِ المَوْجُودِ. وَاليَوْمَ، مَنْ يَخْطُرُ عَلَى بَالِهِ طَلَبُ هَذَا المَلَكُوتِ؟ مَنْ يُفَكِّرُ بِالاِسْتِغْنَاءِ عَنْ كُلِّ الأَفْرَاحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مُقَابِلَ الحُصُولِ أَوْ الدُّخُولِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ وَامْتِلاَكِ المَسِيحِ؟



الْخُلَاصَةُ



ضَرَبَ يَسُوعُ سَبْعَةَ أَمْثَالٍ: أَرْبَعَةً مِنْهَا لِلْجُمُوعِ، وَالثَّلَاثَةَ الأَخِيرَةَ لِتَلَامِيذِهِ فَقَطْ. وَهَذِهِ الأَمْثَالُ لَهَا غَايَةٌ وَاحِدَةٌ:

فَالْمَثَلُ الأَوَّلُ: هُوَ مَثَلُ الزَّارِعِ الَّذِي يُبَيِّنُ أَسْبَابَ نَجَاحِ كَلِمَةِ اللهِ (مَتَّى 13: 3-9).

وَالْمَثَلُ الثَّانِي: هُوَ مَثَلُ الزَّؤَانِ الَّذِي يُبَيِّنُ الْمَوَانِعَ الدَّاخِلِيَّةَ لِنَشْرِ كَلِمَةِ اللهِ (مَتَّى 13: 24-30).

وَالْمَثَلُ الثَّالِثُ: هُوَ حَبَّةُ الْخَرْدَلِ الَّذِي يُشِيرُ إِلَى امْتِدَادِ كَلِمَةِ اللهِ ظَاهِرًا (مَتَّى 13: 31-32).

وَالْمَثَلُ الرَّابِعُ: هُوَ مَثَلُ الْخَمِيرَةِ الَّذِي يُشِيرُ إِلَى تَأْثِيرِ الْمَلَكُوتِ الْخَفِيِّ فِي الْعَالَمِ (مَتَّى 13: 33).

وَالْمَثَلَانِ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ: مَثَلُ الْكَنْزِ وَاللُّؤْلُؤَةِ يُبَيِّنَانِ قِيمَةَ مَلَكُوتِ اللهِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ النَّاسِ وَوُجُوبَ تَرْكِ كُلِّ شَيْءٍ بُغْيَةَ اقْتِنَائِهِ (مَتَّى 13: 44-46).

وَالْمَثَلُ الأَخِيرُ: مَثَلُ الشَّبَكَةِ يُشِيرُ إِلَى الْفَصْلِ الأَخِيرِ بَيْنَ الأَبْرَارِ وَالأَشْرَارِ الْمُجْتَمِعِينَ مَعًا فِي الْكَنِيسَةِ، وَأَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يُجْرِي ذَلِكَ الاِنْفِصَالَ فِي وَقْتِهِ وَفِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَخْتَارُهَا (مَتَّى 13: 47-50).



أَمَّا مَثَلُ الْكَنْزِ فَهُوَ السَّيِّدُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي فِيهِ نَجِدُ كُلَّ مَا هُوَ نَفِيسٌ وَنَافِعٌ. وَفِي هَذَا الصَّدَدِ يَقُولُ الرَّسُولُ بُولُسُ أَنَّ فِيهِ: "اسْتَكَنَّتْ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ" (كُولُوسِي 2: 3)، كُنُوزُ الْبِرِّ وَالْقَدَاسَةِ وَالنِّعْمَةِ وَالسَّلَامِ؛ فَإِنْ وَجَدْنَاهَا كَانَتْ هَذِهِ كُلُّهَا مِنْ نَصِيبِنَا. لِذَلِكَ عَلَيْنَا أَنْ نَحْسَبَ كُلَّ شَيْءٍ خُسْرَانًا لِكَيْ نَرْبَحَ الْمَسِيحَ حَتَّى نُوجَدَ فِي الْمَسِيحِ (فِيلِبِّي 3: 8).



وَنَحْنُ لَنْ يُمْكِنَنَا أَنْ نُفَرِّطَ فِيمَا بَيْنَ أَيْدِينَا مِنْ مَلَذَّاتِ الْعَالَمِ وَنَبِيعَهَا، مَا لَمْ نَكْتَشِفْ أَوَّلًا هَذَا الْكَنْزَ، كَمَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِ ابْنِ سِيرَاخَ: "الْحِكْمَةُ الْمَكْتُومَةُ وَالْكَنْزُ الدَّفِينُ أَيُّ مَنْفَعَةٍ فِيهِمَا؟" (سِيرَاخَ 20: 30). فَمَنْ يُرِيدُ الْكَنْزَ، لِيَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِتَرْكِ كُلِّ شَيْءٍ وَلِيَبْحَثْ عَنْهُ فَيَجِدَهُ؛ فَهُوَ الْكَنْزُ الْحَقِيقِيُّ.



كَذَلِكَ مَثَلُ اللُّؤْلُؤَةِ الثَّمِينَةِ فَهِيَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ. إِنَّهَا لُؤْلُؤَةٌ لاَ تُقَدَّرُ قِيمَتُهَا؛ فَمَنْ يَطْلُبُهَا يَجِدْهَا وَيَشْتَرِهَا بِكُلِّ مَا يَمْلِكُ، فَيَصِيرُ غَنِيًّا فِيمَا لِلرَّبِّ، وَيَكُونُ لَدَيْهِ مَا يَكْفِيهِ كَيْ يَكُونَ سَعِيدًا هُنَا وَإِلَى الأَبَدِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الاِكْتِشَافُ قَدْ تَمَّ بِشَكْلٍ عَارِضٍ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي الْكَنْزِ، أَوْ بَعْدَ بَحْثٍ طَوِيلٍ وَطَلَبٍ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي اللُّؤْلُؤَةِ، فَفِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ نَجِدُ النَّتِيجَةَ وَاحِدَةً، وَهِيَ أَنَّ الإِنْسَانَ بَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ لِيَمْلِكَ الْمَسِيحَ: الْكَنْزَ الْحَقِيقِيَّ وَاللُّؤْلُؤَةَ الثَّمِينَةَ. لَقَدْ فَهِمَ الرَّجُلُ وَالتَّاجِرُ قِيمَةَ مَا وَجَدَاهُ، وَكَانَا مُسْتَعِدَّيْنِ لِخَسَارَةِ كُلِّ شَيْءٍ لِيَمْتَلِكَاهُ.



أَمَّا مَثَلُ الشَّبَكَةِ الْمُلْقَاةِ فِي الْبَحْرِ وَ"جَمَعَتْ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ"(مَتَّى 13: 47)، فَيَرْمُزُ إِلَى أَنَّ التَّعَايُشَ بَيْنَ الأَخْيَارِ وَالأَشْرَارِ هُوَ وَاقِعٌ فِي مَلَكُوتِ الرَّبِّ عَلَى الأَرْضِ. إِنَّ الْمَلَكُوتَ مَفْتُوحٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ، مِنْهُمُ الأَبْرَارُ وَمِنْهُمُ الأَشْرَارُ، وَسَوْفَ يَسْتَمِرُّ هَذَا الْوَاقِعُ حَتَّى نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَحْكُمَ أَوْ نَدِينَ. وَلَكِنْ لاَ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَلَكُوتِ فِي السَّمَاءِ سِوَى أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ تَقَيَّدُوا بِالإِنْجِيلِ وَعَمِلُوا مَشِيئَةَ الرَّبِّ فِي حَيَاتِهِمْ. وَلَنْ يَأْتِيَ الْفَصْلُ وَالْمُكَافَأَةُ عَلَى أَعْمَالِ كُلِّ فَرْدٍ إِلاَّ فِي نِهَايَةِ الأَزْمِنَةِ عِنْدَ الدَّيْنُونَةِ الأَخِيرَةِ؛ وَهَذَا الْفَصْلُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الإِنْسَانِ، بَلْ هُوَ مِنْ عَمَلِ الرَّبِّ.



دُعَاءٌ وَصَلاَةٌ

أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، اجْعَلْنَا نَجِدُ فِي يَسُوعَ ابْنِكَ الحَبِيبِ الكَنْزَ الثَّمِينَ الَّذِي يُغْنِينَا، وَاللُّؤْلُؤَةَ الثَّمِينَةَ الَّتِي نَبْحَثُ عَنْهَا، فَنَكُونَ مِنَ المُسْتَحِقِّينَ دُخُولَ شَبَكَةِ مَلَكُوتِ الرَّبِّ الأَبَدِيَّةِ، وَنَجْذِبَ الآخَرِينَ إِلَيْهَا، وَنُشَاهِدَ جَمِيعًا وَجْهَكَ البَهِيَّ فِي السَّمَاءِ. آمِين.»





قِصَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ: القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ.. التَّاجِرُ الَّذِي وَجَدَ اللُّؤْلُؤَةَ الثَّمِينَةَ

تَتَجَسَّدُ مَعَانِي إِنْجِيلِ مَتَّى (13: 44-52) بِأَبْهَى صُوَرِهَا فِي السِّيرَةِ الذَّاتِيَّةِ لِلْقِدِّيسِ أُوغُسْطِينُوسَ (354 - 430 م)؛ فَقَدْ كَانَتْ حَيَاتُهُ أُمْثولةً حَيَّةً تَجْمَعُ الأَمْثَالَ الثَّلَاثَةَ: التَّاجِرُ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ اللَّآلِئِ، الإِنْسَانُ الَّذِي يَعْثُرُ عَلَى الْكَنْزِ فَيَبِيعُ كُلَّ شَيْءٍ، وَالرَّاعِي الَّذِي يَعِيشُ فِي شَبَكَةِ الْكَنِيسَةِ مُنْتَظِرًا دَيْنُونَةَ اللهِ الْعَادِلَةَ.



أَوَّلًا: التَّاجِرُ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ اللَّآلِئِ (مَثَلُ اللُّؤْلُؤَةِ)

فِي شَبَابِهِ فِي شَمَالِ إِفْرِيقِيَا، كَانَ أُوغُسْطِينُوسُ كَالتَّاجِرِ الَّذِي يَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ بَحْثًا عَنِ اللَّآلِئِ الْحَسَنَةِ. بَحَثَ عَنِ السَّعَادَةِ فِي مَلَذَّاتِ الْعَالَمِ، وَفِي شَهْرَةِ أَبَاطِرَةِ الرُّومَانِ، وَفِي عِلْمِ الْبَلاَغَةِ وَالْفَلْسَفَةِ. قَرَأَ كُتُبَ الْفَلاَسِفَةِ مِثْلَ "سِيسِرُونَ"، فَاشْتَعَلَتْ رُوحُهُ بَحْثًا عَنِ "الْحِكْمَةِ الْخَالِصَةِ". لَكِنَّهُ كُلَّمَا اقْتَنَى لُؤْلُؤَةً مِن لآلِئِ الدُّنْيَا (الْجَاهَ، السُّلْطَةَ، اللَّذَّةَ، الْمَعْرِفَةَ الْعَقْلِيَّةَ)، وَجَدَهَا زَائِفَةً لاَ تُشْبِعُ ظَمَأَ قَلْبِهِ، فَظَلَّ يَطْلُبُ اللُّؤْلُؤَةَ الْأَعْظَمَ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ اسْمَهَا.



ثَانِيًا: اكْتِشَافُ الْكَنْزِ فِي حَدِيقَةِ مِيلَانُو (مَثَلُ الْكَنْزِ)

فِي صَيْفِ عَامِ 386 م، وَفِي حَدِيقَةِ مَنْزِلِهِ بِمِيلَانُو (إِيطَالِيَا)، بَلَغَ أُوغُسْطِينُوسُ ذِرْوَةَ صِرَاعِهِ الدَّاخِلِيِّ. جَلَسَ تَحْتَ شَجَرَةِ تِينٍ يَبْكِي بِمَرَارَةٍ بِسَبَبِ قَيْدِ الْخَطِيئَةِ وَعَجْزِهِ عَنِ التَّحَرُّرِ. وفَجْأَةً، سَمِعَ صَوْتًا شَبِيهًا بِصَوْتِ طِفْلٍ يَتَرَنَّمُ مِنْ مَنْزِلٍ مُجَاوِرٍ قَائِلًا: "خُذْ وَاقْرَأْ! خُذْ وَاقْرَأْ!" (Tolle Lege)

فَتَحَ أُوغُسْطِينُوسُ الرَّسَائِلَ الإِنْجِيلِيَّةَ الِإلَهِيَّةَ عُشْوَائِيًّا، فَوَقَعَتْ عَيْنَاهُ عَلَى كَلِمَاتِ الْبَارِ: "لاَ بِالْمُعَارَبَةِ وَالسُّكْرِ، لاَ بِالْمَضَاجِعِ وَالْعَهَرِ، لاَ بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ" (رُومَة 13: 13-14). فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، انْكَّشَفَ أَمَامَهُ الْكَنْزُ الْمَخْفِيُّ وَاللُّؤْلُؤَةُ الثَّمِينَةُ: شَخْصُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ!

لَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ هَذَا الْكَنْزَ يَسْتَحِقُّ كُلَّ تِضْحِيَةٍ؛ فَقَرَّرَ فِي الْحَالِ أَنْ "يَبِيعَ كُلَّ مَا يَمْلِكُ". اسْتَقَالَ مِنْ مَنْصِبِهِ المَرْمُوقِ كَأُسْتَاذٍ لِلْبَلاَغَةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ، وَتَرَكَ طُمُوحَاتِهِ السِّيَاسِيَّةَ وَالْمَادِيَّةَ، وَتَخَلَّى عَنْ مَلَذَّاتِهِ، لِيَقْتَنِيَ فَرَحَ الْمَلَكُوتِ الَّذِي لاَ يَنْتَهِي.

وَكَتَبَ لاَحِقًا فِي كِتَابِهِ الشَّهِيرِ "الاِعْتِرَافَات": "أَحْبَبْتُكَ كَثِيرًا أَيُّهَا الْجَمَالُ الْقَدِيمُ وَالْجَدِيدُ جِدًّا! أَحْبَبْتُكَ كَثِيرًا! كُنْتَ فِي دَاخِلِي وَكُنْتُ أَنَا فِي الْخَارِجِ أَبْحَثُ عَنْكَ... نَادَيْتَنِي وَصَرَخْتَ فَكَسَرْتَ صَمَمِي، أَشْرَقْتَ عَلَيَّ فَطَرَدْتَ عَمَايَ، نَفَحْتَ عَبِيرَكَ فَاِسْتَنْشَقْتُهُ وَأَنَا أَتَنَهَّدُ إِلَيْكَ، ذُقْتُكَ فَأَنَا جَائِعٌ وَعَطْشَانٌ إِلَيْكَ!".



ثَالِثًا: الْكَنِيسَةُ كَشَبَكَةٍ تَجْمَعُ الْكُلَّ (مَثَلُ الشَّبَكَةِ)

عِنْدَمَا صَارَ أُوغُسْطِينُوسُ أُسْقُفًا لِمَدِينَةِ عَنَّابَة (عَشِيَّةَ عَصْرِهِ فِي عَنَّابَة/ عَنَّابَة الحَالِيَّة فِي الْجَزَائِرِ)، وَاجَهَ انْقِسَامًا لاهُوتِيًّا كَبِيرًا (الْهَرْطَقَةَ الدُّونَاتِيَّةَ)، حَيْثُ كَانَ الْبَعْضُ يُطَالِبُ بِكَنِيسَةٍ مَعْزُولَةٍ تِضُمُّ "الْقِدِّيسِينَ الأَطْهَارَ فَقَطْ".

هُنَا اسْتَعَادَ أُوغُسْطِينُوسُ مَثَلَ الشَّبَكَةِ (مَتَّى 13: 47-50)، وَشَرَحَ لِلرَّعِيَّةِ أَنَّ الْكَنِيسَةَ فِي هَذَا الْعَالَمِ هِيَ كَالشَّبَكَةِ الْمَطْرُوحَةِ فِي الْبَحْرِ، تَجْمَعُ فِي دَاخِلِهَا أَنْوَاعَ الأَسْمَاكِ كُلَّهَا (الأَبْرَارَ وَالأَشْرَارَ مَعًا).

وَأَكَّدَ أَنَّ التَّصْنِيفَ لَيْسَ مِنْ حَقِّ الإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَهُ قَبْلَ الأَوَانِ، بَلْ هُوَ عَمَلُ المَلاَئِكَةِ عِنْدَ الشَّاطِئِ (نِهَايَةِ الزَّمَانِ). وَدَعَا الجَمِيعَ طَالَمَا هُمْ فِي دَاخِلِ الشَّبَكَةِ أَنْ يَتُوبُوا وَيَتَحَوَّلُوا مِنْ "أَسْمَاكٍ رَدِيئَةٍ" إِلَى "أَسْمَاكٍ صَالِحَةٍ" بِفَضْلِ النِّعْمَةِ الإِلَهِيَّةِ قَبْلَ أَنْ تُسْحَبَ الشَّبَكَةُ إِلَى الشَّاطِئِ.



العِبْرَةُ مِنَ القِصَّةِ

تُثْبِتُ حَيَاةُ القِدِّيسِ أُوغُسْطِينُوسَ أَنَّ:

البَحْثَ الصَّادِقَ عَنِ الحَقِيقَةِ يَقُودُ حَتْمًا إِلَى المَسِيحِ (اللُّؤْلُؤَةِ الثَّمِينَةِ).

اِكْتِشَافَ فَرَحِ المَلَكُوتِ يَمْلأُ القَلْبَ بِالقُوَّةِ لِلتَّخَلِّي عَنْ كُلِّ مَلَذَّاتِ العَالَمِ الزَّائِفَةِ (الْكَنْزِ المَخْفِيِّ).

الوُجُودَ فِي الكَنِيسَةِ (الشَّبَكَةِ) يَتَطَلَّبُ جِهَادًا كُلَّ يَوْمٍ لِنَكُونَ مِنَ الأَسْمَاكِ الجَيِّدَةِ المَقْبُولَةِ فِي المَلَكُوتِ الأَبَدِيِّ.
 
قديم اليوم, 12:05 PM   رقم المشاركة : ( 251317 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,461,925

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

((مَثَلُ مَلَكوتِ السَّمَوات كَمَثَلِ كَنْزٍ دُفِنَ في حَقْلٍ وَجدَه رَجُلٌ فأَعادَ دَفنَه، ثُمَّ مَضى لِشِدَّةِ فَرَحِه فباعَ جميعَ ما يَملِكُ واشتَرى ذلكَ الحَقْل. 45 ((ومَثَلُ ملكوتِ السَّمَوات كمَثَلِ تاجِرٍ كانَ يطلُبُ اللُّؤلُؤَ الكريم، 46فَوجَدَ لُؤلُؤةً ثَمينة، فمضى وباعَ جَميعَ ما يَملِك واشتَراها.47 ((ومَثَلُ ملكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ شَبَكةٍ أُلقِيَت في البَحر فجَمعَت مِن كُلِّ جِنْس. 48فلَمَّا امتَلأَت أَخرَجَها الصَّيَّادونَ إِلى الشَّاطِئ وجَلَسُوا فجَمَعوا الطَّيِّبَ في سِلالٍ وطَرَحوا الخَبيث. 49وكذلِك يكونُ عِنْدَ نِهايةِ العالَم:ي َأتي المَلائِكَةُ فيَفصِلونَ الأَشرارَ عنِ الأَخيار، 50ويَقذِفونَ بِهم في أَتُّونِ النَّار. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان.51 ((أَفَهِمتُم هذا كُلَّه؟)) قالوا لَه: ((نَعَم)). 52فقالَ لَهم: ((لِذلكَ كُلُّ كاتِبٍ تَتَلمَذَ لِمَلكوتِ السَّمَوات يُشبِهُ رَبَّ بَيتٍ يُخرِجُ مِن كَنزِه كُلَّ جَديدٍ وقَديم)).
يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ هظ°ذَا الْأَحَدِ (مَتَّى 13: 44-52) الْأَضْوَاءَ عَلَى الْمَرْحَلَةِ الْخِتَامِيَّةِ مِنْ خِطَابِ الْأَمْثَالِ، حَيْثُ يَخْتَلِي يَسُوعُ بِتَلَامِيذِهِ فِي الْبَيْتِ، وَيُعَمِّقُ لَهُمْ سِرَّ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ مِنْ خِلَالِ ثَلَاثَةِ أَمْثَالٍ مُتَكَامِلَةٍ: مَثَلِ الْكَنْزِ الْمَخْفِيِّ، وَمَثَلِ اللُّؤْلُؤَةِ الثَّمِينَةِ، وَمَثَلِ الشَّبَكَةِ. فَيَدْعُو الْمَثَلُ الْأَوَّلُ إِلَى فَرَحِ اكْتِشَافِ الْمَلَكُوتِ (مَتَّى 13: 44)، وَيَحُثُّ الْمَثَلُ الثَّانِي عَلَى الْبَحْثِ الْجَادِّ عَنْهُ (مَتَّى 13: 45-46)، أَمَّا الْمَثَلُ الثَّالِثُ فَيُبَيِّنُ ضَرُورَةَ اخْتِيَارِ الْمَلَكُوتِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلدَّيْنُونَةِ الْأَخِيرَةِ (مَتَّى 13: 47-50).



وَيُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ الْكَنْزَ وَاللُّؤْلُؤَةَ يَدُلَّانِ عَلَى قِيمَةِ الْإِنْجِيلِ الَّتِي تَفُوقُ كُلَّ مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ، فَمَنْ يَعْرِفُ قِيمَةَ الْمَلَكُوتِ لَا يَتَرَدَّدُ فِي التَّخَلِّي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لِيَقْتَنِيَهُ (pg 58: 477-478). وَيَرَى الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الْكَنْزَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ وَحِكْمَتُهُ، وَأَنَّ الْقَلْبَ الَّذِي يَجِدُهُ يَمْتَلِئُ فَرَحًا وَيُفَضِّلُهُ عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ (pl 38: 542).



وَتُظْهِرُ هظ°ذِهِ الْأَمْثَالُ أَنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ هُوَ أَعْظَمُ كَنْزٍ يَقْتَنِيهِ الْإِنْسَانُ، وَأَثْمَنُ لُؤْلُؤَةٍ يَسْعَى إِلَيْهَا، لِأَنَّ الْمَلَكُوتَ يَتَجَسَّدُ فِي شَخْصِ الْمَسِيحِ، الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
 
قديم اليوم, 12:07 PM   رقم المشاركة : ( 251318 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,461,925

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ


أَنَّ الْكَنْزَ وَاللُّؤْلُؤَةَ يَدُلَّانِ عَلَى قِيمَةِ الْإِنْجِيلِ
الَّتِي تَفُوقُ كُلَّ مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ،
فَمَنْ يَعْرِفُ قِيمَةَ الْمَلَكُوتِ لَا يَتَرَدَّدُ
فِي التَّخَلِّي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لِيَقْتَنِيَهُ
 
قديم اليوم, 12:07 PM   رقم المشاركة : ( 251319 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,461,925

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ


أَنَّ الْكَنْزَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ وَحِكْمَتُهُ
وَأَنَّ الْقَلْبَ الَّذِي يَجِدُهُ يَمْتَلِئُ فَرَحًا وَيُفَضِّلُهُ عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ
 
قديم اليوم, 12:08 PM   رقم المشاركة : ( 251320 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,461,925

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

"مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ كَمَثَلِ كَنْزٍ مَدْفُونٍ فِي حَقْلٍ،
وَجَدَهُ رَجُلٌ فَأَعَادَ دَفْنَهُ، ثُمَّ مَضَى لِشِدَّةِ فَرَحِهِ
فَبَاعَ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُ وَاشْتَرَى ذظ°لِكَ الْحَقْلَ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "مَثَلُ" (د€خ±دپخ±خ²خ؟خ»خ®) إِلَى تَعْلِيمٍ رَمْزِيٍّ يَسْتَعِينُ
بِالصُّوَرِ وَالتَّشَابِيهِ لِإِعْلَانِ حَقَائِقِ مَلَكُوتِ اللهِ، وَلَيْسَ إِلَى أَفْكَارٍ نَظَرِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ.

أَمَّا عِبَارَةُ "مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ" فَتُشِيرُ إِلَى حُضُورِ اللهِ الْخَلَاصِيِّ
فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي "فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ"
(قُولُسِّي 2: 3).
 
موضوع مغلق


الانتقال السريع


الساعة الآن 08:05 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026