![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : ( 233801 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
"لكني قد كلمتكم بهذا، حتى إذا جاءت الساعة، تذكرون إني أنا قلته لكم، ولم أقل لكم من البداية، لأني كنت معكم". [4] لم يقل هذا من بداية التصاقهم به حتى لا يربكهم أو يقلقهم، أما وقد صاروا تلاميذه فأعلن لهم هذا كأمرٍ جوهري في حياتهم وشركتهم معه. سبق فأعلن لهم عن ساعة التجربة لكي يدركوا أن ما سيحل بهم لم يحدث مصادفة كما يظن البعض، ولكن بسماحٍ إلهي، وفي الحدود التي يسمح بها الله. هذا وبحديثه هنا يهيئهم لكي يستعدوا لهذه الساعة بأسلحة روحية، خاصة بسيف الكلمة الإلهية. لماذا أخبرهم بذلك في هذا التوقيت؟ لأن ساعة التجربة قد اقتربت. حانت ساعة آلامه، وستحل ساعة آلامهم، وأنه سيفارقهم بالجسد. حين كان معهم بالجسد كان يعزيهم ويسندهم. الآن يترك لهم كلمته ووعوده ويرسل لهم الروح القدس يعزيهم. * لا يندهش أحد أننا مستنزفون باضطهاداتٍ متواصلةٍ، ونسقط تحت ضغوط فوق العادة، ما دام الرب قد أنبأنا مقدمًا بأن هذه الأمور ستحدث في نهاية العالم، وقدم تعليمات لجيشنا بكلماته التي تعلمنا وتشجعنا. الشهيد كبريانوس * من هذه الكلمات يمكنكم أن تحكموا وتثقوا في بقية كلماتي. إذ لا تستطيعون القول أنني أتملقكم بأن أذكر لكم فقط ما هو يسركم، ولا أقدم لكم كلمات خداع. لأن من يود أن يخدع لا يخبركم مقدمًا بأمور كهذه تجعلكم تنصرفون (عنه). لذلك أخبركم مقدمًا أن هذه الأمور ستحل عليكم حتى لا تضطربوا بعدم توقعكم لها. وأيضًا لسبب آخر وهو ألا تقولوا إننا لسنا نعرف مقدمًا أن هذه الأمور ستحدث. تذكروا إذن أنني أخبرتكم بها.. ليتنا نحن أيضًا نضع هذه الأمور في الاعتبار أثناء تجاربنا، عندما نعاني شيئًا من الأشرار، "ناظرين إلي رئيس إيماننا ومكمله" (عب 12: 3)، وأن هذه يسببها الأشرار، وأنها من أجل الفضيلة، ومن أجله. فإن تأملنا في هذه الأمور سيكون كل شيء سهلاُ ومحتملًا. فإن كان من يتألم من أجل محبوبيه يفتخر بذلك، فما هي مشاعر ذاك الذي يحتمل هذا من أجل الله؟ إن كان هو من أجلنا حسب ذاك العار، أي الصليب، مجدًا (يو 13: 31)، فكم بالأكثر يلزمنا نحن أن نأخذ موقفًا كهذا؟ وإن كنا نستطيع أن نستخف بالآلام، كم بالأكثر نستطيع أن نستهين بالغنى والطمع؟ * "لم أقل لكم من البداية، لأني كنت معكم"[4]. قيل هذا بطريقة بشرية، كأنه يقول لهم: "إذ كنتم في آمان، وكان في سلطانكم أن تسألوني متى أردتم، وكانت العاصفة كلها تهب علي، لذا كان من غير الضروري أن أخبركم بهذه الأمور في البداية". القديس يوحنا الذهبي الفم يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم لماذا قال لهم أنه لم يسبق أن يخبرهم بهذا مع أنه عندما دعا الاثني عشر قال لهم أنهم سيقفون أمام ملوك وولاة من أجل اسمه ويجلدونهم في مجامعهم (مت 10: 18،17). يجيب على ذلك أنه ما سبق أن أخبرهم عنه كان يخص ما سيحدث في المستقبل حين يكرزون بين الأمم؛ أما ما يخبرهم عنه هنا فهو ما سيعانوه من اليهود، وأنه قد صار على الأبواب، وهو أمر لم يسبق أن يخبرهم عنه". |
||||
|
|
|||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233802 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
حين كان معهم بالجسد كان يعزيهم ويسندهم. الآن يترك لهم كلمته ووعوده ويرسل لهم الروح القدس يعزيهم. * لا يندهش أحد أننا مستنزفون باضطهاداتٍ متواصلةٍ، ونسقط تحت ضغوط فوق العادة، ما دام الرب قد أنبأنا مقدمًا بأن هذه الأمور ستحدث في نهاية العالم، وقدم تعليمات لجيشنا بكلماته التي تعلمنا وتشجعنا. الشهيد كبريانوس |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233803 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
* من هذه الكلمات يمكنكم أن تحكموا وتثقوا في بقية كلماتي. إذ لا تستطيعون القول أنني أتملقكم بأن أذكر لكم فقط ما هو يسركم، ولا أقدم لكم كلمات خداع. لأن من يود أن يخدع لا يخبركم مقدمًا بأمور كهذه تجعلكم تنصرفون (عنه). لذلك أخبركم مقدمًا أن هذه الأمور ستحل عليكم حتى لا تضطربوا بعدم توقعكم لها. وأيضًا لسبب آخر وهو ألا تقولوا إننا لسنا نعرف مقدمًا أن هذه الأمور ستحدث. تذكروا إذن أنني أخبرتكم بها.. ليتنا نحن أيضًا نضع هذه الأمور في الاعتبار أثناء تجاربنا، عندما نعاني شيئًا من الأشرار، "ناظرين إلي رئيس إيماننا ومكمله" (عب 12: 3)، وأن هذه يسببها الأشرار، وأنها من أجل الفضيلة، ومن أجله. فإن تأملنا في هذه الأمور سيكون كل شيء سهلاُ ومحتملًا. فإن كان من يتألم من أجل محبوبيه يفتخر بذلك، فما هي مشاعر ذاك الذي يحتمل هذا من أجل الله؟ إن كان هو من أجلنا حسب ذاك العار، أي الصليب، مجدًا (يو 13: 31)، فكم بالأكثر يلزمنا نحن أن نأخذ موقفًا كهذا؟ وإن كنا نستطيع أن نستخف بالآلام كم بالأكثر نستطيع أن نستهين بالغنى والطمع؟ * "لم أقل لكم من البداية، لأني كنت معكم"[4]. قيل هذا بطريقة بشرية، كأنه يقول لهم: "إذ كنتم في آمان، وكان في سلطانكم أن تسألوني متى أردتم، وكانت العاصفة كلها تهب علي، لذا كان من غير الضروري أن أخبركم بهذه الأمور في البداية". القديس يوحنا الذهبي الفم |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233804 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم لماذا قال لهم أنه لم يسبق أن يخبرهم بهذا مع أنه عندما دعا الاثني عشر قال لهم أنهم سيقفون أمام ملوك وولاة من أجل اسمه ويجلدونهم في مجامعهم (مت 10: 18،17). يجيب على ذلك أنه ما سبق أن أخبرهم عنه كان يخص ما سيحدث في المستقبل حين يكرزون بين الأمم؛ أما ما يخبرهم عنه هنا فهو ما سيعانوه من اليهود، وأنه قد صار على الأبواب، وهو أمر لم يسبق أن يخبرهم عنه". القديس يوحنا الذهبي الفم |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233805 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
"وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني، وليس أحد منكم يسألني أين تمضي". [5] سبق أن سأله بطرس هذا السؤال (يو 13: 36) وأيضًا توما (يو 14: 5)، وكلاهما نالا إجابة منه أما الآن فيطالبهم ألا يسألوه، لأن قلوبهم امتلأت حزنًا [6]. يليق بهم عوض أن يسألوه أين يمضي أن يدركوا ويثقوا أن كل الأمور تعمل معًا لخيرهم كأحباء الله(رو 8: 28). * الآن يعدهم أنه يمضي بطريقة خلالها لا يسأله أحد إلى أين يمضي. لأن سحابة استقبلته عندما صعد من بينهم، وعند ذهابه إلى السماء لم يسأله أحد شفاهًا، بل كانت هناك شهادة عينية (أع 1: 9-11). القديس أغسطينوس |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233806 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
يليق بهم عوض أن يسألوه أين يمضي أن يدركوا ويثقوا أن كل الأمور تعمل معًا لخيرهم كأحباء الله(رو 8: 28). * الآن يعدهم أنه يمضي بطريقة خلالها لا يسأله أحد إلى أين يمضي. لأن سحابة استقبلته عندما صعد من بينهم، وعند ذهابه إلى السماء لم يسأله أحد شفاهًا، بل كانت هناك شهادة عينية (أع 1: 9-11). القديس أغسطينوس |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233807 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
"لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم". [6] سبق فملأهم السيد المسيح بالفرح (يو 15: 11)، لكن إذ اُمتصت أفكارهم في الضيق ملأ الحزن قلوبهم، ولم يتركوا مجالًا لفرح المسيح أن يملك عليها. كانت أفكارهم مشغولة بملكوت المسيح الخارجي والمجد الزمني وأنهم يملكون معه، وإذ تسللت أفكار العالم إليهم ملك حزن العالم عليهم. * حزنت مشاعرهم البشرية، لأن رؤيتهم له جسمانيًا تنتهي تمامًا. لكنه عرف ما هو نافع لهم، لأن تلك النظرة الداخلية التي بها يهبهم الروح القدس تعزية بلا شك أسمى... إذ يسكب نفسه في قلوب الذين آمنوا. عندئذ أضاف: "إنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت سأرسله إليكم" [7]. وكأنه يقول لهم: خير لكم أن يُنزع من أمامكم هذا الشكل الذي للعبد، إذ جاء الكلمة جسدًا بالحق وحلّ بينكم. لكنني لست أريد أن تستمروا في محبتكم لي جسديًا، وتكتفون بهذا اللبن، مشتهين أن تبقوا أطفالًا على الدوام... إن التصقتم بالجسد بطريقة جسدانية، لا يكون للروح مجال لكم... ماذا يعني "إن لم أنطلق لا يأتيكم الروح القدس" سوى أنكم لا تقدرون أن تقبلوا الرب ما دمتم مستمرين في معرفة المسيح حسب الجسد؟ لهذا يقول أحد الذين نالوا شركة الروح: "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد" (2 كو 5: 16). فإننا الآن حتى جسد المسيح نفسه لم يعرفه بطريقة جسدانية، حيث بلغ إلى المعرفة الروحية للكلمة الذي صار جسدًا * بالرحيل الجسدي للمسيح كل من الآب والابن كما الروح القدس صاروا حاضرين معهم. فإن كان المسيح قد فارقهم بطريقة ما ليبقى في موضعه وليس معهم، لكي يصير الروح القدس حاضرًا فيهم، فماذا يعني وعده عندما قال: "هأنذا معكم دائمًا وإلى انقضاء الدهر" (مت 28: 3)، أنا والآب "إليه نأتي وعنده نصنع منزلًا" (يو 14: 23)...؟ القديس أغسطينوس * الحزن المفرط أمر مرعب يوَّلد موتًا. لذلك يقول بولس: "لئلا يبتلع مثل هذا من الحزن المفرط" (2 كو 2: 7). * إنها تعزية لهم ليست بقليلة أن يعلموا أنه يعرف شدة قنوطهم. فإنهم بجانب حزنهم لتركه إياهم وما سيحل بهم من أمور مرعبة قادمة، لم يكونوا يدركون أن كانوا يستطيعون أن يحتملوا هذا بثبات عزمٍ. القديس يوحنا الذهبي الفم |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233808 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
* حزنت مشاعرهم البشرية، لأن رؤيتهم له جسمانيًا تنتهي تمامًا. لكنه عرف ما هو نافع لهم، لأن تلك النظرة الداخلية التي بها يهبهم الروح القدس تعزية بلا شك أسمى... إذ يسكب نفسه في قلوب الذين آمنوا. عندئذ أضاف: "إنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت سأرسله إليكم" [7]. وكأنه يقول لهم: خير لكم أن يُنزع من أمامكم هذا الشكل الذي للعبد، إذ جاء الكلمة جسدًا بالحق وحلّ بينكم. لكنني لست أريد أن تستمروا في محبتكم لي جسديًا، وتكتفون بهذا اللبن، مشتهين أن تبقوا أطفالًا على الدوام... إن التصقتم بالجسد بطريقة جسدانية، لا يكون للروح مجال لكم... ماذا يعني "إن لم أنطلق لا يأتيكم الروح القدس" سوى أنكم لا تقدرون أن تقبلوا الرب ما دمتم مستمرين في معرفة المسيح حسب الجسد؟ لهذا يقول أحد الذين نالوا شركة الروح: "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد" (2 كو 5: 16). فإننا الآن حتى جسد المسيح نفسه لم يعرفه بطريقة جسدانية، حيث بلغ إلى المعرفة الروحية للكلمة الذي صار جسدًا * بالرحيل الجسدي للمسيح كل من الآب والابن كما الروح القدس صاروا حاضرين معهم. فإن كان المسيح قد فارقهم بطريقة ما ليبقى في موضعه وليس معهم، لكي يصير الروح القدس حاضرًا فيهم، فماذا يعني وعده عندما قال: "هأنذا معكم دائمًا وإلى انقضاء الدهر" (مت 28: 3)، أنا والآب "إليه نأتي وعنده نصنع منزلًا" (يو 14: 23)...؟ القديس أغسطينوس |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233809 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
سهام الحب الجارحة 1 «قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ لاَ تَعْثُرُوا. 2 سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ. 3 وَسَيَفْعَلُونَ هذَا بِكُمْ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الآبَ وَلاَ عَرَفُونِي. 4 لكِنِّي قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّاعَةُ تَذْكُرُونَ أَنِّي أَنَا قُلْتُهُ لَكُمْ. وَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ مِنَ الْبِدَايَةِ لأَنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ. 5 «وَأَمَّا الآنَ فَأَنَا مَاضٍ إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَسْأَلُنِي: أَيْنَ تَمْضِي؟ 6 لكِنْ لأَنِّي قُلْتُ لَكُمْ هذَا قَدْ مَلأَ الْحُزْنُ قُلُوبَكُمْ. في إخلاص كامل كشف لهم السيد المسيح عما سيلحقهم من متاعب أثناء الإرسالية التي يبعثهم إليها، لكنها متاعب حب، هي سهام حب من أجله، حيث يبغضهم العالم كما يبغضه هو. "قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا". [1] تكرر تعبير "قد كلمتكم بهذا" سبع مرات في مقاله هذا، وقد جاء في اللغة اليونانية يحمل نوعًا من الاستمرارية مع الوقار، وكأن هذه الأمور التي يتحدث عنها في حديثه الوداعي لا تمس زمنًا معينًا بعينه، بل أمورًا خاصة بالكنيسة عبر الأزمنة، وأنها أمور جوهرية. كلمة "تعثروا" هنا يترجمها البعض "تسقطوا في فخ"؛ كما يسقط طير أو حيوان في شرك. يخبرهم عما سيعانوه من آلام مقدمًا حتى لا يتعثروا، أي لئلا يفقدوا إيمانهم وتُصاب نفوسهم بضررٍ، كما يحدث مع الجسد عندما يعثر في الطريق أو يسقط على حجرٍ أو في فخٍ. * "قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا"[1]،فإنه إذ ينسكب الروح القدس في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا (رو 5: 5) يكون لمحبي شريعة الله سلام عظيم، فلا يتعثروا في شيء القديس أغسطينوس "سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله". [2] يدعو وقت الألم "ساعة التجربة". الالتصاق بالمسيح والشهادة له تُحسب جريمة دينية أو تجديفًا، لهذا يقطعون من المجامع ويُحرمون من حق العبادة كأشخاص تحت اللعنة، غير مستحقين أن يمارسوا العبادة لله والشركة مع المؤمنين. لم يكن الألم الذي يصيب اليهودي الذي يؤمن بالسيد المسيح بطرده من الهيكل وحرمانه من التمتع بالانتساب إلى الأمة اليهودية أقل من القتل، إذ يفقد إحساسه بالانتساب لشعب الله في ذلك الحين، والتمتع بالامتيازات الخاصة به، واعتباره كاسرًا للناموس. يُنظر إليه كسامري أو وثني أو عشار، خائن لدينه وشعبه ووطنه. لا يقف الأمر عند الطرد، وإنما يتعقبون المؤمنين بالسيد المسيح لتقديمهم ذبائح بشرية، ويحسبون ذلك لمجد الله. وكما جاء في إشعياء: "قال إخوتكم الذين أبغضوكم وطردوكم من أجل اسمي ليمتجد الرب" (إش 66: 5). هذا ما حدث مع بولس الرسول حين نذر 40 شخصًا ألا يأكلوا ولا يشربوا حتى يقتلوه (أع 23: 12-13). وقد جاء في التلمود Talmud "من يسفك دم كافرٍ يعادل من يُحضر تقدمة لله". وهكذا يحمل الذئاب ثوب الحملان، ويظهر أعداء الله كأنهم خدام غيورون على مجده، يمارسون العداوة كأنها التزام ديني لحساب السماء. * بحق قيل لمثل هؤلاء: "سيخرجونكم من المجامع"، أي أن الذين لهم غيرة لله، ولكن ليس حسب المعرفة، إذ يجهلون برّ الله، وليس لهم ما يستدعي الخجل من استبعادهم بواسطة الناس، ما دام الله هو مجد قوتهم. * إنهم لا يعرفون الآب ولا ابنه هؤلاء الذين يحسبون أنهم يقدمون الخدمة له بقتلكم. هذه كلماتأضافها السيد لأجل تعزية خاصته الذين يُطردون من المجامع اليهودية... "ستأتي ساعة فيها..." يقول هذا بطريقة كمن يسبق فيخبرهم عن أخبارٍ صالحةٍ تتبعها شرور ضخمة... إنهم بالحق يشتتونكم وأنا أجمعكم، أو إنهم بالحق يشتتونكم لكن تأتي ساعة فرحكم. القديس أغسطينوس "وسيفعلون هذا بكم، لأنهم لم يعرفوا الآب، ولا عرفوني". [3] شتان ما بين من يتحدث أو يكتب عن الله وبين من يعرف الله والله يعرفه. هنا إذ يتحدث السيد عن المعرفة لا يقصد بها مجرد المعرفة العقلية، إنما معرفة الخبرة والحياة، لهذا عندما يقول للأشرار في يوم الدينونة: "لست أعرفكم" لا يعني أن الله يجهلهم، لأنه عارف بكل شيءٍ، لكنه لا يعرفهم معرفة الصداقة والشركة. علة شرهم عدم المعرفة الحقيقية، وكما جاء في هوشع: "لأنهم قد تجاوزوا عهدي، وتعدوا على شريعتي، إليّ يصرخون: يا إلهي نعرفك نحن إسرائيل" (هو 8: 1-2). إنهم قد يعرفون إرادة الله، لكنهم يجهلونه عمليًا في سلوكهم. يدرسون الكتاب المقدس، لكنهم يحرفون معانيه حسب أهوائهم. * كأن السيد المسيح يقول لتلاميذه: يكفيكم للتعزية أن معاناتكم هذه المصاعب هي من أجلي ومن أجل الآب. هنا يذكرهم أيضًا بتطويبه الذي قاله حين ابتدأ تعليمه: "طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا، لأن أجركم عظيم في السماوات، فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم" (مت 5: 11-12). القديس يوحنا الذهبي الفم "لكني قد كلمتكم بهذا، حتى إذا جاءت الساعة، تذكرون إني أنا قلته لكم، ولم أقل لكم من البداية، لأني كنت معكم". [4] لم يقل هذا من بداية التصاقهم به حتى لا يربكهم أو يقلقهم، أما وقد صاروا تلاميذه فأعلن لهم هذا كأمرٍ جوهري في حياتهم وشركتهم معه. سبق فأعلن لهم عن ساعة التجربة لكي يدركوا أن ما سيحل بهم لم يحدث مصادفة كما يظن البعض، ولكن بسماحٍ إلهي، وفي الحدود التي يسمح بها الله. هذا وبحديثه هنا يهيئهم لكي يستعدوا لهذه الساعة بأسلحة روحية، خاصة بسيف الكلمة الإلهية. لماذا أخبرهم بذلك في هذا التوقيت؟ لأن ساعة التجربة قد اقتربت. حانت ساعة آلامه، وستحل ساعة آلامهم، وأنه سيفارقهم بالجسد. حين كان معهم بالجسد كان يعزيهم ويسندهم. الآن يترك لهم كلمته ووعوده ويرسل لهم الروح القدس يعزيهم. * لا يندهش أحد أننا مستنزفون باضطهاداتٍ متواصلةٍ، ونسقط تحت ضغوط فوق العادة، ما دام الرب قد أنبأنا مقدمًا بأن هذه الأمور ستحدث في نهاية العالم، وقدم تعليمات لجيشنا بكلماته التي تعلمنا وتشجعنا. الشهيد كبريانوس * من هذه الكلمات يمكنكم أن تحكموا وتثقوا في بقية كلماتي. إذ لا تستطيعون القول أنني أتملقكم بأن أذكر لكم فقط ما هو يسركم، ولا أقدم لكم كلمات خداع. لأن من يود أن يخدع لا يخبركم مقدمًا بأمور كهذه تجعلكم تنصرفون (عنه). لذلك أخبركم مقدمًا أن هذه الأمور ستحل عليكم حتى لا تضطربوا بعدم توقعكم لها. وأيضًا لسبب آخر وهو ألا تقولوا إننا لسنا نعرف مقدمًا أن هذه الأمور ستحدث. تذكروا إذن أنني أخبرتكم بها.. ليتنا نحن أيضًا نضع هذه الأمور في الاعتبار أثناء تجاربنا، عندما نعاني شيئًا من الأشرار، "ناظرين إلي رئيس إيماننا ومكمله" (عب 12: 3)، وأن هذه يسببها الأشرار، وأنها من أجل الفضيلة، ومن أجله. فإن تأملنا في هذه الأمور سيكون كل شيء سهلاُ ومحتملًا. فإن كان من يتألم من أجل محبوبيه يفتخر بذلك، فما هي مشاعر ذاك الذي يحتمل هذا من أجل الله؟ إن كان هو من أجلنا حسب ذاك العار، أي الصليب، مجدًا (يو 13: 31)، فكم بالأكثر يلزمنا نحن أن نأخذ موقفًا كهذا؟ وإن كنا نستطيع أن نستخف بالآلام، كم بالأكثر نستطيع أن نستهين بالغنى والطمع؟ * "لم أقل لكم من البداية، لأني كنت معكم"[4]. قيل هذا بطريقة بشرية، كأنه يقول لهم: "إذ كنتم في آمان، وكان في سلطانكم أن تسألوني متى أردتم، وكانت العاصفة كلها تهب علي، لذا كان من غير الضروري أن أخبركم بهذه الأمور في البداية". القديس يوحنا الذهبي الفم يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم لماذا قال لهم أنه لم يسبق أن يخبرهم بهذا مع أنه عندما دعا الاثني عشر قال لهم أنهم سيقفون أمام ملوك وولاة من أجل اسمه ويجلدونهم في مجامعهم (مت 10: 18،17). يجيب على ذلك أنه ما سبق أن أخبرهم عنه كان يخص ما سيحدث في المستقبل حين يكرزون بين الأمم؛ أما ما يخبرهم عنه هنا فهو ما سيعانوه من اليهود، وأنه قد صار على الأبواب، وهو أمر لم يسبق أن يخبرهم عنه". "وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني، وليس أحد منكم يسألني أين تمضي". [5] سبق أن سأله بطرس هذا السؤال (يو 13: 36) وأيضًا توما (يو 14: 5)، وكلاهما نالا إجابة منه، أما الآن فيطالبهم ألا يسألوه، لأن قلوبهم امتلأت حزنًا [6]. يليق بهم عوض أن يسألوه أين يمضي أن يدركوا ويثقوا أن كل الأمور تعمل معًا لخيرهم كأحباء الله(رو 8: 28). * الآن يعدهم أنه يمضي بطريقة خلالها لا يسأله أحد إلى أين يمضي. لأن سحابة استقبلته عندما صعد من بينهم، وعند ذهابه إلى السماء لم يسأله أحد شفاهًا، بل كانت هناك شهادة عينية (أع 1: 9-11). القديس أغسطينوس "لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم". [6] سبق فملأهم السيد المسيح بالفرح (يو 15: 11)، لكن إذ اُمتصت أفكارهم في الضيق ملأ الحزن قلوبهم، ولم يتركوا مجالًا لفرح المسيح أن يملك عليها. كانت أفكارهم مشغولة بملكوت المسيح الخارجي والمجد الزمني وأنهم يملكون معه، وإذ تسللت أفكار العالم إليهم ملك حزن العالم عليهم. * حزنت مشاعرهم البشرية، لأن رؤيتهم له جسمانيًا تنتهي تمامًا. لكنه عرف ما هو نافع لهم، لأن تلك النظرة الداخلية التي بها يهبهم الروح القدس تعزية بلا شك أسمى... إذ يسكب نفسه في قلوب الذين آمنوا. عندئذ أضاف: "إنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت سأرسله إليكم" [7]. وكأنه يقول لهم: خير لكم أن يُنزع من أمامكم هذا الشكل الذي للعبد، إذ جاء الكلمة جسدًا بالحق وحلّ بينكم. لكنني لست أريد أن تستمروا في محبتكم لي جسديًا، وتكتفون بهذا اللبن، مشتهين أن تبقوا أطفالًا على الدوام... إن التصقتم بالجسد بطريقة جسدانية، لا يكون للروح مجال لكم... ماذا يعني "إن لم أنطلق لا يأتيكم الروح القدس" سوى أنكم لا تقدرون أن تقبلوا الرب ما دمتم مستمرين في معرفة المسيح حسب الجسد؟ لهذا يقول أحد الذين نالوا شركة الروح: "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد" (2 كو 5: 16). فإننا الآن حتى جسد المسيح نفسه لم يعرفه بطريقة جسدانية، حيث بلغ إلى المعرفة الروحية للكلمة الذي صار جسدًا * بالرحيل الجسدي للمسيح كل من الآب والابن كما الروح القدس صاروا حاضرين معهم. فإن كان المسيح قد فارقهم بطريقة ما ليبقى في موضعه وليس معهم، لكي يصير الروح القدس حاضرًا فيهم، فماذا يعني وعده عندما قال: "هأنذا معكم دائمًا وإلى انقضاء الدهر" (مت 28: 3)، أنا والآب "إليه نأتي وعنده نصنع منزلًا" (يو 14: 23)...؟ القديس أغسطينوس * الحزن المفرط أمر مرعب يوَّلد موتًا. لذلك يقول بولس: "لئلا يبتلع مثل هذا من الحزن المفرط" (2 كو 2: 7). * إنها تعزية لهم ليست بقليلة أن يعلموا أنه يعرف شدة قنوطهم. فإنهم بجانب حزنهم لتركه إياهم وما سيحل بهم من أمور مرعبة قادمة، لم يكونوا يدركون أن كانوا يستطيعون أن يحتملوا هذا بثبات عزمٍ. القديس يوحنا الذهبي الفم |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233810 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
"لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن انطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم". [7] كان الأنبياء في العهد القديم يعزون الشعب وسط ضيقاتهم بمجيء المسيا المخلص كمعزٍ لهم (إش 9: 6؛ ميخا 5: 2؛ زك 3: 8). الآن جاء المسيا وها هو يفارقهم بالجسد، فصارت الحاجة ملحة إلى معزٍ آخر هو روحه القدوس. أما مجيئه فيتطلب رحيل المسيح [7]. لم يكن ممكنًا للتلاميذ أن يقبلوا هذا، لذلك أكد السيد المسيح "أقول لكم الحق"[6] أنه لخيرهم أن ينطلق. هذا التعليم كان غير متوقع وغريبًا على مسامعهم. صعوده ليس لراحته بل لخيرهم، فإن كان ما فعله خلال تجسده هو لحساب مؤمنيه، فصعوده هو صعود للرأس الذي لا تفارقه أعضاء الجسم. سبق فأعلن لهم عن ضرورة موته لخلاص البشرية (مت 20: 19؛ 26: 2؛ مر 9: 31؛ 10: 33؛ لو 9: 44؛ 18: 32)، الآن لا يكرر ما سبق فأعلنه، إنما يكشف عن خطة الله من جهة إرسال الروح القدس إلى العالم، الذي لن يتم ما لم يتحقق خلاصنا بالصليب والقيامة والصعود إلى السماء. |
||||