![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : ( 233021 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
أقام القديس مرقس "الينوس" أسقفًا لقيرين، وابنه الأكبر قسًا ودعاه "أقاديوس"، والأصغر شماسًا ودعاه "فيلبس"، وترك القديس مرقس مدينة قيرين إلى الإسكندرية ليكرز فيها بالمسيح نحو سنة 61م، وظل في الإسكندرية لمدة سنتين أسَّس كنيستها وعاد إلى قيرين نحو سنة 63م، فتوسع القديس مرقس في خدمته في منطقة الجبل الأخضر وثبَّت المؤمنين وأقام المزيد من الكهنة والشمامسة. ويقول "البابا شنوده الثالث" أن مارمرقس عاد للمدن الخمس نحو سنة 63م، فأمضى بها سنتين يكرز باسم المسيح وينظم الخدمة، وسام لهم أساقفة وقسوس وشمامسة ثم ودَّعهم الوداع الأخير (راجع ناظر الإله الأنجيلي مرقس الرسول القديس والشهيد ص 49، 50) لقد ترك مرقس الرسول كنيسة بنتابوليس نحو سنة 65م إلى آسيا الصغرى حيث التقى بالأسقف تيموثاوس، ثم ذهب إلى روما بحسب رغبة بولس الرسول (2تي 4: 11) وظل معه حتى استشهاده سنة 67م. وذكر القديس جيروم أن مرقس الرسول عند عودته للمدن الخمس الغربية اصطحب معه بعض الخدام المصريين ليعاونوه في الخدمة، ومن هنا صارت المدن الخمس في رعاية كرسي الإسكندرية فيذهب الكهنة المصريون إليها ويأتي الكهنة الليبيون إلى الإسكندرية، ومن الأساقفة الليبيين الذين جاءوا إلى مصر "لوكيوس القيرواني" حيث استشهد في نفس الوقت الذي استشهد فيه مارمرقس. كان الكهنة الليبيون يأتون بالأكثر للدراسة والازدياد في المعرفة، وكان الكهنة المصريون يذهبون للمدن الخمس للخدمة، فكان من الأمور المألوفة أن يأتي قس مثل أريوس من ليبيا ليعيش في الإسكندرية ويُسام فيها شماسًا ثم قسًا، وأكد مجمع نيقية على تبعية المدن الخمس الغربية لكرسي الإسكندرية في القانون السادس: "لا يجوز في المقاطعات الثلاثة - مصر وليبيا والخمس مدن الغربية - أن يُسام أسقف على كنيسة ما إلَّا إذا انتخبه شعب هذه الكنيسة وثبته أسقف الإسكندرية" (93). والبابا ديونسيوس أمضى خمسة أعوام (257 - 262م) وسط شعبه في بنتابوليس في نفيه، وعاد بعد صدور مرسوم التسامح الديني الذي أصدره الإمبراطور جليانوس سنة 262م. كما أن البابا أثناسيوس الرسولي قام بزيارة رعوية للمدن الخمس الغربية، واختبأ فيها ستة أعوام أثناء الاضطهاد الأريوسي، وثيؤبستوس Theopistos شماس البابا ديسقورس الذي ذهب معه إلى المنفى في جزيرة غنفرا سنة 452م عاد بعد نياحة البابا ديسقورس وعاش في بنتابوليس (راجع د. ميخائيل مكسي إسكندر - تاريخ كنيسة بنتابوليس ص 172). ويقول "الدكتور إسحق إبراهيم عجبان": " لقد ربط مارمرقس بين كنيستي الإسكندرية والخمس المدن الغربية وصار هو المؤسس والأب الروحي لهما، ولأنه اختار الإسكندرية مقرًّا له فقد صارت كنيسة الإسكندرية في مقام "الكنيسة الأم" لكنيسة "بنتابوليس". وقد ظلت المدن الخمس الغربية خلال كل العصور المسيحية تابعة لكرسي الإسكندرية، وقد تثبت هذا الوضع بالقانون السادس من قوانين مجمع نيقية المسكوني 325م... وبعد أن انقطعت الصلة بين المدن الخمس والإسكندرية منذ البابا يؤانس السادس الـ74 (1189 - 1216م) سام البابا شنوده الثالث الأنبا باخوميوس سنة 1971م أسقفًا على البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية فأنشأ فيها ثلاث كنائس هيَ كنيسة مارمرقس في طرابلس وكنيسة الأنبا أنطونيوس في بنغازي وكنيسة السيدة العذراء والشهيد مارجرجس بمصراتة" (94). وما زال في ليبيا يوجد "وادي مرقس" على بُعد 30 كم من مدينة درنة، وفي الفترة (1985 - 1987) تم اكتشاف كنيسة بازيلكية في هذا الوادي تحتوي على سبعة هياكل، وما زال في ليبيا أيضًا "وادي الأنجيل" على ساحل البحر غرب درنة بنحو 25 كم، وبه ينابيع مياه تنبع من بين الصخور وأشهرها "عين الأنجيل". كما تم اكتشاف "دير مقار" شرقي مدينة شحات (قيرين) بنحو 15 كم، وعُثِر على قلالي رهبان ذات قباب نصف كروية أو بيضاوية. |
||||
|
|
|||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233022 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
كيف وجد القديس مرقس الرسول الإسكندرية عندما دخل إليها؟ ج: لا يتسع المجال هنا للحديث عن مدينة الإسكندرية ومدى عظمتها في القرن الأول الميلادي، فقد وُلِدت هذه المدينة كبيرة، فلم تنشأ صغيرة واتسعت مع الزمن، إنما وُلِدت من تخطيط منظم جدًا كما كان يحلم بها الإسكندر الأكبر... دعني يا صديقي أضع أمامك وصفًا لتلك المدينة العظيمة في خطوط عريضة عندما قَدِم إليها القديس العظيم مارمرقس الرسول: 1- من أهم المدن: إن كانت مدينة روما مقرّ الإمبراطور الروماني التي تسيطر على مجريات الأمور في العالم كله هيَ المدينة الأولى في العالم من الجهة السياسية، فإن الإسكندرية كانت تُعد المدينة الأولى من الجهة الحضارية والثقافية والعلمية، والإسكندرية مدينة مصرية، وكلمة "مصر" كلمة عبرانية مشتقة من كلمة "مصرايم" وهو ابن حام بن نوح، ودُعيت في اللغة القبطية "كيمي" Xhmi، وفي اللغة الإنجليزية Egypt نقلًا عن اليونانية التي أخذتها من الهيروغليفية "آيجيبتوس"، وهيَ كلمة تتكون من مقطعين "آي" أي أرض أو دار، و "جيبتوس" أُخذت من "قفط"، فمعنى "آيجيبتوس" أي أرض قفط أو أرض القبط أو دار القبط. وورد اسم مصر في الكتاب المقدَّس نحو ستمائة مرة (راجع إبراهيم صبري معوض - تاريخ حياة القديس الشهيد مارمرقس الإنجيلي ص 65). 2- نشأة المدينة ومعالمها: أصدر الإسكندر الأكبر سنة 331 ق.م أمره بإنشاء مدينة كبيرة تكون عاصمة مصر، وتمثل همزة الوصل بين مصر ومدن روما وأثينا وغيرهما، وكلَّف المهندس النابغة "دينوقراطيس" Dinocrates لوضع التصميم المناسب للمدينة، فوضع هذا المهندس تصميم المدينة في شكل شوارع طويلة بطول نحو 5 كم، وتتعامد عليها شوارع عرضية بطول نحو 2 كم بمحازاة شاطئ البحر المتوسط، وأحيطت المدينة بأسوار مرتفعة تعلوها أربع أبراج مراقبة، فبلغ ارتفاع السور من ثلاث إتجاهات نحو ثلاثين مترًا، وبلغ طول الأسوار نحو 15 كم، بينما السور المواجه للبحر فقد ارتفع بمقدار متر واحد للحماية من الأمواج، وللمدينة أربعة أبواب ضخمة على شكل صليب، من الشرق "الباب الكانوبي" ومن الغرب "باب نكروبوليس" ومن الشمال "باب القمر" ومن الجنوب "باب الشمس"، والشارع الطولي الرئيسي هو شارع كانوب، والشارع العرضي الرئيسي هو شارع سوما، وجاء شكل المدينة مثل رقعة الشطرنج، حوت في أحشائها سبعة أحياء سكنية، ثلاثة في المساحة المنحصرة بين شط البحر وشارع كانوب، وأربعة في الضفة الأخرى من شارع كانوب، وهذه الأحياء هيَ: أ - الحي اليهودي (سوتيريا): ويقع شرق المدينة في منطقة الشاطبي، وكان عدد اليهود ليس بقليل، وبسبب الاضطرابات العنصرية والتصادمات بين اليهود والأغريق أنشأ اليهود أسوارًا حول الحي الخاص بهم، داخل أسوار المدينة، وبينما كان كل سكان الإسكندرية يدفنون موتاهم خارج الأسوار، فأن اليهود كانو يدفنون موتاهم داخل الحي اليهودي. ب - الحي الملكي (البرخيوم): ويقع بين الحي اليهودي شرقًا وحي الميدان غربًا، ويشرف على الميناء الشرقي ويحده من الجنوب شارع كانوب وهو الحي الأكثر روعة وجمالًا. جـ - حي الميدان (الميناء): يقع غرب الحي الملكي، وفيه نجد المخازن الضخمة والمستودعات التي تُخزَّن فيها السلع الخاصة بالتصدير والاستيراد، وبه فنادق واستراحات التجار الأجانب، وشوارع هذا الحي تموج بالأجناس المختلفة من يونانيين ورمانيين ويهود وسريان وأحباش وهنود وعرب، وفيه تسمع شتى اللغات، وهذا الحي يعتبر الترمومتر الذي يحدد مدى الرواج التجاري، وبالحي الترسانة البحرية. د - حي الأحراش (ميدان السباق): ويقع جنوبي الحي اليهودي يفصل بينهما الشارع الكنوبي، ويحدّه من الجنوب سور المدينة الجنوبي، ومن الشرق سور المدينة الشرقي ومن الغرب حي البانيوم، وبهذا الحي تجد ميدان السباق، والسواري أي أماكن العبادات الوثنية. هـ - حي البانيوم (السوما): يقع بين حي الأحراش شرقًا وحي المتحف غربًا، ومن الشمال نجد شارع كانوب ومن الجنوب سور المدينة، ويضم هذا الحي "قصر السوما" حيث يرقد جثمان الإسكندر الأكبر، وبجواره جثامين ملوك البطالمة، ويضم الحي أيضًا "البانيوم" Panium (كوم الدكة) وهو تل أو برج بشكل مخروطي به سلالم حلزونية، ومن قمته ترى المدينة بالكامل، وتتمتع بنسمات البحر التي تأتي إليك بلا عائق، ودُعي الحي باسم هذا البرج (البانيوم)، وفي شمال الحي تجد عدة قصور فخمة تطل على الشارع الجنوبي وجنوب الحي تجد بعض الأحراش (المستنقعات). و - حي المتحف: بين حي البانيوم شرقًا والحي المصري غربًا، يحده من الشمال الشارع الكانوبي ومن الجنوب سور المدينة، ويضم هذا الحي أهم معالم المدينة، ففيه "الموسيون" وهو أشبه بجامعة ضخمة أو أكاديمية، وبه عدد من القصور الفخمة. ز - الحي المصري (راكوتي): يحده من الشرق حي المتحف ومن الغرب سور المدينة الغربي، ومن الشمال الشارع الكانوبي ومن الجنوب سور المدينة يحتوي (منطقة كرموز وكوم الشقافة وميناء البصل واللبان وكفر عشري). وفي هذا الحي تجد "معبد السرابيوم" الذي شيَّده بطليموس الأول (305 - 283 ق.م) لتمتزج فيه العبادة الأغريقية مع العبادة المصرية القديمة، فرأى المصريون أن "سيرابيس" هو الإله "أوزيريس" مع العجل "أبيس" وقبل البطالمة عبادة سيرابيس حتى أنه كان في مصر 42 معبدًا له، وقيل عن معبد سيرابيس بالإسكندرية: "ليس هناك في العالم ما هو أفخم منه ألاَّ "الكبيتول" الذي يُعد الفخر الأبدي لمدينة روما" (وصف أميانوس مرسيلينوس - سليم حسن - موسوعة مصر القديمة ص 15) (95). وتمر بالحي ترعة "شيديا" من الجنوب وتتجه شمالًا نحو حي الميدان. والمدينة بتصميمها الرائع هذا والشوارع العرضية المستقيمة تفسح المجال لنسيم البحر العليل أن يتخلل المدينة، وترتفع المنازل إلى طابقين أو ثلاث تعلو أبواب المنازل القباب والمظلات، وألوان الطلاء الداخلي مشرقة وزاهية مما يريح النفس، والمنازل وفيرة الضوء وتتخللها حرارة الشمس الدافئة، وتحت المنازل تجد خزانات المياه المتسعة، وفي سنة 10م مدَّ "الإمبراطور أوغسطس قيصر" مجرى مائي من ترعة شيديا ليصل إلى كل أحياء المدينة. وكانت تقع مقابل حي الميدان "جزيرة فاروص" منفصلة عن المدينة، فربط المهندس "دينوقراطيس" الذي وضع تصميم المدينة بين الجزيرة والمدينة بطريق بري وصل طوله نحو (1300) مترًا دُعي "الهيبتاستاديوم" أي السبعة ستاد، والأستاد يعادل (186) مترًا (7 × 186 = 1302م). والذي يسير على هذا الطريق الذي أنشئ في مياه البحر بطول أكثر من كيلومتر قاصدًا الجزيرة يجد الميناء الشرقي على يمينه، والميناء الغربي عن يساره. وقال المؤرخ اليهودي "يوسيفوس" عن الميناء الشرقي: "دخول ميناء الإسكندرية صعب جدًا على السفن، وحتى في أثناء هدوء البحر لأن فتحته ضيقة جدًا، وبسبب الصخور المختفية تحت سطح البحر، التي ترغم السفن على الانحراف عن طريقها" (96). وقال "سترابون" Strabo سنة 20 ق.م: "أن الداخل إلى الإسكندرية عن طريق البحر يدخل إلى الميناء الكبير (الشرقي)، فعلى اليمين توجد جزيرة وبرج فاروس ومعبد إيزيس فاريا، وإلى اليسار يوجد الميناء الصناعي المُغلق والخاص باستعمال الملوك (الميناء الملكي) والجزيرة الصغيرة "أنتيردوس" Antirhodos وعليها قصر وميناء صغير... وفوق ذلك يوجد السرح ثم البوسيديوم Posidium وهو جزء من مجمع، وفيه معبد "بوسيدو" (إله البحر).. ثم بعد ذلك يأتي القيصريون السيزارير Caesruim (معبد قيصرون)، ثم الأمبوريون، الميناء التجاري، ثم أبوستاسيس (المخازن) وتتبعها أرصفة السفن أو (الترسانة) التي تمتد حتى الهيبتاستاديوم". أما عن "الميناء الغربي" فقد دُعي "يونوستوس" أي العود الحميد، وهو مفتوح على البحر وأقل تحكمًا وأمانًا من الميناء الشرقي، ولذلك فهو أقل استخدامًا للسفن، ويجاوره الميناء الصناعي "كيبوتوس" أي الصندوق ويشمل أحواض السفن، وترعة "شيديا" التي تمتد من بحيرة مريوط تصب المياه في هذا الميناء الغربي. وتنتشر سفن الصيد سواء في هذا الميناء أو الميناء الشرقي، أما سفن الركاب الضخمة والتي تتسع الواحدة منها إلى أكثر من ثلثمائة شخص، مع سفن الشحن التي تصل حمولتها نحو 500 طن، فأنها تتواجد بالأكثر في الميناء الشرقي، وفي "الترسانة البحرية" ترى كيف تُولَد السفن الضخمة وهيَ تُبنى يومًا فيومًا حتى تكتمل وتجهَّز ويُدفع بها إلى البحر لتقضي حياتها طولًا وعرضًا، وتمتلك الإسكندرية أسطولًا بحريًا ضخمًا، ويعيش في المدينة آلاف من الضباط وجنود البحرية. وبالإضافة للميناء الشرقي والغربي فأن هناك ميناء آخر لا يقل أهمية يطل على بحيرة مريوط. وعلى جزيرة فاروس أُقيم "فنار الإسكندرية" أحد عجائب الدنيا السبع، أنشأه المهندس العبقري "سوسترانوس" بأمر من بطليموس الأول سوتر سنة 280 ق.م وانتهى العمل فيه في عهد بطليموس الثاني فلادلفيوس، بارتفاع نحو (131) مترًا من الحجارة الضخمة، ويتكون من ثلاثة طوابق إن صح تسميتها طوابق، الطابق الأول بشكل مربع بارتفاع (60) مترًا، ويحوي داخله 300 حجرة لسكنى العمال وحفظ الآلات، ويعلو كل ركن من الأركان الأربعة تمثالًا، والطابق الثاني بشكل ثماني، بارتفاع (30) مترًا، والطابق الثالث بشكل دائري بارتفاع (15) مترًا، ويعلوه "المصباح" وهو شعلة عظيمة من النار، ويعكس ضوء هذه النيران سطح مصقول من المعدن، فيصل الضوء إلى نحو 45 كيلومترًا، ويعلو المصباح قبة مستديرة قائمة على ثمانية أعمدة، يعلوها تمثال "بوسيدون" إله البحر بارتفاع سبعة أمتار، والسفن البعيدة ترى الفنار وكأنه شعلة في يد إنسان يحبك ويدعوك إلى بيته. وفي منطقة الفنار ارتفعت بعض المسلات، ووضع ثلاثين تمثالًا لأبي الهول، كل واحد منها يحمل اسم ملكًا من ملوك الفراعنة من سيزوستريس الثالث إلى رمسيس الثاني، كما أُقيمت ثلاثة تماثل ضخمة من الجرانيت لثلاثة ملوك من ملوك البطالمة، فحملت المنطقة الطابع الفرعوني الإغريقي إشارة إلى تصالح الحضارات وتكاملها. وعلى ذات الجزيرة أُقيم "معبد إيزيس فاريا" حامية البحار، فالإلهة إيزيس مقدَّسة لدى المصريين والأغريق أيضًا، وفي غرب الجزيرة أقيم "معبد بوسيدون" شفيع البحارة والمسافرين. ومن المناظر المألوفة في الجزيرة طوابير الدواب التي تحمل قطع الأخشاب إلى الفنار حتى تحترق وضوءها يهدي السفن البعيدة إلى ميناء السلامة. 3- الفن المعماري: برع المصريون في الفن المعماري، فعرفوا صقل الأحجار حتى أنها تلتصق مع بعضها بدون مادة وسيطة (مثل المونة) فشيدوا المعابد الضخمة وبنو الأهرامات بأسرارها العجيبة وأقاموا المسلات الضخمة، وأقاموا فنار الإسكندرية أحد عجائب الدنيا السبع، ورصفوا الشوارع في الإسكندرية بالأحجار الصلدة، وكانوا يغسلونها كل يوم، كما انعكس الفن المعماري على مباني المدينة الأنيقة وقصورها الفخمة وفي عصر البطالسة تزينت المدينة بالتماثيل الرائعة من الحجر الجيري، والرخام، والجرانيت والبازلت. وإذا نظرت للقصور التي انتشرت في البروخيوم (الحي الملكي) تجد الدور الأرضي يرتفع عن مستوى الشارع بعدة درجات، وقد صنعت الأبواب من الأخشاب الثمينة وتزينت بالنقوش البديعة، وقد أفترشت الأرضية بتربيعات الرخام، واكتست الجدران بالرخام المزخرف ذو الألوان البديعة، وفي أركان القصر ترتفع التماثيل الناطقة، وتتخذ السُرج الفضيَّة والنحاسيَّة المثبتة على الجدران أشكال الطيور والحيَّات، والستائر مطرَّزة بشكل حيوانات وطيور، وتكتسي أرضية الحمامات بالرخام الأبيض، والبانيو رخامي بأرجل قصيرة منقوشة يتسع لشخص أو شخصين، والحدائق الغناء والبساتين اليانعة تحيط بالقصور. وأمام القصر الملكي قد أُقيم تمثال رائع لزوجة بطليموس الثاني "أرسينوي" وهيَ في صورة الإلهة إيزيس، وقد صُنع التمثال من الجرانيت بطول ثمانية أمتار، وأمام القصر ارتفعت المسلات الفرعونية. كما يضم الحي الملكي المعابد الباهرة، ودار القضاء، والجمنازيوم الذي يقع على ناحية الشارع الكانوبي مع شارع الوادي. وعدد الشوارع الطولية 9 شوارع أهمها "الشارع الكانوبي" (شارع أبي قير) بطول نحو 5 كم، وعرض الشارع 14 مترًا وفي المسافة بينه وبين شاطئ البحر أمتدت ثلاث شوارع كل منها بعرض 7 متر، وفي الاتجاه المقابل أمتدت خمسة شوارع. وعلى ضفتي الشارع الكانوبي أُقيمت الأعمدة المرمرية والرخامية تعلوها القباب، وتضاء المصابيح على جانبي الطريق، والمصباح عبارة عن قدح من الحجر أو الفخار يُملئ بالزيت وبه فتيل من خرق القماش، كما ظللت الأشجار جانبي الطريق، وانتشرت أصص نباتات الزينة. وعلى جانبي الطريق تتوفر المجاري لصرف مياه الأمطار بعد أن تغسل الشارع الذي رُصف ببلاطات البازلت الأسود وأبعاد كل منها 50 × 30 سم. أما الشوارع العرضية فعددها سبعة عشر شارعًا، طول كل منها نحو كيلومترين، والشارع العرضي الرئيسي هو "شارع سوما" (شارع النبي دانيال) ومع تقاطعه مع الشارع الكانوبي نرى "ساحة سوما" ومعنى "سوما" أي الجسد أو الجثمان، وفي هذه الساحة مقبرة الإسكندر الأكبر الذي غزى العالم كله في نحو عشر سنوات، ورغم أن كل الأماكن كانت تحت أمرته إلاَّ أنه أوصى بدفن جثمانه بالإسكندرية التي عشقها قبل أن توجد، ولكن كانت مجرد فكرة في ذهنه، وعندما مات الإسكندر الأكبر دُفِن في بابل، وتم تجنيد مجموعة من الفنانين المقدونيين والفرس والشرقيين لتصميم وتصنيع التابوت والعربة التي ستحمل تابوت إمبراطور العالم، وظل العمل لمدة سنتين، فصنعوا التابوت من خشب الصندل والأرز وكُسي بألواح مطروقة من الذهب ومُلئ بالطيب، وكان غطاء التابوت من الذهب الموشى بالفسيفساء، فكان التابوت تحفة فنية رائعة، أما العربة فصُمّمت على أن تجرها (64) دابة تشكل (6) صفوف، كل صف به ثمانية دواب. وفي أواخر عام 322 ق.م تحرك الموكب من بابل إلى مصر مرورًا بدمشق يتقدمه بطليموس الأول بجيشه، وعندما وصل الجثمان إلى منف تمسك به أهلها الذين سبقوا وتوَّجوه ملكًا على عرش مصر، فدفنوه في مقبرة الملوك بمعبد بتاح، وبعد نحو 42 سنة نقل بطليموس الثاني تابوت الإسكندر الأكبر من منف إلى الإسكندرية حيث استقر في ضريحه في ساحة سوما، فظل في مقبرته حتى عصر بطليموس التاسع (107 - 90 ق.م) الذي طمع في ذهب التابوت، فنقل الجثمان إلى "معبد البانثيون" (حاليًا جامع العطارين). وأمام جسد الإسكندر الأكبر المقدوني وقف يوليوس قيصر متأملًا مليئًا، ووضع إكليلًا من الذهب على رأس الجثمان. 4- الديانات المختلفة: عرفت الإسكندرية تصالح الحضارات فماجت بأطياف البشر من مصريين ويونانيين ورومان ويهود وسريان وفُرس وعرب وأثيوبيين وهنود، وبالتالي ماجت بالديانات المختلفة، ففيها تجد العبادات المصرية مثل عبادات "إيزيس" و "أوزيريس" و "حورس" و "آمون" و "العجل أبيس" و "البقرة حتحور" و "رع" كبير الآلهة، و "هابي" إله النيل، والأغريق بآلهتهم مثل "زيوس" إله السماء والبرق، و "فينوس" إلهة الحب والجمال، والإله "أبولو" (ابن جوبتر) إله الموسيقى والشفاء والنور و "باكوس" إله الخمر (ومازال هناك حي باكوس في شرق الإسكندرية) و "سيرابيس" الذي رأى فيه المصريون "أوزيريس". أما اليهود فكان عددهم كبيرًا حتى أن "فيلون" (30 ق.م - 50م) قال أن عددهم في الإسكندرية مليون، حتى لو كان العدد مُبالغ فيه فأنه يعكس ضخامة عددهم في الحي اليهودي بعيشتهم المنعزلة وتمسكهم بديانتهم، ناهيك عن بقية العبادات المختلفة، وحاول الرومان أن يسيروا على نهج الإسكندر الأكبر في التوفيق بين الديانات والتصالح بين الحضارات، فاعتبر الإسكندر أن الإله اليوناني "زيوس" هو الإله "آمون"، وانتشرت عبادة "إيزيس" بين الأغريق في روما، ودعوها بأفروديت، وهيرا، وسيليني، ووصفوها بأنها عذرية التوالد وأنها مرحة وشجاعة، ومُنقذة وفائقة القدرة ومعظَّمة وهيَ الملكة المقدَّسة والربة الفاتنة وقائدة أرباب الفنون وواهبة القوانين. 5- العلوم والحضارة: تقدمت الإسكندرية في شتى المجالات العلمية في الطب والهندسة والفلك والفلسفة والموسيقى والفنون... إلخ حتى قال "أفلاطون": "أن الجنس البشري بأجمعه أسير إحسان القبط (المصريون) لأنهم علموه الكتابة والصناعة وفن الموسيقى" (98). واشتهرت الإسكندرية بمدرستها العريقة "المتحف" Museum، الذي أمر بطليموس بإنشائه للفنون والعلوم، وكلمة "متحف" هنا يُقصد بها "مدرسة" أو "جامعة" أو "معهد للعلوم" أو "أكاديمية"، وبجوار المتحف أنشأت مكتبة الإسكندرية بيد بطليموس الثاني، وعندما ضاقت بالمخطوطات إذ وصل عدد المخطوطات إلى نحو مائتي ألف أنشأ البطالمة "مكتبة السرابيون" فضمت نحو خمسين ألف لفافة، ومع مرور الزمن وصل عدد المخطوطات إلى نحو نصف مليون لفافة، وأقام الملوك البطالمة على المكتبتين مشرفين من أكفأ العلماء، ويقول "سترابون" المؤرخ والجغرافي: "المتحف جزء من القصور الملكية، وبه ممر عمومي، ورواق فيه مقاعد، ودار متسعة بها مطعم لعلماء المعهد، ويعيش هؤلاء حياة مشتركة، ويشرف على أمورهم وأمور المتحف كاهن يعيّنه الملك" (99). وتفوقت مدرسة الإسكندرية على مثيلاتها في كافة أنحاء العالم مثل أكاديمية أرسطو، وأكاديمية أفلاطون، مما دفع الدارسون في مختلف الأماكن يفدون إلى الإسكندرية لاستكمال دراستهم فيها. كما أن مكتبة الإسكندرية كانت هيَ المكتبة الأولى على مستوى العالم، وعندما تعرضت للحريق ولا سيما أيام الفتح العربي كانت خسارة للعالم كله، وقد اندثرت في العصور الوسطى، ومع بداية الألفية الثالثة أعيد إنشاء مكتبة الإسكندرية في منطقة الشاطبي بالإسكندرية بتكلفة 22 مليون دولار، وتم افتتاحها في 16 أكتوبر 2002م، فصارت من أهم معالم الإسكندرية. وقيل أن القديس لوقا الإنجيلي درس الطب في مدرسة الإسكندرية، وربما درس أيضًا فن الرسم والتصوير، وكان صديقه "ثاؤفيلس" الذي كتب له إنجيله (لو 1: 3) وسفر الأعمال (أع 1: 1) يعيش في الإسكندرية. ويقول "إبراهيم صبري معوض": "ويمكن القول أنه قد انتقلت حضارة الفراعنة وعلومهم من طب وفلك ورياضة وفلسفة وتاريخ وعلوم الآداب والجغرافيا، من المدارس المصرية القديمة وهيَ عين شمس ومنف وطيبة وغيرها من المدارس المشهورة، والتي نقلت علومها التي أكتسبتها عبر القرون والعصور إلى مدرسة الإسكندرية التي ظلت ردحًا طويلًا تحمل لواء العرفان إلى ما بعد دخول المسيحية إلى مصر" . ومن المعروف أن مدرسة عين شمس كانت جامعة عريقة، تعلم فيها المصريون واليونانيون أيضًا مثل أفلاطون وفيثاغورس وسقراط وهيرودتس وديوناسيوس الأريوباغي. وفي مدرسة الإسكندرية مدينة العلم والثقافة انتشرت المدارس بمستوياتها المختلفة للأولاد والبنات فيدرسون من البداية من تعلُّم الحروف الأبجدية إلى أن يصلوا إلى أعلى مراتب العلم عبر "الميوزيوم"، وفي الإسكندرية تجد المكتبات الخاصة تبيع الكتب المتنوعة، فتجد كتب "ديوجنيس" عن الزواج ومحاورات أفلاطون العشرين، وأشعار هوميروس، ومن الأماكن الشهيرة في الإسكندرية حديقة الحيوان التي ضمت حيوانات نادرة من الحيوانات الأليفة والمفترسة والثعابين والأفيال، والتي كانت محط دراسة علماء الحيوان، مثلها مثل حديقة النباتات التي ضمن أشجارًا متنوعة وعديدة، والتي كانت محط دراسة علماء النبات. 6- النشاط الصناعي والتجاري: الإسكندرية مدينة النشاط الصناعي، مثل صناعة الكتان والصوف، والجلود، والبردي، والكروم، والأواني الفخارية، والورق بأنواعه المختلفة، والعقاقير الطبية بما ورثته الإسكندرية من خبرة الفراعنة في الطب والكيمياء، فإن علم الكيمياء علم مصري، وكلمة " كيمياء" مشتقة من اسم مصر "كيمي"، وكانت الإسكندرية تحصل على الأعشاب الطبية من بلاد العرب والهند وأثيوبيا، وعرف المصريون الألوان الثابتة التي لا تمحوها الأيام، وعرفوا تلوين المعادن كما برع المصريون في صناعة النسيج وما زالت قطع النسيج القبطي المطرَّزة والمزدانة بالصور تنتشر في متاحف العالم وأخذت طريقها إلى هناك عن طريق ميناء الإسكندرية، وجاء في سفر حزقيال: " كَتَّانٌ مُطَرَّزٌ مِنْ مِصْرَ هُوَ شِرَاعُكِ لِيَكُونَ لَكِ رَايَةً" (حز 27: 7). وبرع المصريون أيضًا في صناعة الملابس الكهنوتية والأقمشة التي كانت تستخدم في التحنيط، وكان الجيش الروماني يستورد كم ضخم من هذه الأنسجة لملابس الجيش. كما برع المصريون في عمل المجوهرات والمشغولات الذهبية والفضية وصناعة الحلي كالعقود، كما تفوقوا في صناعة الزجاج، وكانوا يصدّرون من تلك المنتجات لبلاد أوربا وآسيا. وكانت الإسكندرية مدينة تجارية عالمية، فهيَ منفتحة على الداخل والخارج، تمتلك أسطولًا تجاريًا ضخمًا، والطرق البحرية تربطها بأوربا، والطرق النهرية عن طريق نهر النيل ترتبط بمصر الوسطى والعليا، والقناة التي تربط بين نهر النيل وخليج السويس تربطها بالهند والصين وبلاد الشرق، وبسبب اكتشاف الرياح الموسمية كانت سفن الإسكندرية التي تبلغ نحو (120) سفينة ضخمة تقطع الرحلة من الإسكندرية للهند والعودة في نفس العام، والإمبراطورية الرومانية تشجع هذا لأنها تحصل على الضرائب مرتين، مرة عند استيراد تلك البضائع من الهند، ومرة أخرى عند تصديرها إلى دول حوض البحر المتوسط، فالرحلات البحرية التجارية لا تنقطع بين الإسكندرية وبين روما وأثينا ومارسيليا وقبرص وكيريت ومالطة، فالإسكندرية تستقبل الواردات من الهند والحبشة من عاج وتوابل وبخور وذهب وفضة ولؤلؤ وحرير وصبغات... إلخ في ميناء بحيرة مريوط وتعيد تصديرها لدول أوربا، فكانت الواردات من ميناء بحيرة مريوط أضعاف الواردات التي تصل للميناء البحري الشرقي وأيضًا الغربي، والصادرات من الميناء البحري أضعاف الصادرات من ميناء مريوط، والمحصلة النهائية أن صادرات الإسكندرية تفوق الواردات بما تنتجه من صناعات محلية، فهيَ تستورد الخامات وتصنعها ثم تصدرها، فصارت الإسكندرية المدينة التجارية الأولى على مستوى العالم، مثلما كانت تمثل المركز الأول في الحضارة والتقدم العلمي والثقافي... في شوارعها تنتشر المتاجر الكثيرة فتجد محلات الجزارة، والعطارة، والنجارة، والأحذية، والحلاقة، والحانوتية وتحنيط الجثث، وفي الأحياء الراقية تجد محلات المجوهرات والتحف والتماثيل ومن أهم معالم المدينة السوق التجاري الضخم في حي الميدان وصار أثرياء الإسكندرية ينافسون أغنياء روما، فوصفها "يوليوس قيصر" بأنها المدينة "الشاسعة المساحة الواسعة الثراء". 7- النشاط الرياضي والسياحي: الإسكندرية مدينة الرياضة، فمن أحد معالمها "الجمنازيوم" وهو يضم صالات للمصارعة، والملاكمة، والمساج، وساحات للجري، والملعب الرياضي... إلخ. ويأتي الأجانب من كافة بقاع الأرض يستمتعون بمناخ الإسكندرية المعتدل، ويتعرفون على الحضارات المصرية والأغريقية، ويسرون بسماحة شعبها. 8- النظام القضائي: عرف المصريون النظام القضائي العادل، فكان لديهم المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، وشملت القوانين المصرية الأفرع الأربعة الخاصة بالقضايا وهيَ ما تختص بالأموال، والالتزامات، والعقود، والأحوال الشخصية. 9- الفنون والمباهج: الإسكندرية مدينة الفنون والمباهج العالمية، فأحدى الصديقات نصحت صديقتها قائلة لها: لو ذهب زوجك إلى الإسكندرية فالأفضل لك أن تتزوجي لأن زوجك لن يعود ثانية، فكثيرون يأتون للإسكندرية ويتوهون ويغرقون في مباهجها، فبائعات الهوى تعترف بهم الدولة وتحصل منهن ضرائب أضعاف أضعاف المهن الأخرى، ويعشق أهل الإسكندرية السهر ليلًا ولا سيما في فترة الصيف، وفي الاحتفالات بالأعياد والمواسم تضج المدينة بالزحام والصخب، فتقام الحفلات التمثيلية الشعبية والكوميدية والهزلية، وتجوب شوارع الإسكندرية فرق الموسيقى والرقص والألعاب البهلوانية. كما تنتشر صالات الموسيقى والرقص والمسارح التي زينت جدرانها بالجرانيت الوردي والرمادي والأسود، والرخام الأبيض والأرجواني، والمرمر. 10- الشعب السكندري: يقول "إبراهيم صبري معوض": "يقول أسترابون أن يوليب الذي زار الإسكندرية في القرن الثاني قبل الميلاد وصف أهل الإسكندرية بأنهم أناس أذكياء يخضعون للقانون (مصر في عهد الرومان ص 30). وقد امتاز الشعب الإسكندري بنشاط عجيب وهمة فائقة في التجارة والصناعة. فكان لهم القدح العلمي في العلوم وقد عثر على بعض النقوش والكتابات اللاتينية القديمة جاء بها: {أن الإسكندرية هيَ المدينة التي لا يوجد بها عاطل. ففريق من أهلها يعمل الزجاج وفريق يصنع الورق، وآخرون ينسجون الأقمشة، فكان لكل منهم صناعة خاصة، فالعمي لهم عملهم، والأكتعون لا يعيشون عالة على غيرهم}" .. كان كثيرون من الفلاحين من شتى أرجاء مصر يتركون أراضيهم وأسرهم ويهربون للإسكندرية بسبب الضرائب الباهظة التي يفرضها عليهم الرومان، وكان كثيرون من أجناس مختلفة يفدون للمدينة من أجل التجارة أو بهدف السياحة في هذه المدينة البهيجة حتى أن "أشيل تيطوس" يقول: " كلما وجهت نظري إلى جهة من الجهات أرى عجبًا يزيدني طربًا، وكلما نقلت قدمًا زدت فرحًا" |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233023 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
نشأة مدينة الإسكندرية ومعالمها أصدر الإسكندر الأكبر سنة 331 ق.م أمره بإنشاء مدينة كبيرة تكون عاصمة مصر، وتمثل همزة الوصل بين مصر ومدن روما وأثينا وغيرهما، وكلَّف المهندس النابغة "دينوقراطيس" Dinocrates لوضع التصميم المناسب للمدينة، فوضع هذا المهندس تصميم المدينة في شكل شوارع طويلة بطول نحو 5 كم، وتتعامد عليها شوارع عرضية بطول نحو 2 كم بمحازاة شاطئ البحر المتوسط، وأحيطت المدينة بأسوار مرتفعة تعلوها أربع أبراج مراقبة، فبلغ ارتفاع السور من ثلاث إتجاهات نحو ثلاثين مترًا، وبلغ طول الأسوار نحو 15 كم، بينما السور المواجه للبحر فقد ارتفع بمقدار متر واحد للحماية من الأمواج، وللمدينة أربعة أبواب ضخمة على شكل صليب، من الشرق "الباب الكانوبي" ومن الغرب "باب نكروبوليس" ومن الشمال "باب القمر" ومن الجنوب "باب الشمس"، والشارع الطولي الرئيسي هو شارع كانوب، والشارع العرضي الرئيسي هو شارع سوما، وجاء شكل المدينة مثل رقعة الشطرنج، حوت في أحشائها سبعة أحياء سكنية، ثلاثة في المساحة المنحصرة بين شط البحر وشارع كانوب، وأربعة في الضفة الأخرى من شارع كانوب، وهذه الأحياء هيَ: أ - الحي اليهودي (سوتيريا): ويقع شرق المدينة في منطقة الشاطبي، وكان عدد اليهود ليس بقليل، وبسبب الاضطرابات العنصرية والتصادمات بين اليهود والأغريق أنشأ اليهود أسوارًا حول الحي الخاص بهم، داخل أسوار المدينة، وبينما كان كل سكان الإسكندرية يدفنون موتاهم خارج الأسوار، فأن اليهود كانو يدفنون موتاهم داخل الحي اليهودي. ب - الحي الملكي (البرخيوم): ويقع بين الحي اليهودي شرقًا وحي الميدان غربًا، ويشرف على الميناء الشرقي ويحده من الجنوب شارع كانوب وهو الحي الأكثر روعة وجمالًا. جـ - حي الميدان (الميناء): يقع غرب الحي الملكي، وفيه نجد المخازن الضخمة والمستودعات التي تُخزَّن فيها السلع الخاصة بالتصدير والاستيراد، وبه فنادق واستراحات التجار الأجانب، وشوارع هذا الحي تموج بالأجناس المختلفة من يونانيين ورمانيين ويهود وسريان وأحباش وهنود وعرب، وفيه تسمع شتى اللغات، وهذا الحي يعتبر الترمومتر الذي يحدد مدى الرواج التجاري، وبالحي الترسانة البحرية. د - حي الأحراش (ميدان السباق): ويقع جنوبي الحي اليهودي يفصل بينهما الشارع الكنوبي، ويحدّه من الجنوب سور المدينة الجنوبي، ومن الشرق سور المدينة الشرقي ومن الغرب حي البانيوم، وبهذا الحي تجد ميدان السباق، والسواري أي أماكن العبادات الوثنية. هـ - حي البانيوم (السوما): يقع بين حي الأحراش شرقًا وحي المتحف غربًا، ومن الشمال نجد شارع كانوب ومن الجنوب سور المدينة، ويضم هذا الحي "قصر السوما" حيث يرقد جثمان الإسكندر الأكبر، وبجواره جثامين ملوك البطالمة، ويضم الحي أيضًا "البانيوم" Panium (كوم الدكة) وهو تل أو برج بشكل مخروطي به سلالم حلزونية، ومن قمته ترى المدينة بالكامل، وتتمتع بنسمات البحر التي تأتي إليك بلا عائق، ودُعي الحي باسم هذا البرج (البانيوم)، وفي شمال الحي تجد عدة قصور فخمة تطل على الشارع الجنوبي وجنوب الحي تجد بعض الأحراش (المستنقعات). و - حي المتحف: بين حي البانيوم شرقًا والحي المصري غربًا، يحده من الشمال الشارع الكانوبي ومن الجنوب سور المدينة، ويضم هذا الحي أهم معالم المدينة، ففيه "الموسيون" وهو أشبه بجامعة ضخمة أو أكاديمية، وبه عدد من القصور الفخمة. ز - الحي المصري (راكوتي): يحده من الشرق حي المتحف ومن الغرب سور المدينة الغربي، ومن الشمال الشارع الكانوبي ومن الجنوب سور المدينة يحتوي (منطقة كرموز وكوم الشقافة وميناء البصل واللبان وكفر عشري). وفي هذا الحي تجد "معبد السرابيوم" الذي شيَّده بطليموس الأول (305 - 283 ق.م) لتمتزج فيه العبادة الأغريقية مع العبادة المصرية القديمة، فرأى المصريون أن "سيرابيس" هو الإله "أوزيريس" مع العجل "أبيس" وقبل البطالمة عبادة سيرابيس حتى أنه كان في مصر 42 معبدًا له، وقيل عن معبد سيرابيس بالإسكندرية: "ليس هناك في العالم ما هو أفخم منه ألاَّ "الكبيتول" الذي يُعد الفخر الأبدي لمدينة روما" (وصف أميانوس مرسيلينوس - سليم حسن - موسوعة مصر القديمة ص 15) (95). وتمر بالحي ترعة "شيديا" من الجنوب وتتجه شمالًا نحو حي الميدان. والمدينة بتصميمها الرائع هذا والشوارع العرضية المستقيمة تفسح المجال لنسيم البحر العليل أن يتخلل المدينة، وترتفع المنازل إلى طابقين أو ثلاث تعلو أبواب المنازل القباب والمظلات، وألوان الطلاء الداخلي مشرقة وزاهية مما يريح النفس، والمنازل وفيرة الضوء وتتخللها حرارة الشمس الدافئة، وتحت المنازل تجد خزانات المياه المتسعة، وفي سنة 10م مدَّ "الإمبراطور أوغسطس قيصر" مجرى مائي من ترعة شيديا ليصل إلى كل أحياء المدينة. وكانت تقع مقابل حي الميدان "جزيرة فاروص" منفصلة عن المدينة، فربط المهندس "دينوقراطيس" الذي وضع تصميم المدينة بين الجزيرة والمدينة بطريق بري وصل طوله نحو (1300) مترًا دُعي "الهيبتاستاديوم" أي السبعة ستاد، والأستاد يعادل (186) مترًا (7 × 186 = 1302م). والذي يسير على هذا الطريق الذي أنشئ في مياه البحر بطول أكثر من كيلومتر قاصدًا الجزيرة يجد الميناء الشرقي على يمينه، والميناء الغربي عن يساره. وقال المؤرخ اليهودي "يوسيفوس" عن الميناء الشرقي: "دخول ميناء الإسكندرية صعب جدًا على السفن، وحتى في أثناء هدوء البحر لأن فتحته ضيقة جدًا، وبسبب الصخور المختفية تحت سطح البحر، التي ترغم السفن على الانحراف عن طريقها" (96). وقال "سترابون" Strabo سنة 20 ق.م: "أن الداخل إلى الإسكندرية عن طريق البحر يدخل إلى الميناء الكبير (الشرقي)، فعلى اليمين توجد جزيرة وبرج فاروس ومعبد إيزيس فاريا، وإلى اليسار يوجد الميناء الصناعي المُغلق والخاص باستعمال الملوك (الميناء الملكي) والجزيرة الصغيرة "أنتيردوس" Antirhodos وعليها قصر وميناء صغير... وفوق ذلك يوجد السرح ثم البوسيديوم Posidium وهو جزء من مجمع، وفيه معبد "بوسيدو" (إله البحر).. ثم بعد ذلك يأتي القيصريون السيزارير Caesruim (معبد قيصرون)، ثم الأمبوريون، الميناء التجاري، ثم أبوستاسيس (المخازن) وتتبعها أرصفة السفن أو (الترسانة) التي تمتد حتى الهيبتاستاديوم". أما عن "الميناء الغربي" فقد دُعي "يونوستوس" أي العود الحميد، وهو مفتوح على البحر وأقل تحكمًا وأمانًا من الميناء الشرقي، ولذلك فهو أقل استخدامًا للسفن، ويجاوره الميناء الصناعي "كيبوتوس" أي الصندوق ويشمل أحواض السفن، وترعة "شيديا" التي تمتد من بحيرة مريوط تصب المياه في هذا الميناء الغربي. وتنتشر سفن الصيد سواء في هذا الميناء أو الميناء الشرقي، أما سفن الركاب الضخمة والتي تتسع الواحدة منها إلى أكثر من ثلثمائة شخص، مع سفن الشحن التي تصل حمولتها نحو 500 طن، فأنها تتواجد بالأكثر في الميناء الشرقي، وفي "الترسانة البحرية" ترى كيف تُولَد السفن الضخمة وهيَ تُبنى يومًا فيومًا حتى تكتمل وتجهَّز ويُدفع بها إلى البحر لتقضي حياتها طولًا وعرضًا، وتمتلك الإسكندرية أسطولًا بحريًا ضخمًا، ويعيش في المدينة آلاف من الضباط وجنود البحرية. وبالإضافة للميناء الشرقي والغربي فأن هناك ميناء آخر لا يقل أهمية يطل على بحيرة مريوط. وعلى جزيرة فاروس أُقيم "فنار الإسكندرية" أحد عجائب الدنيا السبع، أنشأه المهندس العبقري "سوسترانوس" بأمر من بطليموس الأول سوتر سنة 280 ق.م وانتهى العمل فيه في عهد بطليموس الثاني فلادلفيوس، بارتفاع نحو (131) مترًا من الحجارة الضخمة، ويتكون من ثلاثة طوابق إن صح تسميتها طوابق، الطابق الأول بشكل مربع بارتفاع (60) مترًا، ويحوي داخله 300 حجرة لسكنى العمال وحفظ الآلات، ويعلو كل ركن من الأركان الأربعة تمثالًا، والطابق الثاني بشكل ثماني، بارتفاع (30) مترًا، والطابق الثالث بشكل دائري بارتفاع (15) مترًا، ويعلوه "المصباح" وهو شعلة عظيمة من النار، ويعكس ضوء هذه النيران سطح مصقول من المعدن، فيصل الضوء إلى نحو 45 كيلومترًا، ويعلو المصباح قبة مستديرة قائمة على ثمانية أعمدة، يعلوها تمثال "بوسيدون" إله البحر بارتفاع سبعة أمتار، والسفن البعيدة ترى الفنار وكأنه شعلة في يد إنسان يحبك ويدعوك إلى بيته. وفي منطقة الفنار ارتفعت بعض المسلات، ووضع ثلاثين تمثالًا لأبي الهول، كل واحد منها يحمل اسم ملكًا من ملوك الفراعنة من سيزوستريس الثالث إلى رمسيس الثاني، كما أُقيمت ثلاثة تماثل ضخمة من الجرانيت لثلاثة ملوك من ملوك البطالمة، فحملت المنطقة الطابع الفرعوني الإغريقي إشارة إلى تصالح الحضارات وتكاملها. وعلى ذات الجزيرة أُقيم "معبد إيزيس فاريا" حامية البحار، فالإلهة إيزيس مقدَّسة لدى المصريين والأغريق أيضًا، وفي غرب الجزيرة أقيم "معبد بوسيدون" شفيع البحارة والمسافرين. ومن المناظر المألوفة في الجزيرة طوابير الدواب التي تحمل قطع الأخشاب إلى الفنار حتى تحترق وضوءها يهدي السفن البعيدة إلى ميناء السلامة. |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233024 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
القديس لوقا الإنجيلي درس الطب في مدرسة الإسكندرية، وربما درس أيضًا فن الرسم والتصوير، وكان صديقه "ثاؤفيلس" الذي كتب له إنجيله (لو 1: 3) وسفر الأعمال (أع 1: 1) يعيش في الإسكندرية. ويقول "إبراهيم صبري معوض": "ويمكن القول أنه قد انتقلت حضارة الفراعنة وعلومهم من طب وفلك ورياضة وفلسفة وتاريخ وعلوم الآداب والجغرافيا، من المدارس المصرية القديمة وهيَ عين شمس ومنف وطيبة وغيرها من المدارس المشهورة، والتي نقلت علومها التي أكتسبتها عبر القرون والعصور إلى مدرسة الإسكندرية التي ظلت ردحًا طويلًا تحمل لواء العرفان إلى ما بعد دخول المسيحية إلى مصر" . ومن المعروف أن مدرسة عين شمس كانت جامعة عريقة، تعلم فيها المصريون واليونانيون أيضًا مثل أفلاطون وفيثاغورس وسقراط وهيرودتس وديوناسيوس الأريوباغي. وفي مدرسة الإسكندرية مدينة العلم والثقافة انتشرت المدارس بمستوياتها المختلفة للأولاد والبنات فيدرسون من البداية من تعلُّم الحروف الأبجدية إلى أن يصلوا إلى أعلى مراتب العلم عبر "الميوزيوم"، وفي الإسكندرية تجد المكتبات الخاصة تبيع الكتب المتنوعة، فتجد كتب "ديوجنيس" عن الزواج ومحاورات أفلاطون العشرين، وأشعار هوميروس، ومن الأماكن الشهيرة في الإسكندرية حديقة الحيوان التي ضمت حيوانات نادرة من الحيوانات الأليفة والمفترسة والثعابين والأفيال، والتي كانت محط دراسة علماء الحيوان، مثلها مثل حديقة النباتات التي ضمن أشجارًا متنوعة وعديدة، والتي كانت محط دراسة علماء النبات |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233025 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
هل مجيء مرقس الرسول للإسكندرية حقيقة أم أنه زعم من كرسي الإسكندرية الذي أراد أن يُجذّر نفسه وينسب نفسه للرسل؟ وكيف كرز مرقس الرسول في تلك المدينة الصاخبة؟ وما هيَ العلاقة بين القداس المرقسي والقداس الكيرلسي؟ وكيف جابه مرقس البشير مدرسة الإسكندرية الوثنية؟ ج: أولًا: هل مجيء مرقس الرسول للإسكندرية حقيقة أم أنه زعم؟ شكَّك البعض في مجيء مرقس الرسول للإسكندرية واستشهاده فيها، وقالوا أن كنيسة الإسكندرية كانت بحاجة إلى تأصيل رسولي فاخترع أسطورة كرازة مارمرقس لها واستشهاده بها، مع أن أكليمنضس السكندري وأوريجانوس لم يذكر أحدهما مجيء مرقس الرسول للإسكندرية، وقال "لاجرانج" Lagrange الفرنسي نقلًا عن "كروسن" Crassen الألماني: "أن الإسكندرية قد حاولت تقليد عواصم الإمبراطورية (الرومانية والبيزنطية) في اختيار أحد الرسل حاميًا وشفيعًا لها Patron، فكان بطرس لروما، وإندراوس لبيزنطة، ثم أتخذت الإسكندرية مرقس شفيعًا لها" (104). ومن الثابت تاريخيًا أن مرقس هو الذي كرز في مصر، ومن ألقابه أنه كاروز الديار المصرية. وحتى لو أن أكليمنضس السكندري ولا أوريجانوس ذكر أن مرقس استشهد في الإسكندرية، فإن صمتهما لا يعني نفيهما لهذه الحقيقة، إنما يعني بالأكثر أن هذا أمرًا معلومًا ومستقرًا ولا يحتاج لأي تأكيد من أحدهما. وما أكثر الأدلة التي تؤكد تأسيس مرقس الرسول لكرسي الإسكندرية واستشهاده فيها، ونكتفي هنا بهذه الأدلة: 1- يقول "القديس أيرنيموس": "حسب مرقس، ترجمان بطرس الرسول، وأول أسقف على كنيسة الإسكندرية.." (105) ولو كانت قصة مجيء مرقس الرسول للإسكندرية أسطورة، فكيف يقرُّ مجمع نيقية سنة 325م أن كرسي الإسكندرية كرسي رسولي لأن مارمرقس هو الذي أسَّسه، هل اعتراف كل هؤلاء الآباء الأساقفة اعتراف باطل؟. 2- قال "يوسابيوس القيصري": "ويقولون أن مرقس هذا كان أول من أُرسل إلى مصر، وأنه نادى بالإنجيل الذي كتبه، وأسَّس الكنائس في الإسكندرية أولًا" (2: 16: 1) (106). وشكَّك البعض في هذه الشهادة لأنها مبنية على السماع "يقولون"، فيقول "د. ميخائيل مكسي إسكندر": "ولكننا نرى أنه بدأ عبارة بفعل مبني للمجهول (يقولون) لأنه ربما سمع هذه القصة من أفواه كثيرة، خلال زيارته لمصر، كدليل على شيوعها في زمانه. كما أننا نقرأ في تاريخه الكنسي، أنه استقى معلوماته من العلامة أكليمنضس الإسكندري (نهاية القرن 3م) الذي تحدث - في كتاباته - عن إنجيل مرقس، وذيوعه في مصر في عهده" (107). والقديس أكليمنضس في كتابه "ما وراء الرمز" أوضح أن مرقس هو أول من كرز في مصر، وهو أول أسقف عليها (راجع توماس أودين - مارمرقس الرسول في الذاكرة الأفريقية ص 144). 3- قال "يوسابيوس القيصري": "أنيانوس أول أسقف لكنيسة الإسكندرية بعد مرقس الرسول في السنة الثانية من مُلك نيرون سُلّمت إلى أنيانوس إدارة أبروشية الإسكندرية خلفًا لمرقس الإنجيلي" (3: 24) (108). 4- ذكر "يوسابيوس القيصري" أسماء خلفاء مارمرقس التسعة من سنة 64 إلى سنة 260م، وجاءت هذه الأسماء مطابقة تمامًا لما جاء في المخطوطات القبطية القديمة، ومع ما كتبه المسيحي الليبي "يوليوس الأفريقي" Julius Africanos (راجع د. ميخائيل مكسي إسكندر - تاريخ كنيسة بنتابوليس ص 111). 5- جاء في الرسالة الفصحية للبابا بطرس خاتم الشهداء (رقم 17) عند إشارته لسلفه البابا ثاؤنا قال عنه: "السادس عشر من خلفاء مرقس الرسول" (109). 6- في سيرة البابا بطرس خاتم الشهداء عندما ذهب إلى قبر مارمرقس وهو في طريقه للاستشهاد في 8 ديسمبر 311م صلى قائلًا: "يا أبي الإنجيلي الذي للكلمة الوحيد وابن الله والشاهد لآلامه المحيية، أنت هو الشهيد الأول والأسقف المكرَّم الراسخ في هذا الكرسي، الذي اصطفاه المسيح، مخلصنا كلنا، إلهنا الحقيقي، أنت قد نشرت البشارة (بالإنجيل) في كل أرض مصر والتخوم المحيطة بهذا البلد... وأنت اخترت أنيانوس الطوباوي خليفة لك، لأنه كان مستحقًا، وبعده ميليوس، ثم الذين آتوا بعده، ثم أبي ثاؤنا الذي رباني، وبعد أبي ثاؤنا وصلت خدمة الكرسي إليَّ أنا، على الرغم من كوني خاطئًا وغير مستحق لهذه الكرامة... ها إني أعهد لك بالقطيع الذي اؤتمنت عليه كخليفة (لك)، هذا الذي سلمته أنت لمن سبقوني، وقد أخذته أنت من يد الله المخلص، لأنك بالنسبة لي وللذين معي المعلم، وقد تعلمنا الإيمان الأرثوذكسي من تعاليمك المقدَّسة، ونحن أيضًا لنا حظوة أن أصحاب هذا الكرسي لهم شفيع بهذه القامة عند ربنا يسوع المسيح، الذي صرت أنت خليفة له" (مقال د. صموئيل قزمان معوض - مارمرقس والهوية القبطية) (110). 7- ذكر القديس جيروم أن حنانيا (أنيانوس) خلَّف مرقس الرسول على كرسي الإسكندرية (راجع الأرشمندريت يوسف دره الحداد 1 - الدفاع عن المسيحية جـ 1 في الإنجيل بحسب مرقس ص 35، 36). 8- في سيرة البابا ديسقورس رقم (25) عندما تعرض البابا للنفي ظهر له رؤيا يوحنا المعمدان وأليشع النبي يقولان له: "يا ديسقورس لماذا تخاف؟ نحن كائنان معك منذ اليوم الذي أجلسوك فيه على الكرسي الذي لمرقس الإنجيلي.." (سيرة البابا ديسقورس - فقرة 35، وصموئيل قزمان معوض ص 281، 282) (111). 9- جاء في كتاب "تاريخ البطاركة" أسماء البطاركة العشرة الأوائل وتواريخ سيامتهم ووفاتهم كالآتي: (1) القديس مرقس (61 - 68م) (2) أنيانوس (68 - 83م) (3) ميليوس (83 - 95م) (4) الشهيد كردونوس (95 - 106م) (5) إيريموس (106 - 118م) (6) يسطس (118 - 129م) (7) أرمانيوس (129 - 141م) (8) مارقيانوس (141 - 152م) (9) كالاوثيانوس (152 - 166م) (10) أغريبينوس (166 - 178م) 10- تقول "مسز بوتشر": "أما الكنيسة القبطية المصرية التي أسَّسها ق. مرقس فقد حافظت إلى الآن على أنظمتها وطقوسها التي كانت لها منذ مؤسسها أكثر مما حافظت أي كنيسة أخرى (إلى هذا اليوم) وفيها بقيت سلسلة المراتب الكهنوتية الثلاثة متصلة بغير انقطاع إلى يومنا هذا، وهيَ الأسقفية والقسوسية والشماسية وقد حافظت أيضًا على الأسرار السبعة، ولكنها تعتبر اثنين منها ضروريين للخلاص وهما المعمودية والعشاء الرباني" (مع ملاحظة أن المؤرخة بوتشر كانت بروتستانتية) (112). 11- قال "البطريرك كيرلس مقار" الكاثوليكي: "فإن بطرس مارس الخدمة الأسقفية في أنطاكية، ولكنه لم يمارسها في الإسكندرية، فالكنيسة الإسكندرانية غير مديونة لخدمته ولا لترتيبه الأسقفي، لأن ذلك خاص بمرقس... فهيَ مديونة لمرقس" (113). 12- البابا بولس السادس: في لقائه بالوفد القبطي في 22 يونيو 1968م بمناسبة عودة رفات مرقس الرسول إلى مصر، قال أن هذا العمل يُعبَّر عن: "حلقة جديدة في العلاقات بين كنيسة روما وكنيسة الإسكندرية، بين كرسي بطرس وكرسي مرقس" ثانيًا: كرازة مارمرقس في الإسكندرية: 1- جاء مارمرقس الرسول إلى الإسكندرية قادمًا من المدن الخمس الغربية ولا يوجد ميعاد محدد مُتفَق عليه لقدومه للإسكندرية، فيرى البعض أنما جاء مبكّرًا أثناء حكم كلوديوس (41 - 44م)، بينما يرى أسقف نستروه والسيدة بوتشر والبطريرك مكسيموس مظلوم أنه جاء سنة 49م، وحدَّد الأب شينو سنة 60م، وقال يوسابيوس القيصري (تاريخ الكنيسة 2: 24) أنه جاء في حكم نيرون (54 - 68م)، ويرى المؤرخ شاكر ابن الراهب، والأنبا إيسيذورس والقديس حبيب جرجس، وكامل نخلة، وإيرس حبيب المصري أنه جاء سنة 61م، وهو نفس التاريخ الذي جاء في سنكسار كنيستنا القبطية: "وبعد نياحة برنابا ذهب مرقس بأمر السيد المسيح إلى أفريقيا وبرقة والخمس المدن الغربية، ونادى في تلك الجهات بالإنجيل فآمن على يده أكثر أهلها. ومن هناك ذهب إلى الإسكندرية في أول بشنس سنة 61م". ويقول "البابا شنوده الثالث": "أنه لا يمكن قبول التواريخ المبكرة (الأربعينات) حيث كان مرقس حديث السن. وكان لا يزال يعمل بصحبة الرسل... ومن المؤكد أنه لم يحضر إلى الإسكندرية قبل مجمع أورشليم (سنة 51م) حيث ذهب بعده مع برنابا إلى قبرص" (115). ويقول "د. ميخائيل مكسي إسكندر": "ونحن نرى أنه جاء إلى بنتابوليس بين عامي 55 - 56م، ووصل الإسكندرية بين عامي 60 - 61م، ويؤيدنا في ذلك الدكتور عزيز سوريال، وسليم سليمان، وفرنسيس العتر، والقس منسى يوحنا، وابن كبر وغيرهم" 2- جاء مرقس الرسول إلى الإسكندرية المدينة الأولى في العالم من جهة الحضارة والعلوم والثقافة والتجارة والصناعة... إلخ (راجع س477).. فماذا سيفعل أمام هذه المدينة العظيمة بدياناتها المختلفة، ويسكن فيها مئات الألوف من اليهود، وتجيش بأجناس عديدة، وتقف مفتخرة بمدرستها التي لا مثيل لها في العالم ولا سيما المكتبة التي تضمها في أحشائها... لم يتعب مرقس البشير نفسه في التفكير: ماذا سيفعل؟ وكيف يبلغ الرسالة؟ ومن أين يبدأ وهو لا يعرف إنسانًا فيها.. إلخ، ولكن الله دبَّر له الأمر بطريقة عجيبة، إذ تلف حذاءه من مشقة الطريق وذهب ليُصلحه، وإذ بالمخراز يصيب يد الأسكافي الذي يصرخ "ايس ثيؤس" أي "يا اللَّه الواحد". وعلى الفور يحرك روح الرب مرقس فيتفل على الأرض ويصنع طينًا ويطلي جرح الأسكافي، فأن عينيه كانتا مثبتتان على المسيح وهو يفعل هذا مع المولود أعمى، ويقول "الأنبا ساويرس أسقف الأشمونين" أن مرقس البشير صلى قائلًا: "باسم الآب والابن والروح القدس، الله الحي الأبدي، تُشفي يد هذا الرجل في هذه اللحظة، ليتمجد الاسم القدوس" (117). وللحظة برأت يده، وسأله عن الإله الواحد، فبشَّره به، فكان أنيانوس الأسكافي أول شخص يؤمن بالسيد المسيح ابن الله في مدينة الإسكندرية على يد مرقس الرسول، واستضافه الأسكافي ونال المعمودية هو وأسرته، ولم يخبو النور الذي شع من هذه الأسرة المباركة فأنتقل للأقرباء والجيران، وبدأت شعلة الكرازة تُضئ سماء الإسكندرية... كانت الجالية اليهودية التي تعيش في الإسكندرية كبيرة جدًا، وبعض منهم كان يسافر إلى أورشليم لحضور الأعياد، ولا بد أن بعضهم عاين كرازة السيد المسيح أو سمع عنها، وحضر أحداث الصلب والقيامة والصعود وحلول الروح القدس، ولا بد أن بعضهم آمن بالسيد المسيح، لذلك أغلب الظن لم يكن أنيانوس أول إنسان مسيحي في الإسكندرية، بل سبقه بعض اليهود، ويغلب هذا الرأي ظهور شخصية مثل شخصية "أبولس" فهو لم يعتمد على يد مرقس البشير: " ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ يَهُودِيٌّ اسْمُهُ أَبُلُّوسُ إِسْكَنْدَرِيُّ الْجِنْسِ رَجُلٌ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي الْكُتُبِ. كَانَ هذَا خَبِيرًا فِي طَرِيقِ الرَّبِّ. وَكَانَ وَهُوَ حَارٌّ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ وَيُعَلِّمُ بِتَدْقِيق مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ. عَارِفًا مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا فَقَطْ" (أع 18: 24 - 25) فيبدو أنه حضر كرازة ومعمودية يوحنا، وكرازة المسيح ولم يكن في أورشليم يوم الخمسين فلم يعاين إيمان الثلاثة آلاف ومعموديتهم (راجع أيضًا أع 19: 1-2؛ 1كو 3: 5، 9؛ 4: 6 - 13؛ 16: 12) وقال البعض أن خدمة أبولس كانت سابقة لخدمة بولس الرسول في أفسس وكورنثوس. ويقول أحد رهبان دير البرَموس: "أننا لا نصدق أن الدين المسيحي لم يدخل الثغر إلا بعد ثمانية وعشرين سنة لصعود المسيح (سنة 61م) على يد مارمرقس، لأنه أقرب كثيرًا إلى اليهود من المدن والأقاليم الأخرى التي امتد إليها الإيمان المسيحي" (الراهب البرَموسي - حسن السلوك في تاريخ البطاركة والملوك - القاهرة 1613 ش ص 9)" (118). ومما ساعد على انتشار الإيمان المسيحي بين المصريين إيمانهم بالحياة الأخرى، والدينونة والثواب والعقاب وإيمانهم بالوحدانية المشوب بالتعددية الوثنية. فأنيانوس الذي صرخ: "يا الله الواحد" لم يكن يعرفه المعرفة الحقيقية. وجاء في العقيدة المصرية القديمة: "الله واحد أحد... لا إله إلَّا هو... الذي صنع كل شيء... الله روح خفي... روح الأرواح... روح المصريين الأكبر... هو الموجود من الأزل وهو موجود قبل كل الوجود... فهو إله أزلي وهو الحي الدائم الذي لا نهاية له، الأبدي الباقي على الدوام" (119). والذي حمل الوحدانية في نقاوتها إلى مصر مصرايم حفيد نوح، وظهرت واضحة في الأسرة العشرين (راجع كتاب الحضارات الأولى لجوستاف لونون ص 262، 263 - المرجع السابق ص 10). وقال "هيرودتس" المؤرخ اليوناني: "أن أهل طيبة كانوا يعرفون الإله الواحد الذي لا بداية له الحي الأبدي" (120). وعن إيمان المصريين بالدينونة والثواب والعقاب، أن الإنسان يَمثُل أمام الآلهة ليعطي حسابًا عما فعله، وهو يقول: "إني لم أكن جائرًا على بشر إني لم أعامل الناس بالسوء... إني لم أرتكب خطيئة في مكان الحق... إني لم أحاول معرفة ما لا ينبغي معرفته... إني لم آتِ شرًّا... إني لم أسلب الإله... إني لم أسلب إنسانًا ممتلكاته... إني لم أرتكب ما يمقته الآلهة... إني لم أتسبب في ألم... إني لم أقتل... إني لم آمر بالقتل... إني لم أرتكب لواطًا... إني لم أزُنِ في الأماكن المقدَّسة لإله مدينتي... إني لم أقتطع من المكيال... إني لم أغش الموازين... إني لم أغتصب اللبن من فم الرضيع... إني لم أحرم الماشية من مرعاها.." (نيقولا جريمال - تاريخ مصر القديمة ص 113 - 115) (121). وانتشرت المسيحية في هذه المدينة العظيمة عن طريق القدوة وفي هدوء، فيقول "إبراهيم صبري معوض": "وقد اشتهر الذين أعتنقوا الدين المسيحي بجميل الخصال وحسن السلوك مع مواطنيهم وعُرِفوا بدماثة الخلق واللطف والدعة وصدق المعاملة وإنكار الذات والزهد في العالم والمحبة للغير والإحسان إلى المسيء، وهيَ صفات أدهشت الوثنيين وأثرت في نفوسهم تأثيرًا عظيمًا فكانوا إذا وجدوا وثنيًا منهم على شيء من هذه الصفات الجميلة قالوا أنه مسيحي أو أنه عاشر مسيحيًا وأقتبس من فضائله" (122). 3- أثمرت خدمة مارمرقس في الإسكندرية، وانتشر نور الإيمان وكثر المؤمنين، فوضع لهم صلوات القداس الإلهي، وأنشأ مدرسة إسكندرية اللاهوتية: القداس الإلهي: مارمرقس الذين عاين السيد المسيح وهو يقدم جسده ودمه الكريمين لتلاميذه الأطهار في سر الإفخارستيا، استطاع أن يضع صلوات القداس الإلهي، وظلت هذه الصلوات تنتقل من السلف للخلف شفاهة، حتى دوَّنه كتابة البابا أثناسيوس الرسولي، وسلّمه إلى فرومينتيوس أول أسقف على أثيوبيا، ثم رتّبه وأضاف إليه البابا كيرلس الكبير (رقم 24) فنُسب له ودُعي باسم "لقداس الكيرلسي" وما زال محفوظًا للآن في كنيستنا القبطية، ويقول الدكتور "هامر شميث": أن قداس القديس مارمرقس هو أقدم ليتورجية لكنيسة الإسكندرية، وعُثِر على "درج" مخطوط في دير سانت كاترين مدوَّن عليه قداس القديس مرقس يرجع للقرن الحادي عشر، وهو في حالة لا تسمح بدراسته إلاَّ بعد معالجته (راجع إبراهيم صبري معوض - تاريخ حياة القديس الشهيد مارمرقس الإنجيلي ص 275). وجاء في قاموس أكسفورد أنه: "في سنة 1928م أكتشف قصاصات من القداس في بردي استراسبورج ترجع إلى القرنين الرابع والخامس في الطقس القبطي، مكتوب عليها القداس القبطي للقديس مرقس، أو للقديس كيرلس... وصيغة أخرى منه باللغة الأثيوبية. وتوجد ثلاث مخطوطات في الفاتيكان لهذا القداس، وهيَ: The God. Rassanensis Vat. Cr. 1970, Saee XIII The Ratulus Vaticaanus Vat. Cr. 2281, Saee XIII The Ratulus Messanensis God. Mes Cr. 177, Saee". (راجع موقع هوليبايبل - قانونية إنجيل مرقس وكاتب الإنجيل). المدرسة اللاهوتية: كان لمدرسة الإسكندرية "الميوزيوم" شهرتها العالمية فكان يقدم إليها الدارسون من شتى أنحاء العالم ليستكملوا دراستهم ومعرفتهم، كما رأينا في السؤال السابق، وعندما انتشر الإيمان المسيحي آمن بعض أساتذة هذه المدرسة، مما أثار حفيظة أساتذة المدرسة وهجومهم على المسيحية، فأنشأ القديس مرقس المُحب للمعرفة المدرسة اللاهوتية أولًا: لتعليم المؤمنين وأيضًا الموعوظين أسُّس الإيمان المسيحي، وثانيًا: لإعداد خدامًا للكرازة، وثالثًا: للرد على الهجمات الشرسة من مدرسة إسكندرية الوثنية. وعيَّن لها مرقس الرسول العلامة "القديس يسطس" المشهود له بالتقوى، ونمت هذه المدرسة وأشرف عليها رجال جمعوا بين عمق المعرفة وعمق الفضيلة مثل أثيناغوراس الذي كان من أساطين الديانة الوثنية وآمن بالمسيحية، وصار من المدافعين الأقوياء عن المسيحية فقدم دفاعًا قويًا عن المسيحية سنة 177م للإمبراطور مرقس أوريليوس، وأول من قدم تفسيرًا لعقيدة الله الواحد المثلث الأقانيم، وبنتينوس الذي كان من أصل وثني وآمن بالمسيحية وتولى مسئولية مدرسة إسكندرية اللاهوتية سنة 181م. ويقول عنه "يوسابيوس القيصري": "ونحو هذا الوقت عهد إلى "بنتينوس" - وهو شخص بارز جدًا بسبب علمه - من إدارة مدرسة المؤمنين في الإسكندرية. إذ كانت قد أنشئت بها منذ الأزمنة القديمة مدرسة للتعاليم المقدَّسة، ولا زالت حتى يومنا هذا. وكان يديرها - كما وصل إلى علمنا - رجال في غاية المقدرة والغيرة نحو الإلهيات. وقيل أنه برز من بينهم في ذلك الوقت بنتينوس لأنه تهذب بفلسفة الرواقيين" (5: 10: 1) (123). وعن بنتينوس يقول أيضًا "إبراهيم صبري معوض": "وابتدأت المدرسة في التقدم حينما انحاز بنتينوس أحد الرواقيين القدماء إلى تلك المدرسة المسيحية وأخذت تشاطر الأكاديمية في العلوم الأدبية والدينية، وجُعِل بنتينوس بعد ذلك أحد مديريها" (124). ويقول "فارر" Farrar: "وفي مدينة مثل هذه - الإسكندرية - بمتحفها ومكتباتها ومحاضراتها ومدارسها الفلسفية، ومجامعها (اليهودية) الضخمة، وملحديها العلنيين، وأفكارها الشرقية الباطنية العميقة، لا يحمل فيها الإنجيل قوة إن لم يكن قادرًا على خلق معلمين قادرين على مجابهة فلاسفة وثنيين ويهود أفلاطونيين وشرقيين اختاروا خليطًا من الفلسفات، يجابهونهم بذات أسسهم" (125). ويقول "القمص تادرس يعقوب": "شهد القديس جيروم أن القديس مرقس الرسول قام بتأسيس مدرسة الإسكندرية المسيحية، فقد أُوحي له بالروح القدس أن يقيمها للتعليم بالمسيحية، كطريق لتثبيت الدين الجديد في هذه المدرسة على أساس راسخ سواء بالنسبة للذين من أصل أممي أو من أصل يهودي. بهذا كما يقول ألكسندر روبرت: { وُجِد أول كرسي للتعليم المسيحي... وهي الإسكندرية عقل المسيحية... في الوقت الذي كان فيه الغرب مجرد متقبّل يبسط يديه وساعديه للشرق طالبًا استنارة أعظم" (126). ويقول أيضًا "القمص تادرس يعقوب": "ووصف "Groves" هذه المدرسة قائلًا: " كانت مدرسة إسكندرية التعليمية ذات الشهرة العالمية مركزًا للدراسات المسيحية دون منافس في العالم المسيحي في ذلك الحين". صارت هذه المدرسة أقدم مركز للعلوم القدسية في تاريخ المسيحية، إذ نشأ فيها أول نظام للاهوت المسيحي، كما انطلقت منها طريقة التفسير الرمزي للكتاب المقدَّس... قيل عنها: "أنه من المشكوك فيه أن نجد نظامًا للتعليم المسيحي أفضل مما كان قائمًا في الإسكندرية" (127). واتسعت الدراسة في مدرسة إسكندرية اللاهوتية لتشمل فروع العلم المختلفة. وجاء في "موسوعة آباء الكنيسة" عن مدرسة إسكندرية اللاهوتية: " كانت بمثابة معهد أو كلية لتدريس فروع المعرفة المختلفة كالإنسانيات واللغات والموسيقى وعلوم الفلك والفيزياء والكيمياء والطب والرياضيات والجغرافيا والتاريخ، بالرغم من أن دورها الرئيسي في عصر الإيمان كان الدين. وكان أن تطوَّر المنهج بعد المناظرات التي جرت بين علماء المدرستين اللاهوتية والوثنية، فأدخلت العلوم الطبيعية لتدرس بها إلى جانب العلوم الدينية (عزيز سوريال عطية - تاريخ الكنيسة الشرقية، والراهب القمص أنطونيوس الأنطوني - وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها)" (128)، وكان العلم فيها عن طريق "الكاتشزم" أي السؤال والإجابة، وضمت الأغنياء والفقراء رجال ونساء. ويقول "القمص تادرس يعقوب": "بحق يلزمنا أن نقف بإعجاب بآبائنا الأولين الذين استطاعوا بسموهم الروحي وعلو فكرهم أن يفتحوا مدرسة في القرن الأول الميلادي تضم الجنسين معًا رجال ونساء، في وقت كان فيه العالم المتحضر كله يقوم على التمييز بينهما... ضمت المدرسة سادة وعبيد معًا، في وقت كان العبد رخيصًا يُباع كالسلعة ويُشترى" (129). وعن عظمة مدرسة إسكندرية اللاهوتية، وأن التعليم اللاهوتي في شتى بقاع العالم مدين لها بالفضل، يقول "توماس أودين": "ربما كانت أكبر مساهمة جوهرية لمارمرقس في المسيحية الأفريقية الأولى هيَ زرع الفكرة الأصلية لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية... أن خدمة التعليم تلك التي أثرت وبلا استثناء لا في مسيحية شمال أفريقيا وحسب بل وفي التعليم العالي في كل العالم. يكتب البابا شنوده الثالث عن الإنجازات العظمى الثلاث لمارمرقس فيقول: {كان عمله الفردي العظيم والذي حققه هو إنجيله، وليتورجيته، وتأسيس مدرسة الإسكندرية اللاهوتية}.. إن مدرسة الإسكندرية هيَ الأولى من نوعها والنموذج لكل التعبيرات اللاحقة عن التعليم المسيحي العالي، وقد تطوَّرت تلك المدرسة من أصل (بداية) متواضعة لتصبح أكبر المعاهد التعليمية التي لا تُنافس في العالم المسيحي. إن نماذج تفسيرها سرعان ما تبعتها قرطاج (ترتليان)، وقيصرية (أوريجانوس)، وكبادوكية (غريغوريوس النيزنزي)، وروما (غريغوريوس الكبير).. فإن المصادر القبطية تقرأ أن مرقص الرسول هو الذي بدأ النظام اللاهوتي التعليمي للإرشاد والتربية للمتعلمين من المهتدين حديثًا للإيمان المسيحي والمعمدين الجدد الذين تعطشوا إلى فهم يعوَّل عليه للأسفار العبرية والإنجيل (الخبر السار) التي لعبت دورًا أساسيًا في استنارتهم، وحسب التسليم (التقليد) فإن مار مرقص كان القائد الأول لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية" (130). وكان منصب مدير مدرسة إسكندرية اللاهوتية يلي منصب الأب البطريرك، وبعض هؤلاء المديرين اعتلوا السدة البابوية، ولمدرسة الإسكندرية يرجع الفضل الأكبر في دراسة الأمور اللاهوتية، ومقاومة البدع والهرطقات... ويقول "توماس أودين": "لاحظ القادة الذين تم اختيارهم ليرأسوا البطريركية كانوا في الأغلب الأعم قد مارسوا أيضًا قيادة المدرسة اللاهوتية، ومن هناك تم انتخابهم ليقودوا البطريركية، وهو الأمر الذي يعكس أهمية التعليم اللاهوتي في كنيسة الإسكندرية التي أسسها مار مرقس... كان العديد من القادة الأولين، للمسيحية الأفريقية، قد خدموا مبكرًا جدًا كرؤساء للمدرسة اللاهوتية، وحين صار هيراقليس أسقفًا (231 - 247م) خلفه ديونيسيوس (247 - 264م) وكان كلاهما قد ترقى في الوظيفة الأسقفية من قيادة المدرسة اللاهوتية، ثم يأتي بعد ذلك بطرس أسقف الإسكندرية (خادم الشهداء) والذي يخدم عميدًا قبل أن يصبح أسقفًا، هؤلاء هم الذين كُلّفوا أن يصيروا معلمين للإيمان المسيحي في أفريقيا في القرنين الثاني والثالث، فواجهوا الاضطهاد والسجن والتعذيب، والموت، لابد أنهم كانوا يتبعون بدقة نهج وأسلوب القديس مرقص، ومثلما واجه الأساقفة الأوائل الاضطهاد، هكذا فعل كل معلمي اللاهوت المبكرون. وأن تصبح أسقفًا في المفهوم الأفريقي يعني أن تكون معلمًا، مثلما نرى في حالة كبريانوس وبطرس أسقف الإسكندرية، وأثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس الكبير... وفي الذاكرة الأفريقية وعلى امتداد كل ضفاف النيل ومن طيبة حتى أثيوبيا والنوبة، كان مرقس الرسول وعلى الدوام يُعرَف بأنه المعلم الأول للمسيحية الأفريقية الموقَّر والمكرَّم أبدًا كرئيس المدرسة اللاهوتية العظمى والذي لا يبارى" . مغادرة الإسكندرية: عندما نجحت الكرازة وازداد عدد المؤمنين وانضم إليهم صفوة من أصحاب العلم والمعرفة وتغيَّرت حياتهم ولمعت نجومهم في سماء الإسكندرية، لم يُسِر هذا عدو الخير، فأوغل صدور الوثنيين بالحقد الأسود وأصروا على الانتقام من مارمرقس الرسول، فسام القديس مرقس "أنيانوس" أسقفًا، فبدأ يرعى الشعب منذ نحو عام 63 / 64م، وقال عنه يوسابيوس القيصري أنه كان محبوبًا من الله مقبولًا عنده، وظل في منصبه حتى نياحته في 20 هاتور سنة 86م، وأيضًا قبل أن يغادر القديس مرقس الإسكندرية سام ثلاثة كهنة وسبعة شمامسة، وترك الإسكندرية نحو سنة 63م. ولم يعد إليها إلاَّ بعد استشهاد القديس بطرس وبولس في يوليو 67م، فجاء إلى الإسكندرية للمرة الثانية حتى ختم حياته بالاستشهاد في 30 برموده 68م. |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233026 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
مرقس هو الذي كرز في مصر ومن ألقابه أنه كاروز الديار المصرية. وحتى لو أن أكليمنضس السكندري ولا أوريجانوس ذكر أن مرقس استشهد في الإسكندرية، فإن صمتهما لا يعني نفيهما لهذه الحقيقة، إنما يعني بالأكثر أن هذا أمرًا معلومًا ومستقرًا ولا يحتاج لأي تأكيد من أحدهما. وما أكثر الأدلة التي تؤكد تأسيس مرقس الرسول لكرسي الإسكندرية واستشهاده فيها، ونكتفي هنا بهذه الأدلة: 1- يقول "القديس أيرنيموس": "حسب مرقس، ترجمان بطرس الرسول، وأول أسقف على كنيسة الإسكندرية.." (105) ولو كانت قصة مجيء مرقس الرسول للإسكندرية أسطورة، فكيف يقرُّ مجمع نيقية سنة 325م أن كرسي الإسكندرية كرسي رسولي لأن مارمرقس هو الذي أسَّسه، هل اعتراف كل هؤلاء الآباء الأساقفة اعتراف باطل؟. 2- قال "يوسابيوس القيصري": "ويقولون أن مرقس هذا كان أول من أُرسل إلى مصر، وأنه نادى بالإنجيل الذي كتبه، وأسَّس الكنائس في الإسكندرية أولًا" (2: 16: 1) (106). وشكَّك البعض في هذه الشهادة لأنها مبنية على السماع "يقولون"، فيقول "د. ميخائيل مكسي إسكندر": "ولكننا نرى أنه بدأ عبارة بفعل مبني للمجهول (يقولون) لأنه ربما سمع هذه القصة من أفواه كثيرة، خلال زيارته لمصر، كدليل على شيوعها في زمانه. كما أننا نقرأ في تاريخه الكنسي، أنه استقى معلوماته من العلامة أكليمنضس الإسكندري (نهاية القرن 3م) الذي تحدث - في كتاباته - عن إنجيل مرقس، وذيوعه في مصر في عهده" (107). والقديس أكليمنضس في كتابه "ما وراء الرمز" أوضح أن مرقس هو أول من كرز في مصر، وهو أول أسقف عليها (راجع توماس أودين - مارمرقس الرسول في الذاكرة الأفريقية ص 144). 3- قال "يوسابيوس القيصري": "أنيانوس أول أسقف لكنيسة الإسكندرية بعد مرقس الرسول في السنة الثانية من مُلك نيرون سُلّمت إلى أنيانوس إدارة أبروشية الإسكندرية خلفًا لمرقس الإنجيلي" (3: 24) (108). 4- ذكر "يوسابيوس القيصري" أسماء خلفاء مارمرقس التسعة من سنة 64 إلى سنة 260م، وجاءت هذه الأسماء مطابقة تمامًا لما جاء في المخطوطات القبطية القديمة، ومع ما كتبه المسيحي الليبي "يوليوس الأفريقي" Julius Africanos (راجع د. ميخائيل مكسي إسكندر - تاريخ كنيسة بنتابوليس ص 111). 5- جاء في الرسالة الفصحية للبابا بطرس خاتم الشهداء (رقم 17) عند إشارته لسلفه البابا ثاؤنا قال عنه: "السادس عشر من خلفاء مرقس الرسول" (109). 6- في سيرة البابا بطرس خاتم الشهداء عندما ذهب إلى قبر مارمرقس وهو في طريقه للاستشهاد في 8 ديسمبر 311م صلى قائلًا: "يا أبي الإنجيلي الذي للكلمة الوحيد وابن الله والشاهد لآلامه المحيية، أنت هو الشهيد الأول والأسقف المكرَّم الراسخ في هذا الكرسي، الذي اصطفاه المسيح، مخلصنا كلنا، إلهنا الحقيقي، أنت قد نشرت البشارة (بالإنجيل) في كل أرض مصر والتخوم المحيطة بهذا البلد... وأنت اخترت أنيانوس الطوباوي خليفة لك، لأنه كان مستحقًا، وبعده ميليوس، ثم الذين آتوا بعده، ثم أبي ثاؤنا الذي رباني، وبعد أبي ثاؤنا وصلت خدمة الكرسي إليَّ أنا، على الرغم من كوني خاطئًا وغير مستحق لهذه الكرامة... ها إني أعهد لك بالقطيع الذي اؤتمنت عليه كخليفة (لك)، هذا الذي سلمته أنت لمن سبقوني، وقد أخذته أنت من يد الله المخلص، لأنك بالنسبة لي وللذين معي المعلم، وقد تعلمنا الإيمان الأرثوذكسي من تعاليمك المقدَّسة، ونحن أيضًا لنا حظوة أن أصحاب هذا الكرسي لهم شفيع بهذه القامة عند ربنا يسوع المسيح، الذي صرت أنت خليفة له" (مقال د. صموئيل قزمان معوض - مارمرقس والهوية القبطية) (110). 7- ذكر القديس جيروم أن حنانيا (أنيانوس) خلَّف مرقس الرسول على كرسي الإسكندرية (راجع الأرشمندريت يوسف دره الحداد 1 - الدفاع عن المسيحية جـ 1 في الإنجيل بحسب مرقس ص 35، 36). 8- في سيرة البابا ديسقورس رقم (25) عندما تعرض البابا للنفي ظهر له رؤيا يوحنا المعمدان وأليشع النبي يقولان له: "يا ديسقورس لماذا تخاف؟ نحن كائنان معك منذ اليوم الذي أجلسوك فيه على الكرسي الذي لمرقس الإنجيلي.." (سيرة البابا ديسقورس - فقرة 35، وصموئيل قزمان معوض ص 281، 282) (111). 9- جاء في كتاب "تاريخ البطاركة" أسماء البطاركة العشرة الأوائل وتواريخ سيامتهم ووفاتهم كالآتي: (1) القديس مرقس (61 - 68م) (2) أنيانوس (68 - 83م) (3) ميليوس (83 - 95م) (4) الشهيد كردونوس (95 - 106م) (5) إيريموس (106 - 118م) (6) يسطس (118 - 129م) (7) أرمانيوس (129 - 141م) (8) مارقيانوس (141 - 152م) (9) كالاوثيانوس (152 - 166م) (10) أغريبينوس (166 - 178م) 10- تقول "مسز بوتشر": "أما الكنيسة القبطية المصرية التي أسَّسها ق. مرقس فقد حافظت إلى الآن على أنظمتها وطقوسها التي كانت لها منذ مؤسسها أكثر مما حافظت أي كنيسة أخرى (إلى هذا اليوم) وفيها بقيت سلسلة المراتب الكهنوتية الثلاثة متصلة بغير انقطاع إلى يومنا هذا، وهيَ الأسقفية والقسوسية والشماسية وقد حافظت أيضًا على الأسرار السبعة، ولكنها تعتبر اثنين منها ضروريين للخلاص وهما المعمودية والعشاء الرباني" (مع ملاحظة أن المؤرخة بوتشر كانت بروتستانتية) (112). 11- قال "البطريرك كيرلس مقار" الكاثوليكي: "فإن بطرس مارس الخدمة الأسقفية في أنطاكية، ولكنه لم يمارسها في الإسكندرية، فالكنيسة الإسكندرانية غير مديونة لخدمته ولا لترتيبه الأسقفي، لأن ذلك خاص بمرقس... فهيَ مديونة لمرقس" (113). 12- البابا بولس السادس: في لقائه بالوفد القبطي في 22 يونيو 1968م بمناسبة عودة رفات مرقس الرسول إلى مصر، قال أن هذا العمل يُعبَّر عن: "حلقة جديدة في العلاقات بين كنيسة روما وكنيسة الإسكندرية، بين كرسي بطرس وكرسي مرقس" |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233027 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
جاء مارمرقس الرسول إلى الإسكندرية قادمًا من المدن الخمس الغربية ولا يوجد ميعاد محدد مُتفَق عليه لقدومه للإسكندرية، فيرى البعض أنما جاء مبكّرًا أثناء حكم كلوديوس (41 - 44م)، بينما يرى أسقف نستروه والسيدة بوتشر والبطريرك مكسيموس مظلوم أنه جاء سنة 49م، وحدَّد الأب شينو سنة 60م، وقال يوسابيوس القيصري (تاريخ الكنيسة 2: 24) أنه جاء في حكم نيرون (54 - 68م)، ويرى المؤرخ شاكر ابن الراهب، والأنبا إيسيذورس والقديس حبيب جرجس، وكامل نخلة، وإيرس حبيب المصري أنه جاء سنة 61م، وهو نفس التاريخ الذي جاء في سنكسار كنيستنا القبطية: "وبعد نياحة برنابا ذهب مرقس بأمر السيد المسيح إلى أفريقيا وبرقة والخمس المدن الغربية، ونادى في تلك الجهات بالإنجيل فآمن على يده أكثر أهلها. ومن هناك ذهب إلى الإسكندرية في أول بشنس سنة 61م". ويقول "البابا شنوده الثالث": "أنه لا يمكن قبول التواريخ المبكرة (الأربعينات) حيث كان مرقس حديث السن. وكان لا يزال يعمل بصحبة الرسل... ومن المؤكد أنه لم يحضر إلى الإسكندرية قبل مجمع أورشليم (سنة 51م) حيث ذهب بعده مع برنابا إلى قبرص" (115). ويقول "د. ميخائيل مكسي إسكندر": "ونحن نرى أنه جاء إلى بنتابوليس بين عامي 55 - 56م، ووصل الإسكندرية بين عامي 60 - 61م، ويؤيدنا في ذلك الدكتور عزيز سوريال، وسليم سليمان، وفرنسيس العتر، والقس منسى يوحنا، وابن كبر وغيرهم" |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233028 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
جاء مرقس الرسول إلى الإسكندرية المدينة الأولى في العالم من جهة الحضارة والعلوم والثقافة والتجارة والصناعة... إلخ (راجع س477).. فماذا سيفعل أمام هذه المدينة العظيمة بدياناتها المختلفة، ويسكن فيها مئات الألوف من اليهود، وتجيش بأجناس عديدة، وتقف مفتخرة بمدرستها التي لا مثيل لها في العالم ولا سيما المكتبة التي تضمها في أحشائها... لم يتعب مرقس البشير نفسه في التفكير: ماذا سيفعل؟ وكيف يبلغ الرسالة؟ ومن أين يبدأ وهو لا يعرف إنسانًا فيها.. إلخ، ولكن الله دبَّر له الأمر بطريقة عجيبة، إذ تلف حذاءه من مشقة الطريق وذهب ليُصلحه، وإذ بالمخراز يصيب يد الأسكافي الذي يصرخ "ايس ثيؤس" أي "يا اللَّه الواحد". وعلى الفور يحرك روح الرب مرقس فيتفل على الأرض ويصنع طينًا ويطلي جرح الأسكافي، فأن عينيه كانتا مثبتتان على المسيح وهو يفعل هذا مع المولود أعمى، ويقول "الأنبا ساويرس أسقف الأشمونين" أن مرقس البشير صلى قائلًا: "باسم الآب والابن والروح القدس، الله الحي الأبدي، تُشفي يد هذا الرجل في هذه اللحظة، ليتمجد الاسم القدوس" (117). وللحظة برأت يده، وسأله عن الإله الواحد، فبشَّره به، فكان أنيانوس الأسكافي أول شخص يؤمن بالسيد المسيح ابن الله في مدينة الإسكندرية على يد مرقس الرسول، واستضافه الأسكافي ونال المعمودية هو وأسرته، ولم يخبو النور الذي شع من هذه الأسرة المباركة فأنتقل للأقرباء والجيران، وبدأت شعلة الكرازة تُضئ سماء الإسكندرية... كانت الجالية اليهودية التي تعيش في الإسكندرية كبيرة جدًا، وبعض منهم كان يسافر إلى أورشليم لحضور الأعياد، ولا بد أن بعضهم عاين كرازة السيد المسيح أو سمع عنها، وحضر أحداث الصلب والقيامة والصعود وحلول الروح القدس، ولا بد أن بعضهم آمن بالسيد المسيح، لذلك أغلب الظن لم يكن أنيانوس أول إنسان مسيحي في الإسكندرية، بل سبقه بعض اليهود، ويغلب هذا الرأي ظهور شخصية مثل شخصية "أبولس" فهو لم يعتمد على يد مرقس البشير: " ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ يَهُودِيٌّ اسْمُهُ أَبُلُّوسُ إِسْكَنْدَرِيُّ الْجِنْسِ رَجُلٌ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي الْكُتُبِ. كَانَ هذَا خَبِيرًا فِي طَرِيقِ الرَّبِّ. وَكَانَ وَهُوَ حَارٌّ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ وَيُعَلِّمُ بِتَدْقِيق مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ. عَارِفًا مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا فَقَطْ" (أع 18: 24 - 25) فيبدو أنه حضر كرازة ومعمودية يوحنا، وكرازة المسيح ولم يكن في أورشليم يوم الخمسين فلم يعاين إيمان الثلاثة آلاف ومعموديتهم (راجع أيضًا أع 19: 1-2؛ 1كو 3: 5، 9؛ 4: 6 - 13؛ 16: 12) وقال البعض أن خدمة أبولس كانت سابقة لخدمة بولس الرسول في أفسس وكورنثوس. ويقول أحد رهبان دير البرَموس: "أننا لا نصدق أن الدين المسيحي لم يدخل الثغر إلا بعد ثمانية وعشرين سنة لصعود المسيح (سنة 61م) على يد مارمرقس، لأنه أقرب كثيرًا إلى اليهود من المدن والأقاليم الأخرى التي امتد إليها الإيمان المسيحي" (الراهب البرَموسي - حسن السلوك في تاريخ البطاركة والملوك - القاهرة 1613 ش ص 9)" (118). ومما ساعد على انتشار الإيمان المسيحي بين المصريين إيمانهم بالحياة الأخرى، والدينونة والثواب والعقاب وإيمانهم بالوحدانية المشوب بالتعددية الوثنية. فأنيانوس الذي صرخ: "يا الله الواحد" لم يكن يعرفه المعرفة الحقيقية. وجاء في العقيدة المصرية القديمة: "الله واحد أحد... لا إله إلَّا هو... الذي صنع كل شيء... الله روح خفي... روح الأرواح... روح المصريين الأكبر... هو الموجود من الأزل وهو موجود قبل كل الوجود... فهو إله أزلي وهو الحي الدائم الذي لا نهاية له، الأبدي الباقي على الدوام" (119). والذي حمل الوحدانية في نقاوتها إلى مصر مصرايم حفيد نوح، وظهرت واضحة في الأسرة العشرين (راجع كتاب الحضارات الأولى لجوستاف لونون ص 262، 263 - المرجع السابق ص 10). وقال "هيرودتس" المؤرخ اليوناني: "أن أهل طيبة كانوا يعرفون الإله الواحد الذي لا بداية له الحي الأبدي" (120). وعن إيمان المصريين بالدينونة والثواب والعقاب، أن الإنسان يَمثُل أمام الآلهة ليعطي حسابًا عما فعله، وهو يقول: "إني لم أكن جائرًا على بشر إني لم أعامل الناس بالسوء... إني لم أرتكب خطيئة في مكان الحق... إني لم أحاول معرفة ما لا ينبغي معرفته... إني لم آتِ شرًّا... إني لم أسلب الإله... إني لم أسلب إنسانًا ممتلكاته... إني لم أرتكب ما يمقته الآلهة... إني لم أتسبب في ألم... إني لم أقتل... إني لم آمر بالقتل... إني لم أرتكب لواطًا... إني لم أزُنِ في الأماكن المقدَّسة لإله مدينتي... إني لم أقتطع من المكيال... إني لم أغش الموازين... إني لم أغتصب اللبن من فم الرضيع... إني لم أحرم الماشية من مرعاها.." (نيقولا جريمال - تاريخ مصر القديمة ص 113 - 115) (121). وانتشرت المسيحية في هذه المدينة العظيمة عن طريق القدوة وفي هدوء، فيقول "إبراهيم صبري معوض": "وقد اشتهر الذين أعتنقوا الدين المسيحي بجميل الخصال وحسن السلوك مع مواطنيهم وعُرِفوا بدماثة الخلق واللطف والدعة وصدق المعاملة وإنكار الذات والزهد في العالم والمحبة للغير والإحسان إلى المسيء، وهيَ صفات أدهشت الوثنيين وأثرت في نفوسهم تأثيرًا عظيمًا فكانوا إذا وجدوا وثنيًا منهم على شيء من هذه الصفات الجميلة قالوا أنه مسيحي أو أنه عاشر مسيحيًا وأقتبس من فضائله" |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233029 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
أثمرت خدمة مارمرقس في الإسكندرية وانتشر نور الإيمان وكثر المؤمنين، فوضع لهم صلوات القداس الإلهي، وأنشأ مدرسة إسكندرية اللاهوتية: القداس الإلهي: مارمرقس الذين عاين السيد المسيح وهو يقدم جسده ودمه الكريمين لتلاميذه الأطهار في سر الإفخارستيا، استطاع أن يضع صلوات القداس الإلهي، وظلت هذه الصلوات تنتقل من السلف للخلف شفاهة، حتى دوَّنه كتابة البابا أثناسيوس الرسولي، وسلّمه إلى فرومينتيوس أول أسقف على أثيوبيا، ثم رتّبه وأضاف إليه البابا كيرلس الكبير (رقم 24) فنُسب له ودُعي باسم "لقداس الكيرلسي" وما زال محفوظًا للآن في كنيستنا القبطية، ويقول الدكتور "هامر شميث": أن قداس القديس مارمرقس هو أقدم ليتورجية لكنيسة الإسكندرية، وعُثِر على "درج" مخطوط في دير سانت كاترين مدوَّن عليه قداس القديس مرقس يرجع للقرن الحادي عشر، وهو في حالة لا تسمح بدراسته إلاَّ بعد معالجته (راجع إبراهيم صبري معوض - تاريخ حياة القديس الشهيد مارمرقس الإنجيلي ص 275). وجاء في قاموس أكسفورد أنه: "في سنة 1928م أكتشف قصاصات من القداس في بردي استراسبورج ترجع إلى القرنين الرابع والخامس في الطقس القبطي، مكتوب عليها القداس القبطي للقديس مرقس، أو للقديس كيرلس... وصيغة أخرى منه باللغة الأثيوبية. وتوجد ثلاث مخطوطات في الفاتيكان لهذا القداس، وهيَ: The God. Rassanensis Vat. Cr. 1970, Saee XIII The Ratulus Vaticaanus Vat. Cr. 2281, Saee XIII The Ratulus Messanensis God. Mes Cr. 177, Saee". (راجع موقع هوليبايبل - قانونية إنجيل مرقس وكاتب الإنجيل). المدرسة اللاهوتية: كان لمدرسة الإسكندرية "الميوزيوم" شهرتها العالمية فكان يقدم إليها الدارسون من شتى أنحاء العالم ليستكملوا دراستهم ومعرفتهم، كما رأينا في السؤال السابق، وعندما انتشر الإيمان المسيحي آمن بعض أساتذة هذه المدرسة، مما أثار حفيظة أساتذة المدرسة وهجومهم على المسيحية، فأنشأ القديس مرقس المُحب للمعرفة المدرسة اللاهوتية أولًا: لتعليم المؤمنين وأيضًا الموعوظين أسُّس الإيمان المسيحي، وثانيًا: لإعداد خدامًا للكرازة، وثالثًا: للرد على الهجمات الشرسة من مدرسة إسكندرية الوثنية. وعيَّن لها مرقس الرسول العلامة "القديس يسطس" المشهود له بالتقوى، ونمت هذه المدرسة وأشرف عليها رجال جمعوا بين عمق المعرفة وعمق الفضيلة مثل أثيناغوراس الذي كان من أساطين الديانة الوثنية وآمن بالمسيحية، وصار من المدافعين الأقوياء عن المسيحية فقدم دفاعًا قويًا عن المسيحية سنة 177م للإمبراطور مرقس أوريليوس، وأول من قدم تفسيرًا لعقيدة الله الواحد المثلث الأقانيم، وبنتينوس الذي كان من أصل وثني وآمن بالمسيحية وتولى مسئولية مدرسة إسكندرية اللاهوتية سنة 181م. ويقول عنه "يوسابيوس القيصري": "ونحو هذا الوقت عهد إلى "بنتينوس" - وهو شخص بارز جدًا بسبب علمه - من إدارة مدرسة المؤمنين في الإسكندرية. إذ كانت قد أنشئت بها منذ الأزمنة القديمة مدرسة للتعاليم المقدَّسة، ولا زالت حتى يومنا هذا. وكان يديرها - كما وصل إلى علمنا - رجال في غاية المقدرة والغيرة نحو الإلهيات. وقيل أنه برز من بينهم في ذلك الوقت بنتينوس لأنه تهذب بفلسفة الرواقيين" (5: 10: 1) (123). وعن بنتينوس يقول أيضًا "إبراهيم صبري معوض": "وابتدأت المدرسة في التقدم حينما انحاز بنتينوس أحد الرواقيين القدماء إلى تلك المدرسة المسيحية وأخذت تشاطر الأكاديمية في العلوم الأدبية والدينية، وجُعِل بنتينوس بعد ذلك أحد مديريها" (124). ويقول "فارر" Farrar: "وفي مدينة مثل هذه - الإسكندرية - بمتحفها ومكتباتها ومحاضراتها ومدارسها الفلسفية، ومجامعها (اليهودية) الضخمة، وملحديها العلنيين، وأفكارها الشرقية الباطنية العميقة، لا يحمل فيها الإنجيل قوة إن لم يكن قادرًا على خلق معلمين قادرين على مجابهة فلاسفة وثنيين ويهود أفلاطونيين وشرقيين اختاروا خليطًا من الفلسفات، يجابهونهم بذات أسسهم" (125). ويقول "القمص تادرس يعقوب": "شهد القديس جيروم أن القديس مرقس الرسول قام بتأسيس مدرسة الإسكندرية المسيحية، فقد أُوحي له بالروح القدس أن يقيمها للتعليم بالمسيحية، كطريق لتثبيت الدين الجديد في هذه المدرسة على أساس راسخ سواء بالنسبة للذين من أصل أممي أو من أصل يهودي. بهذا كما يقول ألكسندر روبرت: { وُجِد أول كرسي للتعليم المسيحي... وهي الإسكندرية عقل المسيحية... في الوقت الذي كان فيه الغرب مجرد متقبّل يبسط يديه وساعديه للشرق طالبًا استنارة أعظم" (126). ويقول أيضًا "القمص تادرس يعقوب": "ووصف "Groves" هذه المدرسة قائلًا: " كانت مدرسة إسكندرية التعليمية ذات الشهرة العالمية مركزًا للدراسات المسيحية دون منافس في العالم المسيحي في ذلك الحين". صارت هذه المدرسة أقدم مركز للعلوم القدسية في تاريخ المسيحية، إذ نشأ فيها أول نظام للاهوت المسيحي، كما انطلقت منها طريقة التفسير الرمزي للكتاب المقدَّس... قيل عنها: "أنه من المشكوك فيه أن نجد نظامًا للتعليم المسيحي أفضل مما كان قائمًا في الإسكندرية" (127). واتسعت الدراسة في مدرسة إسكندرية اللاهوتية لتشمل فروع العلم المختلفة. وجاء في "موسوعة آباء الكنيسة" عن مدرسة إسكندرية اللاهوتية: " كانت بمثابة معهد أو كلية لتدريس فروع المعرفة المختلفة كالإنسانيات واللغات والموسيقى وعلوم الفلك والفيزياء والكيمياء والطب والرياضيات والجغرافيا والتاريخ، بالرغم من أن دورها الرئيسي في عصر الإيمان كان الدين. وكان أن تطوَّر المنهج بعد المناظرات التي جرت بين علماء المدرستين اللاهوتية والوثنية، فأدخلت العلوم الطبيعية لتدرس بها إلى جانب العلوم الدينية (عزيز سوريال عطية - تاريخ الكنيسة الشرقية، والراهب القمص أنطونيوس الأنطوني - وطنية الكنيسة القبطية وتاريخها)" (128)، وكان العلم فيها عن طريق "الكاتشزم" أي السؤال والإجابة، وضمت الأغنياء والفقراء رجال ونساء. ويقول "القمص تادرس يعقوب": "بحق يلزمنا أن نقف بإعجاب بآبائنا الأولين الذين استطاعوا بسموهم الروحي وعلو فكرهم أن يفتحوا مدرسة في القرن الأول الميلادي تضم الجنسين معًا رجال ونساء، في وقت كان فيه العالم المتحضر كله يقوم على التمييز بينهما... ضمت المدرسة سادة وعبيد معًا، في وقت كان العبد رخيصًا يُباع كالسلعة ويُشترى" (129). وعن عظمة مدرسة إسكندرية اللاهوتية، وأن التعليم اللاهوتي في شتى بقاع العالم مدين لها بالفضل، يقول "توماس أودين": "ربما كانت أكبر مساهمة جوهرية لمارمرقس في المسيحية الأفريقية الأولى هيَ زرع الفكرة الأصلية لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية... أن خدمة التعليم تلك التي أثرت وبلا استثناء لا في مسيحية شمال أفريقيا وحسب بل وفي التعليم العالي في كل العالم. يكتب البابا شنوده الثالث عن الإنجازات العظمى الثلاث لمارمرقس فيقول: {كان عمله الفردي العظيم والذي حققه هو إنجيله، وليتورجيته، وتأسيس مدرسة الإسكندرية اللاهوتية}.. إن مدرسة الإسكندرية هيَ الأولى من نوعها والنموذج لكل التعبيرات اللاحقة عن التعليم المسيحي العالي، وقد تطوَّرت تلك المدرسة من أصل (بداية) متواضعة لتصبح أكبر المعاهد التعليمية التي لا تُنافس في العالم المسيحي. إن نماذج تفسيرها سرعان ما تبعتها قرطاج (ترتليان)، وقيصرية (أوريجانوس)، وكبادوكية (غريغوريوس النيزنزي)، وروما (غريغوريوس الكبير).. فإن المصادر القبطية تقرأ أن مرقص الرسول هو الذي بدأ النظام اللاهوتي التعليمي للإرشاد والتربية للمتعلمين من المهتدين حديثًا للإيمان المسيحي والمعمدين الجدد الذين تعطشوا إلى فهم يعوَّل عليه للأسفار العبرية والإنجيل (الخبر السار) التي لعبت دورًا أساسيًا في استنارتهم، وحسب التسليم (التقليد) فإن مار مرقص كان القائد الأول لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية" (130). وكان منصب مدير مدرسة إسكندرية اللاهوتية يلي منصب الأب البطريرك، وبعض هؤلاء المديرين اعتلوا السدة البابوية، ولمدرسة الإسكندرية يرجع الفضل الأكبر في دراسة الأمور اللاهوتية، ومقاومة البدع والهرطقات... ويقول "توماس أودين": "لاحظ القادة الذين تم اختيارهم ليرأسوا البطريركية كانوا في الأغلب الأعم قد مارسوا أيضًا قيادة المدرسة اللاهوتية، ومن هناك تم انتخابهم ليقودوا البطريركية، وهو الأمر الذي يعكس أهمية التعليم اللاهوتي في كنيسة الإسكندرية التي أسسها مار مرقس... كان العديد من القادة الأولين، للمسيحية الأفريقية، قد خدموا مبكرًا جدًا كرؤساء للمدرسة اللاهوتية، وحين صار هيراقليس أسقفًا (231 - 247م) خلفه ديونيسيوس (247 - 264م) وكان كلاهما قد ترقى في الوظيفة الأسقفية من قيادة المدرسة اللاهوتية، ثم يأتي بعد ذلك بطرس أسقف الإسكندرية (خادم الشهداء) والذي يخدم عميدًا قبل أن يصبح أسقفًا، هؤلاء هم الذين كُلّفوا أن يصيروا معلمين للإيمان المسيحي في أفريقيا في القرنين الثاني والثالث، فواجهوا الاضطهاد والسجن والتعذيب، والموت، لابد أنهم كانوا يتبعون بدقة نهج وأسلوب القديس مرقص، ومثلما واجه الأساقفة الأوائل الاضطهاد، هكذا فعل كل معلمي اللاهوت المبكرون. وأن تصبح أسقفًا في المفهوم الأفريقي يعني أن تكون معلمًا، مثلما نرى في حالة كبريانوس وبطرس أسقف الإسكندرية، وأثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس الكبير... وفي الذاكرة الأفريقية وعلى امتداد كل ضفاف النيل ومن طيبة حتى أثيوبيا والنوبة، كان مرقس الرسول وعلى الدوام يُعرَف بأنه المعلم الأول للمسيحية الأفريقية الموقَّر والمكرَّم أبدًا كرئيس المدرسة اللاهوتية العظمى والذي لا يبارى" . مغادرة الإسكندرية: عندما نجحت الكرازة وازداد عدد المؤمنين وانضم إليهم صفوة من أصحاب العلم والمعرفة وتغيَّرت حياتهم ولمعت نجومهم في سماء الإسكندرية، لم يُسِر هذا عدو الخير، فأوغل صدور الوثنيين بالحقد الأسود وأصروا على الانتقام من مارمرقس الرسول، فسام القديس مرقس "أنيانوس" أسقفًا، فبدأ يرعى الشعب منذ نحو عام 63 / 64م، وقال عنه يوسابيوس القيصري أنه كان محبوبًا من الله مقبولًا عنده، وظل في منصبه حتى نياحته في 20 هاتور سنة 86م، وأيضًا قبل أن يغادر القديس مرقس الإسكندرية سام ثلاثة كهنة وسبعة شمامسة، وترك الإسكندرية نحو سنة 63م. ولم يعد إليها إلاَّ بعد استشهاد القديس بطرس وبولس في يوليو 67م، فجاء إلى الإسكندرية للمرة الثانية حتى ختم حياته بالاستشهاد في 30 برموده 68م. |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 233030 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
متى وأين وكيف استشهد مار مرقس؟ وما هيَ رحلة جسد مار مرقس ورأسه؟ وما هيَ ألقاب القديس مرقس؟ ج: 1- استشهاد القديس مرقس: ظل القديس مرقس في روما حتى استشهاد الرسولين بطرس وبولس في عصر نيرون في 5 أبيب (12 يوليو) سنة 67م، فترك مرقس الرسول روما إلى الإسكندرية، فوجد الخدمة قد نمت وترعرعت وأثمرت، وقد بنوا أول كنيسة في منطقة "بوكاليا" ومعنى بوكاليا أي دار البقر، ودُعيت هكذا إما لأنها بها حظيرة كبيرة لتربية الأبقار، أو لأن هذه المنطقة كانت مرعى للأبقار بسبب نمو الأعشاب فيها، ثم أنشئت عدة بيوت بجورا الكنيسة خُصّصت لإضافة الغرباء والفقراء، فجاءت ترجمة عملية للمحبة المسيحية. وعن وضع الخدمة في الإسكندرية عندما عاد إليها مارمرقس ثانية، يقول "إبراهيم صبري معوض": "ولما إتخذ القديس مار مرقس الإسكندرية مقرًّا له، تتلمذ له كثيرون من القبط (المصريين) رجالًا ونساءً (يوسابيوس القيصري 2: 12: 16) فعمدهم (السنكسار، مروج الأخبار 30 برمودة، أخبار القديسين مكسيموس مظلوم جـ 2 ص 255) وكان القديس مارمرقس فصيح اللهجة وأيضًا متواضعًا، فنجحت لذلك تعاليمه وكثر عدد المسيحيين، واتسع نطاق المسيحية وكادت تعم الديار المصرية والنوبة (الكافي في تاريخ مصر القديم والحديث ص 253) وفي ذلك الوقت وقد ظهر على يدي القديس مارمرقس المعجزات وشفاء المرضى وتطهير البُرْص ومنح السمع للصم والنطق للبكم (تاريخ البطاركة لابن المقفع - مارمرقس 130 تاريخ - 553 عمومية مكتبة الدار البطريركية مخطوط ص 17، تاريخ حياة القديس مارمرقس حبيب جرجس ص 50). وقد تمذهب بالمسيحية بناء على ذلك كثير من أرباب المناصب العالية والأعيان وكبار رجال الدولة من الوثنيين، فأستاء من هذا النشاط كهنة المصريين (كان مركز الكهنة المصريين في الدرجة الثانية بعد الملوك مباشرة وكان يقع ترتيبهم قبل مركز القضاء - مجلة عين شمس الأثرية ص 37) وأهل العلم بمدينة الإسكندرية (أخبار القديسين - مكسيموس مظلوم جـ 2 ص 24) فانتشر خبر مجئ القديس مارمرقس للمرة الثانية بين أهل المدينة وبأنه قد تسبب في منع عبادتهم، ودبروا له مؤامرة للقبض عليه" (132). وفي ليلة عيد القيامة 29 برموده 68م، وكان يوافق عيد الإله سيرابيس، وقد وجد الوثنيون معبدهم خاويًا لأن أعدادًا كبيرة منهم قد آمنوا بالمسيحية، فاشتعلت نيران الحقد في قلوبهم تجاه مرقس الذي سلب منهم أبنائهم وبناتهم وأخوتهم وأخواتهم، فهجموا على الكنيسة في بوكاليا، وقبضوا على القديس مرقس وربطوا حبلًا حول رقبته وسحلوه بوحشية متناهية في شوارع الإسكندرية حتى تمزَّق جسده وتهرَّأ وهم يصيحون "جروا التنين إلى دار البقر" فارتوت وتخضبت شوارع الإسكندرية بدمائه الطاهرة، فبذرت بذار الإيمان في موطن ومعقل الوثنية فاقتلعتها من جذورها، وكان القديس يصلي شاكرًا للَّه أنه وهبه أن يتألم من أجل اسمه القدوس، ثم ألقوه في ظلمة السجن، وجاء ملاك الرب يضئ ظلمة السجن ولمسه قائلًا: "مارمرقس يا خادم الله، أنظر أن اسمك قد كُتب في سفر الحياة الأبدية وقد حُسبت بين الرسل الأطهار القديسين. أنظر أن ذكراك لن ينساها أحد قط" (الأنبا ساويرس أسقف الأشمونين - استشهاد مرقس ص 8) (133). وعندما اختفى الملاك ظهر له السيد المسيح وأعطاه السلام قائلًا: "يا مارمرقس، يا تلميذي، يا إنجيلي. ليكن السلام لك" وإذ بالقديس مرقس قد برَّأ من كل جراحاته، وتعجب الوثنيون عندما أقبلوا عليه في الصباح، ولكن لأن إله هذا العالم قد أعمى عيونهم وأشعل نيران الكراهية في قلوبهم أعادوا الكرة ثانية حتى انفصلت رأسه عن جسده، ونال إكليل الشهادة يوم 30 برموده (8 مايو) سنة 68م، وله من العمر نحو 58 عامًا، ولحق بالقديس بطرس وبولس بعد أقل من عشرة شهور. ولم يكتفِ الأشرار بهذا، بل جمعوا الأخشاب ووضعوها على جسد القديس ليحرقوه، ولكن السماء أبرقت وأرعدت فأطفأت نار الآثمة، وفرَّ الأشرار إلى بيوتهم، وجاء المؤمنون وحملوا الجسد الطاهر والرأس المقدَّسة إلى كنيسة بوكاليا، ووضعوه في تابوت، ودُفن في الجانب الشرقي من الكنيسة، بعد أن تبارك الشعب من جسده الطاهر، وإذ بموته يزرع الشجاعة في قلوبهم فلم يعودوا يبالوا الموت، وخلف مارمرقس سار الآلاف والآلاف من شهداء العصور المختلفة يتبعون كاروزهم لابسين الثياب البيضاء وحاملين سعف النخيل في أيديهم. وأقربهم شهداء أحد الشعانين الثلاثين في طنطا والثمانية على أبواب الكنيسة المرقسية بالإسكندرية يوم الأحد 9 أبريل سنة 2017م بالإضافة إلى عدد من أفراد الأمن رجال ونساء، فامتزجت دماء المسلمين بدماء المسيحيين تعبيرًا عن الوحدة الوطنية، والخطر الداهم الذي يهدد الجميع، وذلك عند تفجير إرهابيين من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لأنفسهما. 2- رحلة جسد مارمرقس ورأسه: وضع جسد الشهيد مرقس الرسول في الكنيسة في بوكاليا وتسمت الكنيسة باسمه (الكنيسة المرقسية) وصارت مزارًا مشهورًا يأتون إليه من مشارق الأرض ومغاربها لأخذ بركة القديس الشهيد مرقس الرسول الإنجيلي، ومما يُذكر أنه في سنة 1928م أشترى الرهبان الفرنسيسكان قطعة أرض متسعة غالبًا في المكان الذي استشهد فيه مارمرقس، وبنوا عليها كنيسة ضخمة ومدرسة كبيرة باسم "سان مارك". أما رحلة الجسد المقدَّس فقد ظل بالكنيسة المرقسية، ولكن بعد انشقاق الكنيسة سنة 451م بسبب مجمع خلقيدونية المشئوم، فرض الخلقيدنيون سطوتهم ووضعوا أيديهم على عدد كبير من الكنائس القبطية بما فيها الكنيسة المرقسية فأصبح الجسد الطاهر مع الرأس المقدَّسة في حوذتهم. وفي نحو سنة 644م عندما جاء عمر بن العاص إلى الإسكندرية، دخل أحد البحارة العرب إلى الكنيسة ورأى صندوقًا نفيسًا فحمله وخبأه في السفينة الحربية، وعندما أذن وقت الرحيل تحركت كل السفن باستثناء هذه السفينة، وفشلت كل المحاولات لزحزحتها فأدركوا أن في الأمر سرًّا، وراحوا يفتشون السفينة، فوجدوا الصندوق وفي داخله رأس إنسان، وأعترف اللص بما حدث، وبالاستفسار علموا أن الرأس هيَ رأس مارمرقس الرسول، فأمر عمر بن العاص بتسليمها للبطريرك القبطي الأنبا بنيامين وأعطاه عشرة آلاف دينار لبناء كنيسة باسم القديس مرقس الرسول، وبالفعل تم بناء كنيسة عُرفت باسم القمحة (أو المعلقة) بالقرب من المسلة الأثرية (غالبًا مكان الكنيسة المرقسية الحالية) ووضعوا فيها الرأس المقدَّس (راجع الأب متى المسكين - الإنجيل بحسب القديس مرقس ص 50، وجميل فخري - بطاركة عظماء لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية جـ 1)، وفي الكنيسة المرقسية الحالية سرداب يحوي أجساد (48) من الآباء البطاركة المنتقلين) فظلت الرأس المقدَّسة في حوزتنا، بينما الجسد في حوذة الخلقيدونيين (الروم الأرثوذكس). وكان عند اختيار بطريركًا جديدًا كان يذهب إلى قبر مارمرقس في اليوم الثاني أو الثالث من سيامته، ومعه الأكليروس والأراخنة، فينحني أمام القبر ويصلي ويرفع بخورًا ويقرأ بداية إنجيل مرقس، ويختم الصلاة بالتحليل وكيرياليسون، ثم يحجب نفسه عن الأكليروس والشعب ويُخرج الرأس من كسوتها في مهابة وخشوع، فيخلع عنها كسوتها، ويحيك كسوة جديدة من الحرير، ويتعهد أمام القديس مرقس بأن يقتفي أثره ويرعى القطيع بأمانة ويحافظ على الإيمان المستقيم ويطلب شفاعته. ثم يخرج إلى الشعب لينالوا البركة ثم يعيد الرأس إلى موضعها، وقد تأكد أنه صار خليفة مرقس الرسول يجلس على كرسيه، وظل هذا التقليد معمولًا به حتى القرن الثامن عشر في عهد البابا بطرس السادس (1718 - 1726م). ثم خشى أحد الآباء البطاركة سرقة الرأس فوضعها في مدفن الآباء البطاركة مع جماجم الآباء البطاركة وربما الدافع لهذه السرقة ابتزاز الأقباط. فيقول "الشماس الأكليريكي جميل فخري": "في القرن الحادي عشر وحتى القرن الرابع عشر نتابع نقل رأس القديس إلى كثير من بيوت أغنياء الأقباط لإخفائها عن الولاة العرب الذين كانوا لا يفتأون يفتشون عنها ليقسروا الأقباط على دفع مبالغ ضخمة لاستعادتها، فكانوا لا يعلمون أن رأس القديس موجودة بأحد بيوت سراة الأقباط حتى يقبضوا عليه ويضربوه ويهينوه ويفرضوا عليه مبلغًا فاحشًا من المال فإذا اضطر إلى دفعه تركوا الرأس له وإذا رفض أو عجز نكَّلوا به وأوثقوه وألقوه في السجن وقد تكرر هذا الأمر مرارًا كثيرة، حتى... (أُودع) في الكنيسة المرقسية بالإسكندرية في القرن الثامن عشر... وذلك منذ أيام البابا بطرس السادس" (134). أما عن الكنيسة المرقسية التي احتضنت رأس القديس فقد تعرضت للحرق في القرن السابع الميلادي وأعاد بنائها "البابا يوحنا الثالث" (رقم 40) سنة 680م، وألحق بها ديرًا، وكانت مقرًّا للكرسي البطريركي حتى منتصف القرن العاشر. وفي القرن الثامن عشر سنة 1798م هُدمت أثناء الحملة الفرنسية خوفًا من هجوم الإنجليز وإحتمائهم بها، وأُعيد بنائها في سنة 1870م، وفي سنة 1950 هُدمت لتقادمها وأُعيد بنائها وتكريسها سنة 1952م، وفي عهد البابا شنوده الثالث تم توسيعها. وفي نحو سنة 828م جاء بعض البحارة من البندقية (فينيسيا) وبطريقة ما استطاعوا أن يقنعوا حرس كنيسة الروم الأرثوذكس بأن يسمحوا لهم بحمل جسد مارمرقس لمدينتهم بحجة أن الولاة العرب سيضعون أيديهم على الكنائس فهناك خوف على هذا الكنز العظيم، وربما استخدموا الرشوة للوصول إلى هدفهم، ونجحوا في الحصول على جسد مارمرقس، فوضعوه في عمود رخام مفرّغ وحملوه إلى فينيسيا، فاستقبله أهل المدينة استقبالًا مهيبًا فهم يحملون مشاعر حب قوية لأبيهم الذي سلمهم الإيمان المسيحي، وحامي مدينتهم، وقد اتخذوا أسد مارمرقس شعارًا لمدينتهم. وكتب "البابا شنوده الثالث": "وأما عن تفاصيل حادث السرقة فقد كتبها الأستاذ/ راداميس سني اللقاني أمين صندوق الجمعية الأثرية بالإسكندرية في جريدة البروجرية إيجيبسيان بارتيسباتيو... نُقِل إلى البندقية من مصر جسد مارمرقس الإنجيلي الذي كان موضوعًا تحت حراسة اثنين من الكهنة اليونانيين في إحدى كنائس الإسكندرية (كنيسة بوكاليا أو التي شُيّدت بوضعها الكنيسة التابعة لطائفة الروم الأرثوذكس الملكانيين). وقد حدث أن كان في ميناء الإسكندرية عشرة من سفن البندقية، فاتصل ربَّان إحدى السفن بالكاهنين اليونانيين وأتفق معهما على أخذ رفات القديس، ففتحا بحذر شديد اللفائف التي تغطي جسد القديس دون أن يمسا الأختام التي عليه... ونُقِل الجسد إلى السفينة، فأخفي بين طيات الأشرعة... ونُقِل القديس إلى الكنيسة الدوقية وسط حماس شديد، وقد أصبح اسمه شعارًا التفت حوله مشاعر القومية" (135). كما أورد البابا شنوده الثالث في نفس الكتاب وصف آخر لجرجس فيلوثاوس عوض حيث قال أن التاجرين هما "ورستيكوس" و "تربيونوس" من أهالي البندقية وقد احتالا على "الراهب استرجيوس" والقس "تادرس" وأوهماهما بأن الحكومة ستهدم الكنائس وأنهما يخشيان على جسد القديس مرقس الرسول، ولذلك فأنهما سيحفظانه في البندقية حتى تنطفئ ثورة هيجان الاضطهاد، فأجابهما الحافظان إلى طلبهما، وما أن وصلا البندقية حتى قابلهما البنادقة بفرح عظيم واحتفالات لا مثيل لها، وجعلوا مدينتهم تحت حماية الأسد المرقسي (مقال عن مارمرقس مجلة اليقظة سنة 1929م). وعنما وصل جسد القديس للبندقية بنى "جستنيان" هيكلًا جميلًا وضع فيه الجسد، وفي 977م تعرض هذا الهيكل لحريق، فجدد عمارته الدوق "بطرس أرسيلو". وفي 1052م بدأوا في إقامة كاتدرائية ضخمة بِاسم القديس مرقس، واستمر بناؤها وزخرفتها حتى القرن الثامن عشر، وُضع فيها الجسد المقدَّس، وقد تبارى أعظم المهندسين والفنانين في المشاركة فخرجت تحفة رائعة من أجمل كنائس العالم. وفي عهد القديس البابا كيرلس السادس طلب من البابا بولس السادس بابا روما جزء من رفات الشهيد مرقس الرسول، ووافق البابا بولس السادس، فسافر وفد كنسي رفيع المستوى والتقى في حفل رسمي ببابا روما صباح السبت 22/6/1968م، فألقى البابا بولس السادس كلمة رائعة بالفرنسية على المطارنة وسبعين من الأقباط قال فيها: "أن العلاقات بين كنيستي روما والإسكندرية تتوثَّق، وتصبح أكثر حرارة بصفة مستمرة بعدما يزيد على ألف عام من الخلافات" (136). كما قال أن إهداء رفات مارمرقس يُعبّر عن "حلقة جديدة في العلاقات بين كنيسة روما وكنيسة الإسكندرية بين كرسي بطرس وكرسي مرقس" (137). وأعرب البابا بولس السادس عن الاحترام والتبجيل لكنيستنا القبطية الموقرة، ووجه حديثه للوفد البابوي الكاثوليكي الذي سيصاحب جسد مارمرقس إلى القاهرة "فلتكونوا وأنتم تتبادلون قبلة مقدَّسة مع قداسة كيرلس السادس بطريرك الكنيسة القبطية مترجمين لأفكارنا وقلبنا ورسلًا لشعور (لمشاعر) السلام والسرور والمحبة التي تلهمنا في علاقتنا نحو أخوة لكنيسة عظم شأنها بفضل القديسين أمثال كليمنت وديونيسيوس وبطرس، وأثناسيوس، وكيريل (القديس كيرلس الكبير) والكثيرون غيرهم ممن تبجلهم طائفتانا نماذج للحياة المسيحية" (138). وتسلم الوفد القبطي رفات أبينا القديس العظيم مرقس الرسول، وفي يوم الإثنين 24/6/1968م تحرك الموكب من كنيسة القديس أثناسيوس الرسولي يتقدمه الدراجات البخارية إلى مطار روما، وأقلعت طائرة خاصة تحمل الوفد القبطي والوفد الكاثوليكي ومعهم جسد القديس مرقس، فوصلت الطائرة إلى مطار القاهرة الساعة الحادية عشر إلَّا ربع من مساء يوم 24 يونيو 1968م، وظهرت ثلاث حمامات بيضاء كبيرة الحجم ناصعة البياض تشع بنور وهاج تحلق فوق الطائرة في هبوطها، وكان في انتظار جسد القديس مرقس الإنجيلي القديس البابا كيرلس السادس مع مارأغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك أنطاكية للسريان الأرثوذكس وعدد كبير من الآباء المطارنة والأساقفة والكهنة الأقباط ورؤساء الطوائف وعشرات الألوف من الشعب، وصار صوت الترانيم يدوي في المطار، وصعد القديس البابا كيرلس السادس إلى الطائرة حيث حمل رفات الرسول الشهيد البتول ناظر الإله مرقس، وتحرك في موكب ضخم إلى الكنيسة المرقسية القديمة بالأزبكية، ووضع الصندوق تحت مذبح القديس مارمرقس لمدة نحو ثلاثة أيام، فقد عاد جسد القديس للديار المصرية بعد غياب نحو 1140 سنة، وفي صباح يوم 25 يونيو 1968م أُقيم احتفال ضخم حضره الرئيس جمال عبد الناصر والإمبراطور هيلاسلاسي، وعدد ضخم من رؤساء الأديان، ومندوبي الكنائس من شتى أنحاء العالم، وأزيح الستار عن اللوحة التذكارية التي أقيمت في مدخل الكاتدرائية تخليدًا لذكرى هذا اليوم العظيم، بينما دقت جميع أجراس الكنائس في القاهرة كلها ابتهاجًا بعودة جسد القديس. وفي السادسة من صباح يوم 26 يونيو حضر البابا كيرلس إلى منطقة الأنبا رويس في سيارته يحمل الصندوق الذي يحوي رفات القديس مرقس، وتقدم الموكب يحفه الآباء المطارنة والأساقفة والكهنة وجمع ضخم من الشمامسة وجموع الشعب ووضع الصندوق على مائدة خاصة في شرقية الهيكل وبدأت مراسم القداس الاحتفالي بحضور مارأغناطيوس يعقوب الثالث والإمبراطور هيلاسلاسي والكاردينال دوفال رئيس البعثة البابوية الرومانية، ووفد من المطارنة والأساقفة الأثيوبيين والسريان والهنود والأرمن، وكثير من رؤساء الكنائس، وبعد القداس استقر الجسد المقدَّس في المزار المخصص له أسفل المذبح الرئيسي بكاتدرائية الأنبا رويس (راجع الشماس الأكليريكي جميل فخري - بطاركة عظماء لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية جـ 1 ص 25 - 27). 3- ألقاب مارمرقس: لمارمرقس ألقاب عديدة، نذكر منها: (1) ناظر الإله (بي ثيؤريموس): للتأكيد على أنه رأى الرب يسوع روية العين وسمعه سماع الأذن. (2) الرسول: حيث اختاره الرب يسوع من السبعين رسولًا. (3) الإنجيلي: كونه كتب أول إنجيل من الأناجيل الأربعة. (4) كاروز الديار المصرية: فهو كرز في قارات العالم الثلاث، ولكننا نفتخر لكونه أسَّس كرسي الإسكندرية، فهو كاروزنا الذي أخرجنا من الظلمة للنور الحقيقي، وأطعمنا خبز الحياة، وأنارت تعاليمه المقدَّسة عقولنا. (5) الناطق بالإلهيات: وهذا واضح من القداس الإلهي الذي وضعه لنا. (6) المطرقة مُبدّد الأوثان: فمعنى اسم "مرقس" أي مطرقة، فهو المطرقة التي حطمت الأوثان ولا سيما في مصر الفرعونية الأغريقية. (7) القديس والشهيد: حيث عاش حياة القداسة، وصنع معجزات عديدة، وبعد أن شهد بالفم والقلم شهد بالدم أيضًا، فهو أول بابا شهيد. |
||||