![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : ( 230821 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() H.H. Pope Tawadros II مقال لقداسة البابا تواضروس الثاني في مجلة الكرازة غريب أنا في الأرض من النادر أن يعيش الناس بلا غربة.. والغربة هي التنقل من مكان ميلادك إلى أماكن أخرى.. قد تكون غربة قصيرة أو طويلة أو ممتدة أو دائمة.. وقد تكون طواعية أو إجبارية أو بحثًا عن مكان أفضل أو دراسة أفضل أو عمل أفضل أو منصب أفضل.. ونقرأ عن الغربة في الكتاب المقدس وكيف تغرب كثير من الأنبياء وارتحلوا من مكان إلى آخر مثل إبراهيم أبو الآباء، كما نقرأ عن العائلة المقدسة التي تغربت في أرض مصر أكثر من ثلاث سنوات. ومن الناحية الروحية يعتبر كل البشر غرباء على الأرض حتى أن داود النبي يقول: “غريب أنا في الأرض لا تخف عني وصاياك” (مز 119: 19) وللمتنيح البابا شنوده الثالث قصيدة بعنوان “غريبًا عشت” يصف فيها الغربة سواء تاريخيًا أو رهبانيًا.. والغربة شعور إنساني قوي يعمل في مراحل حياته سواء علميًا أو دراسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، كما أنه قد يصل بإنسان أن يتغرب في بيته عندما يجد أهل هذا البيت ينفضون عنه بانشغالات كثيرة لا تنتهي.. ومن المدهش أن العالم اخترع وسائل الاتصال الاجتماعي منذ حوالي ثلاثين عامًا وها هو يكتشف الآن أنها صارت وسائل للانفصال الاجتماعي والعزلة في البيت الواحد أو المجتمع الواحد وكيف يتأثر الصغار والكبار ويدخلون في عالم افتراضي فيه كثير من الانحرافات الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية وغيرها. وعلى الجانب الآخر فإن كانت غربة إيجابية وفي ظروف مواتية، فإن الإنسان يستطيع أن يستفيد منها بفضائل الاجتهاد والاعتماد على النفس وتعلم مهارات جديدة مثل اللغات وكسب صداقات عدغŒدة ربما لا تتاح له إن ظل في مكانه، ولذا قال العرب قديمًا “في السفر سبع فوائد”، وقال المورخ كمال الملاخ “ما أمتع السفر على صفحات كتاب”. وهناك بعض الأماكن يشعر فيها الإنسان بغربة حتى وإن ظل في مجتمعه أو في وطنه. من هذه الأماكن “الفنــدق”. عندمـــا يذهب الإنسان إلى الفندق تحت أي سبب سواء لحضور مؤتمر أو لقاء أو معرض أو ندوة أو حتى فسحة وسياحة فإنه يشعر بغربة سواء كانت إقامته يومًا أو عدة أيام أو حتى أسابيع فإنه يجد أناس حوله لا يعرفهم يقومون بواجبات الضيافة والإقامة وتسهيل كل شيء.. والمكان يكون في أبهى صورة وكل العاملين مدربين على اللطف والود وأناقة الحديث والابتسامة، وكلهم يحاولون أن يرضوا الإنسان ويشبعوا رغباته مهما تعددت أو كثرت.. ولكنهم يفعلون ذلك كوظيفة تدر لهم دخلاً وربحًا وفائضًا فالهدف اقتصادي بحت. هم لا يعرفونك وأنت غريب في وسطهم يتطلعون إلى ما ستدفعه وما يربحونه منك.. ولذلك تتبارى الفنادق في تقديم أشكال وألوان من الخدمات التي تجذب الناس بعروض مغرية دائمًا.. لكنك ستظل غريبًا متناسيًا أن راحتك الحقيقية هي في بيتك وسط أسرتك. ومكان آخر يشعر فيه الإنسان بغربة شديدة عندما يدخل إلى المستشفى طلبًا للعلاج من أتعاب صغيرة أم كبيرة، وقد تمتد إقامته بحسب حالته إلى أيام قليلة أو أسبوع أو أسابيع. هناك يشعر بغربة ومعها الألم.. يسلم نفسه في أيدي أطباء لا يعرفهم وطاقم من التمريض يتوزعون بحسب جدول التشغيل وفنيين صحيين.. والجميع لا يعرفونك ولا تعرفهم ولكن اهتمامهم الوحيد هو شفاءك وزوال الألم والمرض. هدفهم صحتك… يدرسون ويلاحظون ويخدمون بروح إنسانية عالية في وقت غربتك يقدمون من صحتهم ووقتهم من أجل أن تستعيد عافيتك وتعود سالمًا.. وما أجمل عطاياك يارب… وفي غربة المستشفى يشعر الإنسان بضعفه مهما تعاظم وفي نفس الوقت يشعر بعظمة الخالق في خلقة الإنسان بهذا التكون البديع، وكيف تعمل أجهزة الجسم بكل قدرة ودقة والتزام.. كيف تكونت علوم الطب العديدة، وكيف يدرسونها من جيل إلى جيل، وكيف تتراكم الخبرات، وكيف اخترعوا الأجهزة التشخيصية العديدة من أشعات وتحاليل وفحوصات وممارسات طبية لا تنتهي ربما من أصغر شيء مثلاً “بلاستر” الجروح إلى أكبر الإمكانيات الطبية والعلمية. إنها بالحقيقة نعم من عند الله من خلال “العقل” الذي وهبه الله للإنسان ليقود حياته واحتياجاته.معنى ذلك أن للغربة دورًا في حياة الإنسان وتشكيل وجوده وهي في العموم مفيدة له إذ تجعله دائمًا يلجأ إلى الله الذي يحفظ الغرباء كقول صاحب المزامير (مز 146: 9). ويقولون في الأمثال المصرية: “الغريب أعمى وإن كان بصيرًا”. فالغربة تبني بعدًا قويًا في حياة الإنسان يمكن أن يستفيد منه جيدًا سواء لنفسه أو لغيره. وفي وصايا المسيح الأخيرة يقولون له: “يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟” (متى 25: 44) وهذا وضع على الكنيسة منذ نشأتها أن تقوم بخدمة كل هذه النوعيات والقطاعات بكل الوسائل المتاحة فتبني دور لإضافة الغرباء مثل بيوت المغتربين والمغتربات، وتبني دور الخدمة والضيافة للغرباء كما الأماكن العلاجية كالمستشفيات والعيادات وغيرها… وفي هذا كله تتعامل مع الغريب كأنه شخص المسيح ذاته. إنها خدمة حب بعيدة تمامًا عن أي عمل ربحي أو نشاط تجاري.. إنها خدمة حبًا في شخص المسيح وتنفيذًا لوصيته وتقديرًا للإنسان في كل الأحوال. |
||||
|
|
|||||
|
|
رقم المشاركة : ( 230822 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() H.H. Pope Tawadros II من النادر أن يعيش الناس بلا غربة من الناحية الروحية يعتبر كل البشر غرباء على الأرض حتى أن داود النبي يقول: “غريب أنا في الأرض لا تخف عني وصاياك” (مز 119: 19) وللمتنيح البابا شنوده الثالث قصيدة بعنوان “غريبًا عشت” يصف فيها الغربة سواء تاريخيًا أو رهبانيًا.. والغربة شعور إنساني قوي يعمل في مراحل حياته سواء علميًا أو دراسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، كما أنه قد يصل بإنسان أن يتغرب في بيته عندما يجد أهل هذا البيت ينفضون عنه بانشغالات كثيرة لا تنتهي.. ومن المدهش أن العالم اخترع وسائل الاتصال الاجتماعي منذ حوالي ثلاثين عامًا وها هو يكتشف الآن أنها صارت وسائل للانفصال الاجتماعي والعزلة في البيت الواحد أو المجتمع الواحد وكيف يتأثر الصغار والكبار ويدخلون في عالم افتراضي فيه كثير من الانحرافات الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية وغيرها. |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 230823 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() H.H. Pope Tawadros II من النادر أن يعيش الناس بلا غربة إن كانت غربة إيجابية وفي ظروف مواتية، فإن الإنسان يستطيع أن يستفيد منها بفضائل الاجتهاد والاعتماد على النفس وتعلم مهارات جديدة مثل اللغات وكسب صداقات عدغŒدة ربما لا تتاح له إن ظل في مكانه، ولذا قال العرب قديمًا “في السفر سبع فوائد”، وقال المورخ كمال الملاخ “ ما أمتع السفر على صفحات كتاب”. وهناك بعض الأماكن يشعر فيها الإنسان بغربة حتى وإن ظل في مجتمعه أو في وطنه. من هذه الأماكن “الفنــدق”. عندمـــا يذهب الإنسان إلى الفندق تحت أي سبب سواء لحضور مؤتمر أو لقاء أو معرض أو ندوة أو حتى فسحة وسياحة فإنه يشعر بغربة سواء كانت إقامته يومًا أو عدة أيام أو حتى أسابيع فإنه يجد أناس حوله لا يعرفهم يقومون بواجبات الضيافة والإقامة وتسهيل كل شيء.. والمكان يكون في أبهى صورة وكل العاملين مدربين على اللطف والود وأناقة الحديث والابتسامة، وكلهم يحاولون أن يرضوا الإنسان ويشبعوا رغباته مهما تعددت أو كثرت.. ولكنهم يفعلون ذلك كوظيفة تدر لهم دخلاً وربحًا وفائضًا فالهدف اقتصادي بحت. هم لا يعرفونك وأنت غريب في وسطهم يتطلعون إلى ما ستدفعه وما يربحونه منك.. ولذلك تتبارى الفنادق في تقديم أشكال وألوان من الخدمات التي تجذب الناس بعروض مغرية دائمًا.. لكنك ستظل غريبًا متناسيًا أن راحتك الحقيقية هي في بيتك وسط أسرتك. |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 230824 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() H.H. Pope Tawadros II من النادر أن يعيش الناس بلا غربة مكان آخر يشعر فيه الإنسان بغربة شديدة عندما يدخل إلى المستشفى طلبًا للعلاج من أتعاب صغيرة أم كبيرة، وقد تمتد إقامته بحسب حالته إلى أيام قليلة أو أسبوع أو أسابيع. هناك يشعر بغربة ومعها الألم.. يسلم نفسه في أيدي أطباء لا يعرفهم وطاقم من التمريض يتوزعون بحسب جدول التشغيل وفنيين صحيين.. والجميع لا يعرفونك ولا تعرفهم ولكن اهتمامهم الوحيد هو شفاءك وزوال الألم والمرض. هدفهم صحتك… يدرسون ويلاحظون ويخدمون بروح إنسانية عالية في وقت غربتك يقدمون من صحتهم ووقتهم من أجل أن تستعيد عافيتك وتعود سالمًا.. وما أجمل عطاياك يارب… وفي غربة المستشفى يشعر الإنسان بضعفه مهما تعاظم وفي نفس الوقت يشعر بعظمة الخالق في خلقة الإنسان بهذا التكون البديع، وكيف تعمل أجهزة الجسم بكل قدرة ودقة والتزام.. كيف تكونت علوم الطب العديدة، وكيف يدرسونها من جيل إلى جيل، وكيف تتراكم الخبرات، وكيف اخترعوا الأجهزة التشخيصية العديدة من أشعات وتحاليل وفحوصات وممارسات طبية لا تنتهي ربما من أصغر شيء مثلاً “بلاستر” الجروح إلى أكبر الإمكانيات الطبية والعلمية. إنها بالحقيقة نعم من عند الله من خلال “العقل” الذي وهبه الله للإنسان ليقود حياته واحتياجاته.معنى ذلك أن للغربة دورًا في حياة الإنسان وتشكيل وجوده وهي في العموم مفيدة له إذ تجعله دائمًا يلجأ إلى الله الذي يحفظ الغرباء كقول صاحب المزامير (مز 146: 9). ويقولون في الأمثال المصرية: “الغريب أعمى وإن كان بصيرًا”. فالغربة تبني بعدًا قويًا في حياة الإنسان يمكن أن يستفيد منه جيدًا سواء لنفسه أو لغيره. وفي وصايا المسيح الأخيرة يقولون له: “يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟” (متى 25: 44) وهذا وضع على الكنيسة منذ نشأتها أن تقوم بخدمة كل هذه النوعيات والقطاعات بكل الوسائل المتاحة فتبني دور لإضافة الغرباء مثل بيوت المغتربين والمغتربات، وتبني دور الخدمة والضيافة للغرباء كما الأماكن العلاجية كالمستشفيات والعيادات وغيرها… وفي هذا كله تتعامل مع الغريب كأنه شخص المسيح ذاته. إنها خدمة حب بعيدة تمامًا عن أي عمل ربحي أو نشاط تجاري.. إنها خدمة حبًا في شخص المسيح وتنفيذًا لوصيته وتقديرًا للإنسان في كل الأحوال. |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 230825 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() H.H. Pope Tawadros II Editorial Article by H.H. Pope Tawadros II in Kiraza Magazine: A Stranger I Am on Earth It is rare for people to live without experiencing estrangement. Estrangement is moving from one’s place of birth to other places. It may be short or long, temporary or permanent. It may be voluntary or forced, or in search of a better place, better education, better work, or a better position.We read about estrangement in Holy Scripture, and how many prophets lived as strangers and journeyed from one place to another, such as Abraham, the father of the fathers. We also read about the Holy Family, who lived as strangers in the land of Egypt for more than three years. From a spiritual perspective, all human beings are strangers on the earth, to the extent that the Prophet David says: “I am a stranger in the earth; do not hide Your commandments from me” (Psalm 119:19). The late Pope Shenouda III has a poem entitled “I Lived as a Stranger,” in which he describes estrangement both historically and monastically. Estrangement is a powerful human feeling that operates throughout a person’s life, whether academically, educationally, economically, or socially. It may even reach the point where a person feels estranged within his own home when he finds the members of that household drifting away from him through being endlessly preoccupied. It is striking that the world invented social communications tools about thirty years ago, and now it is discovering that they have become tools of social disconnection and isolation within the same household or society, affecting both young and old, drawing them into a virtual world filled with many moral, behavioral, and social perverted deviations. On the other hand, if estrangement is positive and occurs under favorable circumstances, a person can benefit from it through virtues such as diligence, self-reliance, and learning new skills like languages, as well as forming many friendships that might not be possible if one remained in the same place. Thus the Arabs of old said, “Travel has seven benefits,” and the historian Kamal El-Mallakh said, “How delightful travel is upon the pages of a book.” There are some places where a person feels estranged even while remaining within his society or homeland. One of these places is “the hotel.” When a person goes to a hotel for any reason—whether to attend a conference, meeting, exhibition, seminar, or even for leisure and tourism—he feels estranged. Whether his stay is for one day, several days, or even weeks, he finds people around him whom he does not know, carrying out the duties of hospitality, accommodation, and facilitating everything. The place appears at its finest, and all the staff are trained in kindness, courtesy, elegance of speech, and smiling. Everyone tries to please the person and satisfy his desires, no matter how many or varied they may be. Yet they do this as a job that brings them income, profit, and surplus—the goal is purely transactional. They do not know you, and you are a stranger among them; they look to what you will pay and what they will gain from you. Therefore, hotels compete in offering all kinds and forms of services that always attract people with tempting offers. Yet you remain a stranger, forgetting that your true comfort is in your own home, among your family. Another place where a person feels deep estrangement is when he enters “the hospital” seeking treatment, whether for minor or major ailments. His stay may extend, based on the condition, for a few days, a week, or weeks. There he feels estrangement accompanied by pain. He entrusts himself into the hands of doctors he does not know, a nursing staff distributed according to duty schedules, and healthcare technicians. All of them do not know you, nor do you know them, but their sole concern is your healing and the removal of pain and illness. Their goal is your health. They study, observe, and serve with a high human spirit during your time of estrangement, offering of their health and time so that you may regain your strength and return safely. Oh, how beautiful are Your gifts, O Lord. In the estrangement of the hospital, a person feels his weakness no matter how great he may be, and at the same time he feels the greatness of the Creator in the creation of the human being with this wondrous formation—how the body’s systems function with power, precision, and order; how the many medical sciences were formed; how they are studied from generation to generation; how expertise accumulates; and how numerous diagnostic devices have been invented, from imaging and analyses to examinations and medical practices without end—from the smallest things, such as a wound “bandage,” to the greatest medical and scientific capabilities. These are truly blessings from God through the “mind” that God granted to the human being to guide his life and needs. This means that estrangement has a role in human life and in shaping one’s existence, and it is generally beneficial, for it always leads a person to resort to God, who preserves strangers, as the Psalmist says (Psalm 146:9). In Egyptian proverbs it is said, “The stranger is blind, even if he can see.” Estrangement builds a strong dimension in a person’s life from which he can benefit well, whether for himself or for others. In the final commandments of Christ, they say to Him: “Lord, when did we see You hungry or thirsty or a stranger or naked or sick or in prison, and did not minister to You?” (Matthew 25:44). This placed upon the Church, since its beginning, the responsibility to serve all these categories and groups by all available means—building homes to host strangers, such as houses for expatriate men and women, establishing places of service and hospitality for strangers, as well as therapeutic places such as hospitals and clinics, and others. In all this, the Church deals with the stranger as if he were the person of Christ Himself. It is a service of love, completely removed from any profit-driven work or commercial activity. It is a service of love for the person of Christ, an implementation of His commandment, and an honoring of the human being in every circumstance. |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 230826 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() H.H. Pope Tawadros II مقال لقداسة البابا تواضروس الثاني في مجلة الكرازة : صديقي الوفي في كل ليلة عندما أخلد إلى فراشي بعد مرور النهار بكل ما فيه من أحداث ومقابلات وكلام ومجاملات وابتسامات وانفعالات ومشاعر داخلية متنوعة.. وبعد أن أهدأ وأبعد عن أي صخب وفي ضوء هادئ.. أصلي.. ثم أجلس أفكر لبضعة دقائق وأحيانًا تمتد إلى ما يقرب من الساعة أقضيها في مراجعة وجوه الناس الذين تقابلت معهم فرادى أو جماعات.. أحباء أو أصدقاء.. الكل يتكلم معي، شاكيًا، مجاملاً، ضاحكًا، ثرثارًا، متأملاً، مندهشًا، أو متسائلاً، وأتأمل وجوه الكل مدققًا فيما يقولوه… سواء أمور خاصة أو أمور عامة … ودائمًا ما يكون للشكوى نصيبًا وافرًا فيما أسمعه، كل أنواع الشكوى وأحيانًا التذمر وأخرى الغضب وتارة عدم قبول الواقع وتارة أخرى التمرد على الواقع. وعلى فراشي وقبل ساعات النوم أتأمل هذه الوجوه متعجبًا مما يذكروه أمامي وأحاول أن أربطه مع مشاهد أخرى مررت بها في حياتي باحثًا عن مفتاح فهم الحياة… لقد قرأت من قبل عبارة “من يعرف الحب يفهم الحياة” وهذه حقيقة ولكن ما هو “مفتاح الحياة”؟ ما هو الأمر الذي يجعل الحياة مقبولة وناجحة وهانئة؟ أتذكر في بداية خدمتي، وفي الأيام الأولى منها، وكنت وقتها في عمر 19 سنة، طلب مني أمين الخدمة في الكنيسة أن أفتقد أسرة فقيرة وأعطاني العنوان.. وذهبت بمفردي.. كانت الأسرة مكوَّنة من أم أرملة وخمسة أبناء.. بنت بعمر 13 سنة.. وأربعة أولاد أكبرهم عشر سنوات.. كانت دهشتي شديدة حين وصلت، فشقة هذه الأسرة قليلة الأثاث محدودة المساحة، كما أنه لا يوجد سوى كرسي واحد أجلسوني عليه، وجلسوا جميعًا على الأرض حولي وكانت الأم مريضة بالزكام والأنفلونزا… والغريب أنهم كانوا فرحين ومتهللين بزيارتي، استقبلوني مع كلمات الترحيب من القلب، كنت أجلس مندهشًا من حالهم الرقيق، وسألت الأم :هل تأخذين دواءً للبرد؟… فأجابت بکل رضغŒ: ليس معنا لشراء دواء ولكني ذهبت لأبونا في الكنيسة فأعطاني “خمسة قروش” اشتريت بقرش صاغ شريط أسبرين ريفو واشتريت كيلو برتقال بأربعة قروش وأنا كويسة والحمد لله! وصلينا ووزعت صورة صغيرة للأطفال الصغار، وغادرت هذه الأسرة الفقيرة ماديًا والغنية روحيًا، ومع أن هذه القصة وقعت معي في نهاية ستينات القرن الماضي.. إلا أنها مازالت عالقة في ذهني، بما فيها من روح رضا عالية أتذكرها مرسومة على وجوههم جميعًا… ومرت الأيام والسنين.. ونـما الصـغار وتعلموا وتخرجــوا وتزوجوا زيجات ناجحة ومباركة بسبب روح الرضا التي زرعتها تلك الأم العظيمة فيهم. لقد قابلت بعض الناس وروح الرضا تملأهم حقيقة رغم قسوة أحداث الحياة وضيقها وتجاربها. فها هي والدتي من هذه النوعية، فهي الابنة الوحيدة مع ستة أولاد أكبر منها، ونشأت في وسطهم، ونالت قسطًا من التعليم الأولي في مدرسة دير القديسة دميانه في براري بلقاس محافظة الدقهلية. وفي سن السادسة عشرة تزوجت وتغربت مع والدي الذي انتقل من المنصورة إلى سوهاج إلى دمنهور حيث ترمّلت وهي فى عمر 34 سنة ومعها ثلاثة أبناء (أنا وبنتين والصغيرة كانت بعمر 4 سنوات). وفي كل ذلك كانت راضية ولم أرها يومًا متذمرة أو شاكية، بل كانت تفرح بأقل القليل وكان نجاحنا الدراسي والارتباط بالكنيسة هما سبب فرحها الوحيد في الحياة، وعبر سنوات معدودات رحل والدها، ثم أخيها الأكبر ثم زوجها (والدي) ثم والدتها ثم حماها (جدي لوالدي)، وعندما زوّجت أختي الكبيرة رحل زوج أختي بعد أسابيع قليلة من الزواج، حتى أنها بعد عدة سنوات وبعد أن تزوجت أختي الصغيرة عام 2008م رحلت بعد مرض شديد استمر معها وقتًا طويلاً تاركة زوج وابن وابنة صغيرين، وظلت والدتي راضية بما صنعته أمواج الحياة وعواصفها حتى السنوات الأخيرة من عمرها التي قضتها في أمراض كثيرة ظلّت راضية بل ومبتسمة وعندما زرتها على فراش المرض قبل الرحيل بأيام كانت نظرتها وابتسامتها الراضية تخفي كل ألم أو تعب بل وتعبر عن الشكر والرضا، وهكذا عاشت وسط صدمات الحياة وهي راضية محتملة في يقين أن كل الأشياء تعمل للخير للذين يحبون الله.. فقد كانت تحب الله جدًا. إن فن الاستمتاع بالموجود أحد الفنون الحياتية التي لا يجيدها الكثيرون، وحسب نظرة الإنسان لحياته تكون مشاعره أمام الله ضابط الكل… البعض يقول إن فلان حظه قليل أو بخته بسيط، وحتى وإن كانت هذه المقولات لها قدر من الصواب فإن وجود الرضا الحقيقي في حياة الإنسان دون استكانة أو تكاسل، هو المفتاح الذي به يدخل الإنسان إلى عالم السعادة والفرح. ذات يوم طرق باب الكنيسة رجل يحمل على ظهره الماكينة التي يسن بها السكاكين.. وهي آلة يدوية يديرها برجله، ووجدت الرجل هادئًا تبدو النعمة على وجهه.. وهو يحمل هذه الآلة ويتنقل من بيت إلى بيت ليعرض خدماته لمن يحتاج، ويؤدي عمله بدقة وهدوء وإتقان ولا يفرض ثمنًا معينًا لعمله بل يقبل ما يجود به طالب الخدمة في بساطة ويسر وابتسامة ورضا. وعمل الرجل شغله وتركني، ولكن روح الرضا الظاهرة عليه لم تفارق ذاكرتي، ومرت أعوام كثيرة ونسيت هذا الرجل وسط أحداث الحياة، وبعد مرور أكثر من عشرة أعوام قابلت طبيبة شابة وزوجها وابنهم الصغير وتعرفت عليهم، اكتشفت من الحديث أنها ابنة ذلك الرجل صاحب آلة سن السكاكين وتجددت ذاكرتي بالقصة الأولى ومقابلتي له، وجلست مع الطبيبة لأتعرف أکثر عليهم، لقد كانوا سبع بنات لذلك الرجل الراضي، وكلهن تعلمن وتخرجن من كلية الطب وأربعة منهن تزوجن، وهن يفتخرن جدًا بوالدهم ومهنته المتواضعة، وشخصيته الراضية جدًا. إنني أومن وبشدة أن “الرضا” هو “الصديق الوفي” في هذه الحياة التي نعيشها.. وكلما ملأنا سنوات عمرنا بالرضا والشكر والامتنان كلما شعرنا بغنى حياتنا ووجودنا وتتميم قصد الله فينا، وعندما أتأمل في صراعات الحياة سواء الصغيرة، أو المحدودة، أو بين الأفراد القلائل، أو الصراعات الكبيرة بين الدول والجماعات والشعوب شرقًا أو غربًا أجد أن غياب مفتاح الرضا هو الذي يشعل هذه الصراعات أو النزاعات. البعض يقاتل من أجل المال واكتنازه.. والبعض يتصارع من أجل السلطة أو المنصب والذات… والبعض يعاند ويكابر من أجل ذاته ونفسه وأنانيته… وها هو المقياس كلما زاد رضا الإنسان بحياته كلما قلت الصراعات والمتاعب وهدأت النفوس ونجحت المقاصد.. وكما يقول المثل “اجري يا ابن آدم جري الوحوش غير رزقك لم تحوش”. فالإنسان الراضي، لسان حاله يصلي شاكرًا الله ضابط الكل: على كل حال ومن أجل كل حال وفي كل حال… لقد عشت الرضا وأومن به جدًا وأعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله. إنه صديقي الوفي الذي لم يفارقني أبدًا… البابا تواضروس الثاني |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 230827 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
![]() H.H. Pope Tawadros II فالإنسان الراضي، لسان حاله يصلي شاكرًا الله ضابط الكل: على كل حال ومن أجل كل حال وفي كل حال… لقد عشت الرضا وأومن به جدًا وأعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله. إنه صديقي الوفي الذي لم يفارقني أبدًا… البابا تواضروس الثاني |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 230828 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
تخيّل أن تُقيَّد بشخص آخر… ليس ليوم، ولا لأسبوع، بل لعامٍ كامل — ومع ذلك يُحظر عليك أن تلمسه ولو بطرف إصبع! في 4 يوليو 1983، بدأ الفنان التايواني تيتشينغ هسيه والفنانة الأمريكية ليندا مونتانو واحدًا من أكثر الأعمال الأدائية غرابة في تاريخ الفن الحديث: “قطعة الحبل”. ربطا خصريهما بحبلٍ طوله نحو 2.4 متر، وتعاهدا أن يظلا هكذا حتى 4 يوليو 1984 — ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا من الالتصاق القـ*سري… بلا أي تلامس! لكن الصد*مة لا تقف عند هذا الحد. كانت القاعدة الأشد قـ*سوة هي: ممنوع أن يلمس أحدهما الآخر إطلاقًا، لا عن قصد ولا عن غير قصد. كان عليهما البقاء في المساحة نفسها طوال الوقت، ومع ذلك الحفاظ على مسافة دقيقة تمنع أي احتكاك جسدي. تخيّل التحدي: النوم، العمل، دخول الحمام، تبديل الملابس، فتح الأبواب، وحتى الالتفاف حول زاوية ضيقة… كل حركة كانت تحتاج حسابات دقيقة حتى لا يتحول الحبل إلى فخٍّ يُجبرهما على التلامس! لم يكن الأمر تجربة، بل مواجهة يومية مع التوتر والضيق وفقدان الخصوصية. عامٌ كامل من مشاركة الهواء نفسه، والخطوات نفسها، والوقت نفسه — مع محاولة مستحيلة تقريبًا للحفاظ على “حدود” بين جسدين وروحين. كان هدفهما الفني استكشاف حدود التعايش البشري: كيف يمكن لشخصين أن يتشاركا الزمن والمكان بهذا القرب القاسي، ومع ذلك يحافظ كلٌّ منهما على مسافته النفسية؟ ماذا يحدث للهوية الفردية حين تُربط حرفيًا بإنسان آخر؟ وهل القرب الإجباري يُقرّب الأرواح… أم يمزّ*قها؟ وعندما حلّ 4 يوليو 1984، قُطع الحبل في مراسم بسيطة. لا موسيقى صاخبة، ولا احتفال درامي — فقط نهاية هادئة لعامٍ كان ثقيلاً نفسيًا. اعترف الفنانان لاحقًا بأن التجربة كانت مررهقة إلى حدٍ كبير، وأن التوتر المستمر أدّى في بعض الفترات إلى تدهور التواصل بينهما، حتى أصبح الصمت أحيانًا أسهل من الكلام. |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 230829 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
أسرة انتظرت 4 سنوات كاملة وهي تتعلق بالأمل رغم ألم الحرمان من الإنجاب. وبعد صبر طويل، قررت أن تفتح قلبها وبيتها لطفل بالتبني، لا لتعويض غياب، بل لتمنح حياة لطفل يحتاج حضنًا وأمانًا. وما إن دخل الطفل البيت حتى تبدّل كل شيء… بعد فترة قصيرة، اكتشفت الأم أنها حامل! كأن السماء أرادت أن تقول لهم إن الرحمة لا تضيع، وإن الخطوة التي اتخذوها بدافع الحب كانت بداية الفرج. فجأة، أصبح في البيت طفلان في الطريق إلى قلب واحد، وكأنهما توأم جمعتهما العناية الإلهية قبل أن يجمعهما السقف ذاته. الأجمل في الحكاية التي انتشرت عام 2021 لم يكن الحمل المفاجئ، بل موقف الأم حين تمسكت بالطفل المتبني ولم تفكر لحظة في التخلي عنه. بالنسبة لها، لم يكن “حلاً مؤقتًا”، بل ابنًا حقيقيًا اختارته بقلبها قبل أن يأتيها ابنها من رحمها. وهنا تتجلى أسمى معاني الأمومة: أن يكون الحب قرارًا لا ظرفًا، وأن يكون العطاء سابقًا للعوض. قصة كهذه تذكّرنا بأن الرزق لا يُقاس بعدد الأبناء فقط، بل بسعة القلوب… وأن من يزرع الرحمة، يحصد أضعافها. |
||||
|
|
رقم المشاركة : ( 230830 ) | ||||
|
† Admin Woman †
|
تخيّل أن تقف في الشارع لأكثر من نصف قرن، ترى أجيالًا تتبدل… ومع ذلك، لا تكتب مخالفة واحدة! إنه زياد شهوان الرجل الذي لم يجعل القانون الزاما على الناس، بل جعله كلمة طيبة ونصيحة صادقة. طوال 58 عامًا في سلك الشرطة في دمشق، وحتى اليوم وهو في الحادية والثمانين من عمره في 2026، لم يُسجَّل في دفاتره اسم مخالف واحد. نعم… لم يحرر مخالفة مرورية واحدة طوال مسيرته! كان يؤمن أن مهمته ليست معاقبة الناس، بل حمايتهم من الخطأ. كان يوقف السائق، وينصحه بهدوء الأب لا بصرامة الشرطي. كان يخشى أن يظـ*لم أحدًا، أو أن يثقل كاهل شخص ربما لا يحتمل الغرامة. بالنسبة له، العدل ليس في العقوبة… بل في الرحمة. ورغم تجاوزه الثمانين، يرفض التقاعد. يقول إن العمل يمنحه الحياة، وإن الشارع هو بيته الثاني. ربما السر ليس في الحركة فقط، بل في إحساسه بأنه ما زال يؤدي رسالة إنسانية. ربما رقمه الحقيقي ليس في عدد السنوات… بل في صفر مخالفات خلال عمرٍ كامل من الخدمة. صفر… رقم بسيط، لكنه يحمل قصة إنسان آمن أن اللطف قد ينجح أحيانًا حيث تفشل العقوبة. |
||||