منتدى الفرح المسيحى  


العودة  

الملاحظات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم يوم أمس, 06:49 PM   رقم المشاركة : ( 229661 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,409,871

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

"لأني أعطيتكم مثالًا،
حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا". [15]
* إلاَّ أنه ليس الأمر متشابه، لأنه هو الرب والسيد وأما أنتم فعبيد رفقاء لبعضكم البعض. ماذا إذن يعني "حتى كما" أي بذات الغيرة. لهذا فقد قدم أمثلة لأعمال عظيمة لعلنا نتمم ما هو أقل. هكذا يقوم المعلمون في المدارس بكتابة الحروف للأطفال بطريقة جميلة جدًا حتى يقلدهم الأطفال وإن كان بطريقة أقل.. أين إذن أولئك الذين ينشقون عن زملائهم؟ أين هم أولئك الذين يطلبون كرامات؟ لقد غسل المسيح قدمي الخائن المدنس للمقدسات، اللص، والذي اقترب جدًا لوقت الخيانة، حالته لا يُرجى منها الشفاء، ومع ذلك جعله شريكًا معه على المائدة، فهل تتكبرون وتتغامزون؟ يقول قائل: "لنغسل أقدام بعضنا البعض". هل هو أمر عظيم أن نغسل أقدام خدامنا؟ بالنسبة لنا "عبد" و"حر" كلمتان مختلفتان، لكن توجد حقيقة واقعية. فإنه بحسب الطبيعة هو الرب ونحن خدم، ومع ذلك لم يرفض أن يفعل ذلك... لقد جعلنا الله مدينين لبعضنا البعض، إذ قام هو أولًا بالعمل، فجعلنا مدينين بممارسة ما هو أقل
القديس يوحنا الذهبي الفم
 
قديم يوم أمس, 06:50 PM   رقم المشاركة : ( 229662 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,409,871

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

"الحق الحق أقول لكم
إنه ليس عبد أعظم من سيده،
ولا رسول أعظم من مرسله". [16]
لاحظ العلامة أوريجينوس أن هذه العادة الخاصة بغسل أقدام الآخرين سائدة بين البسطاء والسذج، مطالبًا المؤمنين بممارستها، سواء كانوا أساقفة أو كهنة أو أصحاب مراكز في العالم. هذا وكما نحن في حاجة إلى غسل أقدام الآخرين يلزمنا أن نقبل غسل أرجلنا من الآخرين.
* غسل يسوع أقدام التلاميذ بكونه معلمهم، وأقدام الخدم بكونه سيدهم. فإن تراب الأرض الصادر عن العالم يُنظَف بالتعليم، حيث لا يبلغ الأجزاء الدنيا المتطرفة في التلاميذ. لكن الأمور التي تدنس الأقدام تنزع بربوبية (سيادة) الحاكم، إذ له سلطان على الذين لا يزالوا يتقبلون دنسًا عامًا، إذ هم لا يزالون يحملون روح العبودية (رو 8: 15).
* بخصوص المخلص وهو الرب (السيد) يمكن أن ترى فيه أمرًا يفوق السادة الآخرين الذين لا يرغبون في العبد أن يكون كسيده.
العلامة أوريجينوس
* ذات الحب الذي للآب هو أيضًا للابن... وأي حب للابن سوى أنه بذل ذاته من أجلنا، وخلصنا بدمه (أف2:5)... فالآب بذل الابن، والابن بذل ذاته... إنه بذل ذاك الذي يريد ذلك، بذل من قدم ذاته للبذل. فالآب لم يبذل الابن كعقوبة بل كنعمة.
القديس أمبروسيوس
* قال هذا لأنه غسل أقدام التلاميذ بالكلمة والمثال كسيد للتواضع. لكن يمكننا بعونه أن نمارس ما يحتاج إلى ممارسة دقيقة جدًا، إن كنا لا نتباطأ فيما هو واضح بكمالٍ.
القديس أغسطينوس
* كونوا متمثلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح (1كو 11: 1). من أجل هذا أخذ جسدًا من جبلتنا حتى يعلمنا به الفضيلة. إذ أرسل الله ابنه في شبه جسدنا الخاطئ حتى تُدان الخطية في جسد الخطية (رو 8: 3). كذلك يقول المسيح نفسه: "تعلموا مني، فإني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29). هذا علمنا إياه لا بالكلمات وحدها وإنما بالأعمال أيضًا.
لقد دعوه سامريًا وبه شيطان ومخادعًا كما ألقوه بالحجارة، وأرسل إليه الفريسيون خدامًا ليمسكوه، ومرة أخرى لكي يجربوه، وكانوا يشتمونه، وإذ لم يجدوا فيه خطأ كان يقدم لهم خبزًا بالكلمات كما بالأعمال...
لنتطلع إلى ما يفعله الآن مع التلاميذ، وأية أعمال يظهرها نحو الخائن. لقد اختاره تلميذًا، وأشركه في المائدة والملح (الذي يمنع الفساد)، ورأى معجزات تستحق كل تقدير، ومع هذا صنع معه أمرًا أخطر من كل شيء، ليس برجمه أو سبه وإنما بالخيانة، ومع استحقاقه الكراهية عامله السيد بصداقة وغسل قدميه، إذ أراد بهذا أن يمنعه من الشر.
كان في سلطانه -لو أراد- أن يجعله يابسًا كشجرة التين، وأن يشقه إلى نصفين كما تشققت الصخور، وأن يمزقه كما انشق الحجاب، لكنه لم يرد أن يمنعه عن تحقيق خطته قهرًا إنما اختيارًا. لذلك غسل قدميه، ومع هذا لم يخجل هذا الشرير البائس.
القديس يوحنا الذهبي الفم
 
قديم يوم أمس, 06:51 PM   رقم المشاركة : ( 229663 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,409,871

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

لاحظ العلامة أوريجينوس أن هذه العادة الخاصة بغسل أقدام الآخرين سائدة بين البسطاء والسذج، مطالبًا المؤمنين بممارستها، سواء كانوا أساقفة أو كهنة أو أصحاب مراكز في العالم. هذا وكما نحن في حاجة إلى غسل أقدام الآخرين يلزمنا أن نقبل غسل أرجلنا من الآخرين.
* غسل يسوع أقدام التلاميذ بكونه معلمهم، وأقدام الخدم بكونه سيدهم. فإن تراب الأرض الصادر عن العالم يُنظَف بالتعليم، حيث لا يبلغ الأجزاء الدنيا المتطرفة في التلاميذ. لكن الأمور التي تدنس الأقدام تنزع بربوبية (سيادة) الحاكم، إذ له سلطان على الذين لا يزالوا يتقبلون دنسًا عامًا، إذ هم لا يزالون يحملون روح العبودية (رو 8: 15).
* بخصوص المخلص وهو الرب (السيد) يمكن أن ترى فيه أمرًا يفوق السادة الآخرين الذين لا يرغبون في العبد أن يكون كسيده.
العلامة أوريجينوس
 
قديم يوم أمس, 06:51 PM   رقم المشاركة : ( 229664 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,409,871

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


* ذات الحب الذي للآب هو أيضًا للابن... وأي حب للابن سوى
أنه بذل ذاته من أجلنا، وخلصنا بدمه (أف2:5)... فالآب بذل الابن،
والابن بذل ذاته... إنه بذل ذاك الذي يريد ذلك، بذل من قدم ذاته
للبذل. فالآب لم يبذل الابن كعقوبة بل كنعمة.
القديس أمبروسيوس
 
قديم يوم أمس, 06:52 PM   رقم المشاركة : ( 229665 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,409,871

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

* قال هذا لأنه غسل أقدام التلاميذ بالكلمة والمثال كسيد للتواضع.
لكن يمكننا بعونه أن نمارس ما يحتاج إلى ممارسة دقيقة جدًا،
إن كنا لا نتباطأ فيما هو واضح بكمالٍ.

القديس أغسطينوس
 
قديم يوم أمس, 06:54 PM   رقم المشاركة : ( 229666 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,409,871

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

* كونوا متمثلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح (1كو 11: 1). من أجل هذا أخذ جسدًا من جبلتنا حتى يعلمنا به الفضيلة. إذ أرسل الله ابنه في شبه جسدنا الخاطئ حتى تُدان الخطية في جسد الخطية (رو 8: 3). كذلك يقول المسيح نفسه: "تعلموا مني، فإني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29). هذا علمنا إياه لا بالكلمات وحدها وإنما بالأعمال أيضًا.
لقد دعوه سامريًا وبه شيطان ومخادعًا كما ألقوه بالحجارة، وأرسل إليه الفريسيون خدامًا ليمسكوه، ومرة أخرى لكي يجربوه، وكانوا يشتمونه، وإذ لم يجدوا فيه خطأ كان يقدم لهم خبزًا بالكلمات كما بالأعمال...
لنتطلع إلى ما يفعله الآن مع التلاميذ، وأية أعمال يظهرها نحو الخائن. لقد اختاره تلميذًا، وأشركه في المائدة والملح (الذي يمنع الفساد)، ورأى معجزات تستحق كل تقدير، ومع هذا صنع معه أمرًا أخطر من كل شيء، ليس برجمه أو سبه وإنما بالخيانة، ومع استحقاقه الكراهية عامله السيد بصداقة وغسل قدميه، إذ أراد بهذا أن يمنعه من الشر.
كان في سلطانه -لو أراد- أن يجعله يابسًا كشجرة التين، وأن يشقه إلى نصفين كما تشققت الصخور، وأن يمزقه كما انشق الحجاب، لكنه لم يرد أن يمنعه عن تحقيق خطته قهرًا إنما اختيارًا. لذلك غسل قدميه، ومع هذا لم يخجل هذا الشرير البائس.
القديس يوحنا الذهبي الفم
 
قديم يوم أمس, 06:54 PM   رقم المشاركة : ( 229667 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,409,871

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

"إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه". [17]
يتحقق التطويب الحقيقي خلال معرفة الله العملية بالطاعة له. فالإنسان لا يتمتع بالطوبى لأجل معرفته الكثيرة، وإنما خلال تمتعه بشركة الطبيعة الإلهية، حيث تتحول المعرفة إلى خبرة عمل.
* غسل الأقدام هو من تخصص السيد المسيح الذي يغسل أعماق النفس ويغفر الخطايا. فمن بالحب والتواضع يغفر لمن يخطئ إليه إنما يشترك في إحدى سمات المسيح العظمى، ويُحسب متمتعًا بالحياة الجديدة المطوبة في المسيح يسوع. قول السيد: "طوباكم" إنما يكشف عن المجد السماوي والحياة السماوية التي نختبرها بممارستنا لهذا العمل.
العلامة أوريجينوس
* "أن تعلموا" (تعرفوا) فهذا يخص الكل، أما "أن تعملوا" فهذا ليس للكل. لهذا يقول: "طوباكم إن عملتموه". ولهذا السبب أقول دومًا وأكرر نفس الشيء مع أنكم تعرفونه، حتى أضعكم في موضع العمل. فإنه حتى اليهود "يعرفون" لكنهم ليسوا مطوبين، لأنهم لا يعملون ما يعرفون.
القديس يوحنا الذهبي الفم
 
قديم يوم أمس, 06:55 PM   رقم المشاركة : ( 229668 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,409,871

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

* غسل الأقدام هو من تخصص السيد المسيح الذي يغسل أعماق
النفس ويغفر الخطايا. فمن بالحب والتواضع يغفر لمن يخطئ
إليه إنما يشترك في إحدى سمات المسيح العظمى، ويُحسب متمتعًا
بالحياة الجديدة المطوبة في المسيح يسوع. قول السيد: "طوباكم"
إنما يكشف عن المجد السماوي والحياة السماوية
التي نختبرها بممارستنا لهذا العمل.

العلامة أوريجينوس
 
قديم يوم أمس, 06:56 PM   رقم المشاركة : ( 229669 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,409,871

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

* "أن تعلموا" (تعرفوا) فهذا يخص الكل، أما "أن تعملوا"
فهذا ليس للكل. لهذا يقول: "طوباكم إن عملتموه". ولهذا السبب
أقول دومًا وأكرر نفس الشيء مع أنكم تعرفونه، حتى أضعكم
في موضع العمل. فإنه حتى اليهود "يعرفون" لكنهم ليسوا مطوبين،
لأنهم لا يعملون ما يعرفون.

القديس يوحنا الذهبي الفم
 
قديم يوم أمس, 06:58 PM   رقم المشاركة : ( 229670 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,409,871

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

غسل أقدام التلاميذ

1 أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى. 2 فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ، وَقَدْ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ، 3 يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجَ، وَإِلَى اللهِ يَمْضِي، 4 قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا، 5 ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا. 6 فَجَاءَ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ. فَقَالَ لَهُ ذَاكَ: «يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ!» 7 أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ». 8 قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ». 9 قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي». 10 قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ». 11 لأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ، لِذلِكَ قَالَ: «لَسْتُمْ كُلُّكُمْ طَاهِرِينَ». 12 فَلَمَّا كَانَ قَدْ غَسَلَ أَرْجُلَهُمْ وَأَخَذَ ثِيَابَهُ وَاتَّكَأَ أَيْضًا، قَالَ لَهُمْ: «أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟ 13 أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ. 14 فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، 15 لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا. 16 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ. 17 إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ.

"أما يسوع قبل عيد الفصح،
وهو عالم أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب،
إذ كان قدأحب خاصته الذين في العالم،
أحبهم إلى المنتهى". [1]
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح قدم أعمالًا عظيمة منذ بداية خدمته، أما وقد جاء وقت رحيله عنهم منطلقًا إلى الآب، فقدم لهم حبًا فائقًا، خلال الصليب، ليكون سندًا لهم بعد صعوده.
ونحن أيضًا إذ لا ندرك وقت رحيلنا من العالم يليق بنا مع كل نسمة من نسمات حياتنا أن نقدم حبًا باذلًا لكل من هم حولنا، فنترك لهم ميراثًا من الحب، وتبقى ذكرياتنا لديهم هي أعمال المحبة الخالدة.
يتساءل كثير من الدارسين عن موعد الفصح اليهودي، هل كان في يوم خميس العهد حيث قام السيد المسيح، حمل الفصح الحقيقي، بتأسيس سرّ الفصح المسيحي؟ أو أنه كان في يوم الجمعة العظيمة حيث تحقق الفصح الحقيقي في ذات يوم الفصح اليهودي ليبطل الرمز؟
كثرت الكتابات جدًا في هذا الأمر، غير أن ما ليس فيه خلاف، أن بعض الجماعات كانت تمارس الفصح بتقويم يختلف عما تمارسه القيادات اليهودية الدينية الرسمية في أورشليم. لهذا يرى الكثيرون أن ما ورد في الأناجيل الثلاثة عن احتفال السيد المسيح وتلاميذه بالفصح في يوم الخميس كان بتقويم استخدمه السيد، بينما قام مجمع السنهدرين وأتباعه بالاحتفال به يوم الجمعة، غير أنه لم يكن ممكنًا ذبح خروف الفصح إلاَّ يوم الجمعة بعد عرضه على الكهنة في يوم الفصح الرسمي.
ما يشغل ذهن الإنجيلي ليس موعد تأسيس الفصح المسيحي، وإن كان قد أورد أنه "قبل عيد الفصح"، وإنما انشغاله بالفصح الحقيقي، بذبح حمل الله الذي يحمل خطية العالم على الصليب. إنه فصح الدهور كلها، لا بل والفصح الذي يشغل السماء والسائيين، فقد أُشير إلى السيد المسيح كحملٍ في سفر الرؤيا ما يقرب من خمس عشرة مرة. رأى الإنجيلي "الخروف قائم في السماء كأنه مذبوح"، ورأى الكنيسة الممجدة في السماء "امرأة الخروف"، والحياة السماوية هي "عُرس الحمل" الذي جاء وامرأته هيأت نفسها (رؤ 19: 7-8). رأى الحمل هو قدس أقداس السماء أو الهيكل الأبدي وسراجها (رؤ 21).


الآن يحدثنا الإنجيلي يوحنا عن "غسل الأرجل" كخدمة حب وبذل. حدث هذا أثناء الإعداد لسرّ الإفخارستيا وليس أثناء تناوله. وقد كان من عادة اليهود غسل الأقدام قبل العشاء.
لم يذكر الإنجيلي يوحنا أحداث أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس من الأسبوع الأخير حيث أوردها الإنجيليون الثلاثة السابقون في شيءٍ من التفصيل، ولم يرد أن يتحدث عن تأسيس سرّ الإفخارستيا (مت 26: 26؛ مر 14: 22؛ لو 22: 19).
إذ هو العالم بكل شيء جاءت الساعة التي سمح فيها لعدو الخير أن يكون له سلطان أن يتحرك ويحرك أتباعه لمقاومة السيد، وكما قال: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو 22: 53).
قوله "جاءت ساعته" لا تعني إتمام أمور محتمة لا سلطان له عليها، إنما هي ساعته التي تتحقق خلال سلطانه الإلهي لتحقيق خلاص العالم، دون أن يلزم الأشرار على ممارسة شرهم، إنما يحول شرهم للخير. إن كانت هناك حتمية لمجيء هذه الساعة، فهي حتمية حب الله الفائق الذي يطلب خلاص العالم. وبإعلانه عنها يكشف أنه جاء بإرادته من أجل هذه الساعة.
هنا يربط هذه الساعة بأمرين متكاملين، أو بأمرٍ واحد ذي وجهين، وهو انتقاله أو صعوده إلى الآب، وإعلان حبه اللانهائي لخاصته. وكأن صعوده إلى السماء ليس من أجله هو بل من أجل محبوبيه كي يتمتعوا بصعودهم أو لقائهم مع الآب.
هكذا يقبل السيد أحداث آلامه حتى الصلب بروح الحب الفائق. آلامه هي موضع سروره. "من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب، مستهينًا بالخزي، فجلس عن يمين عرش الله" (عب 12: 2).
* يقول يوحنا البشير: "أما يسوع قبل عيد الفصح وهو عالم أن ساعته قد جاءت"، فهو لم يعرف ذلك حينئذ فقط، لكنه عرفها قديمًا.
وفي قوله عن السيد المسيح: "لينتقل من هذا العالم إلى الآب"، يسمى البشير هنا بصوتٍ عظيمٍ موت السيد المسيح انتقالًا.
وقوله: "أحبهم إلى المنتهى" أن السيد المسيح لبث محبًا لهم حبًا دائمًا.
* ماذا يعني: أحبهم إلى المنتهى"؟ إنه كمن يقول: "يستمر يحبهم بلا انقطاع".
القديس يوحنا الذهبي الفم

* لقد عبر (إلى الآب) لكي يطعمنا، فلنتبعه حتى نقتات.
* نتمتع في آلام الرب وقيامته بالعبور من هذه الحياة القابلة للموت إلى الحياة الأخرى الخالدة، أي من الموت إلى الحياة.
* الآن تحقق هذا الرمز النبوي في الحق، عندما اقتيد المسيح كحملٍ للذبح (إش 53: 7)، لكي بدمه الذي يُرش على قوائم قلوبنا العليا، برشم علامة صليبه على جباهنا، نخلص من الهلاك الذي ينتظر العالم، وذلك كإسرائيل وهو يخلص من عبودية المصريين ودمارهم (خر 12: 23). والعبور الكلي التقدير الذي نمارسه بعبورنا من الشيطان إلى المسيح، ومن العالم غير المستقر إلى مملكته المؤسسة حسنًا. لذلك فإننا بالتأكيد نعبر إلى الله الدائم أبديًا...
يمجد الرسول الله من أجل هذه النعمة الممنوحة لنا، فيقول: "الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته" (1 كو 1: 13).


هذا الاسم "بصخة" كما قلت أنه في اللاتينية يدعى عبورًا... هكذا أنتم ترون هنا لنا بصخة وعبور. من أين وإلى أين يعبر؟ من هذا العالم إلى الآب.
لقد وُهب الرجاء للأعضاء في رأسهم، حتى أنهم دون شك يتبعونه وهو يعبر قدامهم.
وماذا عن غير المؤمنين الذين يقفون بعيدًا عن هذا الرأس وعن أعضائه؟ ألا يعبر هؤلاء أيضًا حيث أنهم لا يقطنون هنا أبديًا؟ واضح أنهم يعبرون، لكن يوجد فارق بين من يعبر من العالم ومن يعبر مع العالم. وبين من يعبر إلى الآب ومن يعبر إلى العدو. فإن المصريين أيضًا عبروا، لكنهم لم يعبروا من البحر إلى الملكوت، وإنما من البحر إلى الهلاك.
* "أحبهم إلى المنتهى" [1]. هو نهايتنا، فيه نعبر... يُفهم ذلك بأن حبه ذاته هو الذي حمله إلى الموت.
القديس أغسطينوس






فحين كان العشاء، وقد ألقى الشيطان في قلب يهوذا سمعان الإسخريوطيأن يسلمه". [2]
كان السيد المسيح يعلن أن لحظات قتله قد اقتربت، وأن أحد تلاميذه يخونه، والآخر ينكره، والبقية تتركه... هذا كله في عينيه عطية الآب له ليقيم الخلاص.
في نفس اللحظات كان ما يشغل الشيطان هو أن يسيطر على قلب يهوذا ليحركه نحو خيانة سيده، ظانًا أنه قادر أن يطفئ النور الإلهي، ويفسد الحب السرمدي. لكن الله الكلي الصلاح يحول حتى شر إبليس لخيرنا.
* ربما يتساءل البعض: ألم يكن قد ألقى الشيطان بفكر الخيانة على يهوذا حين تحرك قبلًا والتقى مع الفريسيين واتفق معهم على ذلك؟ يرى البعض أن عدو الخير ألقى ببذار الفكرة، وكان يرويها بمياه الطمع والخيانة، لكن الآن يدخل عدو الخير إلى قلب يهوذا كصاحب ومالكٍ مستقر في موضعه، وليس كمن يثير فكره، ويحاول إغواءه. حين نفتح الباب للشر يلقي العدو بذاره كضيفٍ يحاول بوسيلة أو أخرى أن يقتحم ما ليس له. وحين نقبل أفكاره، ونبدأ في التحرك، يدخل في جسارة ليقطن كمالكٍ، وكقائدٍ يحرك عجلة القيادة دون إمكانية للمقاومة من جهتنا. لهذا كل فكر فيه نتراخى عن مقاومته إنما يفتح باب قلوبنا وأفكارنا ليجد العدو نفسه صاحب الحق في الدخول والسيطرة.
* بقي سيده إلى اليوم الأخير مستمرًا في عطائه له.
القديس يوحنا الذهبي الفم
* في حالة يهوذا كُتب: "وقد ألقى الشيطان في قلب يهوذا الإسخريوطي بن سمعان أن يسلمه" [2]. لذلك يمكنكم القول عن كل الذين جُرحوا في القلب بواسطة الشيطان أن الشيطان قد ألقى في قلب هذا أن يرتكب الزنا، أو ذاك أن يرتكب الغش، وفلان أن يصير مولعًا بالشهرة... وهكذا بالنسبة للخطايا التي يلقيها الشيطان في القلب غير المسلح بدرع الإيمان الذي به يمكنه أن يطفئ ليس سهمًا أو اثنين بل كل سهام الشريرة الملتهبة نارًا (أف 6: 16).
العلامة أوريجينوس
* "ألقى الشيطان في قلب يهوذا"... أي قدم اقتراحًا روحيًا، لم يدخل إليه خلال الأذنين بل خلال الأفكار، وبذلك لم يدخل بطريق جسداني بل روحي. فما ندعوه روحيًا لا يفهم دومًا بطريقة ممدوحة. فقد عرف الرسول أمورًا روحية للشر في السماويات التي يشهد أنه يلزمنا أن نجاهد ضدها (أف 6: 12).
القديس أغسطينوس



"يسوع وهو عالم أن الآب قد دفع كل شيء إلى يديه،
وأنه من عند الله خرج،
وإلي الله يمضي". [3]
* على حسب ظني دفع الآب هنا خلاص المؤمنين إلى السيد المسيح. فعندما يقول: "كل شيء قد دُفع إليَّ من أبي" (مت 11: 27)، يتحدث عن هذا النوع من الدفع. كما ذكر السيد المسيح نفسه في موضع آخر"كانوا لك، وأعطيتهم لي" (يو 17: 6) وأيضًا: "لا يقدر أحد أن يُقبل إليّ إن لم يجذبه الآب" (يو 6: 44). وأيضًا: "إن لم يكن قد أُعطي من السماء" (يو 3: 27). فإن الإنجيلي يقصد هذا أو ذاك أن المسيح ليس بأقل (من الآب) بهذا العمل، حيث أنه جاء من عند الله وذهب إلى الله، ويملك كل شيء. فإذا سمعت دفع وسلم، فلا تظن ظنًا بشريًا، إنما بين إكرامه الآب وائتلافه معه، لأنه كما أن أباه دفع إليه، كذلك دفع هو إلى أبيه، وبين ذلك إذ قيل "ولكن كل واحدٍ في رتبته: المسيح باكورة، ثم الذين للمسيح في مجيئه. وبعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الآب" (1 كو 15: 23).
لكن يوحنا يقول هذا بطريقة بشرية مظهرًا عناية (المسيح) العظيمة بهم، ومعلنًا حبه غير المنطوق به، إذ يهتم بهم كما بنفسه، معلمًا إياهم أم كل صلاح، أي التواضع، إذ قال إنه بداية كل فضيلة ونهايتها.
ليس بلا سبب يقول: "من عند الله خرج، وإلى الله يمضى" [3]، وإنما لكي نتعلم أنه فعل ما يليق بذاك الذي جاء من هناك ويذهب إلى هناك، موطئًا بقدميه على كل كبرياء(1331).
القديس يوحنا الذهبي الفم
* إنه لم تدُفع إلى يديه بعض الأمور دون غيرها، بل "كل شيء" [3]. إذ كان داود أيضًا متطلعًا بالروح يقول عن هذا: "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك تحت قدميك" (مز 110: 1). فإن أعداء يسوع أيضًا هم جزء من "كل شيء"، الذي عرفهم يسوع بسابق معرفته أنهم قد دُفعوا إليه من الآب. ولكن لكي ندرك بأكثر وضوح ما تعنيه العبارة: "الآب قد دفع كل شيء لديه" [3]، لننتبه إلى العبارة: "وكما في آدم يموت الجميع، هكذا في الرب يحيا الجميع" (راجع 1 كو 15: 22).
العلامة أوريجينوس
* إذ عرف الرب ما سيفعله من أجل أصدقائه وبصبرٍ استخدم أعداءه، بهذا دفع إليه الآب كل شيء في يديه، كل من الشرير ليستخدمه، والصالحين لأجل الهدف النهائي.
القديس أغسطينوس





"قام عن العشاء، وخلع ثيابه،
وأخذ منشفة واتزر بها". [4]
لم يقم عن تناول العشاء، إنما ترك موضعه على المائدة بعد أن جلس الحاضرون ينتظرون العشاء. خلع السيد ثوبه الخارجي أو معطفه، واتزر بمنشفة ليأخذ شخصية خادم، ولكي يتهيأ ليجفف أرجلهم بعد غسلها.
كان غسل الأرجل يتم قبل البدء في تناول الطعام، وإذ كانت الشوارع والأزقة أغلبها ترابية، والأحذية عبارة عن "صنادل مفتوحة"، ولم تُعرف الجوارب في ذلك الحين، يمكننا أن ندرك كيف كانت الأقدام متسخة، وكيف تكون رائحتها، خاصة في الحرّ أو مع السير لمدة طويلة. لهذا كان غسل الأقدام من عمل العبيد أو أقل الحاضرين كرامة.
عندما أرسل داود النبي إلى أبيجايل يطلبها زوجة، في تواضع قامت وقالت له: "هوذا أمتك جارية لغسل أرجل عبيد سيدي" (1 صم 25: 41). يرى البعض أن السيد المسيح بدأ بغسل قدمي يهوذا، لعل ضميره يؤنبه ويندم على ما بدأ يخططه.
مسيحنا الذي في تواضعه قال ليوحنا المعمدان: "اسمح الآن لأنه هكذا يليق أن نكمل كل برّ" (مت 3: 15) يكشف عن برّ التواضع الذي له قبل تأسيس سرّ الافخارستيا. فمن منا يجسر ويقترب إلى السرّ ما لم أولًا تنحني نفسه مع سيده لينال كرامة مخلصه، فيقترب إلى التناول من جسد الرب ودمه المبذولين لأجله؟ مسكين من يقترب من هذا السرّ بقلبٍ متعجرفٍ أو نفسٍ متعالية دون انحناء لغسل أقدام حتى مقاوميه ومضطهديه.
* يفهم "حين كان العشاء" أن العشاء صار مُعدًا، موضوعًا على المائدة لكي يستخدمه الضيوف.
القديس أغسطينوس
* تعال أيها الرب يسوع، ولتخلع ثيابك، هذه التي لبستها من أجلي.
لتصر عاريًا لكي تكسوني برحمتك.
لتتزر من أجلنا بمنشفة، لكي تجعلنا نتزر بعطية الخلود.
لتسكب ماءً في مغسل، فلا تغسل أقدامنا فحسب بل ورأسنا، ليس فقط لأجسادنا بل ولخطوات نفوسنا. أود أن تنزع كل دنسٍ لضعفنا...
يا لعظمة سموك! كخادمٍ تغسل أقدام تلاميذك، وكإله ترسل ندى من السماء.
ليس فقط تغسل الأقدام، وإنما تدعونا أيضًا أن نجلس معك، وبمثال كرامتك تحثنا قائلًا: "أنتم تدعونني معلمًا وسيدًا، وحسنًا تقولون لأني أنا كذلك، فإن كنت أنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض"[13، 14].
إذن أود أنا نفسي أن أغسل أقدام إخوتي؛ أود أن أكمل وصية ربي، فإني لا أخجل من نفسي، ولا أستخف بما فعله ذاك أولًا.
سرّ عظيم وحسن لا يفهمه أحد!
القديس أمبروسيوس



"ثم صب ماء في مغسلٍ،
وابتدأ يغسلأرجل التلاميذ،
ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرًا بها". [5]
انتظر السيد حتى اتكأ الجميع حول المائدة، وكانت العادة في تلك الأيام ألا يجلس الآكلون على كراسي حول المائدة، ربما يمكن للعبد أن يجلس على كرسي حين يأكل، أما الشخص الحرّ فيتكئ على ذراعه (الكوع) الأيسر ورأسه متجهة نحو المائدة والقدمين من الجانب الآخر.
كانت العادة أن يقوم أحد العبيد بغسل الأقدام، وإذ لم يوجد بينهم عبد ربما توقع الكل أن أقلهم سنًا أو مركزًا يقوم بهذا العمل، لكن السيد قام بنفسه بهذا الدور. وهو بهذا يرفع من كرامة العبيد، إذ هم يمارسون هذا العمل قسرًا بحكم وضعهم الاجتماعي، أما السيد فقام به بكامل حريته بمسرة، خلال تواضعه وحبه. هكذا لا يعود يأنف العبد من ممارسة أي عمل، يمارسه من أجل الرب، لا خوفًا من الناس. وكما يوصيهم القديس بولس: "أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوفٍ ورعدةٍ في بساطة قلوبكم كما للمسيح، لا بخدمة العين كمن يرضي الناس، بل كعبيد المسيح، عاملين مشيئة الله من القلب، خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس، عالمين أن مهما عمل كل واحدٍ للخير فذلك يناله من الرب، عبدًا كان أم حرًا" (أف 6: 5-8).
يرى العلامة أوريجينوس أن السيد المسيح لم يغسل قدمي يهوذا، إذ ليس له نصيب معه بسبب إصراره على شره. بينما يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد بدأ بغسل قدمي يهوذا أولًا ليقدم له كل عمل محبة حتى اللحظات الأخيرة قبل قيامه بالخيانة، لعله يراجع نفسه ويتراجع عن شره.
* يبدو لي أنه غسل قدمي الخائن أولًا بقوله: "وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ" [5].
* انظر كيف أظهر السيد المسيح طريق التواضع، ليس بغسل أقدامهم فقط، لكنه أوضحه بطبيعة أخرى إذ نهض بعد اتكاءهم كلهم. ثم لم يغسل أرجلهم على بسيط الحال، لكنه غسلها بعد خلع ثيابه. ولم يقف عند هذا الحد، لكنه اتزر بإزار، ولم يكتفِ بهذا لكنه ملأ المغسل بنفسه، ولم يأمر آخر أن يملأه. مارس أعمال الغسل بنفسه كلها ليرينا أن نمارس أعمالنا لا في شكليات بل بكل نشاطنا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
* لم يأخذ إبراهيم بنفسه ماءً، ولا قام بنفسه بغسل أقدامهم كغرباء جاءوا إليه، بل قال: "ليؤخذ ماء ويغسلوا أرجلكم" (راجع تك 18: 4). كما لم يحضر يوسف ماءً ليغسل أقدام إخوته الإحدى عشر، إنما الرجل الذي على بيت يوسف أحضر إليهم شمعون وجاء بماء ليغسل أقدامهم (تك 43: 23-24). أما ذاك الذي قال: "جئت ليس كمن يتكئ على مائدة بل كمن يخدم" (راجع لو 22: 27). وبحق يقول: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29)، هو بنفسه صب ماءً في مغسل. فإنه قد عرف أنه لا يستطيع أحد أن يغسل أرجل التلاميذ مثله بطريقة بها يكون لهم نصيب معه[8].
* الماء في رأيي هو الكلمة الذي يغسل أقدام التلاميذ عندما جاءوا إلى المغسل وجلس يسوع أمامهم.
العلامة أوريجينوس


لم يقل الكتاب "غسل أرجل التلاميذ" بل قال: "ابتدأ يغسل أرجل التلاميذ" وكما يقول العلامة أوريجينوسبأنه قد بدأ ولم يتوقف عن الغسل، إذ كانوا في حاجة إلى غسلٍ مستمرٍ، حيث تدنسوا في ذات الليلة بعد الغسل: "كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة" (مت 26: 31)، كما قال لبطرس: "لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات" (يو 13: 38).
* ما العجب في أن يصب ماءً في مغسلٍ ليغسل أقدام تلاميذه ذاك الذي سكب دمه على الأرض لكي يغسل دنس خطاياهم؟
ما العجب في أنه مسح بالمنشفة التي اتزر بها الأقدام التي غسلها هذا الذي بجسده نفسه الذي التحف به أقام ممرًا ثابتًا لخطوات الإنجيليين الذين له؟
لكي يتزر بالمنشفة ألقى بثيابه التي كان يرتديها جانبًا، ولكنه حين أخلى ذاته (من مجد لاهوته) لكي يأخذ شكل العبد لم يلقِ بما هو لديه بل قبل ما هو ليس لديه قبلًا.
القديس أغسطينوس



"فجاء إلى سمعان بطرس،
قال له ذاك:
يا سيد أنت تغسل رجلي". [6]
واضح أن التلاميذ كانوا في حالة شبه ذهول أمام ما فعله السيد، فلم ينطق أحد بكلمة حتى جاء دور بطرس الرسول. كثيرًا ما رأى القديس بطرس سيده يتواضع لكنه لم يكن يتصور أنه يبلغ إلى هذه الدرجة أن يقوم بدور العبد الذي يغسل الأقدام.
* كأنه يقول: هل بهاتين اليدين اللتين بهما فتحت العيون وطهرت البرص وأنهضت أمواتًا، تغسل بهما رجلي؟! ولذلك لم يتضرع إليه بقول أكثر من قوله: "أنت تغسل رجلي" لأن هذا القول كان كافيًا وحده توضيح كافة ما في ذهنه.
القديس يوحنا الذهبي الفم


* واضح من قوله "فجاء إلى سمعان بطرس" أنه لم يبدأ غسل الأقدام به مما يؤكد أنه لم يكن في ذهن السيد المسيح أن يُوجد أحد رئيسًا على التلاميذ.
القديس أغسطينوس



"أجاب يسوع وقال له:
لست تعلم أنت الآن ما أناأصنع،
ولكنك ستفهم فيما بعد". [7]
كأنه يقول له: "اسمح لي الآن أن أفعل ذلك، وسأوضح لك قريبًا طبيعة هذا العمل وغايته".
* ماذا يعني: "ستفهم فيما بعد"؟ متى؟ عندما تخرج شياطين باسمي، عندما تراني مرتفعًا إلى السماوات، عندما تعرف بالروح إني أجلس عن اليمين، عندئذٍ تفهم ما يحدث.
* معنى هذا أنك ستعرف أي ربح عظيم تجنيه من هذا، ربح الدرس الذي تتعلمه كيف أن هذا يقودنا إلى كل تواضعٍ.
القديس يوحنا الذهبي الفم
* بالنسبة لي غسل أقدامكم هو رمز لأساسات نفوسكم التي تتطهر، لكي تتجمل بالتبشير بالصالحات (رو 10: 15؛ إش 52: 7)، وتقتربون إلى نفوس البشر بأرجلكم الطاهرة. لكنكم الآن لا تعرفون هذا السرّ، إذ ليس لكم بعد المعرفة الخاصة به... عندئذٍ تفهمون هذا السرّ، وتستنيرون بمعرفة أمور ليست وضيعة ولا تافهة.
العلامة أوريجينوس



"قال له بطرس:
لن تغسل رجلي أبدًا,
أجابه يسوع:
إن كنت لاأغسلك فليس لك معي نصيب". [8]
لم يكن ممكنًا لبطرس الرسول أن يرى سيده الذي له كل المهابة أن يحتل مركز عبدٍ ليمارس غسل الأقدام، لهذا اعترض على تصرف سيده. لم يكن يدرك الرسول ما يفعله سيده، أنه احتل مركز العبد خلال محبته الفائقة، حتى يسمح ليهوذا أن يبيعه كعبدٍ، ويسمح لعدو الخير أن يتمم خطته نحو الخلاص بالصليب.
كأنه يقول له: "لا يمكنك أن تكون لي تلميذًا ما لم أغسلك". فإنه ما لم تمتد يد السيد المسيح لتغسل النفس الداخلية لن يستطيع الإنسان أن يتمتع بالخلاص، ولا يتأهل أن يكون تلميذًا للمخلص. المؤمن في حاجة أن يغتسل في المعمودية خلال عمل روح الله القدوس (1 كو 6: 11؛ تي 3: 5-6)، وأن يغتسل بالدم الثمين (1 يو 1: 7). إننا نحتاج إلى غسل أقدام نفوسنا التي تتسخ خلال سيرها في هذا العالم، هذا العمل خاص بالسيد المسيح نفسه غافر الخطايا ومخلص النفس من الفساد. نتمتع به خلال سرّ التوبة والاعتراف، بدونه لن نقدر أن نشترك في التمتع بذبيحة المسيح (سرّ الافخارستيا).
ماذا يعني: "إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب"؟ هنا يشير السيد إلى أن عملية الغسل من اختصاصه، فلن يظهر إنسان طاهرًا في يوم الرب العظيم، وينال نصيبه، أي الشركة مع المسيح في المجد، بمجهوده الشخصي، وإنما بعمل المسيح نفسه غاسل نفوسنا من أدناس الخطية.
كثيرًا ما نعترض على تصرفات الرب بسبب عمانا الداخلي، وعدم استيعابنا لحكمته الإلهية وخطته نحونا.
* لم يدرك السرّ، لذلك رفض الخدمة، إذ ظن أن تواضع الخادم سيُصاب بضررٍ، وذلك إن سمح للرب أن يخدمه.
القديس أمبروسيوس
* واضح أنه وإن كان قد قال هذا للمعلم بنية صادقة وقورة، لكنه تكلم بما يضر نفسه. الآن الحياة مملوءة بأخطاء من هذا النوع، من أناسٍ يعتقدون بما يظنونه أنه الأفضل ولكن في جهالة يتكلمون أو يعملون أمورًا تقودهم إلى اتجاه مضاد.
* كما أن بطرس القائل: "لن تغسل رجلي أبدًا" مُنع من أن يستمر فيما زعمه حتى يكون له نصيب مع يسوع، هكذا أنتم يا من تخطئون بحكمٍ متسرع وتعدون بهذا وذاك في تهورٍ يكون الأفضل لكم أن تكفوا عن الاستمرار في قراركم الخاطئ وتفعلون هكذا أو ذاك بأكثر تعقل.
* إن لم نفعل هذا (تقديم أقدامنا للسيد المسيح لغسلها) لا يكون لنا نصيب معه، ولا تكون أقدامنا جميلة. هذا على وجه الخصوص أمر مهم، متطلعين إلى أننا غيورون لنوال المواهب الأعظم (1 كو 12: 31)، ونرغب أن ننضم إلى الذين يبشرون بالصالحات.(1347)
* أتجاسر فأقول، بما يتناغم مع العبارة: "إن كنت لا أغسلك فليس لك معي نصيب"، أنه لم يغسل قدمي يهوذا، لأنه قد وضع بالفعل في قلبه أن يخون معلمه وربه. لقد وجده الشيطان غير مرتدٍ سلاح الله الكامل، وليس له درع الإيمان الذي به يطفئ سهام الشريرة الملتهبة نارًا (أف 6: 13-16).
العلامة أوريجينوس



"قال له سمعان بطرس:
يا سيد ليس رجلي فقط،
بل أيضًا يدي ورأسي". [9]
ربما شعر بطرس بالحاجة إلى غسل روحي كامل، لذلك اشتهى لا أن يغسل الرب قدميه بل أن يغسل كل كيانه. يرى البعض في طلب بطرس الرسول هنا نوع من التواضع، لكنه أيضًا حمل نوعًا من الكبرياء، إذ لم يقبل فكر المسيح، بل أراد أن يتمم فكره هو. أحيانًا نريد أن نقدم لله مشورتنا ليعمل حسب هوانَا، حتى وإن كنا نطلب أمورًا روحية بإخلاص.
يقول العلامة أوريجينوسأن بطرس الرسول لم يكن في حاجة إلى غسل يديه، لأن رب المجد يسوع لا يطلب الحرف القاتل كغسل الأيدي عندما يأكلون خبزًا (مت 15: 2). كما لم يكن في حاجة إلى غسل رأسه التي لم يرد يسوع أن تُغطى بعد إذ استقرت عليها صورة الله ومجده (1 كو 11: 7).
* كان بطرس الرسول شديد التسرع في استعفائه من غسل رجليه، وأشد تسرعًا من ذلك في طلبه غسل يديه ورأسه، وكلا الأمران كانا من حبه الخالص للسيد المسيح... لماذا لم يقل له أن يتمثل به بدلًا من تهديده؟ لأنه ما كان لبطرس أن يقتدي به. فلو قال له: "اسمح الآن، فإنني بهذا أحثك على التواضع"، لوعده بطرس ربوات المرات بذلك حتى لا يقوم سيده بهذا العمل. لقد نطق السيد بما يرعب بطرس ويخيفه، أن يصير منفصلًا عنه. فإنه هو الذي كان على الدوام يسأله: "أين تذهب؟" [36]. كما قال: "إني أضع حياتي من أجلك" [37].
القديس يوحنا الذهبي الفم



"قال له يسوع:
الذي قد اغتسل ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه،
بل هو طاهر كله،
وأنتم طاهرون،
ولكن ليس كلكم". [10]
كان من عادة اليهود أن يستحموا مرتين، لذلك أوضح السيد أن الغسل بمياه المعمودية لا يتم سوى مرة واحدة. أما غسل القدمين فيشير إلى دموع التوبة بكونها معمودية ثانية.
كان إحدى عشر منهم طاهرًا مع أنهم في تلك اللحظات الحاسمة تركوا السيد وهربوا (مر 14: 50). دعاهم أطهارًا ولم يعاتبهم على ضعفهم، حتى حين قال: "تتركونني وحدي" لم يكن يهدف إلى عتابهم، إنما أراد أن يؤكد أنه يعالج ما يعاني منه الإنسان من الشعور بالعزلة في لحظات ضيقه، كما صرخ المرتل: "أبي وأمي قد تركاني". ولكن واحدًا منهم غير طاهر، لأنه جاء يحمل الخيانة في قلبه. لقد غسل السيد المسيح قدميه وهو يعلم بخيانته، ليؤكد ترفقه بالخطاة واشتياقه نحو تمتعهم بعطاياه.
ليس من أحد - في العهد القديم أو العهد الجديد - بلا خطية أو بلا عيب إلا السيد المسيح، حملاللَّه الذي بلا عيب (1 بط 19:1)... لهذا يمكننا القول بأن من أراد أن يتمتع بالتطويب لزمه أن يحمل سمات سيده القدوس، أي أن يصير مقدسًا بالتصاقه بالرب، الذي وحده يقول: "أنتم طاهرون" (يو 10:13)، لأن دمه يطهر من كل دنس (1 يو 7:1)، هو كفارة عن خطايانا (1 يو 2:2).
* الإحدى عشر الذين اغتسلوا وصاروا طاهرين، صاروا أكثر طهارة عندما غسل يسوع أقدامهم، أما يهوذا الذي صار بالفعل نجسًا -إذ قيل: من هو نجس فليتنجس بعد (رؤ 22: 11)- صار أكثر نجاسة وعدم طهارة عندما دخله الشيطان بعد اللقمة (يو 13: 27).
العلامة أوريجينوس
* إن كانوا أطهارًا، فلماذا غسل أقدامهم؟ لكي نتعلم أن نكون متواضعين. فإنه لهذا جاء، ليس لأي عضو في الجسد، بل ما يُحسب أكثر احتقارًا عن بقية الأعضاء.
* إنه يأتي إلى أعضاء الجسد التي يظن أنها الأكثر كرامة. هل كان التلاميذ أطهارًا الذين لم يكونوا بعد قد خلصوا من خطاياهم، ولا نالوا الروح، حيث لا زالت الخطية تسود... ولا قدمت الذبيحة؟ كيف إذن يدعوهم أطهارًا؟ لكي لا تظن أنهم أطهار وقد خلصوا من خطاياهم أضاف: "أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به" (راجع يو15: 3) بمعنى "بهذه الكيفية أنتم أنقياء؛ لقد قبلتم النور، لقد تخلصتم من خطأ يهوذا"... هؤلاء قد طردوا كل شر من نفوسهم واصطحبوه بذهنٍ خالصٍ.
القديس يوحنا الذهبي الفم
* "الذي عنده يُعطى ويزداد" (مت 25: 29). وحيث كان التلاميذ طاهرين أضاف يسوع إلى طهارتهم غسل أقدامهم. إنه لا يود أن يغسل الذين لم يغتسلوا، ولا الذين لم يكونوا طاهرين كلهم. وإنما يتحدث عن الذين هم طاهرين بهذه الطريقة، فإنه إن وُجد بين بني البشر من هو كامل إن لم يتمتع بالغسل الذي من يسوع فلا يحسب طاهرًا...
* لقد غسل أرجلهم لأنهم طاهرون حسبما هم بشر، ولكن ليس حسب الله، فإنه بدون يسوع لا يكون أحد طاهرًا عند الله حتى وإن سبق فظن أنه قد اغتسل باجتهادٍ معين.
* الروح القدس وقوة العلي يمكن أن يقطنا في أولئك الذين قد صاروا بالفعل طاهرين كما عند الناس، وكأنهم ثوب وقد اغتسلوا خلال عماد يسوع، واغتسلت أرجلهم بواسطته.
* إن كان قد جعل أرجل تلاميذه جميلة بغسلها، فماذا نقول عن الجمال الحقيقي الذي يظهر في كل الذين يعتمدون بالروح القدس ونار بواسطة يسوع (مت 3: 11)؟
* الآن صارت أقدام الذين يكرزون بالأخبار الصالحة جميلة، حتى أنهم إذ اغتسلوا وتطهروا ومسحوا بيدي يسوع صاروا قادرين على السير في الطريق المقدس، والعبور إلى ذاك القائل: "أنا هو الطريق" (يو 14: 6). فإنه هو وحده، وكل من غُسلت قدماه بيسوع يرحل في هذا الطريق الذي هو حي، ويُحضر إلى الآب. هذا الطريق لن يضم قدمًا دنسًا وغير طاهر. لهذا خلع موسى نعليه من قدميه حيث كان المكان القادم إليه والذي يقف عليه أرضًا مقدسة (خر 3: 5). نفس الأمر بالنسبة ليشوع بن نون (يش 5: 15).
* أما بالنسبة لتلاميذ يسوع فلكي يسيروا في الطريق الحي المفعم بالنشاط، لا يكفيهم أن يكونوا بلا أحذية في رحلتهم كما أمر يسوع تلاميذه (مت 10: 10)، بل بالحقيقة يلزم أن تغتسل أقدامهم بواسطة يسوع عندما يضع ثيابه جانبًا. ربما من جانبٍ يجعل أقدامهم الطاهرة أكثر طهرًا. ومن الجانب الآخر ربما لكي يحمل الدنس الذي في أقدام تلاميذه في جسده بواسطة المئزرة التي اتزر بها وحده (يو 13: 4)، إذ هو وحده يحمل ضعفاتنا (مت 8: 17؛ إش 53: 4).
* لاحظوا أنه إذ أراد أن يغسل أقدام التلاميذ لم يختر وقتا آخر سوى عندما دخل الشيطان في قلب يهوذا الاسخريوطي بن سمعان ليسلمه (يو 13: 2) عند تحقيق التدبير (الآلام) من أجل البشر. فإنه قبل هذا لم يكن الوقت مناسبًا ليسوع أن يغسل أقدام التلاميذ، فإن من يود أن يغسل أقدامهم في الفترة الفاصلة حتى وقت الآلام؟ لم يكن الوقت مناسبًا... صار الوقت مناسبًا بعد تحقيق التدبير (الآلام)، فإنها ساعة الروح القدس الذي افتقد التلاميذ الذين صاروا طاهرين وقد غُسلت أقدامهم، ففي ذلك الوقت أُعدت أقدامهم وصارت جميلة لكي تبشر بالصالحات بالروح (رو 10: 15؛ إش 52: 7).
العلامة أوريجينوس
* ماذا تظنون في هذا يا اخوتي؟ إلاَّ أنه في المعمودية المقدسة يغتسل الإنسان بكليته، كل ذرة فيه. ومع هذا فإنه إذ يعيش في هذه الحياة البشرية لن يتوقف عن السير على الأرض بقدميه. هكذا فإن مشاعرنا البشرية ذاتها، التي لن تنفصل عن حياتنا المائتة على الأرض، تشبه القدمين اللتين بهما نصير في تلاقٍ ملموس بالأعمال البشرية، وهكذا يمكننا القول أننا إن قلنا أننا بلا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا (1 يو 1: 8).
ففي كل يوم ذاك الذي يشفع فينا (رو 8: 34) يغسل أقدامنا، فإننا في حاجة إلى غسلٍ يوميٍ لأقدامنا، أي تدبير طريق خطواتنا باستقامة. نعرف ذلك في الصلاة الربانية حيث نقول: "اغفر لنا ما علينا، كما نغفر من عليهم"، وكما هو مكتوب: "إن اعترفنا بخطايانا"، فإنه بالحقيقة ذاك الذي غسل أقدام تلاميذه "هو أمين وعادل أن يغفر لنا خطايانا، ويطهرنا من كل إثم" (1 يو 1: 9)، بمعنى يغسل أقدامنا التي نسير بها على الأرض
* الكنيسة وهي في طريقها إلى المسيح قد تكون خائفة من تدنيس قدميها التي غسلتهما في مياه المعمودية.
القديس أغسطينوس



"لأنه عرف مسلمه،
لذلك قال: لستم كلكم طاهرين". [11]
* فإن استخبرت: إن كان التلاميذ طاهرين فلِمَ غسل السيد المسيح أرجلهم؟ فأجيبك: إنما فعل ذلك ليعلمنا أن نتواضع.
القديس يوحنا الذهبي الفم



"فلما كان قد غسل أرجلهم، وأخذ ثيابه واتكأ أيضًا قال لهم:
أتفهمون ما قد صنعت بكم؟" [12]
لقد خلع السيد المسيح ثيابه ليغسل أقدام تلاميذه، وإذ تمم مهمته ارتداها ثانية واتكأ. وإذ تشير الثياب إلى الجسد، فقد حمل هذا التصرف رمزًا بإرادته وقيامته بسلطانه الشخصي.
الآن يحقق السيد المسيح لبطرس الرسول ما وعده به وهو أن يشرح له ما وراء هذا التصرف من معنى. إنه يقدم لهم وصية في شكل سؤال.
* قول السيد المسيح لتلاميذه: "أتفهمون ما قد صنعت بكم؟" لا يوجه خطابه هذا إلى بطرس فقط لكنه يخاطب جماعتهم.
القديس يوحنا الذهبي الفم



"أنتم تدعونني معلمًا وسيدًا،
وحسنًا تقولون،
لأني أنا كذلك". [13]
هذا اللقب المزدوج "معلم وسيد" يقابل "رابي rabbi وسيد lord"، كان شائعًا بين معلمي اليهود المعتمدين.
*غسل الجالس على الشاروبيم أرجل تلاميذه، وأنت يا إنسان أرضي، رماد وغبار وتراب، أتتعالى وتترفع ترفعًا عظيمًا؟
القديس يوحنا الذهبي الفم



"فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم،
فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكمأرجل بعض". [14]
* عندما ينحني عند قدمي أخيه، فإن الشعور بالتواضع يستيقظ في القلب أو يتقوى إن كان بالفعل موجودًا.
* ليغفر كل واحد لأخيه أخطاءه ويصلي من أجل أخطاء الآخر، بهذا يغسل الواحد قدمي الآخر.
القديس أغسطينوس



"لأني أعطيتكم مثالًا،
حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا". [15]
* إلاَّ أنه ليس الأمر متشابه، لأنه هو الرب والسيد وأما أنتم فعبيد رفقاء لبعضكم البعض. ماذا إذن يعني "حتى كما" أي بذات الغيرة. لهذا فقد قدم أمثلة لأعمال عظيمة لعلنا نتمم ما هو أقل. هكذا يقوم المعلمون في المدارس بكتابة الحروف للأطفال بطريقة جميلة جدًا حتى يقلدهم الأطفال وإن كان بطريقة أقل.. أين إذن أولئك الذين ينشقون عن زملائهم؟ أين هم أولئك الذين يطلبون كرامات؟ لقد غسل المسيح قدمي الخائن المدنس للمقدسات، اللص، والذي اقترب جدًا لوقت الخيانة، حالته لا يُرجى منها الشفاء، ومع ذلك جعله شريكًا معه على المائدة، فهل تتكبرون وتتغامزون؟ يقول قائل: "لنغسل أقدام بعضنا البعض". هل هو أمر عظيم أن نغسل أقدام خدامنا؟ بالنسبة لنا "عبد" و"حر" كلمتان مختلفتان، لكن توجد حقيقة واقعية. فإنه بحسب الطبيعة هو الرب ونحن خدم، ومع ذلك لم يرفض أن يفعل ذلك... لقد جعلنا الله مدينين لبعضنا البعض، إذ قام هو أولًا بالعمل، فجعلنا مدينين بممارسة ما هو أقل
القديس يوحنا الذهبي الفم


"الحق الحق أقول لكم
إنه ليس عبد أعظم من سيده،
ولا رسول أعظم من مرسله". [16]
لاحظ العلامة أوريجينوسأن هذه العادة الخاصة بغسل أقدام الآخرين سائدة بين البسطاء والسذج، مطالبًا المؤمنين بممارستها، سواء كانوا أساقفة أو كهنة أو أصحاب مراكز في العالم. هذا وكما نحن في حاجة إلى غسل أقدام الآخرين يلزمنا أن نقبل غسل أرجلنا من الآخرين.
* غسل يسوع أقدام التلاميذ بكونه معلمهم، وأقدام الخدم بكونه سيدهم. فإن تراب الأرض الصادر عن العالم يُنظَف بالتعليم، حيث لا يبلغ الأجزاء الدنيا المتطرفة في التلاميذ. لكن الأمور التي تدنس الأقدام تنزع بربوبية (سيادة) الحاكم، إذ له سلطان على الذين لا يزالوا يتقبلون دنسًا عامًا، إذ هم لا يزالون يحملون روح العبودية (رو 8: 15).
* بخصوص المخلص وهو الرب (السيد) يمكن أن ترى فيه أمرًا يفوق السادة الآخرين الذين لا يرغبون في العبد أن يكون كسيده.
العلامة أوريجينوس
* ذات الحب الذي للآب هو أيضًا للابن... وأي حب للابن سوى أنه بذل ذاته من أجلنا، وخلصنا بدمه (أف2:5)... فالآب بذل الابن، والابن بذل ذاته... إنه بذل ذاك الذي يريد ذلك، بذل من قدم ذاته للبذل. فالآب لم يبذل الابن كعقوبة بل كنعمة.
القديس أمبروسيوس
* قال هذا لأنه غسل أقدام التلاميذ بالكلمة والمثال كسيد للتواضع. لكن يمكننا بعونه أن نمارس ما يحتاج إلى ممارسة دقيقة جدًا، إن كنا لا نتباطأ فيما هو واضح بكمالٍ.
القديس أغسطينوس
* كونوا متمثلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح (1كو 11: 1). من أجل هذا أخذ جسدًا من جبلتنا حتى يعلمنا به الفضيلة. إذ أرسل الله ابنه في شبه جسدنا الخاطئ حتى تُدان الخطية في جسد الخطية (رو 8: 3). كذلك يقول المسيح نفسه: "تعلموا مني، فإني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29). هذا علمنا إياه لا بالكلمات وحدها وإنما بالأعمال أيضًا.
لقد دعوه سامريًا وبه شيطان ومخادعًا كما ألقوه بالحجارة، وأرسل إليه الفريسيون خدامًا ليمسكوه، ومرة أخرى لكي يجربوه، وكانوا يشتمونه، وإذ لم يجدوا فيه خطأ كان يقدم لهم خبزًا بالكلمات كما بالأعمال...
لنتطلع إلى ما يفعله الآن مع التلاميذ، وأية أعمال يظهرها نحو الخائن. لقد اختاره تلميذًا، وأشركه في المائدة والملح (الذي يمنع الفساد)، ورأى معجزات تستحق كل تقدير، ومع هذا صنع معه أمرًا أخطر من كل شيء، ليس برجمه أو سبه وإنما بالخيانة، ومع استحقاقه الكراهية عامله السيد بصداقة وغسل قدميه، إذ أراد بهذا أن يمنعه من الشر.
كان في سلطانه -لو أراد- أن يجعله يابسًا كشجرة التين، وأن يشقه إلى نصفين كما تشققت الصخور، وأن يمزقه كما انشق الحجاب، لكنه لم يرد أن يمنعه عن تحقيق خطته قهرًا إنما اختيارًا. لذلك غسل قدميه، ومع هذا لم يخجل هذا الشرير البائس.
القديس يوحنا الذهبي الفم



"إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه". [17]
يتحقق التطويب الحقيقي خلال معرفة الله العملية بالطاعة له. فالإنسان لا يتمتع بالطوبى لأجل معرفته الكثيرة، وإنما خلال تمتعه بشركة الطبيعة الإلهية، حيث تتحول المعرفة إلى خبرة عمل.
* غسل الأقدام هو من تخصص السيد المسيح الذي يغسل أعماق النفس ويغفر الخطايا. فمن بالحب والتواضع يغفر لمن يخطئ إليه إنما يشترك في إحدى سمات المسيح العظمى، ويُحسب متمتعًا بالحياة الجديدة المطوبة في المسيح يسوع. قول السيد: "طوباكم" إنما يكشف عن المجد السماوي والحياة السماوية التي نختبرها بممارستنا لهذا العمل.
العلامة أوريجينوس
* "أن تعلموا" (تعرفوا) فهذا يخص الكل، أما "أن تعملوا" فهذا ليس للكل. لهذا يقول: "طوباكم إن عملتموه". ولهذا السبب أقول دومًا وأكرر نفس الشيء مع أنكم تعرفونه، حتى أضعكم في موضع العمل. فإنه حتى اليهود "يعرفون" لكنهم ليسوا مطوبين، لأنهم لا يعملون ما يعرفون.
القديس يوحنا الذهبي الفم
 
موضوع مغلق


الانتقال السريع


الساعة الآن 06:50 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026