منتدى الفرح المسيحى  


العودة  

الملاحظات

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم اليوم, 12:34 PM   رقم المشاركة : ( 228081 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,406,382

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


قَبِلَ الآبُ التَّكْرِيسَ أبني قَائِلًا:
"هظ°ذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17).
وَلِذظ°لِكَ يَهَبُ الآبُ رُوحَهُ لِلاِبْنِ، لِنَنَالَ نَحْنُ فِي الاِبْنِ وَبِهِ عَطِيَّةَ الرُّوحِ.
فَالرُّوحُ الإِلَهِيُّ يَشَكِّلُ الشَّعْبَ الجَدِيدَ فِي الخُرُوجِ الجَدِيدِ،
وَيُقِيمُ فِي البَشَرِيَّةِ خَلِيقَةً مُتَجَدِّدَةً. وَيُلَخِّصُ إيرونيموس هظ°ذَا المَعْنَى
بِقَوْلِهِ:"لَمْ يَكْرِزِ المُخَلِّصُ نَفْسُهُ بِمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ قَدَّسَ
الأُرْدُنَّ بِتَغْطِيسِهِ فِي العِمَادِ". وَهظ°كَذَا تَهْتَمُّ الكَنِيسَةُ بِسِرِّ المَعْمُودِيَّةِ،
لأَنَّهُ حَتَّى المَسِيحُ لَمْ يَبْدَأْ خِدْمَتَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ اعْتَمَدَ، لا حَاجَةً، بَ
لْ تَدْبِيرًا خَلَاصِيًّا. فَبِالمَعْمُودِيَّةِ نَلْبَسُ الإِنْسَانَ الجَدِيدَ، وَنَنَالُ الرُّوحَ
القُدُسَ، وَنَحْيَا فِي مَحَبَّةٍ بَنَوِيَّةٍ مَعَ اللهِ، فِي تَوَاضُعٍ وَإِيمَانٍ،
لِنَكُونَ شُهُودًا لِلمَسِيحِ فِي العَالَمِ.
 
قديم اليوم, 12:35 PM   رقم المشاركة : ( 228082 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,406,382

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


تَعَمَّدَ يَسُوعُ تَكْرِيسًا لِخِدْمَتِهِ العَلَنِيَّةِ



كَانَ يَسُوعُ عَلَى أُهْبَةِ بَدْءِ خِدْمَتِهِ العَلَنِيَّةِ، فَكَرَّسَ نَفْسَهُ بِمَعْمُودِيَّتِهِ لِيَتَلَقَّى، فِي اِقْتِصَادِ الخَلَاصِ، مَسْحَةَ الرُّوحِ القُدُسِ وَقُوَّتَهُ لِتَنْفِيذِ مِهَمَّتِهِ المَسِيحَانِيَّةِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ إِشَعْيَا عَنْ هظ°ذِهِ الرِّسَالَةِ قَائِلًا: "قَدْ جَعَلْتُ رُوحِي عَلَيْهِ فَهُوَ يُبْدِي الحَقَّ لِلأُمَم… أَنَا الرَّبُّ دَعَوْتُكَ فِي البِرِّ… وَجَعَلْتُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ وَنُورًا لِلأُمَم، لِتَفْتَحَ العُيُونَ العَمْيَاءَ، وَتُخْرِجَ الأَسِيرَ مِنَ السِّجْنِ، وَالجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ مِنْ بَيْتِ الحَبْس " (إِشَعْيَا 42: 1، 6–7).



وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ نُزُولَ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَى يَسُوعَ هُوَ تَأْكِيدٌ لِتَكْرِيسِهِ وَبِدَايَةُ خِدْمَتِهِ العَلَنِيَّةِ، كَمَا يَشْهَدُ الرَّسُولُ بُطْرُسُ:
"وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الأَمْرَ الَّذِي جَرَى فِي اليَهُودِيَّةِ كُلِّهَا… فِي شَأْنِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ: كَيْفَ أَنَّ اللهَ مَسَحَهُ بِالرُّوحِ القُدُسِ وَالقُدْرَةِ، فَمَضَى يَعْمَلُ الخَيْرَ وَيُبْرِئُ جَمِيعَ الَّذِينَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ" (أَعْمَال الرُّسُل 10: 37–38).



إِنَّ المَسِيحَ قَبِلَ الرُّوحَ القُدُسَ كإِنْسَانٍ؛ لَا لأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ، فَالرُّوحُ هُوَ رُوحُهُ وَيَقِيمُ فِيهِ أَزَلًا، بَلْ قَبِلَهُ فِي جَسَدِهِ المُتَجَسِّدِ مِنْ أَجْلِنَا، لِيُعِيدَ فِي ذَاتِهِ الطَّبِيعَةَ الإِنْسَانِيَّةَ كُلَّهَا إِلَى كَمَالِهَا، وَلِيَصِيرَ هُوَ مَنْبَعَ الرُّوحِ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَفِي هظ°ذَا يَقُولُ كيرلس الإسكندري:"حَلَّ الرُّوحُ أَوَّلًا عَلَى المَسِيحِ الَّذِي قَبِلَ الرُّوحَ القُدُسَ لَا مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ، بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ البَشَرَ، لأَنَّنَا بِهِ وَفِيهِ نَنَالُ نِعْمَةً عَلَى نِعْمَةٍ" (يُوحَنَّا 1: 16).



وَفِي الوَاقِعِ، فَإِنَّ جَمِيعَ الخَيْرَاتِ تَأْتِينَا عَنْ طَرِيقِ يَسُوعَ المَسِيحِ؛ فَقَدْ جَاءَ الرُّوحُ لِيَمْسَحَ يَسُوعَ فِي خِدْمَتِهِ العَلَنِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَنَّهُ بِالمَعْمُودِيَّةِ بَدَأَ يَسُوعُ رَسْمِيًّا خِدْمَتَهُ (يُوحَنَّا 1: 31–34). وَغَايَةُ هظ°ذِهِ الخِدْمَةِ هِيَ مُقَاوَمَةُ قُوَّةِ الشَّيْطَانِ فِي النُّفُوسِ وَكَسْرُ شَوْكَتِهِ، لِيُخَلِّصَ الإِنْسَانَ مِنَ الخَطِيئَةِ وَالمَوْتِ، وَيُعِيدَ إِلَيْهِ نِعْمَةَ الخَلَاصِ وَالحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ.



وَقَبِلَ الآبُ التَّكْرِيسَ أبني قَائِلًا: "هظ°ذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17). وَلِذظ°لِكَ يَهَبُ الآبُ رُوحَهُ لِلاِبْنِ، لِنَنَالَ نَحْنُ فِي الاِبْنِ وَبِهِ عَطِيَّةَ الرُّوحِ. فَالرُّوحُ الإِلَهِيُّ يَشَكِّلُ الشَّعْبَ الجَدِيدَ فِي الخُرُوجِ الجَدِيدِ، وَيُقِيمُ فِي البَشَرِيَّةِ خَلِيقَةً مُتَجَدِّدَةً. وَيُلَخِّصُ إيرونيموس هظ°ذَا المَعْنَى بِقَوْلِهِ:"لَمْ يَكْرِزِ المُخَلِّصُ نَفْسُهُ بِمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ قَدَّسَ الأُرْدُنَّ بِتَغْطِيسِهِ فِي العِمَادِ". وَهظ°كَذَا تَهْتَمُّ الكَنِيسَةُ بِسِرِّ المَعْمُودِيَّةِ، لأَنَّهُ حَتَّى المَسِيحُ لَمْ يَبْدَأْ خِدْمَتَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ اعْتَمَدَ، لا حَاجَةً، بَلْ تَدْبِيرًا خَلَاصِيًّا. فَبِالمَعْمُودِيَّةِ نَلْبَسُ الإِنْسَانَ الجَدِيدَ، وَنَنَالُ الرُّوحَ القُدُسَ، وَنَحْيَا فِي مَحَبَّةٍ بَنَوِيَّةٍ مَعَ اللهِ، فِي تَوَاضُعٍ وَإِيمَانٍ، لِنَكُونَ شُهُودًا لِلمَسِيحِ فِي العَالَمِ.
 
قديم اليوم, 12:36 PM   رقم المشاركة : ( 228083 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,406,382

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


يُرَكِّزُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ لَا عَلَى تَوَاضُعِ يَسُوعَ وَاعْتِمَادِهِ
فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ فَحَسْب، بَلْ بِالأَحْرَى
عَلَى صَوْتِ الآبِ الَّذِي سُمِعَ مِنَ السَّمَاءِ:
"هظ°ذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17)،
لِيَشْهَدَ شَهَادَةً حَاسِمَةً أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ،
كَمَا أَكَّدَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ قَائِلًا:
"وَأَنَا رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّهُ هُوَ ابْنُ اللهِ" (يُوحَنَّا 1: 34)
 
قديم اليوم, 12:38 PM   رقم المشاركة : ( 228084 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,406,382

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


الرَّبُّ يَسُوعُ المَسِيحُ هُوَ ابْنٌ بِالطَّبِيعَةِ ابْنٌ حَقِيقِيٌّ،
لَيْسَ ابْنًا بِالتَّبَنِّي. أَمَّا نَحْنُ المُعَمَّدِينَ فَقَدْ صِرْنَا أَبْنَاءَ اللهِ بِالتَّبَنِّي
وَالنِّعْمَةِ، كَمَا كُتِبَ: "أَمَّا الَّذِينَ قَبِلُوهُ، وَهُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ،
فَقَدْ مَكَّنَهُمْ أَنْ يَصِيرُوا أَبْنَاءَ اللهِ" (يُوحَنَّا 1: 12).
فَنَحْنُ وُلِدْنَا مِنَ المَاءِ وَالرُّوحِ (يُوحَنَّا 3: 5)،
أَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يُصِرْ ابْنًا فِي عِمَادِهِ، بَلْ كَانَ الاِبْنَ أَزَلًا.
وَيُعَلِّقُ كيرلس الأورشليمي قَائِلًا:
"لَمْ يَقُلِ الآبُ: هذا أَصْبَحَ الآنَ ابْنِي، بَلْ:
هظ°ذَا هُوَ ابْنِي، لِيُظْهِرَ أَنَّهُ حَتَّى قَبْلَ عِمَادِهِ كَانَ الاِبْنَ".
 
قديم اليوم, 12:38 PM   رقم المشاركة : ( 228085 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,406,382

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

كيرلس الأورشليمي

"لَمْ يَقُلِ الآبُ: هذا أَصْبَحَ الآنَ ابْنِي، بَلْ:
هظ°ذَا هُوَ ابْنِي، لِيُظْهِرَ أَنَّهُ حَتَّى قَبْلَ عِمَادِهِ كَانَ الاِبْنَ".
 
قديم اليوم, 12:40 PM   رقم المشاركة : ( 228086 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,406,382

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


حَلَّ الرُّوحُ القُدُسُ عَلَى يَسُوعَ عِنْدَ اعْتِمَادِهِ
لِيَرَى العَالَمُ فِيهِ المَسِيحَ المُرْسَلَ، حَامِلَ بُشْرَى الخَلَاصِ لِجَمِيعِ
الشُّعُوبِ، كَمَا أَعْلَنَ سِمْعَانُ الشَّيْخُ: "قَدْ رَأَتْ عَيْنَايَ خَلَاصَكَ
الَّذِي أَعْدَدْتَهُ أَمَامَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ، نُورًا يَتَجَلَّى لِلْوَثَنِيِّينَ،
وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ" (لُوقَا 2: 30–32)، وَذظ°لِكَ تَتْمِيمًا لِنُبُوءَةِ
إِشَعْيَا: "هَا أَنَذَا جَعَلْتُهُ لِلشُّعُوبِ شَاهِدًا، وَلِلشُّعُوبِ قَائِدًا وَآمِرًا"
(إِشَعْيَا 55: 4)
 
قديم اليوم, 12:41 PM   رقم المشاركة : ( 228087 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,406,382

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


فِي عِمَادِهِ ظَهَرَ الرَّبُّ يَسُوعُ إِلَهًا وَإِنْسَانًا
وَمِنْ هُنَا تَنْطَلِقُ دَعْوَتُنَا: "فَلِنَسِرْ فِي نُورِ الرَّبِّ" (إِشَعْيَا 2: 5)،
وَلِنَعْكِسْ حَيَاتَهُ فِي أَعْمَالِنَا، كَمَا أَوْصَانَا:
"لِيُضِئْ نُورُكُمْ لِلنَّاسِ، فَيَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الصَّالِحَةَ،
فَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 5: 16).
 
قديم اليوم, 12:42 PM   رقم المشاركة : ( 228088 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,406,382

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة


المَعْمُودِيَّةِ لَا تَنْفَعُنَا شَيْئًا إِنْ لَمْ نَجْعَلْ مِنْ حَيَاتِنَا
بِفِعْلِ المَعْمُودِيَّةِ، إِنْجِيلًا حَيًّا وَشَهَادَةً مَعَاشَةً، نَخْلُصُ بِهَا نُفُوسَنَا
وَنَقُودُ الآخَرِينَ إِلَى يَسُوعَ لِيَقْبَلُوهُ رَبًّا وَإِلَهًا وَمُخَلِّصًا.
فَلْنَجْتَهِدْ، إِذًا، أَنْ نَكُونَ أَبْنَاءَ اللهِ حَقِيقِيِّينَ، وَتَلَامِيذَ أُمَنَاءَ،
نَسْمَعُ صَوْتَ المَسِيحِ وَنَسِيرُ وَرَاءَهُ، لِمَجْدِ اللهِ وَخَلَاصِ العَالَمِ.
 
قديم اليوم, 12:51 PM   رقم المشاركة : ( 228089 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,406,382

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة



يُقَدَّمُ يَسُوعُ بِوَصْفِهِ الشَّخْصَ الْمَمْسُوحَ مِنَ الآبِ



29 وفي الغَد رأَى يسوعَ آتِياً نَحوَه فقال: ((هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم. 30هذا الَّذي قُلتُ فيه: يأتي بَعْدي رَجُلٌ قد تَقَدَّمَني لأَنَّه كانَ مِن قَبْلي. 31وأَنا لم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنِّي ما جِئْتُ أُعَمِّدُ في الماء إِلاَّ لِكَي يَظهَرَ أَمْرُه لإِسْرائيل)). 32وشَهِدَ يوحَنَّا قال: ((رَأَيتُ الرُّوحَ يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ كأَنَّه حَمامَة فيَستَقِرُّ علَيه. 33وأَنا لَم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنَّ الَّذي أَرسَلَني أُعَمِّدُ في الماءِ هو قالَ لي: إِنَّ الَّذي تَرى الرُّوحَ يَنزِلُ فيَستَقِرُّ علَيهِ، هو ذاكَ الَّذي يُعَمِّدُ في الرُّوحِ القُدُس. 34وَأَنا رأَيتُ وشَهِدتُ أَنَّه هو ابنُ الله)).





المُقَدِّمَةُ



يُقَدِّمُ النَّصُّ الإِنْجِيلِيُّ (يُوحَنَّا 1: 29–34) شَهَادَةً لاهُوتِيَّةً تَأْسِيسِيَّةً عَنْ شَخْصِيَّةِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ وَدَوْرِهِ فِي تَدْبِيرِ الْخَلَاصِ، بِوَصْفِهِ "نَبِيَّ الْعَلِيِّ" (لُوقَا 1: 76)، وَالْمُرْسَلَ الإِلَهِيَّ لِتَهْيِئَةِ طَرِيقِ الْمَسِيحِ وَالإِعْلَانِ عَنْ ظُهُورِهِ فِي مِلْءِ الأَزْمِنَةِ. فَظُهُورُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ لَا يُفْهَمُ كَحَدَثٍ مُنْعَزِلٍ، بَلْ كَجُزْءٍ مِنَ الْمُخَطَّطِ الإِلَهِيِّ الَّذِي يَبْدَأُ مُنْذُ بُشْرَى وِلَادَتِهِ الْعَجَائِبِيَّةِ (لُوقَا 1: 5–25)، حَيْثُ يَتَجَلَّى كَحَلَقَةٍ وَاصِلَةٍ بَيْنَ الْعَهْدَيْنِ، وَصَوْتٍ نَبَوِيٍّ يَخْتِمُ زَمَنَ الاِنْتِظَارِ وَيَفْتَحُ زَمَنَ التَّحْقِيقِ.



وَيُؤَكِّدُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا عَلَى الطَّابِعِ الشَّهَادِيِّ لِرِسَالَةِ الْمَعْمَدَانِ، إِذْ يُقَدِّمُهُ بِوَصْفِهِ "الشَّاهِدَ لِلنُّورِ" لَا النُّورَ نَفْسَهُ (يُوحَنَّا 1: 7)، أَيْ ذَاكَ الَّذِي يُحِيلُ إِلَى آخَرَ غَيْرِهِ، وَيُؤَسِّسُ لَاهُوتَ الشَّهَادَةِ الَّذِي يَحْتَلُّ مَكَانَةً مَحُورِيَّةً فِي الْبِنْيَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ لِلْإِنْجِيلِ الرَّابِعِ. فَشَهَادَةُ يُوحَنَّا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِعْلَانٍ لَفْظِيٍّ، بَلْ اِعْتِرَافٌ إِيمَانِيٌّ نَابِعٌ مِنِ اخْتِبَارٍ رُوحِيٍّ وَرُؤْيَوِيٍّ لِعَمَلِ اللهِ فِي التَّارِيخِ.



وَتَبْلُغُ شَهَادَةُ الْمَعْمَدَانِ ذُرْوَتَهَا فِي إِعْلَانِهِ الْهُوِيَّةَ الْمَسِيحَانِيَّةَ لِيَسُوعَ، إِذْ يَشْهَدُ أَنَّهُ "ابْنُ اللهِ" وَ"حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ" (يُوحَنَّا 1: 29، 34). فِي هَذَا الإِعْلَانِ يَلْتَقِي الْبُعْدُ الْكِرِيسْتُولُوجِيُّ بِالْبُعْدِ الْخَلَاصِيِّ، حَيْثُ يُقَدَّمُ يَسُوعُ فِي آنٍ مَعًا بِوَصْفِهِ الشَّخْصَ الْمَمْسُوحَ مِنَ الآبِ، وَالذَّبِيحَةَ الْخَلَاصِيَّةَ الَّتِي تَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ، فِي أُفُقٍ يَتَجَاوَزُ الإِطَارَ الْقَوْمِيَّ لِيَشْمَلَ الْبَشَرِيَّةَ جَمْعَاءَ.



وَانْطِلَاقًا مِنْ هَذِهِ الْمُعْطَيَاتِ، يَهْدِفُ هَذَا الْبَحْثُ إِلَى دِرَاسَةِ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِ أَبْعَادِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالْكِرِيسْتُولُوجِيَّةِ، مَعَ التَّوَقُّفِ عِنْدَ دَلَالَاتِ الشَّهَادَةِ، وَالرُّمُوزِ الْمُسْتَخْدَمَةِ، وَتَدَاعِيَاتِهَا الإِيمَانِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، بِمَا يُبْرِزُ مَكَانَةَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ كَشَاهِدٍ أَمِينٍ لِلْمَسِيحِ، وَدَوْرَ شَهَادَتِهِ فِي تَوْجِيهِ الْكَنِيسَةِ إِلَى جَوْهَرِ رِسَالَتِهَا: إِعْلَانِ الْمَسِيحِ الْمَصْلُوبِ وَالْقَائِمِ، حَمَلِ اللهِ وَخَلَاصِ الْعَالَمِ.





أولا وقائع النص الانجيلي (يوحنا 1: 29-34)



29 وفي الغَد رأَى يسوعَ آتِياً نَحوَه فقال:
((هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم.



تُشِيرُ عِبَارَةُ "فِي الْغَدِ" في الأصل اليوناني ل¼گد€خ±دچدپخ¹خ؟خ½ (معناها غدًا) إِلَى الْيَوْمِ التَّالِي لِلْحَدَثِ الَّذِي فِيهِ أَرْسَلَ الْيَهُودُ مِنْ أُورُشَلِيمَ بَعْثَةً رَسْمِيَّةً لِاسْتِجْوَابِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، قَائِلِينَ: " إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمَسِيحَ وَلَا إِيلِيَّا وَلَا النَّبِيَّ، فَلِمَ تُعَمِّدُ إِذًا؟" (يُوحَنَّا 1: 25). وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، أَدَّى يُوحَنَّا شَهَادَتَهُ الْوَاضِحَةَ لِلْمَسِيحِ أَمَامَهُمْ، مُمَهِّدًا لِإِعْلَانِ هُوِيَّةِ يَسُوعَ عَلَنًا.

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "رَأَى يَسُوعَ آتِيًا نَحْوَهُ" إِلَى مَجِيءِ يَسُوعَ إِلَى يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ فِي بِدَايَةِ خِدْمَتِهِ الْعَلَنِيَّةِ، لِيَنَالَ شَهَادَةَ النَّبِيِّ وَإِعْلَانَهُ، فَيُعْرَفَ أَمَامَ الشَّعْبِ. وَتُمَثِّلُ هَذِهِ اللَّحْظَةُ لَحْظَةَ تَسْلِيمٍ وَتَسَلُّمٍ فِي تَدْبِيرِ الْخَلَاصِ: فَيُوحَنَّا يُسَلِّمُ الرِّسَالَةَ لِلْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ يَسْتَلِمُ التَّلَامِيذَ الَّذِينَ أَعَدَّهُمْ لَهُ الْمَعْمَدَانُ، مِثْلَ أَنْدَرَاوُسَ وَسِمْعَانَ بُطْرُسَ، وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ ابْنَيْ زَبَدَى (يُوحَنَّا 1: 35–42).



"رَأَى": إِذَا كَانَتِ الرُّؤْيَةُ هِيَ فِعْلَ الإِنْسَانِ، فِعْلَ البَشَرِيَّةِ، فَإِنَّ يُوحَنَّا يَرَى يَسُوعَ الآتِيَ إِلَيْهِ؛ أَمَّا "المَجِيءُ" فَهُوَ فِعْلُ اللهِ. وَكِلَا الفِعْلَيْنِ أَسَاسِيَّانِ وَضَرُورِيَّانِ لِكَيْ يَتِمَّ اللِّقَاءُ. لَقَدْ رَأَى يُوحَنَّا حَمَلَ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ العَالَمِ (يُوحَنَّا 1: 29). وَرَأَى مَنْ أَتَى بَعْدَهُ، وَلَكِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ كَانَ قَبْلَهُ، أَيْ كَانَ مُنْذُ الأَزَلِ (يُوحَنَّا 1: 30). وَرَأَى مَنْ يَحِلُّ عَلَيْهِ الرُّوحُ وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ، ذَاكَ الَّذِي سَيُعَمِّدُ بِالرُّوحِ القُدُسِ (يُوحَنَّا 1: 33). وَاسْتَطَاعَ يُوحَنَّا أَنْ يَرَى كُلَّ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ الْتَقَى بِاللهِ الَّذِي تَتَكَلَّمُ عَنْهُ الكُتُبُ المُقَدَّسَةُ، فَأَضَاءَتْ نَظَرَهُ عِنْدَمَا رَأَى يَسُوعَ آتِيًا.



أَمَّا الفِعْلُ "آتِي" يَكْشِفُ لَنَا عَنْ هُوِيَّةِ اللهِ فِي جَوْهَرِهَا: فَاللهُ لَيْسَ إِلَهًا بَعِيدًا أَوْ مُنْغَلِقًا عَلَى ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ الإِلَهُ الَّذِي يَأْتِي نَحْوَنَا وَيُبَادِرُ إِلَى لِقَائِنَا. إِنَّ مَجِيئَهُ إِلَيْنَا هُوَ فِعْلُ مَحَبَّةٍ وَوَحْيٍ فِي آنٍ مَعًا. وَحَيْثُمَا يَقْتَرِبُ اللهُ، يُصْبِحُ اللِّقَاءُ مُمْكِنًا، بَلْ حَتْمِيًّا. وَهَذَا مَا اخْتَبَرَهُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ: فَعِنْدَمَا اقْتَرَبَ مِنْهُ يَسُوعُ، انْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ عَلَى سِرِّهِ، فَتَعَرَّفَ عَلَيْهِ لَا بِعَيْنِ الْجَسَدِ فَقَطْ، بَلْ بِنُورِ الإِيمَانِ؛ ثُمَّ قَبِلَهُ وَأَقَرَّ بِهِ، لِأَنَّ الْقَبُولَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَتِمُّ إِلَّا بَعْدَ اللِّقَاءِ الَّذِي يَصْنَعُهُ اللهُ بِمُبَادَرَتِهِ.



أَمَّا عِبَارَةُ "فَقَالَ" فَتُفِيدُ أَنَّ شَهَادَةَ يُوحَنَّا لَمْ تَكُنْ سِرِّيَّةً أَوْ خَاصَّةً، بَلْ أُعْلِنَتْ جِهَارًا عَلَى مَسْمَعِ الْجَمْعِ الَّذِي اجْتَمَعَ حَوْلَهُ، مِمَّا يُؤَكِّدُ الطَّابِعَ الْعَلَنِيَّ وَالْكِرِيسْتُولُوجِيَّ لِهَذِهِ الشَّهَادَةِ.



أَمَّا عِبَارَةُ "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ" في الاصل اليوناني ل½پ ل¼€خ¼خ½ل½¸د‚ د„خ؟ل؟¦ خ¸خµخ؟ل؟¦ فَتُشَكِّلُ إِعْلَانًا كِرِيسْتُولُوجِيًّا وَخَلَاصِيًّا جَذْرِيًّا، إِذْ يُسَمِّي يُوحَنَّا يَسُوعَ "حَمَلًا"، لِكَوْنِهِ الذَّبِيحَةَ الْمُكَفِّرَةَ عَنِ الْخَطِيئَةِ، وَالْمُشَارَ إِلَيْهِ رَمْزِيًّا فِي جَمِيعِ ذَبَائِحِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ الَّتِي قُدِّمَتْ كَفَّارَةً عَنِ الإِثْمِ (لاوِيِّينَ 5: 6). وَكَانَ الْحَمَلُ يُقَدَّمُ ذَبِيحَةً صَبَاحِيَّةً وَذَبِيحَةً مَسَائِيَّةً فِي الْهَيْكَلِ، مِمَّا يُعْطِي هَذِهِ التَّسْمِيَةَ بُعْدًا طَقْسِيًّا دَائِمًا. وَتُحِيلُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَيْضًا إِلَى نُبُوءَةِ أَشَعْيَا عَنِ عَبْدِ الرَّبِّ الْمُتَأَلِّمِ: "عُومِلَ بِقَسْوَةٍ فَتَوَاضَعَ، وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ، كَحَمَلٍ سِيقَ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ الَّذِينَ يَجُزُّونَهَا، وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (أَشَعْيَا 53: 7). وَهَكَذَا تَدُلُّ التَّسْمِيَةُ عَلَى مَوْتِ يَسُوعَ التَّكْفِيرِيِّ، مِنْ خِلَالِ دَمْجِ صُورَتَيْنِ تَقْلِيدِيَّتَيْنِ: أُولَاهُمَا صُورَةُ الْعَبْدِ الْبَرِيءِ الَّذِي يَحْمِلُ خَطَايَا الْجَمَاعَةِ (أَشَعْيَا 52: 13؛ 53: 7)، وَالثَّانِيَةُ صُورَةُ حَمَلِ الْفِصْحِ، رَمْزِ فِدَاءِ إِسْرَائِيلَ، وَعَلَامَةِ الْحِمَايَةِ مِنَ الضَّرْبَةِ الْمُهْلِكَةِ: "فَيَكُونُ الدَّمُ لَكُمْ عَلامَةً عَلَى الْبُيُوتِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ مِنْ فَوْقِكُمْ" (خُرُوج 12: 13). وَيُؤَكِّدُ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ هَذَا التَّفْسِيرَ، إِذْ يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "فَقَدْ ذُبِحَ حَمَلُ فِصْحِنَا، وَهُوَ الْمَسِيحُ" (1 قُورِنْثُس 5: 7)، وَتُثَبِّتُهُ رُؤْيَا يُوحَنَّا فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا: "الْحَمَلُ الذَّبِيحُ أَهْلٌ لِأَنْ يَنَالَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالإِكْرَامَ وَالْمَجْدَ وَالتَّسْبِيحَ" (رُؤْيَا 5: 12). وَيَلِيقُ بِالْمَسِيحِ أَنْ يَكُونَ ذَبِيحَةً، لِأَنَّهُ الْحَمَلُ "الَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ وَلَا دَنَسَ" (1 بُطْرُس 1: 19). يَرَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ الْمَسِيحَ دُعِيَ "حَمَلًا" لَا لِضَعْفٍ فِيهِ، بَلْ لِتَوَاضُعِهِ الْخَلَاصِيِّ وَقَبُولِهِ أَنْ يَحْمِلَ مَا لَمْ يَصْنَعْهُ: "إِنَّهُ دُعِيَ حَمَلًا، لِأَنَّهُ تَوَاضَعَ حَتَّى الْمَوْتِ، وَحَمَلَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ، أَيْ خَطَايَا غَيْرِهِ، لِيُعْطِيَ مَا لَهُ، أَيْ الْبِرَّ وَالْحَيَاةَ"(عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا). ويُشَدِّدُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ، بِكَوْنِهِ حَمَلَ اللهِ، هُوَ فِي آنٍ مَعًا الذَّبِيحَةُ وَالْكَاهِنُ، وَأَنَّ رَفْعَ الْخَطِيئَةِ يَعْنِي إِبْطَالَ سُلْطَانِهَا: "الْمَسِيحُ هُوَ حَمَلُ اللهِ، لِأَنَّهُ قُدِّمَ ذَبِيحَةً عَنْ خَطَايَا الْعَالَمِ، لَا بِدَمِ غَيْرِهِ، بَلْ بِدَمِهِ هُوَ، فَأَبْطَلَ حُكْمَ الْخَطِيئَةِ وَفَكَّ أَسْرَ الإِنْسَانِ" (تَفْسِيرُ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا).



أَمَّا أَدَاةُ الإِشَارَةِ "هُوَذَا" فَتُفِيدُ التَّوْجِيهَ الْمُبَاشِرَ إِلَى شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، فِي خِطَابٍ مُوَجَّهٍ إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ وَالْمُسْتَمِعِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بَعْدُ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ، فَيَجْعَلُهُ يُوحَنَّا أَمَامَهُمْ مَوْضُوعَ قَرَارٍ إِيمَانِيٍّ.



أَمَّا الْفِعْلُ "يَرْفَعُ" فِي الأَصْلِ الْيُونَانِيِّ خ±ل¼´دپد‰، فَيَحْمِلُ مَعْنَيَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ: حَمَلَ عَلَى عَاتِقِهِ، وَأَزَالَ وَمَحَا. وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى الْمُهِمَّةِ الْفَرِيدَةِ لِهَذَا الْحَمَلِ الْجَدِيدِ، أَيْ حَمْلِ خَطِيئَةِ الْعَالَمِ وَإِزَالَتِهَا. وَقَدْ وَرَدَ الْفِعْلُ فِي صِيغَةِ الْمُضَارِع خ±ل¼´دپد‰خ½، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الاِسْتِمْرَارِيَّةِ: يَرْفَعُ وَيَظَلُّ يَرْفَعُ خَطَايَا الْعَالَمِ، كَمَا يُعَلِّمُ يُوحَنَّا الرَّسُولُ: "تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لِيُزِيلَ الْخَطَايَا" (1 يُوحَنَّا 3: 5)، وَ"إِنَّ خَطَايَاكُمْ غُفِرَتْ بِفَضْلِ اسْمِهِ"(1 يُوحَنَّا 2: 12). وَيُوَضِّحُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ أَنَّ "لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ يَسْتُرُ الْخَطِيئَةَ، بَلْ يَرْفَعُهَا، أَيْ يَقْلَعُهَا مِنْ جُذُورِهَا، لِكَيْ يَحْيَا الإِنْسَانُ فِي حُرِّيَّةِ أَبْنَاءِ اللهِ".



أَمَّا عِبَارَةُ "خَطِيئَةَ" في الأصل اليوناني ل¼پخ¼خ±دپد„خ¯خ±خ½ (معناها خطأ ، إهانة ، خطيئة) فَتَرِدُ فِي صِيغَةِ الْمُفْرَدِ، لَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى خَطِيئَةٍ وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا، بَلْ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ لِخَطَايَا الْعَالَمِ أَجْمَعَ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ جَمِيعَ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ قَدْ جُعِلَتْ حِمْلًا وَاحِدًا لِيَحْمِلَهُ الْمَسِيحُ. أَنَّ صِيغَةَ الْمُفْرَدِ "خَطِيئَةَ" تُفِيدُ الْكُلِّيَّةَ، لِأَنَّ الْبَشَرِيَّةَ كُلَّهَا تَحْمِلُ جُرْحًا وَاحِدًا. ويعلق القديس أوغسطينوس: "لَمْ يَقُلْ خَطَايَا، بَلْ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ، لِأَنَّ الْجِنْسَ الْبَشَرِيَّ كُلَّهُ كَانَ كَجَسَدٍ وَاحِدٍ مَجْرُوحٍ، وَهُوَ الطَّبِيبُ الْوَحِيدُ". فَالْخَطِيئَةُ، بِمَفْهُومِهَا الْكِتَابِيِّ، هِيَ الْمُشْكِلَةُ الْجَذْرِيَّةُ لِلإِنْسَانِ، وَهِيَ قُوَّةٌ تَسْتَعْبِدُهُ وَتَفْصِلُهُ عَنِ اللهِ، وَلَا يَقْدِرُ الإِنْسَانُ بِقُوَاهُ الذَّاتِيَّةِ وَحْدَهَا أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنْهَا دُونَ ذَبِيحَةِ حَمَلِ الْفِصْحِ، أَيْ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَالْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي حَرَّرَ الإِنْسَانَ مِنْ سُلْطَانِ الْخَطِيئَةِ، إِذْ قَدَّمَ الْخَلَاصَ لِلْعَالَمِ كُلِّهِ، دُونَ تَمْيِيزٍ. غَيْرَ أَنَّ فِعْلَ الْخَلَاصِ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوضًا مَجَّانًا، يَتَطَلَّبُ قَبُولًا إِيمَانِيًّا شَخْصِيًّا، كَمَا يَرِدُ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ: "فَمَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ يَخْلُصْ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ" (مَرْقُس 16: 16).



أَمَّا عِبَارَةُ "يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ" فَتُشِيرُ إِلَى خَطِيئَةِ كُلِّ إِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ، وَإِلَى خَطِيئَةِ الْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ، أَيْ إِلَى الْبُعْدِ الشَّخْصِيِّ وَالْكَوْنِيِّ لِلْخَلَاصِ فِي آنٍ مَعًا. فَالْخَطِيئَةُ لَا تُفْهَمُ هُنَا كَسُلُوكٍ فَرْدِيٍّ فَقَط، بَلْ كَحَالَةٍ شَامِلَةٍ تُثْقِلُ الْإِنْسَانَ وَتَجْعَلُ الْعَالَمَ كُلَّهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْفِدَاءِ. ويعلق القدّيس أوغسطينوس "لَمْ يَقُلْ: خَطَايَا بَعْضِ النَّاسِ، بَلْ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ. فَالْعَالَمُ كُلُّهُ كَانَ مَرِيضًا، وَهظ°ذَا الْحَمَلُ جَاءَ لِيَرْفَعَ مَرَضَ الْعَالَمِ كُلِّهِ" (تفسير إنجيل يوحنا، عظة 4). وَإِذْ لَا تَسْتَطِيعُ قُوَّةُ الْإِنْسَانِ الذَّاتِيَّةُ وَحْدَهَا أَنْ تَتَصَدَّى لِخَطِيئَةِ الْعَالَمِ وَسُلْطَانِ الشَّرِّ، أُوكِلَتْ هظ°ذِهِ الْمُهِمَّةُ الْخَلَاصِيَّةُ إِلَى يَسُوعَ الْمَسِيحِ، حَمَلِ اللهِ، الَّذِي يَحْمِلُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ لِيَرْفَعَهَا، لَا بِقُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ مَحْضَةٍ، بَلْ بِسُلْطَانِهِ الإِلَهِيِّ. وَفِي كَوْنِهِ ابْنَ اللهِ، يَحْمِلُ سُلْطَانَ الْغُفْرَانِ وَالْخَلَاصِ، وَفِي كَوْنِهِ أَيْضًا ابْنَ الْإِنْسَانِ، يَتَّحِدُ بِبَشَرِيَّتِنَا اتِّحَادًا حَقِيقِيًّا، فَيَحْمِلُ خَطِيئَتَنَا عَنّْا وَيُحَرِّرُنَا مِنْ عُبُودِيَّتِهَا. وَهظ°كَذَا يَتَحَقَّقُ الْخَلَاصُ كَعَطِيَّةٍ إِلَهِيَّةٍ شَامِلَةٍ، تَمَسُّ الْإِنْسَانَ فِي شَخْصِهِ، وَتُجَدِّدُ الْعَالَمَ فِي عُمُقِهِ. فَيَسُوعُ يَرْفَعُ عَنِ الْبَشَرِ كُلٍّ مِنَ الْخَطِيئَةِ الأَصْلِيَّةِ وَالْخَطَايَا الْفِعْلِيَّةِ، مَعَ مَا يَتْبَعُهُمَا مِنْ عُقُوبَاتٍ وَسُلْطَانٍ وَاسْتِعْبَادٍ. وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَحْمِلُ خَطَايَا غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَضَعُهَا فِي جَسَدِهِ، وَفْقَ نُبُوءَةِ أَشَعْيَا: "قَرَّبَتْ نَفْسُهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ… وَهُوَ يَحْتَمِلُ آثَامَهُمْ" (أَشَعْيَا 53: 10–11). وَيُصَرِّحُ الرَّسُولُ بُطْرُسُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَائِلًا: "وَهُوَ الَّذِي حَمَلَ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ" (1 بُطْرُس 2: 24). وَهَكَذَا فَإِنَّ يَسُوعَ لَا يَحْمِلُ الْخَطِيئَةَ فَحَسْبُ، بَلْ يُزِيلُهَا وَيُبْطِلُ فَاعِلِيَّتَهَا، كَمَا يَرِدُ فِي تَعْلِيمِهِ الرِّسَالِيِّ: "تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لِيُزِيلَ الْخَطَايَا، وَلَا خَطِيئَةَ لَه"(1يُوحَنَّا 3: 5). وَتَتَأَكَّدُ بَرَاءَةُ الْمَسِيحِ وَقَدَاسَتُهُ فِي شَهَادَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، حَتَّى مِنْ خُصُومِهِ. فَبِيلَاطُسُ الْوَالِي، الَّذِي أَصْدَرَ حُكْمَ الصَّلْبِ، يَقُولُ صَرَاحَةً: "فَلَمْ أَجِدْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا مِمَّا تَتَّهِمُونَهُ بِهِ" (لُوقَا 23: 14)، وَعِنْدَمَا أَسْلَمَهُ، غَسَلَ يَدَيْهِ قَائِلًا: "أَنَا بَرِيءٌ مِنْ هَذَا الدَّمِ" (مَتَّى 27: 24). وَتَأْتِي شَهَادَةُ اللِّصِّ الْيَمِينِ لِتُكَمِّلَ هَذَا الإِقْرَارَ، إِذِ انْتَهَرَ زَمِيلَهُ قَائِلًا: "أَمَّا نَحْنُ فَعِقَابُنَا عَدْلٌ، لِأَنَّنَا نَلْقَى مَا تَسْتَوْجِبُهُ أَعْمَالُنَا، أَمَّا هُوَ فَلَمْ يَعْمَلْ سُوءًا" (لُوقَا 23: 41).



أَمَّا عِبَارَةُ "الْعَالَمِ" فَتَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ الْبَشَرِ، وَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى شَعْبٍ دُونَ آخَرَ، خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ بَعْضُ التَّفْسِيرَاتِ الْحَصْرِيَّةِ. فَالْمَسِيحُ قَدَّمَ الْخَلَاصَ مَجَّانًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ، كَمَا يُؤَكِّدُ الرَّسُولُ بُولُسُ: "ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ مَعَ نَفْسِهِ، غَيْرَ مُحَاسِبٍ لَهُمْ عَلَى زَلَّاتِهِمْ" (2 قورنتس 5: 19). وَيُعَزِّزُ يُوحَنَّا الرَّسُولُ هَذَا الْبُعْدَ الْكَوْنِيَّ قَائِلًا: "إِنَّهُ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا، لَا لِخَطَايَانَا وَحْدَهَا، بَلْ لِخَطَايَا الْعَالَمِ أَجْمَعَ" (1 يُوحَنَّا 2: 2). وَتَبْقَى شَهَادَةُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ أَوْضَحَ شَهَادَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ لِلْمَسِيحِ، إِذْ صَدَرَتْ عَنْ إِنْسَانٍ مَمْلُوءٍ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، قَدِ انْفَتَحَتْ عَيْنَا قَلْبِهِ لِيُدْرِكَ سِرَّ التَّدْبِيرِ الإِلَهِيِّ. فَقَدْ أَعَدَّ اللهُ يُوحَنَّا مُنْذُ الْبِدَايَةِ لِيَأْتِيَ وَيُبَشِّرَ بِحُضُورِ الْمُخَلِّصِ: "حَمَلِ اللهِ". هُوَذَا الَّذِي يُخَلِّصُ مِنَ الْمَوْتِ، وَهُوَذَا الَّذِي يُحَطِّمُ الْخَطِيئَةَ. يَرْبِطُ أَثَنَاسِيُوسُ الرَّسُولِيُّ بَيْنَ حَمَلِ اللهِ وَسِرِّ التَّجَسُّدِ، يؤكِّد أَثَنَاسِيُوسُ الرَّسُولِيُّ أَنَّ حَمْلَ الْخَطِيئَةِ يَتَطَلَّبُ جَسَدًا حَقِيقِيًّا: "تَجَسَّدَ كَلِمَةُ اللهِ لِيَأْخُذَ جَسَدًا قَابِلًا لِلْمَوْتِ، فَيُقَدِّمَهُ ذَبِيحَةً عَنِ الْجَمِيعِ، وَهَكَذَا يَرْفَعُ الْفَسَادَ وَالْخَطِيئَةَ مِنَ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ"(عَنْ تَجَسُّدِ الْكَلِمَةِ). وَمِنْ هُنَا، يعلن يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ انى يسوع هُوَ الْحَمَلُ بِتَوَاضُعِهِ، وَالذَّبِيحَةُ بِمَوْتِهِ، وَالْمُخَلِّصُ بِقِيَامَتِهِ، الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ، لَا بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِالْمَحَبَّةِ. Bottom of Form

تَحْمِلُ هذه الآية فِي طَيَّاتِهِا جَوْهَرَ الإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ، إِذْ تجْمَعُ بَيْنَ هُوِيَّةِ الْمَسِيحِ وَعَمَلِهِ الْخَلَاصِيِّ.



30 هذا الَّذي قُلتُ فيه: يأتي بَعْدي رَجُلٌ قد تَقَدَّمَني لأَنَّه كانَ مِن قَبْلي.



تُفِيدُ، عِبَارَةُ "يَأْتِي بَعْدِي" عَلَى الْمُسْتَوَى التَّارِيخِيِّ، أَنَّ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانَ سَبَقَ يَسُوعَ فِي الظُّهُورِ الْعَلَنِيِّ وَالْخِدْمَةِ النَّبَوِيَّةِ. فَهُوَ السَّابِقُ لِلْمَسِيحِ فِي الزَّمَانِ وَالْإِرْسَالِ، تَحْقِيقًا لِنُبُوءَةِ مَلَاخِي: "هَاءَنَذَا مُرْسِلٌ رَسُولِي فَيُعِدُّ الطَّرِيقَ أَمَامِي" (مَلَاخِي 3: 1). وَمِنْ هَذَا الْمَنْطَلَقِ، يَأْتِي يُوحَنَّا بصفته السَّابِقَ، لَا الْغَايَةَ، وَالصَّوْتَ، لَا الْكَلِمَةَ.



غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ "قَدْ تَقَدَّمَنِي" يَنْقُلُ الْقَارِئَ مِنَ الْمُسْتَوَى التَّارِيخِيِّ إِلَى الْمُسْتَوَى اللَّاهُوتِيِّ. فَالْمَسِيحُ، وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ يُوحَنَّا فِي ظُهُورِهِ الْعَلَنِيِّ، فَهُوَ يَتَقَدَّمُهُ فِي الْكَرَامَةِ وَالسُّلْطَانِ وَالرِّسَالَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَبِيٍّ، بَلْ هُوَ الْكَلِمَةُ الإِلَهِيُّ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ سَابِقٍ وَلَاحِقٍ.



وَتَبْلُغُ الشَّهَادَةُ ذُرْوَتَهَا فِي قَوْلِهِ: "أَنَّهُ كَانَ مِنْ قَبْلِي"، وَهِيَ عِبَارَةٌ تَحْمِلُ دَلَالَةً كِرِيسْتُولُوجِيَّةً وَاضِحَةً عَلَى أَزَلِيَّةِ الْمَسِيحِ. فَيَسُوعُ، الَّذِي دَخَلَ التَّارِيخَ بِتَجَسُّدِهِ، كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الزَّمَانِ، لِأَنَّهُ الْكَلِمَةُ الْمَوْلُودُ مِنَ الآبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ، كَمَا يُعْلِنُ مُقَدِّمَةُ الإِنْجِيلِ: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" (يُوحَنَّا 1: 1). وَبِهَذَا يَلْمِّحُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ إِلَى سِرِّ التَّجَسُّدِ: فَالْمَسِيحُ، وَإِنْ جَاءَ "بَعْدَهُ" فِي التَّارِيخِ، إِلَّا أَنَّهُ "قَبْلَهُ" فِي الأَصْلِ الإِلَهِيِّ وَالرِّسَالَةِ الْخَلَاصِيَّةِ. وهنا يعلق القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: " كَيْفَ يَكُونُ الَّذِي وُلِدَ بَعْدَهُ قَبْلَهُ؟ إِنَّهُ قَبْلُهُ لَا فِي الزَّمَانِ، بَلْ فِي الأَزَلِ. فَيُوحَنَّا إِنْسَانٌ فِي الزَّمَانِ، أَمَّا الْمَسِيحُ فَهُوَ الْكَلِمَةُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ كُلِّ زَمَانٍ" (عِظَاتٌ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا). وضَّح كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ قائلا: "إِنَّ الْمَعْمَدَانَ، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ فِي الْمِيلَادِ حَسَبَ الْجَسَدِ، إِلَّا أَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ الْمَسِيحَ قَبْلَهُ فِي الطَّبِيعَةِ، لِأَنَّهُ الْكَلِمَةُ الْمَوْلُودُ مِنَ الآبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ" (تَفْسِيرُ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا). وَهُنَا يَتَّضِحُ عُمْقُ تَوَاضُعِ يُوحَنَّا، الَّذِي، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ شُهْرَتِهِ وَتَأْثِيرِهِ وَاجْتِذَابِهِ لِلْجُمُوعِ، لَمْ يَسْعَ إِلَى تَثْبِيتِ ذَاتِهِ، بَلْ إِلَى إِفْسَاحِ الْمَجَالِ أَمَامَ الْمَسِيحِ. وَيُعَبِّرُ يُوحَنَّا عَنْ هَذَا الْمَوْقِفِ بِوُضُوحٍ فِي شَهَادَتِهِ اللاحِقَةِ: "أَنْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ تَشْهَدُونَ لِي بِأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي لَسْتُ الْمَسِيحَ، بَلْ مُرْسَلٌ قُدَّامَهُ. مَنْ كَانَتْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْتَمِعُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَفْرَحُ أَشَدَّ الْفَرَحِ لِصَوْتِ الْعَرِيسِ" (يُوحَنَّا 3: 28–29). وَتَتَوَّجُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ بِإِقْرَارٍ رُوحِيٍّ بَالِغِ الْعُمْقِ، يُلَخِّصُ رِسَالَةَ يُوحَنَّا وَهُوِيَّتَهُ النَّبَوِيَّةَ: "لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَكْبُرَ، وَلَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أَصْغُرَ" (يُوحَنَّا 3: 30). وَهَكَذَا يَتَجَلَّى يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ نَمُوذَجًا لِلنَّبِيِّ الأَمِينِ، الَّذِي يَعْرِفُ مَكَانَهُ فِي تَدْبِيرِ الْخَلَاصِ، وَيَفْرَحُ لِحُضُورِ الْمَسِيحِ، لَا لِأَنْ يَحْتَفِظَ بِالأَضْوَاءِ لِنَفْسِهِ، بَلْ لِيُحِيلَهَا كُلَّهَا إِلَى النُّورِ الْحَقِيقِيِّ. يبيَّن قَوْلَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ: "يَأْتِي بَعْدِي… لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ قَبْلِي" لَيْسَ مُفَارَقَةً لُغَوِيَّةً، بَلْ إِعْلَانٌ إِيمَانِيٌّ دَقِيقٌ يَجْمَعُ بَيْنَ: تَارِيخِيَّةِ التَّجَسُّد (يَأْتِي بَعْدِي)، وَأَزَلِيَّةِ الاِبْنِ (كَانَ مِنْ قَبْلِي). وَبِهَذَا، يَتَحَوَّلُ صَوْتُ يُوحَنَّا مِنْ شَهَادَةٍ نَبَوِيَّةٍ إِلَى إِقْرَارٍ عَقَائِدِيٍّ، تَسْتَنِدُ إِلَيْهِ الْكَنِيسَةُ فِي إِيمَانِهَا بِالْمَسِيحِ، الاِبْنِ الأَزَلِيِّ، الْكَلِمَةِ الْمُتَجَسِّدِ، رَبِّ الزَّمَانِ وَالتَّارِيخِ.



31 وأَنا لم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنِّي ما جِئْتُ أُعَمِّدُ في الماء
إِلاَّ لِكَي يَظهَرَ أَمْرُه لإِسْرائيل



تُشيرُ عِبَارَةُ "لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ" إِلَى أَنَّ يُوحَنَّا المَعْمَدَانَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يَسُوعَ مَعْرِفَةً شَخْصِيَّةً مُبَاشِرَةً، ذظ°لِكَ أَنَّهُ "كَانَ فِي الْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِ أَمْرِهِ لِإِسْرَائِيلَ" (لوقا 1: 80). فَالْمَعْرِفَةُ الَّتِي يَنْفِيهَا يُوحَنَّا لَيْسَتْ مَعْرِفَةً نَسَبِيَّةً أَوْ قَرَابِيَّةً، بَلْ مَعْرِفَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ كَاشِفَةٌ لِهُوِيَّةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. وَلَمْ يَتَكَشَّفْ لِيُوحَنَّا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ إِلَّا حِينَ رَأَى الرُّوحَ الْقُدُسَ يَنْزِلُ وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ مَعْمُودِيَّتِهِ (يُوحَنَّا 1: 32–33). وَمِنْ هظ°ذَا الْمُنْطَلَقِ، نَسْتَنْتِجُ أَنَّ أَحْدَاثَ الْمَعْمُودِيَّةِ هِيَ لَحْظَةُ الْإِعْلَانِ الْخَلَاصِيِّ الَّتِي كُشِفَ فِيهَا سِرُّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: أَنَّهُ حَمَلُ اللهِ، وَابْنُ اللهِ، لَا بِحَسَبِ لَحْمٍ وَدَمٍ، بَلْ بِحَسَبِ وَحْيٍ إِلَهِيٍّ مُبَاشِرٍ. وَيُعَلِّقُ أوريجانوس قَائِلًا: "إِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ يُوحَنَّا قَدْ عَرَفَ يَسُوعَ وَهُوَ لَا يَزَالُ فِي رَحِمِ أُمِّهِ، حِينَ ابْتَهَجَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أَلِيصَابَاتَ (لوقا 1: 41–44)، إِلَّا أَنَّ هظ°ذِهِ الْمَعْرِفَةَ لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَةً كَامِلَةً بِسِرِّ رِسَالَتِهِ. فَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّهُ "الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالنَّارِ. وَمِنْ هُنَا، يُؤَكِّدُ أوريجانوس: "أَنَّ شَهَادَةَ يُوحَنَّا لِيَسُوعَ لَا تَقُومُ عَلَى مَعْرِفَةٍ بَشَرِيَّةٍ أَوْ اخْتِبَارٍ شَخْصِيٍّ سَابِقٍ، بَلْ عَلَى إِعْلَانٍ إِلَهِيٍّ صَرِيحٍ، لِكَيْ يُدْرِكَ الشَّعْبُ أَنَّ هظ°ذَا الِاعْتِرَافَ هُوَ ثَمَرَةُ وَحْيٍ، لَا اجْتِهَادٍ إِنْسَانِيٍّ". وَفِي الْبُعْدِ الرَّعَوِيِّ، يُعَبِّرُ البابا فرنسيس عَنْ مَوْقِفِ يُوحَنَّا مِنْ دَعْوَتِهِ مِنْ خِلَالِ هظ°ذِهِ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ: "لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ"، مُعْتَبِرًا إِيَّاهَا نَمُوذَجًا لِكُلِّ دَعْوَةٍ حَقِيقِيَّةٍ. فَالدَّعْوَةُ، بِحَسَبِ قَوْلِهِ، تَتَطَلَّبُ مِنَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَجَاوَزَ حُدُودَ فَهْمِهِ، وَأَنْ يَسِيرَ وَرَاءَ الرَّبِّ بِتَوَاضُعٍ وَطَوَاعِيَّةٍ. هظ°كَذَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ، وَهظ°كَذَا فَعَلَ مُوسَى، وَهظ°كَذَا فَعَلَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ. وَيُضِيفُ قَائِلًا: "وَهظ°كَذَا أَنَا أَيْضًا مَدْعُوٌّ أَنْ أَفْعَلَ، إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَكْتَشِفَ الرَّبَّ فِي حَيَاتِي، لِأَنَّ حُضُورَ الرَّبِّ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ هُوَ دَائِمًا فِي صِيغَةِ الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَصِيرِ" (عِظَةُ الْبَابَا فِرَنْسِيس، 3/1/2017). وَهظ°كَذَا، تُصْبِحُ عِبَارَةُ "َمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ" اعْتِرَافًا إِيمَانِيًّا عَمِيقًا: إِنَّ مَعْرِفَةَ الْمَسِيحِ لَا تُكْتَسَبُ بِالْمَعَايِيرِ الْبَشَرِيَّةِ، بَلْ تُوهَبُ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ، وَتُعَاشُ فِي مَسِيرَةِ طَاعَةٍ وَشَهَادَةٍ، حَيْثُ يَتَقَدَّمُ الْإِعْلَانُ الْإِلَهِيُّ عَلَى كُلِّ مَعْرِفَةٍ شَخْصِيَّةٍ.



أَمَّا عِبَارَةُ "مَا جِئْتُ أُعَمِّدُ فِي الْمَاءِ إِلَّا لِكَيْ يَظْهَرَ أَمْرُهُ لِإِسْرَائِيلَ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانَ لِيُعَمِّدَ التَّائِبِينَ كَعَلَامَةٍ عَلَى تَوْبَتِهِمْ، وَبِالتَّالِي لِيَتَهَيَّأُوا لِمَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ. وَالأَهَمُّ مِنْ ذظ°لِكَ أَنَّ هظ°ذِهِ الْخِدْمَةَ التَّمْهِيدِيَّةَ تَهْدِفُ إِلَى أَنْ يُعَمِّدَ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ، فَيُؤَسِّسَ سِرَّ الْمَعْمُودِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ تَقْدِيمَ هظ°ذِهِ الشَّهَادَةِ هُوَ أَمْرٌ جَوْهَرِيٌّ فِي رِسَالَةِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ.



وَأَمَّا عِبَارَةُ "أُعَمِّدُ فِي الْمَاءِ" فَتَدُلُّ عَلَى تَطْهِيرٍ رُوحِيٍّ تَحْضِيرِيٍّ، يُهَيِّئُ الطَّرِيقَ لِلْمَسِيحِ، دُونَ أَنْ يَبْلُغَ بَعْدُ مِلْءَ النِّعْمَةِ الَّذِي سَيُعْطَى فِي الْمَعْمُودِيَّةِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ.



أَمَّا عِبَارَةُ "إِسْرَائِيلَ" فَهِيَ اسْمٌ عِبْرِيٌّ ×™ض´×©×‚ض°×¨ض¸×گضµ×œ، وَمَعْنَاهُ: "يُجَاهِدُ مَعَ اللهِ" أَوْ "اللهُ يُجَاهِدُ"، وَهُوَ لَقَبُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ وَرِفْقَةَ. إِلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا لَا يَقْتَصِرُ عَلَى نَسْلِ يَعْقُوبَ أَوْ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ الِاثْنَيْ عَشَرَ (التكوين 34: 7)، بَلْ يَتَّسِعُ لِيَشْمَلَ "إِسْرَائِيلَ الرُّوحِيَّ"، أَيْ شَعْبَ اللهِ الْأَمِينِ، كَمَا يَرِدُ فِي كِتَابِ أَشَعْيَاءَ: "أَنْتَ عَبْدِي إِسْرَائِيلُ، الَّذِي بِهِ أَتَمَجَّدُ" (أَشَعْيَاءَ 49: 3). وَيُوَضِّحُ هظ°ذَا الْبُعْدَ بولس الرسول، حِينَ يُمَيِّزُ بَيْنَ إِسْرَائِيلَ حَسَبَ الْجَسَدِ وَإِسْرَائِيلَ حَسَبَ الرُّوحِ، قَائِلًا: "أُولظ°ئِكَ الَّذِينَ هُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالتَّشْرِيعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ، وَلَهُمُ الْآبَاءُ، وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ، الَّذِي هُوَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَهٌ مُبَارَكٌ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ. آمِينَ" (رومة 9: 4–5).



32 وشَهِدَ يوحَنَّا قال:
((رَأَيتُ الرُّوحَ يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ كأَنَّه حَمامَة فيَستَقِرُّ علَيه.



تُشِيرُ عِبَارَةُ "رَأَيْتُ الرُّوحَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كَأَنَّهُ حَمَامَةٌ فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ" إِلَى الْعَلَامَةِ الَّتِي أَعْطَاهَا اللهُ لِيُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، لِيَعْرِفَ بِهَا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ. فَقَدْ رَأَى يُوحَنَّا رُؤْيَا غَيْرَ عَادِيَّةٍ، رَأَى فِيهَا الرُّوحَ الْقُدُسَ نَازِلًا عَلَى يَسُوعَ بِهَيْئَةِ حَمَامَةٍ، وَأَدْرَكَ بِالنِّعْمَةِ أَنَّ هظ°ذَا النُّزُولَ هُوَ إِعْلَانٌ إِلَهِيٌّ كَاشِفٌ لِهُوِيَّةِ الْمَسِيحِ وَرِسَالَتِهِ الْخَلَاصِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ كيرلس الإسكندري عَلَى هظ°ذَا الْمَشْهَدِ قَائِلًا، فِي تَفْسِيرِهِ لِإِنْجِيلِ يُوحَنَّا، إِنَّ نُزُولَ الرُّوحِ الْقُدُسِ عَلَى الْمَسِيحِ لَيْسَ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيسٍ، فَهُوَ قُدُّوسٌ بِطَبِيعَتِهِ، بَلْ لِأَنَّهُ يَتَقَبَّلُ الرُّوحَ بَوَصْفِهِ رَأْسَ الْبَشَرِيَّةِ الْجَدِيدَةِ، لِيُعِيدَ إِلَى الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ مَا فَقَدَتْهُ بِالسُّقُوطِ. فَالْمَسِيحُ، فِي مَعْمُودِيَّتِهِ، يَحْمِلُ الرُّوحَ فِيهِ لِأَجْلِنَا، لِنَنَالَ نَحْنُ فِيهِ نِعْمَةَ التَّجْدِيدِ وَالْبَنَوَّةِ.



وَتَحْمِلُ "الْحَمَامَةُ" دَلَالَةً كِتَابِيَّةً عَمِيقَةً، فَهِيَ رَمْزُ السَّلَامِ وَالنَّقَاوَةِ وَالْبَدَايَةِ الْجَدِيدَةِ؛ وَهظ°كَذَا يُعْلَنُ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ أَمِيرُ السَّلَامِ، الَّذِي لَا يَأْتِي بِالْقُهْرِ أَوِ الْعُنْفِ، بَلْ بِقُوَّةِ الرُّوحِ، لِيُصَالِحَ الْإِنْسَانَ مَعَ اللهِ وَمَعَ ذَاتِهِ.



أَمَّا عِبَارَةُ "فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ حُلُولَ الرُّوحِ الْقُدُسِ عَلَى يَسُوعَ هُوَ حُلُولٌ دَائِمٌ وَثَابِتٌ، لَا عَابِرٌ أَوْ مُؤَقَّتٌ. وَهظ°ذَا مَا أَعْلَنَهُ النَّبِيُّ أَشَعْيَاءُ قَبْلًا: "يَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَتَقْوَى الرَّبِّ" (أَشَعْيَاءَ 11: 2). وَيُقَابِلُ هظ°ذَا الْحُلُولُ الدَّائِمُ مَا كَانَ يَحْدُثُ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، حَيْثُ كَانَ رُوحُ الرَّبِّ يَحِلُّ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حُلُولًا مُؤَقَّتًا، لِأَدَاءِ رِسَالَةٍ أَوْ تَأْدِيَةِ شَهَادَةٍ مَعَيَّنَةٍ. وَيُشِيرُ إِلَى ذظ°لِكَ يوحنا الذهبي الفم قَائِلًا: " إِنَّ الرُّوحَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى الْمَسِيحِ ثُمَّ يَفَارِقَهُ، كَمَا حَدَثَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، بَلْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمَسْكَنُ الدَّائِمُ لِلرُّوحِ، وَالْمَنْبَعُ الَّذِي مِنْهُ تَنْهَلُ الْكَنِيسَةُ نِعْمَةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". وَهُنَا تَتَجَلَّى بِوُضُوحٍ صُورَةٌ مُبَارَكَةٌ لِعَمَلِ الثَّالُوثِ الْأَقْدَسِ فِي سِرِّ الْخَلَاصِ: الآبُ هُوَ الْمُرْسِلُ وَالْمُعْلِنُ، وَالِابْنُ هُوَ الْمُتَجَسِّدُ الْمَمْسُوحُ وَرَأْسُ الْخَلِيقَةِ الْجَدِيدَةِ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ هُوَ الْحَالُّ وَالْمُثَبِّتُ وَالْمُقَدِّسُ. وَهظ°كَذَا لَا تَكُونُ مَعْمُودِيَّةُ يَسُوعَ مُجَرَّدَ بَدَايَةٍ لِرِسَالَةٍ، بَلْ إِعْلَانًا ثَالُوثِيًّا خَلَاصِيًّا، يُظْهِرُ هُوِيَّةَ الْمَسِيحِ، وَيَكْشِفُ طَرِيقَ السَّلَامِ، وَيَفْتَحُ أُفُقَ الْخَلِيقَةِ الْجَدِيدَةِ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ.



33 وأَنا لَم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنَّ الَّذي أَرسَلَني أُعَمِّدُ في الماءِ
هو قالَ لي: إِنَّ الَّذي تَرى الرُّوحَ يَنزِلُ فيَستَقِرُّ علَيهِ،
هو ذاكَ الَّذي يُعَمِّدُ في الرُّوحِ القُدُس.



تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ" إِلَى تَكْرَارِ مَا قِيلَ سَابِقًا: "أَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ" (يُوحَنَّا 1: 31). وَلَا يَعْنِي يُوحَنَّا هُنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يَسُوعَ مَعْرِفَةً بَشَرِيَّةً، فَهُمَا كَانَا مُرْتَبِطَيْنِ بِصِلَةِ قَرَابَةٍ، إِذْ إِنَّ أَلِيصَابَاتَ، أُمَّ يُوحَنَّا، وَمَرْيَمَ الْعَذْرَاءَ، أُمَّ يَسُوعَ، كَانَتَا قَرِيبَتَيْنِ (لوقا 1: 36). بَلْ يَقْصِدُ مَعْرِفَةً مَسِيحَانِيَّةً، أَيْ إِنَّ يُوحَنَّا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ الْمُنْتَظَرُ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ.



أَمَّا عِبَارَةُ "الَّذِي أَرْسَلَنِي" فَتُشِيرُ إِلَى اللهِ نَفْسِهِ، الَّذِي أَوْكَلَ إِلَى يُوحَنَّا مُهمَّته وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَمِّدَ. مُهمَّته لَيْسَتْ مُبَادَرَةً شَخْصِيَّةً، بَلْ دَعْوَةٌ إِلَهِيَّةٌ مُحَدَّدَةُ الْهَدَفِ.



وَأَمَّا قَوْلُهُ: "أُعَمِّدُ فِي الْمَاءِ" فَيُشِيرُ إِلَى مَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ، الَّتِي كَانَتْ دَعْوَةً لِلْهُرُوبِ مِنَ الْغَضَبِ الْآتِي (مَتَّى 3: 7). فَمَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا كَانَتْ تَهْيِئُ الشَّعْبَ لِمَا سَيَأْتِي بَعْدَهَا، لِأَنَّ مَعْمُودِيَّةَ الْمَسِيحِ تَحْمِلُ فِي ذَاتِهَا بُعْدَ الدَّيْنُونَةِ وَالتَّمْيِيزِ (مَتَّى 3: 12). وَهظ°كَذَا، فَإِنَّ مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا كَانَتْ تَعْنِي أَمْرَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ: أَوَّلًا: الْغُسْلَ وَالتَّنْقِيَةَ، كَرَمْزٍ لِلتَّطْهِيرِ الرُّوحِيِّ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ وَعَيْبٍ. وَثَانِيًا: التَّكْرِيسَ وَالتَّخْصِيصَ لِحَيَاةٍ جَدِيدَةٍ، وَهَدَفٍ جَدِيدٍ، وَغَايَةٍ أَسْمَى.



أَمَّا عِبَارَةُ "قَالَ لِي" فَتُشِيرُ إِلَى وَعْدِ اللهِ لِيُوحَنَّا أَنْ يُعَرِّفَهُ بِالْمَسِيحِ مِنْ خِلَالِ عَلامَةٍ وَاضِحَةٍ.



وَأَمَّا قَوْلُهُ "إِنَّ الَّذِي تَرَى الرُّوحَ يَنْزِلُ فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ" فَيُشِيرُ إِلَى الْعَلَامَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لِيُوحَنَّا: نُزُولُ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَاسْتِقْرَارُهُ عَلَى يَسُوعَ، لَا حُلُولًا عَابِرًا، بَلْ حُلُولًا دَائِمًا، يَكْشِفُ أَنَّهُ الْمَمْسُوحُ مِنَ الآبِ.



وَأَمَّا عِبَارَةُ " هُوَ ذَاكَ الَّذِي يُعَمِّدُ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ" فَتُعَبِّرُ عَنْ جَوْهَرِ شَهَادَةِ يُوحَنَّا لِلْمَسِيحِ: إِنَّ يَسُوعَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَعْمُودِيَّةِ الْمَاءِ، بَلْ يُمَنِحُ مَعْمُودِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، لِيُقَوِّيَهُمْ عَلَى عَيْشِ حَيَاةِ اللهِ وَالشَّرِكَةِ مَعَهُ، وَلِيُرْسِلَهُمْ شُهُودًا لِرِسَالَةِ الْخَلَاصِ. وَقَدْ بَدَأَ تَحَقُّقُ هظ°ذِهِ الْمَعْمُودِيَّةِ يَوْمَ الْعَنْصَرَةِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2)، بَعْدَ قِيَامَةِ يَسُوعَ مِنَ الْأَمْوَاتِ وَصُعُودِهِ إِلَى السَّمَاءِ. وَيُعَلِّقُ القديس أوغسطينوس قَائِلًا: "إِنَّ سُلْطَانَ الْمَعْمُودِيَّةِ الْحَقِيقِيَّ هُوَ لِلرَّبِّ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ يَحْفَظُهُ لِنَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا بِجَسَدِهِ عَلَى الأَرْضِ أَمْ غَائِبًا عَنْهَا بِجَسَدِهِ فِي السَّمَاءِ، لِئَلَّا يَقُولَ أَحَدٌ: "مَعْمُودِيَّتِي". فَلَا بُولُسُ قَالَ "مَعْمُودِيَّتِي"، وَلَا بُطْرُسُ قَالَ ذظ°لِكَ، مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا: "إِنْجِيلِي". فَالإِنْجِيلُ يُكْرَزُ بِهِ، أَمَّا الْمَعْمُودِيَّةُ فَهِيَ لِلرَّبِّ". وَمَنْ يَتَعَمَّدُ بِمَعْمُودِيَّةِ الرَّبِّ يَتَمَتَّعُ بِثَلَاثِ ثِمَارٍ أَسَاسِيَّةٍ: اسْتِنَارَةِ الْحَيَاةِ، إِذْ يُشْرِقُ نُورُ حِكْمَةِ الرَّبِّ فِي دَاخِلِهِ؛ قُوَّةِ الْحَيَاةِ، لِأَنَّ رُوحَ الرَّبِّ لَا يُعْطِينَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ فَقَطْ، بَلْ الْقُدْرَةَ عَلَى عَيْشِهِ وَمُوَاجَهَةِ صُعُوبَاتِ الْحَيَاةِ وَالِانْتِصَارِ عَلَيْهَا؛ وَنَقَاوَةِ الْحَيَاةِ، لِأَنَّ مَعْمُودِيَّةَ يَسُوعَ هِيَ أَيْضًا مَعْمُودِيَّةُ النَّارِ (مَتَّى 3: 11)، تَنَقِّي مِنْ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَغِشٍّ. وَبِكَلِمَةٍ جَامِعَةٍ، تَتَمَيَّزُ مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا بِالْمَاءِ عَنْ مَعْمُودِيَّةِ يَسُوعَ فِي الرُّوحِ: فَالأُولَى تُهَيِّئُ، أَمَّا الثَّانِيَةُ فَتُخَلِّصُ؛ الأُولَى تُنَقِّي، أَمَّا الثَّانِيَةُ فَتُحْيِي. وَبِهظ°ذِهِ الْمَعْمُودِيَّةِ، يَهَبُ الْمَسِيحُ الْإِنْسَانَ الْمُؤْمِنَ بِهِ حَيَاةً رُوحِيَّةً جَدِيدَةً فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ.



34 وَأَنا رأَيتُ وشَهِدتُ أَنَّه هو ابنُ الله.



تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَأَنَا رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ" إِلَى تَأْكِيدٍ حَاسِمٍ وَتَقْرِيرٍ نِهَائِيٍّ، كَأَنَّ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رُؤْيَةً جَلِيَّةً، وَأَيْقَنْتُ يَقِينًا دَاخِلِيًّا، وَمِنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ شَهِدْتُ عَلَانِيَةً. فَشَهَادَتُهُ لَا تَنْبُعُ مِنْ تَأَمُّلٍ ذِهْنِيٍّ أَوِ اسْتِنْتَاجٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ مِنْ مُشَاهَدَةٍ وَحْيِيَّةٍ وَاخْتِبَارٍ إِلَهِيٍّ مُبَاشِرٍ. وَإِذْ يَشْهَدُ يُوحَنَّا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ، حَمَلُ اللهِ، الَّذِي يُضَحِّي بِحَيَاتِهِ وَيَبْذُلُ نَفْسَهُ فِي سَبِيلِ أَحِبَّائِهِ لِتَحْرِيرِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْخَطِيئَةِ، فَإِنَّهُ يَبْلُغُ بِشَهَادَتِهِ ذُرْوَتَهَا قَائِلًا: "إِنَّهُ هُوَ ابْنُ اللهِ". فَهظ°ذَا الْعَمَلُ الْفِدَائِيُّ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ بِهِ إِنْسَانٌ عَادِيٌّ؛ يَسُوعُ وَحْدَهُ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّيَ الْإِنْسَانَ مِنَ الْخَطِيئَةِ، لِأَنَّهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ ابْنُ الإِنْسَانِ وَابْنُ اللهِ، أَيْ إِلَهٌ حَقٌّ وَإِنْسَانٌ حَقٌّ. وَيَتَفَرَّدُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ بِأَنَّهُ رَأَى وَسَمِعَ وَشَهِدَ تَجَلِّيَ الثَّالُوثِ الْأَقْدَسِ فِي وَحْدَةٍ مُنْسَجِمَةٍ: الآبُ يُعْلِنُ، وَالِابْنُ يَقِفُ مُتَجَسِّدًا، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ يَنْزِلُ وَيَسْتَقِرُّ. هظ°كَذَا تَنْكَشِفُ أَمَامَهُ مَحَبَّةُ اللهِ الْخَلَاصِيَّةُ فِي أَسْمَى صُوَرِهَا.



أَمَّا عِبَارَةُ "ابْنُ اللهِ" فَتُشِيرُ إِلَى إِعْلَانٍ صَرِيحٍ عَنْ أُلُوهِيَّةِ الْكَلِمَةِ، كَمَا يَقُولُ الإِنْجِيلُ: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا" (يُوحَنَّا 1: 14). فَهُنَا نَجِدُ شَهَادَةً عَلَنِيَّةً مِنَ الْمَعْمَدَانِ أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ الْمَسِيَّا الْمُنْتَظَرُ. وَيَأْتِي فِعْلُ الْمُضَارِعِ فِي النَّصِّ الْيُونَانِيِّ دَالًّا عَلَى هظ°ذِهِ الْحَقِيقَةِ الدَّائِمَةِ: خ؟ل½—د„ل½¹د‚ ل¼گدƒد„خ¹خ½ ل½پ د…ل¼±ل½¸د‚ د„خ؟ل؟¦ خ¸خµخ؟ل؟¦
أَيْ: "هظ°ذَا هُوَ ابْنُ اللهِ". فَالْفِعْلُ ل¼گدƒد„خ¹خ½ (هُوَ) لَا يَدُلُّ عَلَى حَالَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ عَلَى كَيْنُونَةٍ دَائِمَةٍ، خَاصَّةٍ بِالِابْنِ وَحْدَهُ، الَّذِي قِيلَ عَنْهُ: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ لَدَى اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ" (يُوحَنَّا 1: 1). فَهُوَ ابْنٌ بِالطَّبِيعَةِ، وَابْنُ اللهِ عَلَى الدَّوَامِ. وَقَدِ اسْتُعْمِلَ لَقَبُ "ابْنُ اللهِ" فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ نَحْوَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ مَرَّةً، دَلَالَةً عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ الْكِرِيسْتُولُوجِيَّةِ. وَبِمَا أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَهُوَ إِلَهٌ بِكُلِّ مَا لِلْجَوْهَرِ الإِلَهِيِّ مِنْ كَمَالَاتٍ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ (يُوحَنَّا 1: 1–14)، وَهُوَ مُسَاوٍ لِلآبِ فِي الطَّبِيعَةِ (يُوحَنَّا 5: 17–25).



وَمِنْ يَرَى وَيَعْرِفُ، يَشْهَدُ. وَلِذظ°لِكَ أَعْطَى الرُّوحُ الْقُدُسُ كَثِيرِينَ أَنْ يَعْتَرِفُوا بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ عَلَى خُطَى يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، مِثْلَ بُطْرُسَ الرَّسُولِ (مَتَّى 16: 17)، وَنَثَنَائِيلَ (يُوحَنَّا 1: 49)، وَمَرْثَا أُخْتِ لِعَازَرَ (يُوحَنَّا 11: 26–27).



وَلَا تَدُلُّ عِبَارَةُ "ابْنُ اللهِ" في الاصل اليوناني ل½پ د…ل¼±ل½¸د‚ د„خ؟ل؟¦ خ¸خµخ؟ل؟¦ عَلَى مَعْنًى جَسَدِيٍّ أَوْ بَشَرِيٍّ، بَلْ هِيَ تَعْبِيرٌ لَاهُوتِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْ عُمْقِ الْمَحَبَّةِ، وَكَمَالِ الشَّرِكَةِ، وَالتَّسَاوِي فِي الطَّبِيعَةِ بَيْنَ الأُقْنُومِ الأَوَّلِ (الآبِ) وَالأُقْنُومِ الثَّانِي (الِابْنِ) فِي سِرِّ الثَّالُوثِ الْأَقْدَسِ. وَقَدْ شَهِدَ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ لِهظ°ذِهِ الْبُنُوَّةِ قَائِلًا: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ" (يُوحَنَّا 5: 17)، فَاتَّهَمَهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَحَكَمُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ (مَتَّى 26: 63–66). وَيُعَلِّقُ كيرلس الإسكندري قَائِلًا: "أَمَّا أَنْتَ فَيُقَالُ لَكَ: الآنَ تَصِيرُ ابْنَ اللهِ، لِأَنَّكَ لَا تَحْمِلُ بُنُوَّةً طَبِيعِيَّةً، بَلْ تَتَقَبَّلُهَا بِالتَّبَنِّي. أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ ابْنٌ سَرْمَدِيٌّ، وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ نِلْتَ النِّعْمَةَ مُؤَخَّرًا". وَفِي ضَوْءِ ذظ°لِكَ، لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَمِّدَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَيَهَبَ النَّاسَ الْمَوَاهِبَ الرُّوحِيَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوَ اللهَ نَفْسَهُ. لِذظ°لِكَ وَجَدَ يُوحَنَّا فِي مَجِيءِ يَسُوعَ مَعْنَى حَيَاتِهِ وَاكْتِمَالَ رِسَالَتِهِ: أَنْ يَشْهَدَ لِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ حَمَلُ اللهِ، وَأَنَّهُ ابْنُ اللهِ. وَهظ°كَذَا شَهِدَ يُوحَنَّا أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ فِي ثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ، وَأَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، وَهظ°ذَا مَا رَآهُ وَشَهِدَ بِهِ.





ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (يُوحَنَّا 1: 29–34)



بَعْدَ دِرَاسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ (يُوحَنَّا 1: 29–34)، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ شَهَادَةِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ بِتَعَابِيرَ نَبَوِيَّةٍ وَاضِحَةٍ عَنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الْمُنْتَظَرِ، بِأَنَّهُ "حَمَلُ اللهِ" وَ"ابْنُ اللهِ". فَكَانَتْ رَسَالِتُهُ أَنْ يُوَجِّهَ الشَّعْبَ إِلَى يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي كَانُوا يَتَطَلَّعُونَ إِلَيْهِ، لِيَعْرِفُوهُ كَمَا عَرَفَهُ هُوَ نَفْسُهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ. وَمِنْ هظ°ذَا الإِطَارِ، يُمْكِنُ أَنْ نَطْرَحَ سُؤَالَيْنِ جَوْهَرِيَّيْنِ: مَا مَعْنَى "حَمَلِ اللهِ"؟ وَمَا مَعْنَى "ابْنِ اللهِ"؟



1) مَا مَعْنَى يَسُوعَ الْمَسِيحِ "حَمَلَ اللهِ"؟



لَمْ يَكُنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَعْرِفُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ الْمُنْتَظَرُ مَعْرِفَةً مُسْبَقَةً، بَلْ عَرَفَهُ مِنْ خِلَالِ كَشْفِ اللهِ لَهُ يَوْمَ اعْتِمَادِ يَسُوعَ عَلَى يَدَيْهِ. وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى يُوحَنَّا لِيُعْلِنَ بَدْءَ خِدْمَتِهِ الْعَلَنِيَّةِ مِنْ خِلَالِ الْمَعْمُودِيَّةِ، تَعَلَّمَ يُوحَنَّا أَنْ يَرَى أَبْعَدَ مِنَ الْمَظَاهِرِ الْخَارِجِيَّةِ، وَأَنْ يَسْبُرَ غَوْرَ شَخْصِ يَسُوعَ فِي ضَوْءِ الْوَحْيِ. لِذظ°لِكَ قَدَّمَهُ إِلَى الشَّعْبِ قَائِلًا:
"هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ" (يُوحَنَّا 1: 29).



إِنَّ هظ°ذِهِ التَّسْمِيَةَ لَا تَنْبُعُ مِنْ صُورَةٍ شِعْرِيَّةٍ أَوْ تَشْبِيهٍ بَلَاغِيٍّ، بَلْ مِنْ تَدْبِيرٍ خَلَاصِيٍّ إِلَهِيٍّ، إِذْ إِنَّ اللهَ عَيَّنَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ مُنْذُ الأَزَلِ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ، وَوَعَدَ بِذظ°لِكَ فِي النُّبُوءَاتِ وَالرُّمُوزِ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ مِنَ السَّمَاءِ لِيُقَدِّمَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةً عَنْ خَطَايَا الْعَالَمِ. وَلِهظ°ذَا اسْتَحَقَّ أَنْ يُدْعَى "حَمَلَ اللهِ"، تَمْيِيزًا لَهُ عَنْ سَائِرِ الْحُمْلَانِ الَّتِي كَانَتْ تُقَدَّمُ ذَبَائِحَ فِي الْهَيْكَلِ. وَيُوَضِّحُ الرَّسُولُ بُولُسُ هظ°ذَا الْمَعْنَى قَائِلًا: "ذَاكَ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ كَفَّارَةً فِي دَمِهِ بِالإِيمَانِ، لِيُظْهِرَ بِرَّهُ، بِإِغْضَائِهِ عَنِ الْخَطَايَا الْمَاضِيَةِ فِي حِلْمِهِ" (رومة 3: 25). وَهظ°كَذَا قَبِلَ اللهُ يَسُوعَ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ بَدَلًا عَنْ عَالَمِ الأَثِمَةِ. فَحَمَلُ اللهِ لَا يَحْمِلُ خَطِيئَةَ شَعْبٍ وَاحِدٍ، بَلْ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ كُلِّهِ.



وَبِاخْتِصَارٍ، تَدُلُّ عِبَارَةُ "حَمَلُ اللهِ"، الَّتِي وَرَدَتْ مَرَّتَيْنِ فِي الإِنْجِيلِ (يُوحَنَّا 1: 29، 36)، عَلَى أَنَّ يَسُوعَ هُوَ: الْعَبْدُ الْمُتَأَلِّمُ الَّذِي يَحْمِلُ آثَامَ كَثِيرِينَ، وَحَمَلُ الْفِصْحِ الَّذِي يُؤَسِّسُ خُرُوجًا جَدِيدًا وَخَلَاصًا نَهَائِيًّا. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الإِيمَانَ بِيَسُوعَ "حَمَلِ اللهِ" يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَقْبَلَ خَلَاصَهُ، وَأَنْ نَسْلُكَ طَرِيقَ التَّوْبَةِ، وَأَنْ نَعِيشَ فِي حُرِّيَّةِ الأَبْنَاءِ الَّتِي اشْتَرَاهَا لَنَا بِدَمِهِ.



أ) يَسُوعُ حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ



أَشَارَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ إِلَى يَسُوعَ بِالْعِبَارَةِ الْحَاسِمَةِ: "حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ" (يُوحَنَّا 1: 29)، وَهِيَ عِبَارَةٌ تَجْذِرُ عَمِيقًا فِي التُّرَاثِ النَّبَوِيِّ، لَا سِيَّمَا فِي نُبُوءَاتِ أشعيا عَنِ عَبْدِ الرَّبِّ الْمُتَأَلِّمِ (أَشَعْيَاءَ 53: 7، 12).



كَانَتْ صُورَةُ الْحَمَلِ وَاضِحَةً لَدَى الْيَهُودِ، إِذْ تَرْتَبِطُ بِذَبِيحَةِ الْهَيْكَلِ؛ فَفِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ كَانَ يُقَدَّمُ حَمَلٌ مُحْرَقَةً دَائِمَةً عَنِ الشَّعْبِ تَكْفِيرًا عَنِ الْخَطَايَا، وَفْقًا لِلشَّرِيعَةِ الْمُوسَوِيَّةِ (خُرُوج 29: 38–42؛ لاوِيِّينَ 5: 6–7). وَيُعَلِّقُ أوريجانوس قَائِلًا: "إِنَّ خَرُوفَيْنِ حَوْلِيَّيْنِ كَانَا يُقَدَّمَانِ كُلَّ يَوْمٍ دَائِمًا، أَحَدُهُمَا تَقْدِمَةً صَبَاحِيَّةً دَائِمَةً، وَالآخَرُ تَقْدِمَةً مَسَائِيَّةً دَائِمَةً". وَهظ°ذِهِ الذَّبِيحَةُ الْيَوْمِيَّةُ كَانَتْ تُشِيرُ نَبَوِيًّا إِلَى ذَبِيحَةٍ أَعْظَمَ وَنِهَائِيَّةٍ.



وَفِي سِيَاقِ الِاضْطِهَادِ، شَبَّهَ إرميا نَفْسَهُ بِالْحَمَلِ قَائِلًا: "كُنْتُ أَنَا كَحَمَلٍ أَلِيفٍ يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ" (إِرْمِيَا 11: 19)،
وَهِيَ صُورَةٌ سَتَبْلُغُ كَمَالَهَا فِي الْمَسِيحِ. وَقَدْ تَنَبَّأَ أَشَعْيَاءُ بِوُضُوحٍ عَنِ الْمَسِيحِ، عَبْدِ الرَّبِّ الْمُتَأَلِّمِ، قَائِلًا: "كحَمَلٍ سِيقَ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ الَّذِينَ يَجُزُّونَهَا، وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (أَشَعْيَاءَ 53: 7). وَهظ°ذَا النَّصُّ يَكْشِفُ مُصِيرَ الْمَسِيحِ الْفِدَائِيَّ، كَمَا شَرَحَهُ الشَّمَّاسُ فِيلُبُّسُ لِخَازِنِ مَلِكَةِ الْحَبَشِ (أَعْمَال 8: 31–35). وَعَلَى ضَوْءِ هظ°ذِهِ النُّبُوءَةِ، يُشِيرُ الإِنْجِيلُ إِلَى صَمْتِ يَسُوعَ أَمَامَ الْمَجْلِسِ (مَتَّى 26: 63)، وَأَمَامَ بِيلاطُسَ (يُوحَنَّا 19: 9)، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ شَخْصِيَّةَ عَبْدِ اللهِ الْمُتَأَلِّمِ قَدْ تَحَقَّقَتْ فِيهِ تَحَقُّقًا كَامِلًا.



إِنَّ دَفْعَ عُقُوبَةِ الْخَطِيئَةِ، وَفْقَ الْفِكْرِ الْكِتَابِيِّ، يَتِمُّ مِنْ خِلَالِ الذَّبِيحَةِ. وَهظ°كَذَا، مَاتَ الرَّبُّ يَسُوعُ عَلَى الصَّلِيبِ ذَبِيحَةً كَامِلَةً تَامَّةً، دَافِعًا بِمَوْتِهِ ثَمَنَ خَطَايَانَا لِنَنَالَ الْغُفْرَانَ. وَيُعَبِّرُ الرَّسُولُ بُولُسُ عَنْ هظ°ذِهِ الْحَقِيقَةِ قَائِلًا:
"فَقَدْ ذُبِحَ حَمَلُ فِصْحِنَا، وَهُوَ الْمَسِيحُ" (1 قُورِنْتُس 5: 7). وَهظ°كَذَا، تَدُلُّ عِبَارَةُ «حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ" عَلَى مَوْتِ يَسُوعَ التَّكْفِيرِيِّ، الَّذِي يَحْمِلُ فِي ذَاتِهِ أَبْعَادًا: قُرْبَانِيَّة (ذَبِيحَةٌ مُقَدَّمَةٌ لِلآبِ)، نِيَابِيَّةً (يَمُوتُ عِوَضًا عَنِ الْخُطَاةِ)، فِدَائِيَّةً (يُحَرِّرُ الإِنْسَانَ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْخَطِيئَةِ).



وَهُنَا تَتَضِحُ هُوِيَّةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الْمُخَلِّصِ، الَّذِي يَحْمِلُ خَطَايَانَا بِسَفْكِ دِمَائِهِ الطَّاهِرَةِ، وَهظ°ذَا هُوَ أَقْصَى مَظَاهِرِ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ وَالْمَحَبَّةِ: "لَيْسَ لِأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ فِي سَبِيلِ أَحِبَّائِهِ" (يُوحَنَّا 15: 13).



وَالْمَسِيحُ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ ابْنُ اللهِ الَّذِي صَارَ بَشَرًا؛ وَبِكَوْنِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ ابْنَ اللهِ وَابْنَ الإِنْسَانِ، أَصْبَحَ الأَدَاةَ الْفَرِيدَةَ لِلْخَلَاصِ، وَذَبِيحَةَ الْكَفَّارَةِ وَالْفِدَاءِ. فَهُوَ حَمَلَ خَطَايَا النَّاسِ وَكَفَّرَ عَمَّا اقْتَرَفُوهُ أَمَامَ اللهِ، لِذظ°لِكَ هُوَ حَقًّا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَحْمِلُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ، وَالَّذِي يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ فِي عِيدِ الْفِصْحِ.



رَأَى يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ فِي يَسُوعَ حَمَلَ اللهِ خَلَاصَ هظ°ذَا الْعَالَمِ. فَقَدْ أَتَى يَسُوعُ لَا لِيَرْفَعَ خَطِيئَتَنَا فَقَطْ، بَلْ لِيَحْمِلَهَا أَيْضًا، وَلِيُعِيدَنَا إِلَى طَرِيقِ اللهِ. أَتَى حَمَلًا وَدِيعًا مُتَوَاضِعًا لِيَبْذُلَ نَفْسَهُ عَنَّا.



وَنَسْتَنْتِجُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ شَهَادَةَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ لِيَسُوعَ بِأَنَّهُ "حَمَلُ اللهِ" لَهَا طَابِعٌ نَبَوِيٌّ وَرُؤْيَوِيٌّ، تُلْقِي الضَّوْءَ عَلَى حَدَثِ الْفِدَاءِ كَمَا يَرِدُ فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا:"أَنَّكَ ذُبِحْتَ وَافْتَدَيْتَ لِلهِ بِدَمِكَ أُنَاسًا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ" (رُؤْيَا 5: 9). فَالْمَسِيحُ هُوَ حَمَلُ اللهِ الْوَدِيعُ، وَعَبْدُ اللهِ الْمُتَأَلِّمُ، وَالْمُنْتَصِرُ بِآلَامِهِ وَصَلْبِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ.



ب) يَسُوعُ حَمَلُ الْفِصْحِ



حَمَلُ الْفِصْحِ هُوَ حَمَلٌ تَامٌّ، ذَكَرٌ حَوْلِيٌّ، أَمَرَ اللهُ كُلَّ أُسْرَةٍ إِسْرَائِيلِيَّةٍ أَنْ تَذْبَحَهُ، وَتَأْكُلَهُ لَيْلًا، وَتَنْضَحَ بِدَمِهِ عَضَادَتَيْ بَابِهَا. وَبِفَضْلِ هظ°ذِهِ الْعَلَامَةِ، يَفْتَدِي الرَّبُّ أَبْكَارَ إِسْرَائِيلَ وَيُنَجِّيهِمْ مِنَ الْمَلَاكِ الْمُهْلِكِ (خروج 12: 5–13). فَكَانَ دَمُ حَمَلِ الْفِصْحِ عَلامَةَ الْفِدَاءِ وَالْعُبُورِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ.



وَبِهظ°ذَا الْفِدَاءِ، أَخْرَجَ اللهُ شَعْبَهُ مِنْ عُبُودِيَّةِ مِصْرَ، وَجَعَلَهُ "مَمْلَكَةً مِنَ الْكَهَنَةِ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً" (خروج 19: 6)، يَرْبُطُهُ بِهِ مِيثَاقُ عَهْدٍ، وَتَحْكُمُهُ شَرِيعَةُ مُوسَى. وَيُعَلِّقُ الرَّبِّيُّ إليعازر قَائِلًا: "بِسَبَبِ دَمِ عَهْدِ الْخِتَانِ، وَبِسَبَبِ دَمِ الْفِصْحِ، خُلِّصْتُمْ مِنْ مِصْرَ"، مُشِيرًا إِلَى الْقِيمَةِ الْفِدَائِيَّةِ لِدَمِ الْحَمَلِ فِي التَّقْلِيدِ الْيَهُودِيِّ. وَفِي عِيدِ الْفِصْحِ، أَعْظَمِ الأَعْيَادِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهَمِّهَا، كَانَ يُقَدَّمُ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ ذَبَائِحِ الْحُمْلَانِ فِي الْهَيْكَلِ، تَذْكَارًا لِحَمَلِ الْفِصْحِ الأَوَّلِ (خروج 12: 1–28)، وَرَمْزًا لِفِدَاءِ إِسْرَائِيلَ.



وَقَدْ رَأَى التَّقْلِيدُ الْمَسِيحِيُّ فِي الْمَسِيحِ حَمَلَ الْفِصْحِ الْحَقِيقِيَّ. وَيُعَلِّقُ أوريجانوس قَائِلًا:"صَارَ حَمَلُ اللهِ حَمَلًا صَغِيرًا بَرِيئًا يُقَادُ إِلَى الذَّبْحِ، لِيَنْزِعَ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ". وَيُفَسِّرُ القديس أوغسطينوس مَعْنَى الْحَمَلِ الْفِصْحِيِّ قَائِلًا: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ. إِنَّهُ لَيْسَ فَرْعًا مُمْتَدًّا مِنْ آدَمَ، بَلْ أَخَذَ مِنْهُ الْجَسَدَ دُونَ أَنْ يَأْخُذَ خَطِيئَتَهُ. لَمْ يَأْخُذِ الْخَطِيئَةَ مِنْ عَجِينِنَا، بَلْ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ خَطَايَانَا. فَقَدِ اعْتَادَتِ الْبَشَرِيَّةُ أَنْ تُقَدِّمَ الذَّبَائِحَ لِلَّهِ، أَمَّا هُنَا فَالَّذِي يُعِدُّ الذَّبِيحَةَ هُوَ اللهُ الآبُ نَفْسُهُ، إِذْ يُقَدِّمُ ابْنَهُ الْوَحِيدَ ذَبِيحَةً". وَهظ°ذَا مَا يُؤَكِّدُهُ تَعْلِيمُ الرَّسُولِ بُطْرُسَ: "قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّكُمْ لَمْ تُفْتَدَوْا بِالْفَانِي، مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي وَرِثْتُمُوهَا عَنْ آبَائِكُمْ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، دَمِ الْحَمَلِ الَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ وَلَا دَنَسَ، دَمِ الْمَسِيحِ" (1 بطرس 1: 18–19). وَيُعَقِّبُ أوريجانوس أَيْضًا قَائِلًا:"أَيَّةُ عَظَمَةٍ لِحَمَلِ اللهِ الَّذِي ذُبِحَ لِيَرْفَعَ الْخَطِيئَةَ، لَا عَنْ قَلِيلِينَ فَحَسْبُ، بَلْ عَنْ الْعَالَمِ كُلِّهِ"، لِأَنَّهُ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ يُوحَنَّا: "وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ، فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، وَهُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. إِنَّهُ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا، لَا لِخَطَايَانَا وَحْدَهَا، بَلْ لِخَطَايَا الْعَالَمِ أَجْمَعَ" (1 يوحنا 2: 1–2). إِذْ إِنَّهُ مُخَلِّصُ جَمِيعِ النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا الْمُؤْمِنِينَ (1طيموثاوس 4: 10).



كَانَ شَعْبُ إِسْرَائِيلَ يَنْتَظِرُ مَسِيحًا مَجِيدًا مُنْتَصِرًا عَلَى الأَعْدَاءِ، فَإِذَا بِالْمَسِيحِ يَأْتِي حَمَلَ اللهِ، فِي خَطِّ الْعَبْدِ الْمُتَأَلِّمِ، الَّذِي يُخَلِّصُ شَعْبَهُ لَا بِالسَّيْفِ، بَلْ بِآلَامِهِ وَمَوْتِهِ، كَمَا تَشْهَدُ لِذظ°لِكَ شَهَادَةُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ (يُوحَنَّا 1: 29–34).



إِنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الْحَمَلُ الصَّحِيحُ، أَيْ الَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ وَلَا دَنَسَ، الَّذِي افْتَدَى الْبَشَرَ بِثَمَنِ دَمِهِ. فَقَدِ افْتَدَاهُمْ مِنَ "الأَرْضِ" (رُؤْيَا 14: 3)، وَمِنْ "الْعَالَمِ الشِّرِّيرِ الْمُسْتَسْلِمِ لِلْفَسَادِ"، كَمَا يُحَذِّرُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ: "فَلَا تَتَّبِعُوا مَا سَلَفَ مِنْ شَهَوَاتِكُمْ فِي أَيَّامِ جَهَالَتِكُمْ" (1 بطرس 1: 14). وَيُمَكِّنُهُمْ، مِنَ الآنَ فَصَاعِدًا، مِنْ تَجَنُّبِ الْخَطِيئَةِ (1 بطرس 1: 15–16)، لِيُكَوِّنُوا "مَمْلَكَةَ أَحْبَارٍ" جَدِيدَةً و َ"أُمَّةً مُقَدَّسَةً" حَقًّا (1 بطرس 2: 9–10)، مُقَدِّمِينَ لِلَّهِ عِبَادَةً رُوحِيَّةً نَابِعَةً مِنْ حَيَاةٍ بِلَا عَيْبٍ (1 بطرس 2: 5).إِنَّ الْكُفْرَ بِمَحَبَّةِ اللهِ لَا يُكَفَّرُ إِلَّا بِالْمَحَبَّةِ، وَعِصْيَانَ اللهِ لَا يُكَفَّرُ إِلَّا بِالطَّاعَةِ؛ وَهظ°ذَا مَا أَتَمَّهُ الْمَسِيحُ الْحَمَلُ بِطَاعَتِهِ حَتَّى الْمَوْتِ.



وَيَرْجِعُ التَّقْلِيدُ الَّذِي يَرَى فِي الْمَسِيحِ حَمَلَ الْفِصْحِ الْحَقِيقِيَّ إِلَى بَدَايَاتِ الْمَسِيحِيَّةِ نَفْسِهَا. فَقَدْ حَثَّ بولس الرسول مُؤْمِنِي كَنِيسَةِ قُورِنْتُسَ أَنْ يَعِيشُوا كَفَطِيرٍ فِي الطَّهَارَةِ وَالْحَقِّ، لِأَنَّهُ: "فَقَدْ ذُبِحَ حَمَلُ فِصْحِنَا، وَهُوَ الْمَسِيحُ" (1 قورنتس 5: 7).

وَلَا يُقَدِّمُ الرَّسُولُ هُنَا تَعْلِيمًا جَدِيدًا، بَلْ يَسْتَنِدُ إِلَى تَقَالِيدَ لِيتُورْجِيَّةٍ فِصْحِيَّةٍ تَرْجِعُ إِلَى مَا قَبْلَ سَنَةِ 57 م. فَحَدَثُ مَوْتِ الْمَسِيحِ نَفْسُهُ هُوَ أَسَاسُ هظ°ذَا التَّقْلِيدِ: فَقَدْ أُسْلِمَ يَسُوعُ إِلَى الْمَوْتِ عَشِيَّةَ عِيدِ الْفِصْحِ (يُوحَنَّا 18: 28)، أَيْ يَوْمَ تَهْيِئَةِ الْفِصْحِ، وَذظ°لِكَ نَحْوَ الظُّهْرِ (يُوحَنَّا 19: 14)، فِي السَّاعَةِ ذَاتِهَا الَّتِي كَانَتْ تُذْبَحُ فِيهَا الْحُمْلَانُ فِي الْهَيْكَلِ. وَبَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يُكْسَرْ سَاقَاهُ، خِلَافًا لِسَائِرِ الْمَصْلُوبِينَ (يُوحَنَّا 19: 33). وَيَسْتَنْتِجُ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيُّ مِنْ ذظ°لِكَ أَنَّ هظ°ذِهِ الْوَاقِعَةَ هِيَ تَطْبِيقٌ دَقِيقٌ لِلشَّرِيعَةِ الطِّقْسِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِحَمَلِ الْفِصْحِ:"لِأَنَّهُ تَمَّ ذظ°لِكَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: لَا يُكْسَرْ مِنْهُ عَظْمٌ" (يُوحَنَّا 19: 36).



2) مَا مَعْنَى يَسُوعَ الْمَسِيحِ "ابْنَ اللهِ"؟



تَكْشِفُ الأَنْاجِيلُ الإِزَائِيَّةُ (مَتَّى، مَرْقُس، لُوقَا)، وَإِنْجِيلُ يُوحَنَّا، وَرَسَائِلُ القِدِّيسِ بُولُسَ الرَّسُولِ، عَنْ مَعْنَى لَقَبِ "ابْنِ اللهِ" فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَعْبِيرٍ تَشْرِيفِيٍّ، بَلْ إِعْلَانٌ عَنْ هُوِيَّةٍ مَسِيحَانِيَّةٍ وَعَلَاقَةٍ فَرِيدَةٍ بِالآبِ.



أ) "ابْنُ اللهِ" فِي أَنْجِيلِ مَتَّى وَمَرْقُسَ وَلُوقَا



لَمْ يَشْهَدْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ لِيَسُوعَ بِأَنَّهُ "حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ" فَحَسْبُ، بَلْ شَهِدَ أَيْضًا شَهَادَةً حَاسِمَةً قَائِلًا: "إِنَّهُ هُوَ ابْنُ اللهِ» (يُوحَنَّا 1: 34). وَهظ°ذَا اللَّقَبُ يَقْتَرِنُ فِي التَّقْلِيدِ الإِنْجِيلِيِّ بِـلَقَبِ "الْمَسِيحِ"، كَمَا يَظْهَرُ فِي اعْتِرَافِ بُطْرُسَ الرَّسُولِ: "أَنْتَ الْمَسِيحُ، ابْنُ اللهِ الْحَيِّ" (مَتَّى 16: 16).



وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ لَقَبَ "ابْنِ اللهِ" لَهُ بُعْدٌ مَسِيحَانِيٌّ وَاضِحٌ، يُعَبِّرُ عَنْ رِبَاطٍ ثَابِتٍ يُوَحِّدُهُ بِالآبِ. إِلَّا أَنَّ هظ°ذَا اللَّقَبَ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِلِالْتِبَاسِ بِمَعْنًى أَرْضِيٍّ سِيَاسِيٍّ، كَمَا ظَهَرَ فِي تَجَارِبِ يَسُوعَ الثَّلَاثِ، حَيْثُ جَاءَ التَّحَدِّي: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ…" (مَتَّى 4: 3–7). فَكَانَ الْمُجَرِّبُ يُرِيدُ أَنْ يَجُرَّهُ إِلَى إِظْهَارِ بُنُوَّتِهِ بِاسْتِعْرَاضِ قُوَّةٍ وَسُلْطَانٍ، لَا بِطَاعَةٍ وَتَوَاضُعٍ وَحِمْلِ الصَّلِيبِ. وَلِذظ°لِكَ تَدَارَكَ يَسُوعُ هظ°ذَا الِالْتِبَاسَ، وَأَكَّدَ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّ الْمَسِيحَانِيَّةَ الَّتِي يَحْمِلُهَا لَيْسَتْ مَسِيحَانِيَّةَ مَجْدٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ مَسِيحَانِيَّةُ الآلَامِ وَالْفِدَاءِ، فَقَالَ:"بَدَأَ يَسُوعُ مِنْ ذظ°لِكَ الْحِينِ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ، وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً مِنَ الشُّيُوخِ وَعُظَمَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَيَقُومَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ" (مَتَّى 16: 21).



وَبَرَزَ هظ°ذَا الِالْتِبَاسُ بِشَكْلٍ خَاصٍّ فِي الْمُحَاكَمَةِ، حِينَ طَرَحَ قَيَافَا، عَظِيمُ الْكَهَنَةِ، السُّؤَالَ الْحَاسِمَ: "أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ لِتَقُولَنَّ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟"(مَتَّى 26: 63). فَأَجَابَهُ يَسُوعُ بِطَرِيقَةٍ تَكْشِفُ الْحَقِيقَةَ الْعُلْيَا لِهُوِيَّتِهِ، مُشِيرًا إِلَى مَجِيئِهِ كَدَيَّانٍ أَعْلَى بِصِفَتِهِ ابْنَ الإِنْسَانِ: "هُوَ مَا تَقُولُ. وَأَنَا أَقُولُ لَكُمْ: سَتَرَوْنَ بَعْدَ الْيَوْمِ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقَدِيرِ، وَآتِيًا عَلَى غَمَامِ السَّمَاءِ" (مَتَّى 26: 64). وَهظ°كَذَا اتَّخَذَ لَقَبُ "الْمَسِيحِ" وَ"ابْنِ اللهِ" مَعْنًى إِلَهِيًّا خَالِصًا، وَيُبْرِزُ لُوقَا ذظ°لِكَ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ حِينَ سَأَلَهُ شُيُوخُ الشَّعْبِ مِنْ عُظَمَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ: "أَفَأَنْتَ ابْنُ اللهِ؟" فَقَالَ لَهُمْ: "أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي هُوَ"(لُوقَا 22: 70). وَلظ°كِنَّ مَوْتَ يَسُوعَ عَلَى الصَّلِيبِ بَدَّدَ كُلَّ التِبَاسٍ سِيَاسِيٍّ أَوْ أَرْضِيٍّ؛ فَإِذْ رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ كَيْفَ مَاتَ يَسُوعُ، اعْتَرَفَ قَائِلًا: "كَانَ هظ°ذَا الرَّجُلُ ابْنَ اللهِ حَقًّا!"(مَرْقُس 15: 39).



وَتُظْهِرُ الأَنْاجِيلُ الثَّلَاثَةُ طَبِيعَةَ عَلَاقَةِ يَسُوعَ بِاللهِ: فَهُوَ "الِابْنُ". تَسُودُ أُلْفَةٌ عَمِيقَةٌ بَيْنَ الآبِ وَالِابْنِ، تَتَطَلَّبُ مَعْرِفَةً مُتَبَادَلَةً كَامِلَةً وَشَرِكَةً شَامِلَةً، كَمَا صَرَّحَ يَسُوعُ: "قَدْ سَلَّمَنِي أَبِي كُلَّ شَيْءٍ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ الِابْنَ إِلَّا الآبُ، وَلَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الِابْنُ، وَمَنْ شَاءَ الِابْنُ أَنْ يَكْشِفَهُ لَهُ" (مَتَّى 11: 27). وَلِذظ°لِكَ يُخَاطِبُ يَسُوعُ اللهَ بِصِيغَةٍ فَرِيدَةٍ وَحَمِيمِيَّةٍ قَائِلًا: "أَبَّا، يَا أَبَتِ" (مَرْقُس 14: 36). وَهظ°كَذَا وَضَّحَ يَسُوعُ الْمَعْنَى الْكَمَالِيَّ لِلَقَبِ "ابْنِ اللهِ": إِنَّهُ الْمَسِيحُ الْمُنْتَظَرُ، الَّذِي يَخْلُصُ بِالطَّاعَةِ وَالْآلَامِ، وَيُعْلِنُ الآبَ لِمَنْ يَشَاءُ.



ب) ابْنُ اللهِ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا



يَحْتَلُّ مَوْضُوعُ البُنُوَّةِ الإِلَهِيَّةِ مَكَانًا مِحْوَرِيًّا وَمَرْمُوقًا فِي لَاهُوتِ يوحنا الإنجيلي، إِذْ يَتَجَلَّى فِيهِ شَخْصُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بَوَصْفِهِ الِابْنَ الْوَحِيدَ، فِي عَلاقَةٍ فَرِيدَةٍ وَجَوْهَرِيَّةٍ مَعَ الآبِ. فَيَسُوعُ يَتَحَدَّثُ بِعِبَارَاتٍ وَاضِحَةٍ عَنِ الْعَلاقَةِ بَيْنَ الآبِ وَالِابْنِ، عَلاقَةٍ تَقُومُ عَلَى وَحْدَةِ الْعَمَلِ وَالْمَجْدِ وَالْمَشِيئَةِ، قَائِلًا:"الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَسْتَطِيعُ الِابْنُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ، بَلْ لَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا يَرَى الآبَ يَفْعَلُهُ. فَمَا فَعَلَهُ الآبُ يَفْعَلُهُ الِابْنُ عَلَى مِثَالِهِ"(يُوحَنَّا 5: 19). وَهظ°ذِهِ الْوَحْدَةُ لَا تَنْبُعُ مِنْ تَبَعِيَّةٍ أَوْ خُضُوعٍ نَاقِصٍ، بَلْ مِنْ عَلاقَةِ مَحَبَّةٍ أَزَلِيَّةٍ، فَالآبُ يُسَلِّمُ لِلاِبْنِ كُلَّ مَا لَهُ، لأَنَّهُ يُحِبُّهُ: "إِنَّ الآبَ يُحِبُّ الِابْنَ، فَجَعَلَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ" (يُوحَنَّا 3: 35).



وَمِنْ هظ°ذِهِ الْمَحَبَّةِ تَنْبَثِقُ سُلْطَةُ الِابْنِ الإِلَهِيَّةُ: فَهُوَ يَمْلِكُ سُلْطَةَ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، كَمَا لِلآبِ، قَائِلًا: "فَكَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الْمَوْتَى وَيُحْيِيهِمْ، كَذظ°لِكَ الِابْنُ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ" (يُوحَنَّا 5: 21)، وَلَهُ أَيْضًا سُلْطَةُ الدَّيَانَةِ، لأَنَّ الآبَ: "لَا يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ أَوْلَى الْقَضَاءَ كُلَّهُ لِلاِبْنِ" (يُوحَنَّا 5: 22).



وَعِنْدَ اقْتِرَابِ سَاعَةِ الْفِدَاءِ، يَرْتَقِي هظ°ذَا الْكَشْفُ إِلَى ذُرْوَتِهِ فِي صَلَاةِ يَسُوعَ الْكَهَنُوتِيَّةِ، حَيْثُ يَتَبَادَلُ الآبُ وَالِابْنُ الْمَجْدَ فِي وَحْدَةٍ سِرِّيَّةٍ، فَيَقُولُ يَسُوعُ: "مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ" (يُوحَنَّا 17: 1). وَهظ°كَذَا تَتَجَلَّى عَقِيدَةُ التَّجَسُّدِ بِكُلِّ أَبْعَادِهَا: فَالآبُ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ، لَا لِيَدِينَهُ، بَلْ لِيُخَلِّصَهُ، كَمَا تُؤَكِّدُ الرِّسَالَةُ الْيُوحَنَّاوِيَّةُ: "مَا ظَهَرَتْ بِهِ مَحَبَّةُ اللهِ بَيْنَنَا هُوَ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِنَحْيَا بِهِ. وَمَا تَقُومُ عَلَيْهِ الْمَحَبَّةُ هُوَ أَنَّهُ لَسْنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ هُوَ أَحَبَّنَا، فَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا" (1 يُوحَنَّا 4: 9–10). وَهظ°ذَا الِابْنُ الْوَحِيدُ هُوَ الَّذِي يَكْشِفُ سِرَّ اللهِ لِلْبَشَرِ، فَهُوَ الْوَحْيُ النَّهَائِيُّ لِلآبِ، كَمَا يَقُولُ الإِنْجِيلُ: "إِنَّ اللهَ مَا رَآهُ أَحَدٌ قَطُّ؛ الِابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ" (يُوحَنَّا 1: 18).



وَلَا يَقْتَصِرُ دَوْرُ الِابْنِ عَلَى إِعْلَانِ الآبِ، بَلْ إِنَّهُ مَنْبَعُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، فَالْحَيَاةُ الَّتِي مِنَ اللهِ تُعْطَى فِي الِابْنِ:
"هظ°ذِهِ الشَّهَادَةُ هِيَ أَنَّ اللهَ وَهَبَ لَنَا الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ، وَأَنَّ هظ°ذِهِ الْحَيَاةَ هِيَ فِي ابْنِهِ. مَنْ كَانَ لَهُ الِابْنُ كَانَتْ لَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنُ اللهِ لَمْ تَكُنْ لَهُ الْحَيَاةُ"(1 يُوحَنَّا 5: 11–12). وَلِذظ°لِكَ، فَإِنَّ الْعَمَلَ الأَسَاسِيَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الإِنْسَانِ هُوَ الإِيمَانُ بِالِابْنِ، كَمَا يُعْلِنُ يَسُوعُ بِنَفْسِهِ:"عَمَلُ اللهِ هُوَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِمَنْ أَرْسَلَ" (يُوحَنَّا 6: 29). فَمَنْ يُؤْمِنْ بِالِابْنِ يَنَالُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ: "فَمَشِيئَةُ أَبِي هِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ رَأَى الِابْنَ وَآمَنَ بِهِ كَانَتْ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (يُوحَنَّا 6: 40). أَمَّا مَنْ يَرْفُضُ الإِيمَانَ بِهِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى تَحْتَ حُكْمِ الدَّيَانَةِ: "مَنْ آمَنَ بِهِ لَا يُدَانُ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَقَدْ دِينَ مُنْذُ الآنَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ" (يُوحَنَّا 3: 18).



وَهظ°كَذَا يُظْهِرُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا أَنَّ بُنُوَّةَ يَسُوعَ لِلآبِ لَيْسَتْ تَشْبِيهًا أَوْ لَقَبًا أَدَبِيًّا، بَلْ حَقِيقَةً لَاهُوتِيَّةً أَزَلِيَّةً: يَسُوعُ هُوَ الِابْنُ بِالطَّبِيعَةِ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِهِ يَدْخُلُ فِي شَرِكَةِ الْحَيَاةِ مَعَ اللهِ.



ج) ابْنُ اللهِ فِي رَسَائِلِ بُولُسَ الرَّسُولِ



يُصْبِحُ مَوْضُوعُ البُنُوَّةِ الإِلَهِيَّةِ عِنْدَ بولس الرسول نُقْطَةَ انْطِلَاقٍ لِفِكْرٍ لَاهُوتِيٍّ عَمِيقٍ وَمُتَكَامِلٍ، يَرْبِطُ بَيْنَ تَدْبِيرِ الخَلَاصِ وَهُوِيَّةِ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ. فَيُعْلِنُ الرَّسُولُ أَنَّ تَجَسُّدَ الِابْنِ هُوَ تَتْوِيجُ مِلْءِ الزَّمَانِ: "فَلَمَّا تَمَّ الزَّمَانُ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ، مَوْلُودًا لِامْرَأَةٍ" (غَلاطِيَة 4: 4)، وَذظ°لِكَ لِيُتِمَّ بِمَوْتِهِ الْمُصَالَحَةَ بَيْنَ اللهِ وَالْإِنْسَانِ: "فَإِنْ صَالَحَنَا اللهُ بِمَوْتِ ابْنِهِ وَنَحْنُ أَعْدَاؤُهُ، فَمَا أَحْرَانَا أَنْ نَنْجُوَ بِحَيَاتِهِ وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ"(رُومَة 5: 10).



وَلَكِنَّ هظ°ذَا الِابْنَ الَّذِي أُرْسِلَ فِي ضَعْفِ الْجَسَدِ، أَقَامَهُ اللهُ فِي قُوَّةِ الْقِيَامَةِ، كَمَا يُؤَكِّدُ بُولُسُ: "تَعَيَّنَ ابْنُ اللهِ فِي قُوَّةٍ، بِحَسَبِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِقِيَامَتِهِ مِنَ الأَمْوَاتِ" (رُومَة 1: 4). وَبِفَضْلِ هظ°ذِهِ الْقِيَامَةِ، يَدْعُونَا اللهُ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَ ابْنِهِ، لَا كَمُجَرَّدِ مُتَلَقِّينَ لِلْخَلَاصِ، بَلْ كَمُشَارِكِينَ فِي حَيَاتِهِ: "هُوَ اللهُ أَمِينٌ، دَعَاكُمْ إِلَى مُشَارَكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا" (1قُورِنْتُس 1: 9). وَيُعَبِّرُ بُولُسُ عَنْ هظ°ذَا الاِنْتِقَالِ الْخَلَاصِيِّ بِعِبَارَةٍ مَلَكُوتِيَّةٍ عَمِيقَةٍ: "فَهُوَ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلُمَاتِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ" (قُولُسِّي 1: 13).



وَعَلَى هظ°ذَا الأَسَاسِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ الْمَسِيحِيَّةَ عِنْدَ بُولُسَ هِيَ حَيَاةٌ "فِي الإِيمَانِ بِابْنِ اللهِ"، أَيْ فِي شَرِكَةٍ شَخْصِيَّةٍ مَعَ الِابْنِ الْمَصْلُوبِ وَالْقَائِمِ: "أَحْيَا فِي الإِيمَانِ بِابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَجَادَ بِنَفْسِهِ مِنْ أَجْلِي" (غَلاطِيَة 2: 20). وَهظ°ذِهِ الْحَيَاةُ تَبْقَى مَشْدُودَةً إِلَى الْرَّجَاءِ الأُخْرَوِيِّ، أَيْ انْتِظَارِ مَجِيءِ الِابْنِ فِي الْمَجْدِ: "إِنَّ عَرْشَكَ، يَا اللهُ، إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ، وَصَوْلَجَانَ الاِسْتِقَامَةِ صَوْلَجَانُ مُلْكِكَ" (العِبْرَانِيِّينَ 1: 8).



وَتُطَبِّقُ الرِّسَالَةُ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ—وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بُولُسِيَّةَ النِّسْبَةِ بِالإِجْمَاعِ—نَفْسَ لَاهُوتِ الِابْنِ عَلَى شَخْصِ الْمَسِيحِ فِي سِيَاقِ الطَّاعَةِ الْفِدَائِيَّةِ، مُسْتَشْهِدَةً بِالْمَزْمُورِ، فَتَضَعُ عَلَى شِفَتَيْ الْمَسِيحِ عِنْدَ دُخُولِهِ الْعَالَمَ:
"لَمْ تَشَأْ ذَبِيحَةً وَلَا قُرْبَانًا، وَلَكِنَّكَ أَعْدَدْتَ لِي جَسَدًا. لَمْ تَرْتَضِ الْمُحْرَقَاتِ وَلَا الذَّبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا. فَقُلْتُ حِينَئِذٍ: هَا أَنَا آتٍ، يَا اللهُ، لأَعْمَلَ بِمَشِيئَتِكَ" (العِبْرَانِيِّينَ 10: 5–7).



وَيَسْتَعْمِلُ كَاتِبُ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ لَقَبَ "ابْنِ اللهِ" بِوَجْهٍ خَاصٍّ لِيُبْرِزَ عَمَلَ الْفِدَاءِ الْعَظِيمَ الَّذِي أَتَمَّهُ الْمَسِيحُ، فَهُوَ:



النَّبِيُّ الأَعْظَمُ، لِأَنَّ اللهَ "كَلَّمَنَا فِي آخِرِ هظ°ذِهِ الأَيَّامِ بِابْنٍ، جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَبِهِ أَنْشَأَ الْعَالَمِينَ" (العِبْرَانِيِّينَ 1: 2).



الْكَاهِنُ الأَعْظَمُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَحِلِ الْمَجْدَ، "بَلْ تَلَقَّاهُ مِنَ الَّذِي قَالَ لَهُ: أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ" (العِبْرَانِيِّينَ 5: 5).



الْمَلِكُ الأَعْظَمُ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ:"إِنَّ عَرْشَكَ، يَا اللهُ، إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ، وَصَوْلَجَانَ الاِسْتِقَامَةِ صَوْلَجَانُ مُلْكِكَ" (العِبْرَانِيِّينَ 1: 8).



وَهظ°كَذَا يَتَجَلَّى فِي لَاهُوتِ بُولُسَ وَفِي رِسَالَةِ الْعِبْرَانِيِّينَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ بِالطَّبِيعَةِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى بُنُوَّةٍ مُشَارِكَةٍ بِالنِّعْمَةِ، فِي شَرِكَةٍ حَيَّةٍ مَعَ الِابْنِ الْمُمَجَّدِ.





الخُلاصَة



لَمْ يَرِدْ في إِنْجِيلِ يُوحَنَّا رِوَايَةُ عِمَادِ يَسُوعَ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، كَمَا فَعَلَتِ الأَنَاجِيلُ الإِزَائِيَّةُ (مَتَّى، مَرْقُس، وَلُوقَا)، بَلْ يَكْتَفِي الإِنْجِيلُ الرَّابِعُ بِتَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى مَا حَدَثَ لِيُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ نَفْسِهِ، وَعَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا عَلَى لِسَانِهِ فِي هظ°ذِهِ الْمُنَاسَبَةِ الْخَلَاصِيَّةِ.



فَبَعْدَمَا قَبِلَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ أَنْ يُعَمِّدَ يَسُوعَ (لُوقَا 3: 21)، انْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ الرُّوحِيَّتَانِ عَلَى سِرِّ شَخْصِهِ وَرِسَالَتِهِ، فَرَأَى فِيهِ حَمَلَ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ (يُوحَنَّا 1: 29)، وَأَدْلَى بِشَهَادَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ حَاسِمَةٍ قَائِلًا: "إِنَّهُ ابْنُ اللهِ" (يُوحَنَّا 1: 34). وَهظ°كَذَا كَشَفَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، فِي نُقْطَةِ تَلَاقٍ فَرِيدَةٍ بَيْنَ الْعَهْدَيْنِ، أَنَّ يَسُوعَ هُوَ فِي آنٍ وَاحِدٍ عَبْدُ الرَّبِّ الْمُتَأَلِّمُ الَّذِي "يُسَاقُ صَامِتًا إِلَى الذَّبْحِ"(أَشَعْيَاءَ 53: 7)، وَالَّذِي "حَمَلَ خَطِيئَةَ الْكَثِيرِينَ" (أَشَعْيَاءَ 53: 12)، وَهُوَ أَيْضًا الْحَمَلُ الْفِصْحِيُّ الَّذِي يَتَجَسَّدُ فِيهِ رَمْزُ الِافْتِدَاءِ، كَمَا أُعْلِنَ فِي فِصْحِ الْخُرُوجِ الأَوَّلِ (خُرُوج 12: 3–12).



وَبِهظ°ذِهِ الشَّهَادَةِ، يَنْقُلُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا ثِقَلَ الْحَدَثِ مِنَ الطَّقْسِ إِلَى الْهُوِيَّةِ، وَمِنَ الْمَاءِ إِلَى الْكَشْفِ، فَيُقَدِّمُ الْمَعْمُودِيَّةَ لَا كَوَاقِعَةٍ سَرْدِيَّةٍ، بَلْ كَإِعْلَانٍ خَلَاصِيٍّ عَنْ شَخْصِ الْمَسِيحِ: الابْنِ، الْحَمَلِ، وَالْمُفْتَدِي. إِنَّ حَيَاةَ الْمَسِيحِ كُلَّهَا تُعَبِّرُ عَنْ رِسَالَتِهِ الْخَلَاصِيَّةِ: رِسَالَةِ الْخِدْمَةِ وَالْبَذْلِ وَالْفِدَاءِ، كَمَا أَعْلَنَ هُوَ نَفْسُهُ: "لِأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدُمَ، وَيَبْذُلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ جَمَاعَةِ النَّاسِ" (مَرْقُس 10: 45).



أَمَّا الإِيمَانُ بِاللهِ، فَهُوَ، فِي جَوْهَرِهِ، إِيمَانٌ بِمَنْ أَرْسَلَهُ الآبُ، أَيْ بِـ ابْنِهِ الْحَبِيبِ (مَرْقُس 1: 11). وَقَدْ دَعَا يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ إِلَى هظ°ذِهِ الْوَحْدَةِ فِي الإِيمَانِ قَائِلًا:"إِنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ، فَآمِنُوا بِي أَيْضًا" (يُوحَنَّا 14: 1).



وَفِي سِيَاقِ تَعْمِيقِ هظ°ذَا الإِيمَانِ، اعْتَرَفَتِ الْكَنِيسَةُ فِي مجمع نيقية المسكوني الأول (سَنَةَ 325) أَنَّ الابْنَ هُوَ "وَاحِدٌ فِي الْجَوْهَرِ مَعَ الآبِ"، أَيْ أَنَّهُ وَالآبُ إِلَهٌ وَاحِدٌ. وَأَكَّدَ مجمع القسطنطينية المسكوني الأول (سَنَةَ 381) هظ°ذَا الإِيمَانَ فِي صِيَاغَةِ قَانُونِ نِيقِيَا، قَائِلًا: "نُؤْمِنُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ، الْمَوْلُودِ مِنَ الآبِ قَبْلَ جَمِيعِ الدُّهُورِ، نُورٍ مِنْ نُورٍ، إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مَوْلُودٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ لِلآبِ فِي الْجَوْهَرِ". وَهُنَا يَكْمُنُ السِّرُّ الْعَمِيقُ فِي شَخْصِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ: إِنَّهُ حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَفْتَدِي، وَابْنُ اللهِ الَّذِي يُعْلِنُ الآبَ، وَيَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَحْيَا خَلَاصَنَا فِي عَلاقَةٍ بُنَوِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ اللهِ أَبِينَا. وَقَدْ وَجَدَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ فِي مَجِيءِ يَسُوعَ مَعْنَى حَيَاتِهِ وَاكْتِمَالَ رِسَالَتِهِ: أَنْ يَشْهَدَ لِلنُّورِ، وَيُشِيرَ إِلَى الْحَمَلِ، وَيُعْلِنَ الِابْنَ.



وَيَبْقَى السُّؤَالُ مَفْتُوحًا لَنَا نَحْنُ أَيْضًا: هَلْ نَقِفُ، مَعَ يُوحَنَّا، عَلَى ضِفَافِ نَهْرِ الأُرْدُنِّ، لِنَتَعَرَّفَ إِلَى عَلامَاتِ مَرُورِ الرَّبِّ فِي حَيَاتِنَا، كَحَمَلِ اللهِ وَابْنِ اللهِ، لِنَجِدَ فِيهِ مَعْنَى حَيَاتِنَا وَمِلْءَ خَلَاصِنَا؟


دُعَاء
يَا حَمَلَ اللهِ، يَا حَامِلَ خَطِيئَةِ الْعَالَمِ، ارْحَمْنَا.
يَا حَمَلَ الْفِصْحِ، وَيَا ابْنَ الآبِ السَّمَاوِيِّ، كَمَا شَهِدَ لَكَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ،
ارْفَعْ، يَا رَبّ، عَنَّا خَطَايَانَا، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ مَحَبَّتِكَ.
أَعْطِنَا إِيمَانًا حَيًّا،
لِنَعْتَرِفَ بِكَ إِلَهًا وَرَبًّا وَمُخَلِّصًا،
وَنَعْرِفَكَ فِي شَهَادَةِ كَلِمَتِكَ الْحَيَّةِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ،
وَفِي الْجَمَاعَةِ الْمُجْتَمِعَةِ بِاسْمِكَ،
وَفِي الْقُرْبَانِ الأَقْدَسِ،
وَفِي خِدْمَةِ الْكَهَنَةِ الَّذِينَ تَجْعَلُهُمْ عَلامَةَ حُضُورِكَ بَيْنَنَا.
اِجْعَلْنَا نَتْبَعُكَ بِإِيمَانٍ وَفَرَحٍ، وَأَنْ نَكُونَ شُهُودًا لَكَ وَلِإِنْجِيلِكَ الطَّاهِرِ،
بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ، وَفِي خِدْمَتِنَا لِلْإِنْسَانِ وَالْكَنِيسَةِ.
لَكَ الْمَجْدُ مَعَ الآبِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ،
الآنَ وَفِي كُلِّ أَوَانٍ، وَإِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ.
 
قديم اليوم, 12:53 PM   رقم المشاركة : ( 228090 )
Mary Naeem Female
† Admin Woman †

الصورة الرمزية Mary Naeem

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 9
تـاريخ التسجيـل : May 2012
العــــــــمـــــــــر :
الـــــدولـــــــــــة : Egypt
المشاركـــــــات : 1,406,382

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

Mary Naeem غير متواجد حالياً

افتراضي رد: وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة

وجبـــــــة روحيـــــ(†)ــــــــــة يوميـــــــــة



يُقَدَّمُ يَسُوعُ بِوَصْفِهِ الشَّخْصَ الْمَمْسُوحَ مِنَ الآبِ



29 وفي الغَد رأَى يسوعَ آتِياً نَحوَه فقال: ((هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم. 30هذا الَّذي قُلتُ فيه: يأتي بَعْدي رَجُلٌ قد تَقَدَّمَني لأَنَّه كانَ مِن قَبْلي. 31وأَنا لم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنِّي ما جِئْتُ أُعَمِّدُ في الماء إِلاَّ لِكَي يَظهَرَ أَمْرُه لإِسْرائيل)). 32وشَهِدَ يوحَنَّا قال: ((رَأَيتُ الرُّوحَ يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ كأَنَّه حَمامَة فيَستَقِرُّ علَيه. 33وأَنا لَم أَكُنْ أَعرِفُه، ولكِنَّ الَّذي أَرسَلَني أُعَمِّدُ في الماءِ هو قالَ لي: إِنَّ الَّذي تَرى الرُّوحَ يَنزِلُ فيَستَقِرُّ علَيهِ، هو ذاكَ الَّذي يُعَمِّدُ في الرُّوحِ القُدُس. 34وَأَنا رأَيتُ وشَهِدتُ أَنَّه هو ابنُ الله)).

يُقَدِّمُ النَّصُّ الإِنْجِيلِيُّ (يُوحَنَّا 1: 29–34) شَهَادَةً لاهُوتِيَّةً تَأْسِيسِيَّةً عَنْ شَخْصِيَّةِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ وَدَوْرِهِ فِي تَدْبِيرِ الْخَلَاصِ، بِوَصْفِهِ "نَبِيَّ الْعَلِيِّ" (لُوقَا 1: 76)، وَالْمُرْسَلَ الإِلَهِيَّ لِتَهْيِئَةِ طَرِيقِ الْمَسِيحِ وَالإِعْلَانِ عَنْ ظُهُورِهِ فِي مِلْءِ الأَزْمِنَةِ. فَظُهُورُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ لَا يُفْهَمُ كَحَدَثٍ مُنْعَزِلٍ، بَلْ كَجُزْءٍ مِنَ الْمُخَطَّطِ الإِلَهِيِّ الَّذِي يَبْدَأُ مُنْذُ بُشْرَى وِلَادَتِهِ الْعَجَائِبِيَّةِ (لُوقَا 1: 5–25)، حَيْثُ يَتَجَلَّى كَحَلَقَةٍ وَاصِلَةٍ بَيْنَ الْعَهْدَيْنِ، وَصَوْتٍ نَبَوِيٍّ يَخْتِمُ زَمَنَ الاِنْتِظَارِ وَيَفْتَحُ زَمَنَ التَّحْقِيقِ.



وَيُؤَكِّدُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا عَلَى الطَّابِعِ الشَّهَادِيِّ لِرِسَالَةِ الْمَعْمَدَانِ، إِذْ يُقَدِّمُهُ بِوَصْفِهِ "الشَّاهِدَ لِلنُّورِ" لَا النُّورَ نَفْسَهُ (يُوحَنَّا 1: 7)، أَيْ ذَاكَ الَّذِي يُحِيلُ إِلَى آخَرَ غَيْرِهِ، وَيُؤَسِّسُ لَاهُوتَ الشَّهَادَةِ الَّذِي يَحْتَلُّ مَكَانَةً مَحُورِيَّةً فِي الْبِنْيَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ لِلْإِنْجِيلِ الرَّابِعِ. فَشَهَادَةُ يُوحَنَّا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِعْلَانٍ لَفْظِيٍّ، بَلْ اِعْتِرَافٌ إِيمَانِيٌّ نَابِعٌ مِنِ اخْتِبَارٍ رُوحِيٍّ وَرُؤْيَوِيٍّ لِعَمَلِ اللهِ فِي التَّارِيخِ.



وَتَبْلُغُ شَهَادَةُ الْمَعْمَدَانِ ذُرْوَتَهَا فِي إِعْلَانِهِ الْهُوِيَّةَ الْمَسِيحَانِيَّةَ لِيَسُوعَ، إِذْ يَشْهَدُ أَنَّهُ "ابْنُ اللهِ" وَ"حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ" (يُوحَنَّا 1: 29، 34). فِي هَذَا الإِعْلَانِ يَلْتَقِي الْبُعْدُ الْكِرِيسْتُولُوجِيُّ بِالْبُعْدِ الْخَلَاصِيِّ، حَيْثُ يُقَدَّمُ يَسُوعُ فِي آنٍ مَعًا بِوَصْفِهِ الشَّخْصَ الْمَمْسُوحَ مِنَ الآبِ، وَالذَّبِيحَةَ الْخَلَاصِيَّةَ الَّتِي تَرْفَعُ خَطِيئَةَ الْعَالَمِ، فِي أُفُقٍ يَتَجَاوَزُ الإِطَارَ الْقَوْمِيَّ لِيَشْمَلَ الْبَشَرِيَّةَ جَمْعَاءَ.



وَانْطِلَاقًا مِنْ هَذِهِ الْمُعْطَيَاتِ، يَهْدِفُ هَذَا الْبَحْثُ إِلَى دِرَاسَةِ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِ أَبْعَادِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالْكِرِيسْتُولُوجِيَّةِ، مَعَ التَّوَقُّفِ عِنْدَ دَلَالَاتِ الشَّهَادَةِ، وَالرُّمُوزِ الْمُسْتَخْدَمَةِ، وَتَدَاعِيَاتِهَا الإِيمَانِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ، بِمَا يُبْرِزُ مَكَانَةَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ كَشَاهِدٍ أَمِينٍ لِلْمَسِيحِ، وَدَوْرَ شَهَادَتِهِ فِي تَوْجِيهِ الْكَنِيسَةِ إِلَى جَوْهَرِ رِسَالَتِهَا: إِعْلَانِ الْمَسِيحِ الْمَصْلُوبِ وَالْقَائِمِ، حَمَلِ اللهِ وَخَلَاصِ الْعَالَمِ.
 
موضوع مغلق


الانتقال السريع


الساعة الآن 07:01 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026